منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 02-18-2017, 07:30 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني (661هـ/1263م حران-728هـ/1328م دمشق) المشهور بابن تيمية، فقيه وعالم مسلم مجتهد شديد التأثر بأصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وتميزت أعماله باعتماد نص الكتاب والحديث وترجيحه على العقل والقياس، وربط قيام الدين بالإمارة وعدّها من أعظم واجبات الدين.[2] ساهم ببلورة عقيدة الجهاد وأعلى من شانها لمنزلة الأركان،[3] فتركت آثاره صدى واسع في القرن العشرين لدى من انتسبوا إلى "الإسلام السياسي" أو الحركي، [4] وميز بين ما أسماه "الجهاد المكي" الذي يتم "بالعلم والبيان" والجهاد المدني"، الذي يتم "باليد والحديد"؛[3] وقسم الجهاد إلى قسمين هما جهاد الابتداء أو الاختيار و عدّه فرض كفاية وجهاد الدفع أو الاضطرار وعدّه فرض عين، ورأى وجوب قتال كل من بلغته الدعوة ولم يستجب لها؛ فشارك في قتال التتار الذين ظهرو في فترته بالمشرق، كما قاتل الطوائف الشيعية والإسماعيلية وأفتى بوجوب قتال كل طائفة "ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام" وهاجم الطريقة الصوفية الرفاعية وآخرون إعتبرهم من "أنصار البدع" وعارض بشدة علم الكلام كما تطور في ذلك الحين في سوريا ومصر، ووقف ضد أنصار "وحدة الوجود" لإبن عربي وشكل جماعات تدعو إلى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". توفي في سجنه بقلعة دمشق.



نشأته

ولد في مدينة حران في الجزيرة الفراتية في 10 ربيع الأول سنة 661 هـ لأسرة اشتغل أبناءها بالعلم وتتبع المذهب الحنبلي، وعند بلوغه السابعة من عمره في سنة 667 هـ انتقل مع عائلته من مسقط رأسه حران إلى مدينة دمشق وذلك بعد إغارة التتر عليها. فترعرع في دمشق حيث درس علوم اللغة والدين والحساب. وبدأ اهتمامه بالدراسة والعلم منذ صغره فأخذ عن أكثر من مائتي شيخ، وكان أول سماع له من ابن عبد الدائم المقدسي وهو في السابعة من عمره، كما حفظ القرآن الكريم في صغره، وأتقن عدداً من العلوم منها التفسير والحديث والفقه والعربية وغيرها من العلوم، ويذكر بعض المؤرخون أيضاً أنه أجاد ثلاثة لغات غير اللغة العربية وهي العبرية والتركية واللاتينية. وشرع في الإفتاء وهو في سن السابعة عشرة من عمره أي سنة 677 هـ وقد بدأ بالتأليف في هذا السن أيضاً، وبدأ في التدريس وهو في الحادية والعشرين من عمره في سنة 681 هـ بعد موت أبيه في المدرسة السكرية، وتولى مشيختها في يوم الاثنين 2 محرم 683 هـ، وبدأ بدرس التفسير بالجامع الأموي في 10 صفر 691 هـ وكان يبلغ من العمر ثلاثين سنة، واستمر فيه سنين طويلة. ودرس بالمدرسة الحنبلية في 17 شعبان 659 هـ.


خلفية

الحالة السياسية

إن العصر الذي ولد فيه ابن تيمية عصر يتسم بحوادث خطيرة، وقلاقل كثيرة، وهو عصر ذو أهمية كبيرة من النواحي السياسية والاجتماعية الخُلقية والعلمية والدينية، واتسمت الحالة السياسية في عصر ابن تيمية بالاضطراب والتفكك، فقد انقسمت البلدان الإسلامية إلى عدة دويلات وممالك صغيرة، وكان من أشهر حوادث ذلك العصر خروج الفنرج من المغرب إلى الشام كما ذكر ابن الأثير، وكان خطر الفرنجة قد انتهى على يد الملك الأشرف خليل بن المنصور الذي انهى الوجود الصليبي من آخر الحصون حين فتح عكا وبقية الثغور التي كانت بأيديهم في سنة 690 هـ. وكان الخطر الثاني، هو أن التتر الخارجين من المشرق اجتاحوا البلدان الإسلامية، واسقطوا الخلافة الإسلامية وتم قتل الخليفة العباسي من قبلهم. وولد ابن تيمية بعد سقوط بغداد بخمس سنوات وبعد دخول التتر إلى مدينتي حلب ودمشق بثلاثة سنوات. وعندما كان عمره سبع سنوات شن التتر حملة على مسقط رأسه مدينة حَرَّان.[5] فخرجت أسرته منها فراراً من التتر الذين كانوا إذا دخلوا دمروها وأبادوا معظم سكانها، وتوجهت العائلة إلى مدينة دمشق.[6] وكان المماليك يحكمون مصر والشام من قبل مولد ابن تيمية بثلاث عشرة سنة، وقد كان المماليك أتراكاً أسكنهم الملك الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوك الأيوبيين اعترافاً منه بشجاعتهم ووفائهم، وكان من بين الحكام رجل اسمه عز الدين أيبك التركماني الذي اغتال توران شاه خليفة الملك الصالح ينة 647 هـ واستولى على الحكم، وتلقب بلقب الملك المعز، واغتيل في سنة 655 هـ فخلفه ابنه نور الدين علي. وفي سنة 657 هـ استولى سيف الدين قطز على الحكم وهو الذي انتصر على التتر في واقعة عين جالوت، ولم تمض سنة واحدة على تربعة على عرش الحكم حتى قتله ركن الدين بيبرس واستولى على الحكم، واستمر فيه مدة ثمانية عشر عاماً. ولد ابن تيمية في أيام الملك الظاهر بيبرس، الذي كان يحكم آنذاك مصر والشام، وعند وفاة بيبرس كان ابن تيمية يبلغ من العمر 15 عاماً.[7] ومنذ نهاية حكومة الملك الظاهر الذي توفي في سنة 676 هـ إلى 709 هـ تربع على عرش مصر تسعة حكام من المماليك في خلال 33 عاماً فقط. وفي خلال هذه الفترة تمتعت دولة المماليك بحاكم قوي اسمه سيف الدين قلاوون عمل على تنظيم أمور الدولة، وقام بشن غارة على التتر في 678 هـ وهزمهم فيها، وقام أيضاً بفتح طرابلس الشام التي كانت بيد الصليبيين منذ 185 سنة. حكم بين سنة 678 هـ - 689 هـ مدة اثني عشر عاماً. وبعد وفاته اضطرب أمر الحكم حتى تقلد زمامه ابنه الملك الناصر محمد بن قلاوون للمرة الثالثة استمر في في فترة حكمه هذه مدة 32 سنة. وقد كان الملك الناصر هو المعاصر الأصيل لابن تيمية، ويشتهر هذا الملك بسمعته الجيدة وقد نالت الدولة في عصره ازدهار ووحدة وقوة.[8]

الحالة الاجتماعية

وكان الوضع الاجتماعي للبلاد انعكاساً للوضع السياسي، فقد إتصف بالاضطراب وعدم الاستقرار وامتلأت الحياة الاجتماعية للمسلمين في ذلك العصر بالفساد، وأدت غارات التتر والصليبيين إلى فقدان الأمن، واضطراب النظام وانتشار الفزع والخوف بين السكان المسلمين، وأدى هذا إلى نقص الأموال والزراعة نتيجة لعدم اهتمام الناس بها والعمل، مما أدى إلى كساد الحالة الاقتصادية، وانتشار الفقر والغلاء، واحتكار السلع لبيعها بأثمان باهظة. وأدى اختلاط أهل البلاد بعضهم بالبعض الآخر إلى تفكك في الروابط الاجتماعية والأسرية، وانتشار عادات وتقاليد وأفكار جديدة.[9] وبالنسبة لوضع الحكام فقد كانت البلاد نحكم من قبل أتراك، ويذكر المؤرخون أنهم كانوا يعيشن بشعر الأفضلية وتمتاز عن المجتمع العام في الدولة في كل شيء، وتتكلم بلغتها الأم التركية، عدا مناسبات العبادة أو الخطاب مع العلماء أو الحديث مع الجماهير، وكان بعض الملوك لا يتقنون العربية إلا بالقدر القليل الذي يؤدون به الواجب، وكانوا مع ذلك يقدرون العلماء والمشايخ ويحبونهم، ويقبلون على تأسيس المدارس وبناء المساجد، ولم يكونوا يتحيزن في تقسيم المناصب فئة دون فئة، إلا أن المناصب الإدارية والعسكرية كانت تتحول إلى الرؤساء الأتراك، وكان الأتراك والتتر هم أصحاب الحكم والإقطاعات الذين يستغلون المزارعين والعمال. وفي سنة 697 هـ حينما حاول حسام الدين لاجين في أيام حكمه توزيع الأراضي بطريقة تنفع المزارعين، وإصلاح أحوالهم، لم يرض به الحكام وثاروا عليه.[10]

الحالة العلمية

شهد العصر الذي عاشه ابن تيمية نهضة علمية كبيرة بالرغم من الأحداث الحاصلة من انعدام للأمن واضطراب الأحوال. وخرج من ذلك العصر علماء وأئمة كبار.[11] ونهض في أوساط هذا القرن أئمة كبار كتقي الدين أبي عمرو ابن الصلاح (577 هـ - 643 هـ) ومحيي الدين النووي (631 هـ - 676 هـ). وظهر في أواخر هذا القرن علماء كبار تقي الدين ابن دقيق العيد (625 هـ - 702 هـ)، والأصولي المتكلم علاء الدين الباجي (631 هـ - 714 هـ). وكان من معاصريه كبار المحدثين والمؤرخين مثل جمال الدين أبي الحجاج المزي (654 هـ - 742 هـ) وعلم الدين البرزالي (665 هـ - 793 هـ) وشمس الدين الذهبي (673 هـ - 747 هـ) ويعد هؤلاء الأربعة أركان الحديث والرواية في عصرهم. ونبغ أيضاً علماء ذوو كفاءات علمية عالية وكانوا مراجعاً للناس، مثل كمال الدين ابن الزملكاني (667 هـ - 727 هـ) وجلال الدين القزويني (666 هـ - 739 هـ) والقاضي تقي الدين السبكي (683 هـ - 756 هـ) وأبي حيان النحوي (654 هـ - 745 هـ). وكان انتشار العلم في تقدم مطرد، فكانت مصر والشام تحتويان على مدارس كبيرة ودور للحديث، التي أسسها الأيوبيون والمماليك. وكانت هذه المدارس ملتقى للطلاب من أنحاء العالم. وكانت المكتبات منتشرة في كل مكان، وكانت المكتبة التابعة لمدرسة الكاملية التي أسسها الكامل محمد الأيوبي في سنة 621 هـ تحتوي وحدها على مئة ألف كتاب.وفي هذا القرن ألفت كتب أصبحت مرجعاً للعلماء المتأخرين مثل مقدمة تقي الدين ابن الصلاح، وكتاب القواعد الكبرى المُسمى بقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز الدين بن عبد السلام، وشرح مسلم للنووي، وكتاب الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، وإحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، وكتاب تهذيب الكمال لأبي الحجاج المزي، وميزان الاعتدال وتاريخ الإسلام للذهبي.[12] ويقول أبو الحسن الندوي في وصف حال العلم والتأليف في هذا القرن: «كان يتسم العلم والتأليف في هذا القرن بالسَّعة وقلة التعمق، ويغلب طابع النقل والاقتباس على التفكير والدراسة والتعمق في العلم، باستثناء عدد من الشخصيات والمآثر العلمية. وتكونت للمذاهب الفقهية قوالب من حديد لا تتقبل المرونة والتسامح، وإن كان القول السائد أن الحق دائرٌ بين المذاهب الأربعة، ولكن أتباع كل مذهب يحصرون الحق في مذهبهم في الواقع، ولا يزيدون إذا توسعوا كثيراً على أن يقولوا: «رأي إمامنا صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب». لقد كان أتباع كل مذهب يرجحون مذهبهم الفقهي على سائر المذاهب الفقهية، ويعتبرونه مقبولاً ومؤيداً من الله، كانوا يبذلون كل ذكائهم وقوة بيانهم وتأليفهم في ترجيحه وتفضيله على غيره. أما النظرة التي كان أتباع المذاهب ينظرون بها إلى مذاهبهم، والعقلية التي تسودُ أهلها، فيمكن تقدير ذلك بأن الملك الظاهر بيبرس لما نصب لكل مذهب قاضي للقضاة خاصاً به، خلافاً للعادة المتبعة في زمنه، وهي ألا يكون قاضي القضاة إلى شافعياً، استنكر ذلك فُقهاء الشافعية، إذ كانوا لا يرضون إلا أن يروا مصر خاضعة للقاضي الشافعي، ظناً منهم أن مصر أحقُّ بالمذهب الشافعي لأنها مدفن الإمام الشافعي، ولما انتهى حكم الملك الظاهر، وانتقلت المملكة من أسرته إلى غيرها، رأى ذلك بعض الشافعية نقمة إلهية، وعقاباً لفعلته التي فعلها.»[13]


بداياته

نسبه

هو:«تقي الدين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر [بن إبراهيم[14]] بن علي بن عبد الله الحراني.» ابن تيمية النميري الحراني، ثم الدمشقي الحنبلي.[15][16][17]

ونسبته "النميري"، نسبة إلى قبيلة "بني نمير" فهو عربي الأصل، وأثبت هذا النسب القاضي نور الدين محمود العدوي الصالحي المعروف "بالزوكاوي" المتوفي في سنة 1032 هـ في كتابه الزيارات، وابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى في سنة 842 هـ في كتابه التبيان لبديعة البيان. وقال محمد أبو زهرة في كتابه "ابن تيمية" بأنه كردي فقال: «بأن شيخ الإسلام لم يكن عربي، وأنه كان كردياً، بدليل أو المؤرخين لم يذكروا قبيلته.» وقد رد على قوله هذا إبراهيم محمد العلي في كتابه "شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة" بالنفي واستدل بالكتابين السابقين لتأكيد أصله العربي.[18]

وسبب تسميته بابن تيمية، فقد جاء في سبب هذه التسمية عدة أقوال: فقيل أن جده محمد بن الخضر حج وله امرأة حامل، وعندما كان على درب تيماء، رأى جارية طفلة خرجت من خِباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد ولدت بنتاً، فلما رآها قال: يا تَيْمِيَّة يا تَيْمِيَّة، فلُقب بذلك.[15][19][20] والقول الآخر هو أن محمد بن الخضر هذا كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة، فنُسب إليها، وعُرف بها.[18][21][22]

ألقابه

تلقيبه «شيخ الإسلام»: أثنى عدد كبير من العلماء على ابن تيمية وأشادوا به، وهؤلاء هم من الذين عاصروه أو جاؤوا بعده، وأطلقوا عليه لقب «شيخ الإسلام». وجاء في معنى هذا اللقب من قاله ابن ناصر الدين الدمشقي: «منها: أنه شيخ في الإسلام قد شاب ، وانفرد بذلك عمن مضى من الأتراب، وحصل على الوعد المبشر بالسلامة: "أنه من شاب شيبة في الإسلام فهي له نور يوم القيامة". ومنها: ما هو في عرف العوام أنه: العُدَّة، ومفزعهم إليه في كل شدة. ومنها: أنه شيخ الإسلام بسلوكه طريقة أهله، قد سلم من شر الشباب، وجهله؛ فهو على السنة في فرضه، ونفله. ومنها: شيخ الإسلام بالنسبة إلى درجة الولاية، وتبرك الناس بحياته، فوجوده فيهم الغاية. ومنها: أن معناه المعروف عند الجهابذة النقاد، المعلوم عند أئمة الإسناد: أن مشايخ الإسلام، والأئمة الأعلام، هم المتبعون لكتاب الله عز وجل، المقتفون لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين تقدموا بمعرفة أحكام القرآن، ووجوه قراآته، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، والأخذ بالآيات المحكمات، والإيمان بالمتشابهات، قد أحكموا من لغة العرب ما أعانهم على علم ما تقدم، وعلموا السنة نقلاً، وإسناداً، وعملاً بما يجب العمل به، وإيماناً بما يلزم من ذلك، اعتقاداً، واستنباطاً للأصول، والفروع من الكتاب والسنة، قائمين بما فرض الله عليهم، متمسكين بما ساقه الله من ذلك إليهم، متواضعين لله العظيم الشان، خائفين من عثرة اللسان، لا يدعون العصمة، ولا يفرحون بالتبجيل، عالمين أن الذي أوتوا من العلم قليل، فمن كان بهذه المنزلة: حُكِمَ بأنه: إمام، واستحق أن يقال له: شيخ الإسلام.»[23][24] وقد اورد ابن ناصر الدين الدمشقي أيضاً في كتابه الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر سبعة وثمانين ترجمة لأكابر العلماء في عصر ابن تيمية وبعد عصره ممن أطلقوا هذا اللقب عليه.[25] وسبب تأليفه لهذا الكتاب بسبب أن هناك من قال: «من سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافراً، لا تصح الصلاة وراءه».[26]

وذكر ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب، قصيدة أبي حيان النحوي التي أنشدها لابن تيمية لما دخل مصر واجتمع به وأشار فيها أنه أحد المجددين[27][28]:



لمَّا رأيْنَا تَقِيَّ الدينِ لاحَ لنَا داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْمَا الأُولَى صَحِبُوا خيرَ البَرِيَّةِ نُوْرٌ دُوْنَهُ القَمَرُ
حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبرًا بَحرٌ تَقَاذَفُ مِنْ أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْرِ شِرعَتِنَا مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأَظْهَرَ الدِّينَ إذْ آثارُهُ دَرَسَتْ وأَخْمدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ
يامَنْ تَحَدَّثُ عن عِلْمِ الكتابِ أصِخْ هذا الإِمامُ الذي قَدْ كان يُنتظر

وقال أيضاً أنه ممن صرح بذلك عماد الدين الواسطي الذي قد توفي قبل ابن تيمية[29]

أسرته



شجرة لأعلام ومشاهير آل تيمية من القرن السادس إلى التاسع الهجري.
إن أسرة ابن تيمية كانت إحدى أسر مدينة حران المشتهرة بالعلم والدين وكانت هذه الأسرة منذ أن عرف تاريخها حنبلية المذهب وتتزعمه في تلك الديار، وعمل أكثر رجالها العلماء بالتدريس والإفتاء والتأليف.[30]

أبوه: (عبد الحليم ابن تيمية) هو شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني. كان عالماً ومحدثاً، وفقيهاً حنبلياً. ولد في مدينة حران في سنة 627 هـ، وتلقى العلم على يد والده وغيره من العلماء، ورحل في صغره إلى حلب وسمع من شيوخها وأهل العلم فيها، حتى أصبح مدرس ومفتي، ثم صار شيخ مدينته حران وخطيبها. وعند انتقاله إلى مدينة دمشق قام بالتدريس بصورة منتظمة في الجامع الأموي، وولي مع ذلك مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وسكن بها حتى وفاته في سنة 682 هـ، ودفن في مقابر الصوفية.[31] قال الذهبي : «قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، ودرس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه وحاكمه، وكان إماماً محققاً كثير الفنون له يد طولى في الفرائض والحساب والهيئة، ديناً متواضعاً، حسن الأخلاق جواداً، من حسنات العصر، تفقه عليه ولداه أبو العباس وأبو محمد، وإن قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجراً سنة سبع وستين، وكان من أنجم الهدى، وإنما اختفى من نور القمر، وضوء الشمس. (إشارة إلى والده وابنه).» ويقول علم الدين البرزالي: «كان من أعيان الحنابلة، باشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية، وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.»[32]

أمه: هي ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية، والدة تقي الدين ابن تيمية، عمرت فوق السبعين سنة (أو التسعين سنة[33]) يقول المؤرخون: «كان لها المكانة العظيمة في نفس شيخ الإسلام رحمه الله، يدل على هذه المكانة تلك الرسالة التي أرسلها إليها من سجنه في القاهرة، والتي امتلأت بالمشاعر الجياشة، والمحبة العظيمة التي كان يكنها لها رحمها الله تعالى.» وكانت أمه ست النعم على قيد الحياة عند عودته من مصر في سنة 712 هـ. وتوفيت في يوم الأربعاء 20 شوال سنة 716 هـ، ودفنت بالصوفية، ويقال أنه حضر جنازتها «خلق كثير، وجمع غفير».[34]

جده: عبد السلام مجد الدين أبو البركات، هو محدث ومقرئ ومفسر، وأحد فقهاء عصره. ولد بحران سنة 590 هـ، وحفظ القرآن بها وسمع من عمه الخطيب فخر الدين ومن غيره. ورحل إلى مدينة بغداد لطلب العلم وأقام بها ست سنين يشتغل في الفقه وغيره من العلوم، ثم رجع إليها بعد عودته إلى حران ومكث فيها بضع عشرة سنة. قال عنه حفيده تقي الدين ابن تيمية: «كان جدنا عجباً في حفظ الأحاديث وسردها، وحفظ مذاهب الناس وإيرادها بلا كلفة.» وقال الذهبي: «حكى لي شيخ الإسلام ابن تيمية بنفسه أن الشيخ ابن مالك كان يقول: لقد ألان الله الفقه لمجد الدين ابن تيمية كما ألان الحديد لداود عليه السلام.»[35] وقال الذهبي: «كان الشيخ مجد الدين معدوم النظير في زمانه، رأساً في الفقه وأصوله، بارعاً في الحديث ومعانيه، له اليد الطولى في معرفة القرآن والتفسير، صنف التصانيف، واشتهر وبعد صيته، كان فريد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن.» له من المصنفات كتاب الأحكام الكبرى، وكتاب المنتقى من أحاديث الأحكام. توفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة من سنة 652 هـ بحران.[36]


مولده ونشأته

مولده

تتوزع بلاد ما بين النهرين بين جزأين، الجزء الجنوبي الذي يسمى العراق العربي وهو يتضمن بغداد والبصرة، وأما الجزء الشمالي فيسمى في الأدب العربي القديم ديار بكر وديار مضر، ويسميه الجغرافيون العرب باسم الجزيرة، ويقع في شرقها كردستان وفي غربها آسيا الصغرى وبادية الشام، وفي جنوبها العراق العربي، وفي شمالها أرمينية. وتقع في هذه المنطقة مدينة الموصل والرقة البيضاء، والرها وغيرها. وفي جنوب مدينة الرها (أورفة) تقع مدينة حران إحدى المدن الشهيرة وهي موطن ابن تيمية القديم حيث كانت أسرته تسكن فيها منذ قرون.[37] وهي المدينة التي ولد فيها ابن تيمية. وولد تقي الدين ابن تيمية في يوم الإثنين 10 ربيع الأول سنة 661 هـ، وقد اتفق جمهور من ترجم له على الشهر الذي ولد فيه والسنة التي ولد فيها، ولكن الاختلاف جاء في تحديد اليوم فذكر آخرون أنه ولد في يوم 12 ربيع الأول.[38] وسماه والده بأحمد تقي الدين، واكتني بأبي العباس وهو يافع، ولكنه اشتهر بابن تيمية، وغلب هذا اللقب على اسمه، وعرف بين الناس به.[31]

نشأته

كان عصر ابن تيمية عصراً مليئاً بالقلاقل والفتن والاضطرابات. وكان العالم الإسلامي كله خائفاً من التتر، الذين كانوا إذا أغاروا على مدينة؛ خربوها ونهبوها، وقتلوا سكانها وسلبوا أموالها وسبوا نسائها كما يذكر المؤرخون. وما إن بلغ ابن تيمية السادسة أو السابعة من عمره، حتى أغار التتر على بلده حران، فالتجأت أسرتُه إلى الفرار منها بجميع ما كان لديها. وبما أن العراق كان مركز غارة التتر ونهبهم لم تفكر الأسرة في الهجرة إليه، وكانت بلاد الشام أقرب بلد لم يصل إليه الدمار، حيث كانت تحت حكم ملوك مصر المماليك، فاتجهت أسرته إليها، وقصدت مدينة دمشق. ويذكر المؤرخون قصة والد ابن تيمية عبد الحليم، أنه عندما خرج مع أسرته للطريق أخذ معه كتبه - يقصد المؤرخون ذكر هذه القصة لإثبات محبة الأسرة للعلم بالرغم من من ظروفهم الصعبة التي مروا بها - على عجلة يجرها لعدم توفر الدواب ويعينه على جرها أبناء بلدته الذين خرجوا معه، وكاد التتر أن يلحقوا بهم في أثناء الطريق لتوقف المركبة عن السير. إلا أنهم قاموا برفع أيديهم للدعاء حتى نجوا كما يذكر المؤرخون، وتمكنوا من الوصول إلى دمشق، واستقروا بها.[39][40]

وما أن استقرت الأسرة في دمشق حتى شاع خبرها في أوساط الناس، وقد كان أصحاب العلم يعرفون والد ابن تيمية أبي البركات مجد الدين عبد الحليم ابن تيمية وأعماله، ولم تمر إلا فترة قصيرة حتى بدأ في التدريس والوعظ في الجامع الأموي، وفي مدرسة الحديث السكرية، وصار مرجعاً للطلبة وعلماء المذهب الحنبلي. يقول شمس الدين الذهبي: «وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجراً سنة سبع وستين (667 هـ)، وكان من أنجم الهدى، وإما اختفى من نور القمر، وضوء الشمس - يشير إلى أبيه وابنه -.» ويقول علم الدين البرزالي: «كان من أعيان الحنابلة باشر بدمشق دار الحديث السكرية بالقصاعين وبها سكن وكان له كرسي بدمشق يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.» ويقول ابن كثير: «كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل كثيرة. كان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه من ظاهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وبها كان سكنه، ثم درس ولده الشيخ تقي الدين بها بعده.»[41][42]


طلبه للعلم

يُجمع معظم المؤرخون على أن ابن تيمية نشأ في عفاف وتصون، وعود نفسه على الاقتصاد في الملبس والمأكل، وأيضاً كان باراً بوالديه، ومحباً للعلم والبحث. فيقول الحافظ الذهبي في ذلك: «نشأ في تصون تام وعفاف وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم؛ فأفتى وله تسع عشرة سنة؛ بل أقل. وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال. ومات والده - وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم - فدرَّس بعده وقام بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر، وبَعُدَ صيته في العالم، فطبق ذكره الآفاق.»[43]

__________________
در مع الحق حيث دار
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 02-18-2017, 07:58 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

اشتهاره بالحفظ

عرفت أسرة ابن تيمية بقوة الذاكرة وكثرة الحفظ وسرعته، فقد كان أبوه وجده أيضاً قويي الذاكرة، ولكن تقي الدين ابن تيمية سبق أسرته في هذا الأمر،[44] فكان من أكابر حفاظ عصره، وصاحب ذاكرة قوية، وسريع الحفظ. ويقول في ذلك محمد الصادق عرجون: «نشأ الإمام ابن تيمية - رحمه الله - يزينه عقل جمع الله له في المعارف قوي الفكر الإنساني، حفظاً وإدراكاً، ووعياً، فالتاريخ يضعه مع طليعة الأفذاذ الذين يضرب بهم المثل في الألمعية والذكاء المتفوق، وفي الحفظ الضابط، والذاكرة الواعية، الذين لا تغلطهم الأَغاليط، ويقول عنه معاصروه: أَنه ما حفظ شيئاً ونسيه، ولا نظر في مكتوب قل أو كثر إلا وحفظه، ولا سمع من العلم والمعارف شيئاً ونسيه، ولا نظر في مكتوب قل أو كثر إلا وحفظه، ولا سمع من العلم والمعارف شيئاً غاب بعد أن علمه، فإذا قرأنا عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة أنه كان يسمع من شيخه إمام المحدثين ابن شهاب الزهري من الثلاثين إلى الأربعين حديثاً في مجلس واحد فيحفظها لا يخرم منها حرفاً إذا تلاها، وقد ذكر الرواة أنه سمع مرة هذا القدر وفيه حديث السقيفة على إتساعه وطوله وتنوع الكلام فيه، فأعاجها كلها لم تند عنه كلمه، وإذا قرأنا عن أبي عبد الله الشافعي أنه سمع من شيخه مالك بن أنس بضع عشر حديثاً في مجلس واحد، فأعادها حفظاً بأسانيدها لم يختلف فيها عن سماعه من الإمام في كلمة أو حرف، إلى كثير من أوتوا في الإسلام حوافظ ضابطة، ومدارك واعية - فإن ما أُثر عن ابن تيمية منذ طفولته - وهو الرجل المخاصم الذي يتربص به خصومه ليأخذوا عليه شيئاً يعيبونه به - ليضعه في الذروة مع أولئك الغر البهاليل من أئمة الإسلام دون نكير.»[45]

ونقل ابن الوردي وابن شاكر الكتبي عن الحافظ الذهبي أنه قال: «انبهر الفضلاء من فرط ذكانئه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته وسرعة إدراكه.» وقال أيضاً عمر بن علي البزار: «كانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة... كان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء، أو يستمع لشيء غالباً إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن له مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، لم يزل آباؤه أهل الدراية التامة، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع أمره لاعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته من أكبر شهادة.» وأورد ابن عبد الهادي في كتابه "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" قصة في سرعة حفظه فقال: «واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ. وقد جئت قاصداً لعلي أراه. فقال له خياط: هذه طريق كُتابه وهو إلى الآن ماء فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهباً إلى الكتاب. فجلس الشيخ الحلبي قليلاً، فمر صبيان، فقال الخياط للحلبي: ذلك الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية. فناداه الشيخ، فجاء إليه، فتناول الشيخ اللوح، فنظر فيه ثم قال: يا ولدي امسح حتى أملي عليك شيئاً تكتبه. ففعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثاً. وقال له: إقرأ هذا فلم يزد علة أن تأمله مرة بعد كتابته إياه، ثم دفعه إليه وقال: اسمعه علي، فقرأه عليه عرضاً كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل. فأنلى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة. فقام الشيخ، وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، قإن هذا لم يُر مثله، أو كما قال.»[44][46]

تعليمه

بدأ اهتمام ابن تيمية بدراسة العلوم منذ صغره، ويقول عنه معاصروه ومؤرخوه أنه كان بالرغم من صغر سنه لم يكن يتجه إلى الملاعب والملاهي كبقية الأطفال، فدرس العلوم المعروفة في عصره، وعُني باللغة العربية عناية كبيرة، فأجاد وبرع في اللغة والنحو، واعتنى بدراسة (الكتاب) لسيبويه بنظر ناقد، وبالرغم من أنه كتاب له أهمية كبرى في النحو، فقد خالف ابن تيمية سيبويه في بعض المسائل. ودرس أحوال الجاهلية، وتوسع في دراسة تاريخ العهد الإسلامي والدول الإسلامية. وعُني بدراسة الخط والحساب والعلوم الرياضية. ودرس العلوم الدينية من الفقه والأصول والفرائض والحديث والتفسير. وورث من آبائه الفقه الحنبلي، وقد درسه على يد والده. وكانت ما عادات عصره المتبعة سماع الحديث وحفظه وكتابته، فكان أول كتاب حفظه في الحديث الجمع بين الصحيحين للحميدي، ثم استفاد من علماء عصره وعلماء الشام، وأخذ عنهم الحديث ورواه. وقد بلغ كعدد شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مئتي شيخ، كما ذكر ابن عبد الهادي وكان من خواص شيوخه ابن عبدالدائم المقدسي، ورجال طبقته وعصره، وسمع مسند أحمد مرات، وكذلك الصحاح الستة عدة مرات أيضاً.[47]

وكان التفسير أحب العلوم لدى ابن تيمية، وقال عن نفسه بأنه درس أكثر من مئة كتاب في تفسير القرآن، ويقول: «ربما طالعت على الآية الواحدة مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول يا معلم إبراهيم فهمني.»[48] ويقول أبو الحسن الندوي: «وكانت لعلم الكلام الذي حمل لواءه الأشاعرة كلمة نافذة في هذا العصر، ولا سيما في مصر والشام، فقد كان السلطان (صلاح الدين) نفسه أشعرياً، حافظاً لمتن قطب الدين أبي المعالي الأشعري (الذي كان قد ألفه في العقائد) منذ صغره، وكان يشرِف على تحفيظه لأولاد أسرته الصغار، وكان هو وخلفاؤه بنو أيوب قد جعلوا الناس ملتزمين بالعقيدة الأشعرية، فكانت (الأشعرية) تتمتع بحماية الحكومة إلى عصره وعصر خلفئه مماليك مصر. وكان الحنابلة يُعتبرون خصماً معارضاً للأشاعرة، تحدث بينهم بعض المناوشات الكلامية، ويشتغل كلا الفريقين بالجدل والكلام، فقد كان كلام الأشاعرة وطريق إثباتهم مبنياً على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي. أما الحنابلة فكانوا يبحثون عن المعاني الظاهرة للنصوص والآيات والأحاديث، وكان يبدو في بعض الأحيان أن كفتهم تطيشُ في الجدال العلمي، لعدم تعمقهم في علم الكلام، وانقطاعهم عن ممارسة العلوم العقلية، فكان يغلب على الظن، ويخيل إلى الناس أن خبرتهم بالعلوم العقلية قليلة، أو عديمة، وأنهم ليسوا متعمقين في العلم. ولعل ذلك ما حفز ابن تيمية، ذلك الشاب الغيور، والعالم الذكي على التوسع والتعمق في علم الكلام، والاطلاع على العلوم العقلية مباشرةً، فعكف على الدراسة العميقة لهذه العلوم، وتبخر فيها، حتى أدرك مواضع الضعف فيها، وأخطاء مؤلفيها وأئمتها من حكماء اليونان، وتصدى للرد على هذه العلوم وانتقادها، وألف كتباً عجزت الأوساط الفلسفية كلها عن الرد عليه...».[49]

كذلك يذكر أحد المؤرخين أن ابن تيمية أتقن لغات أخرى غير اللغة العربية، منها اللغة العبرية التي تعلمها لدراسة العهدين القديم والجديد ويستدل بذلك قوله في مجموع الفتاوى: «وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب، فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرت أفهم كثيراً كم كلامهم العبري بمجرد المعرفة بالعربية». وأيضاً يذكر المؤرخون أنه أجاد اللغة التركية واللغة اللاتينية ودل على ذلك نص ورد في مجموع الرسائل الكبرى.[50]

شيوخه

سمع ابن تيمية من أزيد من مئتي شيخ كما يذكر جل المؤرخون، ومنهم: ابن عبد الدائم المقدسي، وابن أبي اليسر، والكمال بن عبد، وشمس الدين ابن أبي عمر الحنبلي، وشمس الدين بن عطاء الحنفي، وجمال الدين يحيى ابن الصيرفي، ومجد الدين ابن عساكر، والنجيب المقداد، وأحمد ابن أبي الخير الحداد، والمسلم بن علان، وأبو بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، وفخر الدين ابن البخاري، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي، وست العرب الكندية، وأبو محمد بن عبد القوي في اللغة العربية، وتاج الدين الفزاري، وزين الدين ابن المنجى، والقاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحَّاس، والقاسم الإربلي، وعبد الحليم بن عبد السلام (والده)، وشرف الدين أبو العباس أحمد بن أحمد المقدسي، وجمال الدين البغدادي، وإبراهيم بن الدرجي، وعلي بن بلبان، ويوسف بن أبي نصر الشقاوي، وعبد الرحمن بن أحمد العاقوسي، ورشيد الدين محمد بن أبي بكر العامري، وبدر الدين بن عبد اللطيف خطيب حماه، وتقي الدين مُزيز، وتاج الدين أحمد بن مزيز، وجمال الدين أحمد بن أبي بكر الحموي.[51]


توليه التدريس


شرع ابن تيمية في التدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة، بالإضافة إلى أنه قد بدأ في هذا السن بالتأليف أيضاً. وكان العالم كمال الدين أحمد بن نعمة المقدسي ممن أذن لابن تيمية بالإفتاء ويذكر المؤرخون أنه كان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت لابن تيمية بالإفتاء.[52] وما إن بلغ ابن تيمية من عمره 22 سنة حتى توفي والده عبد الحليم ابن تيمية في سنة 682 هـ، وحدث فراغ كبير في مشيخة التدريس بدار الحديث السكرية. فخلفه ابنه أحمد ابن تيمية فيها وكان ذلك في 2 محرم 683 هـ.[53] يذكر المؤرخون بأن علماء كثر قاموا بحضور الدرس الأول لابن تيمية وأنه نال أعجابهم، وكان من هؤلاء العلماء بهاء الدين بن الزكي الشافعي، وتاج الدين الفزاري، وزين الدين ابن المرحل، وزين الدين ابن المنجا الحنبلي، وبعض علماء الحنفية. وفي العاشر من صفر جلس ان تيمية بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة للتفسير.[54]

وأما طريقته في إلقاء دروسه فقد وصف بأنه كان يجلس بعد أن يصلي ركعتين، ويحمد الله ويصلي على النبي، فيبدأ بدرسه من حفظه، وكان يغمض عينيه عند الحديث. وكان يتكلم على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، ويورد أيضاً في حديثه من القرآن والسنة واللغة والنظر.[55]

بالإضافة إلى تدريسه في دار الحديث السكرية وتفسيره القرآن الكريم في المسجد الأموي، فقد تولى التدريس بالمدرسة الحنبلية خلفاً للعالم زين الدين بن المنجا الحنبلي، ثم تنازل عن التدريس فيها بعد فترة طويلة لعدم تفرغه وكثرة أسفاره بين الشام ومصر، وانشغاله بمحاربة التتار، وإعداد الناس لمجابهتهم، وكان أول يوم في تدريسه بالمدرسة الحنبلية في 17 شعبان، وقد تركها بعد تنازله عنها لشمس الدين ابن الفخر البعلبكي.[56] وكان يورد الدرس بلا توقف ولا تلعثم وبصوت جهوري فصيح، ويجمع المؤرخون أن شروط الاجتهاد اجتمعت فيه، وكان أيضاً قد أقام عدة سنين إذا افتى، لم يلتزم بمذهب معين بل بما يقوم عليه الدليل، وأيضاً إذا ذكرت مسألة، يذكر فيها مذاهب الأئمة،[57] وبعد قدومه إلى دمشق سنة 712 هـ بعد أن غاب عنها فوق سبع سنين، أكمل تدريسه بمدرسة السكرية والحنبلية.[58]


محنه

واجه ابن تيمية في طريقه عقبات كثير، منها الإيذاء وقد لقي لونين من الأذى، الأول هو الأذى النفسي من خلال اتهامه بالتجسيم، أو رميه بالكفر والضلال، أو الكذب عليه، ومن الأمثلة على هذا حين قام علاء الدين البخاري برمي كل من يطلق على ابن تيمية لقب "شيخ الإسلام" بالكفر، ورداً على هذا قام ابن ناصر الدين الدمشقي بتأليف كتاب اسمه "الرد الوافر على من زعم: بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر" ورد على علاء الدين البخاري. وواجه ابن تيمية نوع آخر من الأذى وهو الأذى الجسدي: من خلال الاعتداء عليه بالضرب من العامة نتيجة لتحريض بعض أهل العلم كما حصل معه حين اعتدى على جماعة في حي الحسينية في القاهرة.[59]

ومما تعرض له أيضاً وقوف بعض العلماء ضده واتهموه بالخروج على مذهب أهل السنة والجماعة وما أجمع عليه علماء الأمة، وقد كان لهؤلاء العلماء ثقلهم ومكانتهم في المجتمع، فإذا عادوا أحداً وقف العامة معهم، لثقتهم فيهم. وقد وقوف هؤلاء العلماء ضده دافعاً للحكام على معاداة ابن تيمية، ويذكر بعض المؤرخين مثل ابن كثير أن سبب معاداة هؤلاء العلماء له هو حسدهم له لتقدمة عند الدولة وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الناس له ومحبتهم له حسب قوله. وقد كان هؤلاء المعادين له قد رموه بعدة افتراءات من أهمها التجسيم، وأيضاً بمنع زيارة قبر النبي محمد وغيره من الأنبياء، وقد بين ابن تيمية ذلك في كتبه بأنهم حرفوا كلام، والذي يراه هو أنه لا يجوز شد الرحال إلى القبر، وفرّق بين زيارة القبر وشد الرحال إليه. وأيضاً اتهامه بإهانة الأنبياء والصالحين لأنه لا يرى التوسل بذواتهم وأشخاصهم وجاههم ومرتبتهم. وأيضاً اتهم بالخروج على الإجماع لكونه ينتقد المذاهب عند توفر الدليل ويذهب إلى ما يديه إليه اجتهاده، دون أن يتقيد بمذهب معين.[60]

وواجه ابن تيمية نصياً وافراً من السجن والاعتقال، فقد سجن في مصر، ونفي إلى الإسكندرية، وسُجن أيضاً في الشام وظل حبيس القلعة حتى مات وهو في سجنه، وقد سجن عدة مرات منها: سنة 693 هـ بعد أن اعتقله نائب السلطنة لمدة قليلة بسبب قيامه على عساف النصراني الذي شتم النبي محمد، ثم أطلق بعدها. وسنة 705 هـ حين نوقش في أمر العقيدة في دمشق واتفق على أن معتقده سلفي جيد وأن عقيدته سنية خالصة كما قال ابن رجب والذهبي، فاستدعي إلى القاهرة لمناقشته وحكم عليه خصمه ابن مخلوف المالكي بسجنه في برج القلعة في يوم 26 رمضان سنة 705 هـ وبقي في السجن إلى ربيع الأول من سنة 707 هـ حتى أخرجه حسام الدين مهنا بن عيسى أمير العرب. وسجن أيضاً في سنة 707 هـ حين شكاه بعض الصوفية وتحير القضاة في أمر سنه ، فمضى بنفسه إليه. وفي سنة 708 هـ نفي إلى الإسكندرية وسجن فيها حتى خرج في 8 شوال سنة 709 هـ حين أفرج عنه من قبل السلطان. وفي سنة 718 هـ ورد مرسوم سلطاني يمنعه من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، وعقد له مجلس ومنع من ذلك، ثم عقد له مجلس سنة 719 هـ تأكيداً للمنع، ولكنه لم ينته عما رآه حتى عقد له مجلس ثالث وحكم عليه بالسجن، وحبس بالقلعة في دمشق. وحبس في سنة 720 هـ لأجل إفتائه في مسألة الطلاق مرة أخرى، ومنع بسببه من الفتيا مطلقاً، وحكم عليه نجم الدين بن صَعُرَّى، فوضع في السجن خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً وأخرج في 10 محرم من سنة 721 هـ. وحبس في سنة 722 هـ في مسألة شد الرحال إلى الأضرحة والقبور. وآخر ما وقع لابن تيمية من السجن كان في سنة 726 هـ وسببه أيضاً مسألة شد الرحال إلى القبور والأضرحة، وبقي فيه حتى توفي سنة 728 هـ.[61]

وقد أصاب أيضاً محبي وأتباع ابن تيمية من الأذى من بعض ما أصاب ابن تيمية نفسه حيث سجنوا وعزروا وقد ذكر ابن كثير أن القاضي طلب جماعة من أصحاب ابن تيمية وعزر بعضهم ثم اتفق أن جمال الدين المزي قرأ فصلاً بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه القاضي الشافعي ابن صعري فسُجن المزي، وما أن بلغ ابن تيمية ذلك حتى أخرجه بنفسه. وذكر ابن كثير في أحداث سنة 726 هـ أن قاضي القضاة الشافعي أمر بحبس جماعة من أصحاب ابن تيمية في سجن الحكم وذلك بمرسوم من نائب السلطنة، وعزر جماعة منهم على دواب ونودي عليهم ثم أطلقوا سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية.[62]

وواجه ابن تيمية أيضاً عقبة كانت من أشد العقبات على نفسه، وهي مصادرة ما لديه من الكتب وأدوات الكتابة، وذلك بعد أن قام القاضي عبد الله بن الأخنائي بكتابة موضوع حول زيارة القبور وخاصة زيارة قبر النبي محمد بما يخالف عقيدة ابن تيمية، فقام وهو في الحبس بالرد عليه برسالة خالفه فيها، فغضب القاضي لذلك واشتكى إلى السلطان، فأصدر السلطان مرسوماً بمصادرة جميع ما عند ابن تيمية من الكتب وأدوات الكتابة. وفي رجب سنة 728 هـ أُرسلت جميع مسوداته وأوراقه من المحبس إلى المكتبة العادلية الكبرى، وكان ذلك نحو ستين مجلداً من الكتب، وأربع عشرة ربطة كراريس.[63]

محنته سنة 698 هـ بسبب تأليفه الحموية

Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: الفتوى الحموية

بعث بعض أهل مدينة حماة من الشام استفتاءً في سنة 698 هـ إلى ابن تيمية يسألونه فيه عن تحقيق العلماء في الصفات التي وصف الله بها نفسه في الآية
Ra bracket.png
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى Aya-5.png
La bracket.png
(سورة طه: آية 5) وفي الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾(سورة فصلت: آية 11)، وما أشبههما، وعن تحقيق الحديث النبوي «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» وقول الرسول: «يضع الجبار قدمه في النار»، وسألوه عما يقول العلماء في ذلك، وما يذهب إليه أهل السنة من العلماء في باب صفات الله؛ فأجاب ابن تيمية عن هذه الأسئلة بتفصيل وتوضيح كبير (عُرف هذا الجواب باسم "العقيدة الحموية الكبرى"، في رسالة تقع في 50 صفحة، ويقع ضمن "مجموعة الرسائل الكبرى")، ويذكر المؤرخون أنه تحدث في رسالته هذه عن مذهب الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، والمتكلمين المتقدمين مثل أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني والجويني، وأنه قد استدل بأقوالهم وتأليفاتهم، ومن بعض كتبهم أنهم كانوا يرون الإيمان بصفات الله من واجبات الدين، ويذكر المؤرخون أنه ذكر أنهم يعترفون بحقيقتها مع جلال الله، وتجدر بذاته، مع التنزيه الكامل من كل تشبيه وتجسيم، ومن كل نفي وتعطيل.[64]

وإن هذه الفتوى رسالة علمية مستقلة يذكر الباحثون أن خصائص ابن تيمية العلمية والتأليفية تجلت فيها، وكان الأسلوب الذي احتوت عليه هذه الفتوى كان من نتائجها؛ استقبلا جيد من الأوساط الحنبلية، وسخط واستنكار عام في وسط الأشاعرة والمتكلمين، الذين كانوا يتمتعون بتأييد الحكومة والجماهير، وكان رجاله متبوئين منصب القضاء والإفتاء الرسمية.[65]

ذكر ابن كثير ضمن الأحداث التي وقعت في سنة 698 هـ، أن جماعة من الفقهاء قاموا عليه، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة "الحموية" فاتنصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده، فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة، فسكت الباقون. واجتمع لاحقاً بالقاضي إمام الدين مع جماعة من الفقهاء، وبحثوا في "الفتوى الحموية"، وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بعد كلام كثير، ثم ذهب ابن تيمية وسكنت الأحوال.[66]

ويُذكر أنه كان من المتوقع أن تكون هذه القصة قد امتدت، وثارت ضجة أخرى، ولكن حدث في نفس الوقت من الأحوال ما لم يسمح بالخوض في الخلافات والمناقشات العقائدية، وكان ذلك بعد غارة التتر، التي برز فيها ابن تيمية كقائد ومجاهد.[67]

محنته سنة 705 هـ

في سنة 705 هـ امتُحن ابن تيمية بالسؤال عن معتقده بأمر من السلطان، فجمع نائبه القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر ابن تيمية، وسألهُ عن ذلك؛ فبعث تقي الدين ابن تيمية وأحضر من داره "العقيدة الواسطية" فقرؤوها في ثلاثة مجالس، وحاققوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سُنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعاً، ومنهم من قاله كرهاً. وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف. ويذكر الباحثون أن حيلة دُبرت لابن تيمية لأنه لا يمكن البحث معه، ولكن يُعقد له مجلس ويدعى عليه وتقام الشهادات، فطُلب على البريد إلى القاهرة وعقد له ثاني يوم وصوله في 22 رمضان سنة 705 هـ مجلس بالقلعة. وقد قام على تنفيذ ذلك بيبرس الجاشكنيرونصر المنبجي والقاضي ابن مخلوف المالكي. وادُّعي عليه عند ابن مخلوف أنه يقول: «إن الله تعالى تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.» وقال المدعي ـ وهو ابن عدلان ـ: أطلبُ تعزيره على ذلك، التعزير البليغ ـ يشير إلى القتل على مذهب مالك ـ فقال القاضي: ما تقول يا فقيه (يقصد ابن تيمية)؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أُمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت ابن تيمية، فقال: أجب. فقال ابن تيمية له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا إلى القاضي وقالوا: هو الحاكم، فقال ابن تيمية لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم في؟ وغضب، وكان قصد ابن تيمية: أنه هو القاضي متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها، فأقيم ابن تيمية ومعه أخواه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحيم. ثم حُبِسوا في برج أيامًا، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر، ثم بعث كتاب السلطان إلى الشام بالحط على الشيخ، وإلزام الناس ـ خصوصًا أهل مذهبه ـ بالرجوع عن عقيدته، والتهديد بالعزل والحبس، ونودي بذلك في الجامع والأسواق: ثم قُرئ الكتاب بسدة الجامع بعد الجمعة وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة، وحبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع.[68] ثم قام نائب السلطنة سيف الدين سلار بعد أكثر من سنة في ليلة عيد الفطر سنة 706 هـ بإحضار القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلم في إخراج ابن تيمية من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ست مرات وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء. وفي ربيع الأول من سنة 707 هـ دخل الأمير مهنا بن عيسى إلى مصر وحضر بنفسه إلى الجب فأخرج ابن تيمية منه، بعد أن استأذن في ذلك، وعُقد لابن تيمية مجالس حضرها أكابر الفقهاء، وانفصلوا في النهاية، وكان مدة مقام تقي الدين ابن تيمية في السجن ثمانية عشر شهراً.[69]

محنته سنة 707 هـ

في شهر شوال سنة 707 هـ اجتمع جماعة كثيرة من الصوفية وشكوا من ابن تيمية إلى الحاكم الشافعي، وعقد له مجلس لكلامه على ابن عربي وغيره، وادعى ابن عطاء عليه بأشياء ولم يُثبت منها شيء، لكنه اعترف أنه قال: لا يستغاث بالنبي
Mohamed peace be upon him.svg
استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به. وقال بعض الحاضرين ليس في هذا شيء. إلا أن الحاكم ابن جماعة رأى أن هذا إساءة أدب، وعنّفه على ذلك، فحضرت رسالة إلى القاضي: أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله. ثم خُير من قبل الدولة بين أشياء، وهي الإقامة بدمشق أو بالإسكندرية، بشروط، أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه أصحابه في السفر إلى دمشق، ملتزماً ما شُرط عليه، فأجابهم، فأركبوه خيل البريد، ثم ردوه في الغد، وحضر عند القاضي بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلى بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي، فتحير، فقال ابن تيمية: أنا أمضي إلى الحبس، وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال الزواوي: فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأُرسل إلى حبس القاضي وأُجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن أن يكون عنده من يخدمه. وكان جميع ذلك بإشارة نصر المنبجي. واستمر ابن تيمية في الحبس يُستفتى ويقصده الناس، ويزورونه، وتأتيه الفتاوي المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. وكان أصحابه يدخلون إليه أولاً سرّاً، ثم شرعوا يتظاهرون بالدخول عليه، فأخرجوه في سلطنة الششنكير الملقب بالمظفر، إلى الإسكندرية على البريد، وحبس فيها في برج مضيء ومتسع، يدخل عليه من شاء ويمنع هو من شاء، ويخرج إلى الحمام إذا شاء. وبقي في الإسكندرية مدة سلطنة المظفر. فلما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن وأهلك المظفر، وحمل شيخه نصر المنبجي واشتدت موجدة السلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر وعزل بعضهم، بادر بإحضار ابن تيمية من الإسكندرية إلى القاهرة في شوال سنة 709 هـ، وأكرمه السلطان إكراماً زائداً، وقام إليه وتلقاه في حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة. وزاد في إكرامه عليهم، وبقي يستشيره في ساعة وأصلح بينه وبينهم، ويقال أنه شاوره في أمرهم به في حق القضاة، فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وكان ابن مخلوف يقول: ما رأينا أفتى من ابن تيمية، سعينا في دمه، فلما قدر علينا عفا عنا. واجتمع بالسلطان مرة ثانية بعد أشهر، وسكن ابن تيمية بالقاهرة والناس يترددون إليه.[70]

محنته سنة 718-719 هـ

كانت مسألة الحلف بالطلاق هي أحد المسائل التي خالف فيها ابن تيمية المذاهب الأربعة والمذهب المشهور، وقد كان الحلف بالطلاق عاماً بين الناس في ذلك الحين، وكانوا يستندون إلى الحلف بالطلاق للتأكيد على كلام، أو إبداء عزم، أو صدق من غير تردد، فمثلاً كان من الشائع قول: «علي الطلاق لأفعلن كذا»، أو «علي الطلاق لأمتنعن عن كذا»، وغيرها من الصيغ الأخرى. وكان ابن تيمية يرى أن هذا أسلوب من القسم والتأكيد، ولكن الناس يطلقون كلمة الطلاق لزيادة التأكيد واليقين، من غير أن يريدوا بها الطلاق في أي حال، ولذلك فإن هذا نوع من القسم، ولكنه تنفذُ عليه أحكام الطلاق من أجل اعتبارهم ذلك الطلاق بالتعليق.

بعد أن تأمل ابن تيمية في هذه المسألة، بدأ يفتي بأن هذا نوع من الحلف، وأن القائل يحنثُ إذا خالف قوله وعمل بخلافه، وتلزم عليه كفارة اليمين من غير أن يقع الطلاق. ولم يقدم ابن تيمية أقوال بعض الأئمة الأربعة أو أصحابهم لتأييد فتواه، لأن هذه الفتوى كانت تعارض القول المشهور والمفتى به لهذه المذاهب، وكان ذلك تحقيقاً واجتهاداً من ابن تيمية. ولذلك أثارت فتواه اضطراباً عاماً، ورأى العلماء والقضاة أن يمنعوه عن هذه الفتوى، لكيلا يشتد الاضطراب، ويقول ابن كثير ضمن أحداث عام 718 هـ: «وفي يوم الخميس منتصف شهر ربيع الأول اجتمع قاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم الحنبلي بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ نصيحته، وأجاب إلى ما أشار به رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتين. ثم ورد البريدُ في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، وانعقد بذلك مجلس، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان، ونودي به في البلد، وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعةٌ من المفتين الكبار، وقالوا له: أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فقبل الشيخ نصيحته، وإنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر.»

وبعد صدور المرسوم بدأ ابن تيمية بالرجوع إلى الإفتاء إلى المسألة من غير أن يبالي بالمنع من قبل الحكومة، وفي يوم الخميس 22 رجب في عام 720 هـ عُقد مجلس بدار السعادة لتقي الدين ابن تيمية بحضرة نائب السلطنة، وحضر فيه القضاة والمفتون من المذاهب، وحضر ابن تيمية، وعاتبوه على العودة إلى الإفتاء بمسألة الطلاق، ثم حبس في القلعة. ولكن مدة الحبس هذه لم تطل كثيراً، وورد مرسوم من السلطان من مصر بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء من عام 721 هـ بعد ما مكث فيه خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.[71]

محنته سنة 726 هـ

بعد خرج ابن تيمية من الحبس عام 721 هـ اشتغل حتى 726 هـ خمس سنين بالتدريس والإفتاء والتأليف والوعظ بانهماك بالغ، وكثيراً ما كان يدرس خلال هذه المدة في المدرسة الحنبلية، أو مدرسته الخاصة به الواقعة في القصاعين (المدرسة السكرية)، كما أنه أعاد النظر خلال ذلك في مؤلفاته ورسائله القديمة، وقام بتأليفات جديدة. ولاحقاً لم تمضي إلا مدة قليلة إذ عرضت مسألة أخرى كانت موضع بحص وجدال بين الخاصة والعامة على السواء، وهي لم تكن مسألة فقهية خالصة كمسألة الطلاق، بل كانت تحتوي على العنصر العاطفي، وتكفي لإثارة الاضطراب بين الناس، وهي مسألة زيارة قبر النبي محمد. وقد كان ابن تيمية قد أفتى قبل سبعة عشر عاماً بأنه لا يجوز شد الرحال لزيارة القبور بما فيها قبر النبي محمد، واستدل على هذا بحديث النبي: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى.» وأدلة أخرى كثيرة. أُخرجت هذه الفتولا بعد سبعة عشر عاماً بحكم عوامل عديدة وشهرت، واتُّخذت ذريعة لإثارة عواطف المسلمين، لما للنبي محمد من مكان قدسي في قلوب المسلمين، ورأوا فيها إساءة أدب لمكانة النبي، كما أن العلماء رأوها يتجلى فيها الاعتماد الزائد على الرأي الشخصي ومعارضة لجمهور الأمة، ولعل ذلك كان هو العامل الأقوى لمعارضته إياه. ونال هذ الخلاف على أهمية وشهرة كبيرة، ما جعل الحكومة (سواء على طلب من العلماء أو نزولاً على مصالح النظام) تتدخلُ فيه، وصدر المرسوم في 7 شعبان عام 726 هـ بحبس ابن تيمية، ويذكر المؤرخون أن ابن تيمية رحب به ترحيباً بالغاً وأبدى سروره، ونُقل إلى قلعة دمشق حيث أخليت له قاعة، وأقام معه أخوه زين الدين ابن تيمية يخدمه بإذن من السلطان، وأجري عليه ما يقوم بكفايته. بعد اعتقاله توجه الأذى إلى تلاميذه فأمر قاضي القضاة بحبس جماعة من أصحابه وعزر جماعة منهم بإركابهم على الدواب والمناداة عليهم، وبعد ذلك أطلقوا من محابسهم ما عدا تلميذه شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية حُبس في القلعة وظل معه في الحبس، وأفرج عنه وفاة ابن تيمية

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 02-18-2017, 08:03 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

حروب المغول



بدأ سلطان مغول الإلخانات محمود غازان بالمسير مع جيوشه إلى الشام في محرم 699 هـ / أكتوبر 1299 م. وتمكن جيشه من الاستيلاء على حلب، وقد هزم المغول وحلفاؤهم المماليك في معركة وادي الخزندار بتاريخ 27 ربيع الأول 699 هـ / 23 أو 24 كانون الأول/ديسمبر من عام 1299، وتقدمت جيوش غازان ودخلت دمشق في الفترة ما بين 30 ديسمبر 1299 و6 يناير 1300 ونهبوها، ولكن صمدت امامهم قلعتها، ورفض الأمير علم الدين سنجر المنصوري نائب قلعة دمشق المعروف بأرجواش الخضوع لغازان وتحصن في القلعة. واصل المغول تقدمهم ونهبوا الأغوار في طريقهم حتى بلغوا القدس، ووصلوا إلى غزة حيث قتلوا بعض الرجال في جامعها[73].

لقاء ابن تيمية مع غازان

Crystal Clear app kdict.png طالع أيضًا: دخول المغول دمشق سنة 699

بعد انتصار جيش غازان عاث جنوده في البلاد، فدبت الفوضى فيها خاصة بعد أن فر والي دمشق ومحتسبها إلى مصر، لذا فقد اجتمع ابن تيمية بأعيان دمشق يوم الإثنين 3 ربيع الآخر 699 هـ / 28 ديسمبر 1299 م واتفقوا على السير إلى السلطان غازان الموجود في بلدة النبك المجاورة والتحدث إليه[74]. فلما وصلوا إلى غازان ودخلوا عليه أخذ ابن تيمية يحث السلطان بقول الله ورسوله بالعدل ويرفع صوته ويقرب منه في أثناء حديثه حتى قرب ان تلاصق ركبته ركبة السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه ومصغ لما يقوله. وقال ابن تيمية للترجمان: "قل لغازان أنك تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بدا لنا فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وماعملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت"[74]. ومع أن ابن تيمية حصل على وثيقة أمان من غازان إلا أنهم نقضوها واستمروا في نهب المدينة عدا القلعة التي أرسل قبجق إلى نائبها ليسلمها إلى التتار فرفض أرجواش تسليمها وامتنع أشد الامتناع، فجمع له قبجق أعيان البلد فكلموه أيضا فلم يجبهم إلى ذلك، وصمم على عدم تسليمها إليهم وبها عين تطرف. وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية قد أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد، فلا تسلمهم ذلك إن استطعت[75].

ولما نكب دير الحنابلة في ثاني جمادى الأولى قتلوا خلقاً من الرجال وأسروا من النساء كثيراً، ونال قاضي القضاة تقي الدين أذى كثيرا، ويقال إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريباً من أربعمائة، وأسروا نحواً من أربعة آلاف أسير، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري والضيائية، وخزانة ابن البزوري، وكانت تباع وهي مكتوب عليها الوقفية، وفعلوا بالمزة مثل ما فعلوا بالصالحية، مما حدا بابن تيمية ومعه جماعة من أصحابه يوم الخميس، 20 ربيع الآخر لمقابلة محمود غازان ليشكو إليه ما جرى من المغول بعد زمان الأمان الذي منحه لأهل الشام، غير أنه لم يتمكن من مقابلة غازان، فاجتمع بوزيره سعد الدين محمد الساوجي ورشيد الدين الهمذاني فذكروا له: "أن جماعة من المقدمين الأكابر -أي المغول- لم يصل إليهم من مال دمشق شيء، ولا بد من إرضائهم"[75].

ابن تيمية في الجهاد

Crystal Clear app kdict.png طالع أيضًا: معركة شقحب

مع اقتراب المغول لغزو دمشق من جديد عام 1303 خلال عهد المماليك بدأ ابن تيمية بتحريض أهل الشام في دمشق وحلب وانتدبه الناس للسفر إلى مصر لملاقاة سلطانها الناصر محمد بن قلاوون، وحثه على الجهاد، فأعاد نشر فتاويه في حكم جهاد الدفع ورد الصائل ثم سافر إلى أمير العرب مهنا بن عيسى الطائي فلبى دعوة ابن تيمية لملاقاة التتار.

وبعد استكمال الاستعدادات اجتمعت جيوش المسلمين من الشام ومصر وبادية العرب في شقحب أو مرج الصفر جنوبي دمشق في شهر رمضان فأفتى ابن تيمية بالإفطار وأنه خير من الصيام وأخذ يلف على الجند يأكل من طعام في يده يشجعهم على الأكل، واندلعت الحرب بقيادة السلطان الناصر والخليفة المستكفي بالله الذي كان يقيم في القاهرة فدامت يومين انتهت بانتصار المسلمين وبانتهاء معركة شقحب لم يدخل التتار الشام والعراق ومصر والحجاز. وتعتبر معركة شقحب من المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي ضد المغول بعد عين جالوت، وهي الوحيدة التي شارك فيها ابن تيمية وكان له الفضل في تشجيع الناس والشد على عزيمة الحكام وجمع الأموال من تجار دمشق لتمويل جيش الدفاع عن دمشق وكان على رأس جيش دمشق الذي حارب وهزم المغول وطاردهم شرقاً في داخل سورية حتى نهر الفرات. كان ابن تيمية أول الواصلين إلى دمشق يبشر الناس بنصر المسلمين ولما أحس بخوف السلطان من أن يستغل ابن تيمية حب الناس له فيثور عليه قال: "أنا رجل ملة لا رجل دولة".


وفاته

دخل السجن في شهر شعبان سنة 726 هـ.بسبب مسألة المنع من السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين.[76]. ومكث فيه حتى مرض ابن تيمية قبل وفاته بعشرين يوما. وقد مات في ليلة يوم الإثنين لـ20 من ذي القعدة سنة 728 هـ.[77]. ولم يعلم أكثر الناس بمرضه حتى فوجئوا بموته. ذكر خبر وفاته مؤذن القلعة على منارة الجامع وتكلم به الحرس على الأبراج فتسامع الناس بذالك واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج وفتح باب القلعة فامتلأت بالرجال والنساء وصلي عليه بعد صلاة الظهر وكانت جنازته عظيمة جدا وأقل ما قيل في عددهم خمسون ألفا والأكثر أنهم يزيدون على خمسمائة ألف ثم دفن في مقبرة الصوفية قبل العصر بقليل.[78]


بعض تلامذته
◾شمس الدين ابن قيم الجوزية وهو من أشهر تلاميذه ولازمه 16 عاما وسجن أيضا في القلعة منفردا عن ابن تيمية وخرج منها بعد وفاة ابن تيمية.
◾أبو عبد الله محمد الذهبي صاحب (سير اعلام النبلاء).
◾إسماعيل بن عمر بن كثير. صاحب التفسير وكتاب البداية والنهاية.
◾محمد بن عبد الهادي المقدسي.
◾أبو العباس أحمد بن الحسن الفارسي المشهور بقاضي الجبل.
◾زين الدين عمر الشهير بابن الوردي.
◾علم الدين البرزالي.
◾فاطمة بنت عباس البغدادية.
◾وغيرهم.[79]


مؤلفاته وآراؤه

لابن تيمية موروث كبير من المؤلفات كما قال الذهبي:"لعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاث مائة مجلد، لابل أكثر".[80] وكان يكتب من حفظه وليس عنده مايحتاج إليه ويراجعه من الكتب.[81] وكان سريع الاستحضار للآيات كما قال تلميذه ابن عبد الهادي:"أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية بين الظهر والعصر".[82] وكان يكتب بخط سريع في غاية التعليق والإغلاق.[83] ذكر ابن القيم الجوزية في نونيته طائفة من أسماء مؤلفات ابن تيمية ومدحها.[84] وبلغت عدد المؤلفات المذكورة في كتاب (أسماء مؤلفات ابن تيمية) حوالي 330 مؤلفا.[85][86][87] وجمعت كثير منها في مجموع الفتاوى وطبعت في 37 مجلدا.

وهو القائل بأن العلوم الطبيعية أفضل من العلوم الرياضية وذلك ردًا على فلسفة المشائين والذين تبنّوا رأي أرسطو القائل بأن أجلّ الفلسفة هي الفلسفة الإلهية ثم الفلسفة الرياضية ثم الفلسفة الطبيعية.[88] كما أنّه نقض الفلسفة الإلهية واستحسن الفلسفة الطبيعية (كالفيزياء وغيرها) و الفلسفة الرياضية وكل هذه الأمور تتجلّى معرفتها من خلال قراءة كتبه: الرد على المنطقيين ودرء تعارض العقل والنقل و الرسالة العرشية [89].

◾الاحتجاج بالقدر.
◾الاستقامة.
◾اقتضاء الصراط المستقيم.
◾الإيمان الكبير: تكلم فيه ابن تيمية عن مسائل الإيمان.
◾الإيمان الأوسط.
◾بيان تلبيس الجهمية.
◾بيان الهدى من الضلال.
◾بيان الفرقة الناجية.
◾الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح.
◾الرد على المنطقيين.
◾درء تعارض العقل والنقل.
◾الرسالة التدمرية.
◾رسالة في علم الباطن والظاهر.
◾الرسالة الأكملية
◾الرسالة العرشية.
◾رسالة مراتب الإدارة.
◾رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
◾السبعينية.
◾شرح فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني.
◾السياسة الشرعية لأصلاح الراعي والرعية.
◾السؤال عن العرش.
◾شرح حديث النزول.
◾الصارم المسلول لشاتم الرسول.
◾العبودية.
◾العقيدة الواسطية.
◾فتوي ابن تيمية عن كتاب فصوص الحكم.
◾الفتوى الحموية.
◾الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
◾قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.
◾كيفية الخلاص في تفسير سورة الإخلاص.
◾معتقدات اهل الضلال.
◾معارج الوصول.
◾منهاج السنة النبوية.
◾نقض المنطق.
◾الواسطة بين الحق والخلق.
◾الوصية الصغرى.



انتقادات

كما كان لابن تيميه مُحبين ومُناصرين ففي الطرف المُقابل كان لبعض العلماء والمُفكرين المُسلمين سواءً من العصر الحديث أو القديم موقفاً مُضاداً لابن تيميه، وذلك على خلفيّة الكثير من الفتاوى التي أطلقها في كُتبه والتي تقتصر ما بين التكفير والقتل والردة والزندقة والاستتابة وإباحة الدماء،[90][91] مُعتبرين ذلك تشويهاً للصورة الإسلاميّة القائمة على العدل والرحمة والتعايش والسلام ودفع الضرر بالتي هي أحسن، من علماء عصره الذين خالفوه العلاء البخاري أحد عُلماء المذهب الحنفي، وابن حجر الهيتمي أحد فُقهاء الشافعيّة، وتقي الدين السبكي والإمام الذهبي، ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة بأن علماء عصر ابن تيمية اختلفوا فيه على قسمين أحد القسميّن نسبه إلى النفاق لما ذُكر من تهكّمات على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب،[92] تستند مُعظم المُنظمات والجماعات الإرهابية إلى فتاوي ابن تيميه لتبرير جرائمهم، دون الرجوع إلى سندٍ شرعي من القرآن والسنة النبوية، منها قتال من يُخالفهم في الفكر والعقيدة والقتل بطُرقٍ تعذيبية كالحرق وتشويه الجُثث،[93][94] ومن الفتاوى والآراء التي لاقت موقفاً مُعادياً:
◾جواز قتل الابن أباه المُشرك إذا أصرّ على شركه ودعاه إلى ذلك.[95]
◾الداعي إلى البدعة مُستحق العقوبة باتفاق المُسلمين، وعقوبته تكون تارةً بالقتل وتارةً بما دونه.
◾من ادعى أن أكل الحشيشه حلال فإنه كافرٌ، يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كافراً مُرتداً، لا يُغسل، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المُسلمين.[96]
◾من ادعى أن الجهر بلفظ النيّة مشروعاً في الإسلام، يجب تعريفه في الشريعة واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك يُقتل.[97]
◾أن من أنكر أن الله استوى فوق سبع سمواته فهو كافر به حلال الدم، يستتاب، فان تاب وإلا ضربت عنقه وألقى على بعض المزابل (نقلاً عن ابن خزيمة).[98]
◾لن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد، كتاب يُهدى به وحديد ينصره.


كتب وأبحاث عن ابن تيمية
◾الدمشقي, ابن ناصر. Wikisource link to الرد الوافر على من زعم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كافر. Wikisource.
◾المقدسي, محمد بن عبد الهادي. Wikisource link to العقود الدرية من مناقب الشيخ الإسلام ابن تيمية. Wikisource..
◾على ساحل ابن تيمية، من تأليف: عايض القرني.
◾موقف ابن تيمية من التصوف، من تأليف: محمد العريفي.
◾الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية، من تأليف: سعيد فودة.
◾شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن ناصبياً - المؤلف: سليمان بن صالح الخراشي.
◾دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد - المؤلف: د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن
◾الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية - عمرُ بنُ عليِّ بنِ موسى بنِ خليلٍ البغداديُّ الأزجيُّ البزَّارُ، سراجُ الدينِ أبو حفصٍ
◾الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية - المؤلف: مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلي
◾لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية - المؤلف: صالح بن سعيد بن هلابي

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 02-18-2017, 08:20 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زيد الدين الزُّرعي[1][2] ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن قيّم الجوزية (691 هـ - 751 هـ / 1292م - 1349م) من علماء المسلمين في القرن الثامن الهجري وصاحب المؤلفات العديدة، عاش في دمشق ودرس على يد ابن تيمية الدمشقي ولازمه قرابة 16 عاما وتأثر به. وسجن في قلعة دمشق في أيام سجن ابن تيمية وخرج بعد أن توفى شيخه عام 728 هـ.[3]


مسيرته

ولد في 7 صفرعام 691هـ.[4] الموافق 2 فبراير 1292م. ويقال أنه ولد في ازرع جنوب سوريا وقيل في دمشق.[5] من عائلة دمشقية عرفت بالعلم والالتزام بالدين، والده كان قيّماً على المدرسة الجوزية بدمشق مدة من الزمن، واشتهر بذلك اللقب ذريته وحفدتهم من بعد ذلك، وقد شاركه بعض أهل العلم بهذه التسمية وتقع هذه المدرسة بالبزورية المسمى قديما سوق القمح أو سوق البزورية (أحد اسواق دمشق)، وبقي منها الآن بقية ثم صارت محكمة إلى سنة 1372هـ، 1952م.[6]

عبادته وزهده

قال ابن رجب: "وكان ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر وشغف بالمحبة، والإنابة والاستغفار والافتقار إلى الله والانكسار له، والانطراح بين يديه وعلى عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك ولا رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس بمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. وقد اُمتحن وأوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة منفردا عنه ولم يخرج إلا بعد موت الشيخ. وكان في مدة حبسه منشغلا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر ففتح عليه من ذلك خير كثير وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والدخول في غوامضهم وتصانيفه ممتلئة بذلك. وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرا يتعجب منه".[7]

وقال ابن كثير: "لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك".[8]

وقال ابن حجر العسقلاني: "وكان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار، ويقول: هذه غدوتي لو لم أقعدها سقطت قواي، وكان يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين وكان يقول: لابد للسالك من همة تسيره وترقيه وعلم يبصره ويهديه".[9]


مهنته
1.الإمامة بالجوزية.
2.التدريس بالصدرية، وأماكن أخرى.
3.التصدي للفتوى.
4.التأليف.


فتاوى امتحن بسببها
◾مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد.
◾فتواه بجواز المسابقة بغير محلل: وذكر ابن حجر أنه رجع عن هذه الفتوى، وما ثمة دليل على الرجوع، والله أعلم بالصواب، وقوله هو الصواب الموافق للدليل.
◾إنكاره شد الرحال إلى قبر النبي إبراهيم.
◾مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء.


اتصاله بابن تيمية

اتفق المؤرخون على أن تأريخ اللقاء بين ابن قيّم الجوزية وابن تيمية كان منذ سنة 712 هـ[10] وهي السنة التي عاد فيها الشيخ ابن تيمية من مصر إلى دمشق واستقر فيها إلى أن مات سنة 728 هـ.[11] وقد امتحن ابن القيّم لمناصرته لشيخه وسجن معه. يقول ابن رجب: ( وقد امتحن وأوذي مرات وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردا عنه ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ).[12] ويقول ابن حجر: ( إنه اعتقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروبا بالدرة فلما مات أفرج عنه).[10] وقال ابن القيّم في نونيته واصفا توبته على يد ابن تيمية:



يا قوم والله العظيم نصيحة من مشفق وأخ لكم معوان
جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيران
حتى أتاح لى الإله بفضله من ليس تجزيه يدى ولساني
حبر أتى من أرض حران فيا أهلا بمن قد جاء من حران
فالله يجزيه الذي هو أهله من جنة المأوى مع الرضوان
أخذت يداه يدي وسار فلم يرم حتى أراني مطلع الإيمان
ورأيت أعلام المدينة حولها نزل الهدى وعساكر القرآن
ورأيت آثارا عظيما شأنها محجوبة عن زمرة العميان


مشايخه

له عدد كبير من المشايخ جمعهم الشيخ بكر أبو زيد وذكر منهم خمسة وعشرين،[13] منهم:
1.قيّم الجوزية: والده.
2.ابن تيمية. أخذ عنه الفقه والأصول
3.ابن عبدالدائم: أحمد بن عبدالدائم بن نعمة المقدسي مسند وقته.
4.بدر الدين بن جماعة.
5.أحمد بن عبد الرحمن بن عبدالمنعم بن نعمة النابلسي.
6.ابن الشيرازي: ذكر في مشيخة ابن القيّم ولم يذكر نسبه فاختلف فيه.
7.المجد الحراني: إسماعيل مجد الدين بن محمد الفراء شيخ الحنابلة.
8.ابن مكتوم: إسماعيل الملقب بصدر الدين والمكنى بأبي الفداء بن يوسف بن مكتوم القيسي.
9.الكحال: أيوب زين الدين بن نعمة النابلسي الكحال.
10.الإمام الحافظ الذهبي.
11.الحاكم: سليمان تقي الدين أبو الفضل بن حمزة بن أحمد بن قدامة المقدسي مسند الشام وكبير قضاتها.
12.شرف الدين ابن تيمية: عبد الله أبو محمد بن عبد الحليم بن تيمية النميري أخو ابن تيمية.
13.بنت الجوهر: فاطمة أم محمد بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي البعلي، المسندة المحدثة.
14.عيسى المطعم
15.ابن أبي الفتح البعلي: قرأ عليه المخلص لأبي البقاء، ثم قرأ الجرجانية ثم ألفية ابن مالك وأكثر الكافية والشافية وبعض التسهيل
16.مجد الدين التونسي: قرأ عليه قطعة من المقرب لابن عصفور
17.صفي الدين الهندي: أخذ عنه الفقه والأصول
18.إسماعيل بن محمد الحراني: قرأ عليه الروضة لابن قدامة


تلاميذه

وتلاميذه كثر ذكر منهم الشيخ بكر إحدى عشر،[14]. منهم:
◾ابنه برهان الدين إبراهيم بن قيّم الجوزية.
◾الإمام الحافظ ابن كثير.
◾الإمام ابن رجب الحنبلي.
◾علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي
◾الإمام الحافظ الذهبي.
◾الحافظ ابن عبد الهادي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي.
◾الفيروزآبادي: محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزآبادي صاحب القاموس.


مؤلفاته

بلغ بها الشيخ بكر أبو زيد 98 مؤلفا [15] وطبع منها:

◾اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية.
◾أحكام أهل الذمة.
◾إعلام الموقعين عن رب العالمين.
◾إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.
◾إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان.
◾بدائع الفوائد.
◾التبيان في أقسام القرآن.
◾تحفة المودود بأحكام المولود.
◾جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام.
◾الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء.
◾حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
◾روضة المحبين ونزهة المشتاقين.
◾الروح.
◾زاد المعاد في هدي خير العباد.
◾شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
◾الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
◾الطب النبوي. ( وهو جزء من كتاب زاد المعاد )
◾طريق الهجرتين وباب السعادتين.
◾الطرق الحكمية.
◾عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين.
◾الفروسية.
◾الفوائد .
◾الكافية الشافية في النحو.
◾الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية.
◾الكلام على مسألة السماع.
◾كتاب الصلاة وأحكام تاركها.
◾مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
◾مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة.
◾المنار المنيف في الصحيح والضعيف.
◾هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.
◾الوابل الصيب من الكلم الطيب.
◾الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
◾المسائل الطرابلسية. مجلدان.
◾زاد المعاد في هدي خير العباد. أربعة مجلدات.
◾الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم. مجلدان.
◾شرح أسماء الله الحسنى.
◾الرسالة الحلبية في الطريقة المحمدية.



وفاته

توفي في ليلة الخميس 13/7/751هـ، 1349م في وقت أذان العشاء وبه كمل من العمر ستون سنة. وصلى عليه في الجامع الأموي بدمشق بعد صلاة الظهر ثم بجامع جراح وأزدحم الناس للصلاة عليه ودفن عند والدته بمقبرة الباب الصغير.[16]

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 02-18-2017, 08:31 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

ابن الجوزي، هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري. فقيه حنبلي محدث ومؤرخ ومتكلم (510هـ/1116م - 12 رمضان 597 هـ) ولد وتوفي في بغداد. حظي بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون.[2] يعود نسبه إلى محمد بن أبي بكر الصديق.[3]

عرف بابن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره ببلدة واسط، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى "فرضة الجوز" وهي مرفأ نهر البصرة.[4]


نسبه

هو الإمام العالم المؤرخ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي التيمي الحنبلي.[5]


حياته

كان أهله تجارا في النحاس، [6] توفي والده علي بن محمد وله من العمر ثلاث سنين، على الرغم من فراق والده في طفولته فقد ساعده ثروة أبيه الموسر في توجهه لطلب العلم وتفرغه له ، فقد ترك له من الأموال الشيء الكثير، [7] وقد بين أنه نشأ في النعيم، بقوله في صيد الخاطر:


فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه، وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيت في ترف، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى أثر معي مرضا قطعني عن كثير من التعبد، حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يوما ما لا يصلح فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها، فقلت: إن لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناوله لطاعة عظيمة، وإن مطعما يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهجر، فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه


عاش ابن الجوزي منذ طفولته ورعاً زاهداً، لا يحب مخالطة الناس خوفاً من ضياع الوقت، ووقوع الهفوات، فصان بذلك نفسه وروحه ووقته، فقال فيه الإمام ابن كثير عند ترجمته له "وكان -وهو صبي- ديناً منجمعاً على نفسه لا يخالط أحداً ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان". قال ابن الجوزي واصفاً نفسه في صغره:


أبو الفرج بن الجوزي
كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها شربة، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم


كان له دور كبير ومشاركة فعالة في الخدمات الاجتماعية، وقد بنى مدرسة بدرب دينار وأسس فيها مكتبة كبيرة ووقف عليها كتبه وكان يدرس أيضا بعدة مدارس، ببغداد.[8]


محنته

في عهد الخليفة الناصر عينه ابن يونس الحنبلي في ولايته منصب الوزارة بعد أن سحب المنصب من عبد السلام بن عبد الوهّاب بن عبد القادر الجيلي الذي أحرقت كتبه بسبب إتهامه بالزندقة وعبادة النجوم.

خلف ابن القصاب منصب ابن يونس الحنبلي فلاحق كل من له صلة به، فكان مصير ابن الجوزي النفي. أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقاه الناس وبقي في المطمورة خمس سنين.


أقوال العلماء فيه

قال عنه ابن كثير : "أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف".[9]

وقال عنه الذهبي: "ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل". [10]


مصنفاته

تميز ابن الجوزي بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو ثلاثمائة مصنف شملت الكثير من العلوم والفنون، فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف في التفسير والحديث والتاريخ واللغة والطب والفقه والمواعظ وغيرها من العلوم، ومن أشهر تلك المصنفات:
◾زاد المسير في علم التفسير أربعة أجزاء
◾نواسخ القرآن
◾دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه

وله في الحديث تصانيف كثيرة، منها:
◾الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، جمع فيه الأحاديث الموضوعة، لكن تُعقِّب عليه في بعضها.

وأيضا:
◾صفوة الصفوة
◾تلبيس إبليس
◾التذكرة في الوعظ
◾كتاب ذم الهوى
◾صيد الخاطر
◾الوفاء بأحوال المصطفى
◾المنتظم في تاريخ الملوك والأمم
◾تاريخ بيت المقدس
◾أخبار الحمقى والمغفلين
◾ولقط المنافع، في الطب.
◾تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر (كتيب)
◾لفتة الكبد إلى نصيحة الولد(رسالة)
◾أعمار الأعيان
◾كتاب المدهش في الوعظ، وقد يكون أعظم مصنفات الوعظ بلاغة.
◾فنون الأفنان في عيون علوم القرآن
◾سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد
◾أخبار الظراف والمتماجنين
◾كتاب الأذكياء
◾بستان الواعظين ورياض السامعين
◾التبصرة في الوعظ
◾درر الجواهر من كلام الشيخ عبد القادر[11][12]
◾بحر الدموع


شعره

وكان خطيبا مفوها وأديبا ومن شعره في الزهد والقناعة:



إذا قنعت بميسور من القوت بقيت في الناس حرًا غير ممقوت
يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي فلست آسي على در وياقوت

وأوصى أن يُكتب على قبره:



يا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان اليه


من أقواله
◾كان حريصا على الوقت متفرغا للعلم. قال في صيد الخاطر: (فليس في الدنيا أطيب عيشا من منفرد عن العالم بالعلم، فهو أنيسه وجليسه، قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة، لا عن تكلف ولا تضييع دين، وارتدى بالعز عن الذل للدنيا وأهلها، والتحف بالقناعة باليسير، إذا لم يقدر على الكثير بهذا الاستعفاف يسلم دينه ودنياه، واشتغاله بالعلم يدله على الفضائل ويفرجه عن البساتين، فهو يسلم من الشيطان والسلطان والعوام بالعزلة، ولكن لا يصلح هذا إلا للعالم، فإنه إذا اعتزل الجاهل فاته العلم فتخبط).
◾مغنية الحي لا تطرب .
◾الكتب هم الولدان المخلدون

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 02-18-2017, 08:42 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

ابن قدامة العدوي القرشي هو أحد علماء المذهب الحنبلي.


سيرته

هو: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة بن مقدام من ذرية سالم بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي المقدسي الجمَّاعيلي والدمشقي الصالحي أحد أئمة وشيوخ المذهب الحنبلي .[1][2]

ولد بجمَّاعيل (تسمى اليوم جماعين) من عمل نابلس في فلسطين سنة 541 هـ / 1146 - 1147 م وفي تلك السنة قامت الحملة الصليبية الثانية بقيادة لويس السابع ملك فرنسا، وكونراد الثالث ملك ألمانيا ،وبعد ذلك بثمان سنوات استولى الصليبيون على فلسطين فهاجر أحمد بن قدامة مع أسرته إلى دمشق، وطلب عبد الله العلم في دمشق، ثم في بغداد حيث رحل إليها هو وابن خالته الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام والمحدث الكبير المتوفى سنة 600 هـ، فدرسا شيخ الحنابلة عبد القادر الجيلاني، وغيره من مشايخ بغداد، وقد خدم الموفق المقدسي المذهب الحنبلي خدمة عظيمة بمؤلفاته المفيدة، ومنها: العمدة، والمقنع، والكافي في فقه الامام أحمد بن حنبل، والمغني. ولما زحف صلاح الدين الأيوبي جيوش الإسلام لتحرير فلسطين في شهر المحرم سنة 583 هـ/ 1187م كان الشيخ ابن قدامة في مقدمة تلك الجيوش، وشرفه الله بالمشاركة حصار الكرك، وعكا، وفتح طبرية، ومعركة حطين قرب النبي شعيب في 25 من شهر ربيع الثاني حيث أُشر ملك الإفرنج جيفري، وأميرهم أرناط، وشارك الشيخ ابن قدامة مع صلاح الدين في تحرير طبريا وعكا والناصرة وقيسارية وصفورية وتبنين وصيدا، وتحرير بيروت في 29 جمادى الأولى، وتحرير عسقلان، وفتح القدس يوم الجمعة 27 من شهر رجب الفرد، ونصب فيها المنبر الذي أرسله نور الدين بن محمود زنكي، وكان الشيخ ابن قدامة في الثانية والأربعين من عمره، وكان يقضي وقته بين التدريس والجهاد في سبيل الله، ولما بلغ التاسعة والسبعين من عمره وافاه الأجل يوم عيد الفطر المبارك سنة 620 هـ/ 1223 م، ودفن في مغارة التوبة بمدينة دمشق.


وصفه الخلقي

قال الضياء : كان تام الخلقه أبيض مشرق الوجه أدعج كأن النور يخرج من وجهه لحسنه واسع الجبين طويل اللحية قائم الأنف مقرون الحاجبين صغير الرأس لطيف اليدين والقدمين نحيف الجسم ممتعا بحواسه.


طلبه للعلم

حفظ القرآن دون سن البلوغ وحفظ مختصر الخرقي وتعلم أصول الدين، وكتبَ الخط المليح، وتتلمذ على يد كبار مشايخ دمشق واعلامها فنبغ، ثم سافر إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبد الغني المقدسي سنة إحدى وستين، وأقاما بها أربع سنوات يدرسان على شيوخها. ومنهم عبد القادر الجيلاني وابن الجوزي وعاد إلى دمشق.


قال العلماء عنه
◾قال أبو عمرو بن الصلاح: «مارأيت مثل الشيخ موفق.»
◾وقال ابن تيمية عنه: «ما دخل الشام - بعد الأوزاعي - أفقه من الشيخ موفق.»
◾وقال ابن رجب الحنبلي : «الفقيه الزاهد الإمام شيخ الإسلام وأحد الأعلام، وقال أيضا : هو إمام الأئمة ومفتي الأمة خصه الله بالفضل الوافر والخاطر الماطر، طنّت في ذكره الأمصار وضنّت بمثله الأعصار.»
◾وقد وصفه الذهبي بأنه كان من بحور العلم وأذكياء العالم.
◾وقال الكتبي ــ صاحب فوات الوفيات ــ : «كان إماما حجة مصنفا متفننا محررا متبحرا في العلم كبير القدر.»
◾ونقل الذهبي عن الضياء المقدسي قوله : «سمعت المفتي أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة يقول : ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق.»
◾وقال الصفدي : «كان أوحد زمانه إمام في علم الخلاف والفرائض والأصول والفقه والنحو والحساب والنجوم السيارة والمنازل.»
◾وقال ابن كثير عنه:[3] «إمام عالم بارع، لم يكن في عصره بل ولا قبل دهره بمدة أفقه منه.»


وفاته

توفى يوم الفطر عام 620 هجرية ودفن في دمشق بجبل قاسيون خلف الجامع المظفري، وقد شيعته دمشق بجنازة حافلة.


من مؤلفاته
1.عمدة الفقه.
2.المقنع.
3.الكافي في فقه الامام أحمد بن حنبل.
4.المغني : وهو أكبر كتبه ومن كتب الإسلام المعدودة.
5.الاستبصار : في الأنساب.
6.الاعتقاد.
7.ذم التأويل
8.ذم الوسواس.
9.روضة الناظر وجنة المناظر.
10.فضائل الصحابة
11.القدر.
12.مسألة في تحريم النظر في علم الكلام.
13.مناسك الحج.
14.التبيين في أنساب القرشيين.
15.تحريم النظر في كتب أهل الكتاب.
16.البرهان في مسألة القرآن.
17.مختصر منهاج القاصدين.[محل شك] حيث يعتقد انه ليس من كتبه وهو من كتب ابن اخيه عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي .
18.ذم ما عليه مدعو التصوف.
19.رسالة إلى فخر الدين ابن تيمية في عدم تخليد أهل البدع في النار.
20.كتاب التوابين.
21.الرقة والبكاء.
22.فضائل عاشوراء.
23.فضائل العشر.
24.الفوائد.
25.صفة العلو - لله الواحد القهار
26.القدر.
27.قنعة الأريب في الغريب.
28.المتحابين في الله.
29.مختصر علل الحديث.
30.مختصر الهداية.
31.مشيخة شيوخه.
32.الكفر والتوحيد [محل شك].
33.الوصية.
34.الشرح الكبير على المقنع.[محل شك] ويعتقد انه ليس من مؤلفاته بل هو من كتب ابن اخيه عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي .
35.لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد.

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 02-18-2017, 09:07 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد الحنبلية البغدادية، كنيتها أم زينب، (وُلِدت ببغداد في القرن السابع الهجري - وتُوفيّت 9 ذو الحجة، 714 هـ بالظاهر، القاهرة)، شيخة ومفتية وواعظة وفقيهة على المذهب الحنبلي. لقبها العلماء بـ سيدة نساء زمانها، وكانت تلميذة لشيخ الإسلام ابن تيمية، من أهل بغداد وسكنت دمشق في شبابها، وعلى رأس القرن الثامن الهجري انتقلت إلى القاهرة حيثُ توفيت هناك.[1]


سيرتها

أصلها من بغداد ولا تُعرف سنة مولدها أو أي شيء عن حياتها المُبكرة. برزت كإحدى تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية إذ كانت مهتمة بالفقه فتعلمته على يديه في دمشق حيثُ كانت تحضر مجلسه مع جملة التلاميذ وتسمع دروسه وتسأله عما يشكل عليها فيجيبها فاستفادت منه كثيراً، وكان ابن تيمية يستعد لها قبل كل درس بسبب كثرة أسئلتها ومسائلها في الدين والفقه وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها. ونقل ابن كثير صاحب البداية والنهاية أن أستاذه ابن تيمية كان كثير الثناء عليها وعلى علمها.[2]

إضافةً إلى ابن تيمية فقد تتلمذت على يد شمس الدين ابن أبي عُمر المقدسي فاتقنت الفقه إتقاناً بالغاً. وبرزت بين أهل العلم فرحل إليها التلامذة من كل ناحية للتعلم على يديها، وكانت تعلم النساء وتدرسهن وتحفظهن القرآن الكريم، وقد ختمت كثير من النساء القرآن من ضمنهن السيدة عائشة بنت صديق زوجة العالم المعروف المزي، وأيضًا حفظت القرآن وقرأته على ابنة المزي أمة الرحيم زينب التي كانت زوجة المؤرخ ابن كثير وقد ذكر ذلك بنفسه إذ قال: «وهي التي ختمت نساء كثيراً القرآن، منهن أم زوجتي عائشة بنت صديق، زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أمة الرحيم زينب، رحمهن الله، وأكرمهن برحمته وجنته، آمين.[2]»

إلى جانب فقهها وإفتاءها كانت واعظة تعظ النساء وتربيهن وتدعو إلى المعروف وتنهى عن المنكر، وتواجه الصوفية والباطنية وأي أحد ترى منه ابتداع في الدين، وكان في الشام ومصر فرقة صوفية تُدعى الأحمدية وقيل المحمدية كانوا يحللون الاختلاط بالنساء الأجنبيات عنهم ومؤاخاتهن والخلو بهن وبرؤيتهن بلا حجاب بكامل زينتهن وكانوا أيضًا يحللون مؤاخاة المردان فقامت عليهم وواجهتهم وأنكرت عليهم ذلك وأحوالهم عامة، فقال ابن كثير في ذلك عن شجاعتها: «وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مؤاخاتهم النساء والمردان، وتنكر أحوالهم وأحوال أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا يقدر عليه الرجال![2]»

وكانت تصعد على المنابر تخطب وتلقي الدروس وتعظ الناس وخصوصاً النساء، ويقول صلاح الدين الصفدي عن عظتها: «كانت تصعد المنبر وتعظ النساء، فينيب لوعظها، ويقلع من أساء، وانتفع بوعظها جماعة من النسوة، ورقت قلوبهن للطاعة بعد القسوة، كم أذرت عبرات، وأجرت عيوناً من الحسرات كأنها أيكية على فننها، وحمامة تصدح في أعلى غصنها...[3]»

وكانت تحفظ أغلب كتاب المغني لابن قدامة الذي يعد من أكبر كتب الفقه في الإسلام وقد ذكر هذه المعلومة ابن تيمية الذي نقله ابن كثير عنه إذ قال: «وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية، فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يثني عليها، ويصفها بالفضيلة والعِلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيراً من "المغني" أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها، وحسن سؤالاتها، وسرعة فهمها...[2]»

وقال عنها ابن حجر العسقلاني مادحاً علمها: «كان ابن تيمية يثني عليها ويتعجب من حرصها وذكائها، وانتفع بها نساء أهل دمشق لصدقها في وعظها وقناعتها ثم تحولت إلى القاهرة فحصل بها النفع وارتفع قدرها وبعد صيتها وكانت قد تفقهت عند المقادسة بالشيخ ابن أبي عمر وغيره وقلَّ من أنجب من النساء مثلها...[4]»، وقال ابن رجب الحنبلي: «أخذت عَن: الشيخ شمس الدين بْن أَبِي عُمَر حَتَّى برعت. كانت إذا أشكل عَلَيها أمر سألت ابن تيمية عَنهُ فيفتيها، ويتعجب منها، ومن فهمها، ويبالغ في الثناء عَلَيهَا.[5]»

في رأس القرن الثامن الهجري أي بداياته انتقلت إلى القاهرة في مصر من الشام، وهُناك نبغت واشتهرت أكثر، وكان هُناك رباط قامت ببنائه الأميرة المملوكية تذكارياي خاتون بنت الملك الظاهر بيبرس في عام 684 هـ، والرباط هو أشبه اليوم بما يكون الملجأ والمأوى الذي يأوي إليه الفقراء والمساكين والمسافرين وأبناء السبيل ومن لا يملك مكاناً للعيش فيه فيبقى فيه متى شاء، وكان بهذا الرباط أو المأوى مكان للنساء ومكان للرجال، وفي مكان النساء كان يوجد دائماً شيخة تعظ النساء وتذكرهن بالله وتفقههن وتعلمهن الدين فلمّا أتت فاطمة للقاهرة أصبحت شيخة هذا الرباط فانتفع بها الكثير من النساء وتعلمن على يديها، ويقول تقي الدين المقريزي عن وعظها في هذا الرباط: «انتفع بها كثير من نساء دمشق ومصر، وكان لها قبول زائد ووقع في النفوس...»، وبسبب تأثيرها في هذا الملجأ أو الرباط تمَّ تسميته على اسمها إذ أُطلِق عليه "رباط البغدادية" ومن بعدها أصبح عادة أن تُسمى شيخة الرباط بـ "البغدادية" عليها أيضًا.[6] وقال صلاح الدين الصفدي: «انصلح بها جماعة نساء في دمشق وبصدقها في وعظها وتذكيرها وقناعتها، تحولت بعد السبع مئة إلى مصر، وانتفع بها في مصر من النساء جماعة، وبعد صيتها...[3]»

وقال ابن حجر العسقلاني في فقهها: «كانت تدري الفقه جيداً[4]»، أما صلاح الدين الصفدي فقد قال: «وكانت تدري الفقه وغوامضه الدقيقة، ومسائله العويصة، التي تدور مباحثها بين المجاز والحقيقة. وكان ابن تيمية رحمه الله تعالى يتعجب من عملها، ويثني على ذكائها وخشوعها وبكائها.[3]»، وقد زارها الإمام الذهبي مرة وقابلها ويقول عنها: «انتفع بها خلقٌ من النساء وتابوا. وكانت وافرة العلم، قانعة باليسير، حريصة على النفع والتذكير، ذات إخلاص وخشية وأمر بالمعروف. انصلح بها نساء دمشق ثم نساء مصر. وكان لها قبول زايد ووقع في النفوس رحمها الله، زرتها مرة.[7]»

وقد كان لها مع الفقيه والشاعر الشافعي صدر الدين بن الوكيل عدة مجادلات ومسائل فقهية تخص الحيض، ثم قالت لصدر الدين: «أنت تدري هذا علماً، وأنا أدريه علماً وعملاً! [8]»، ويقول صلاح الدين الصفدي عن أمرها مع صدر الدين: «وبحثت مع الشيخ صدر الدين بن الوكيل في الحيض وراجت، وزخرت بحور علومها وماجت..»، ثُمّ أعقب بكلامه مُتعجباً من علمها: «فلو عاينتها لقربت من الشيخ تقي الدين في تفضيلها. ولن أقصيه، وقلت له (يقصد ابن تيمية): هذه التي يصح أن يُقال عنها: «إنها بأربع أخصية، لأنها مونثة قد تفردت بالتذكير، وعارفة لم يدخل على معرفتها تنكير!»، ولم تزل على طريق سداد واعتداد من الازدياد إلى أن فطم من الحياة رضاعها، وآن من الدنيا ارتجاعها.[8]» [3]

ترجم لها العديد من العلماء، منهم؛ صلاح الدين الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر، وتقي الدين المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، وابن كثير في كتابه البداية والنهاية، والذهبي في كتابه العبر في خبر من غبر، وابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، وابن رجب الحنبلي في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة، ومحمد إسماعيل المقدم في كتابه عودة الحجاب، وغيرهم.

كانت فاطمة معروفة بعبادتها وصلاحها وزهدها، وقد أثنى عليها العلماء كثيراً ولقبها تقي الدين المقريزي والذهبي بـ "سيدة نساء زمانها" إذ قال المقريزي عنها: «الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها أمّ زينب فاطمة بنت عباس البغدادية...[6]»، وفي موضع آخر قال: «وقد أنافت على الثمانين، وكانت فقيهة وافرة العلم، زاهدة قانعة باليسير، عابدة واعظة حريصة على النفع والتذكير، ذات إخلاص وخشية، وأمر بالمعروف، انتفع بها كثير من نساء دمشق ومصر، وكان لها قبول زائد ووقع في النفوس، وصار بعدها كلّ من قام بمشيخة هذا الرباط من النساء يقال لها البغدادية...[6]»، أما الذهبي فقال: «العالمة الفقيهة الزاهدة القانتة سيدة نساء زمانها الواعظة أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادي الشيخة...[7]»

وقال ابن كثير: «الشيخة الصالحة العابدة الناسكة أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية...[2]»، ووصفها ابن رجب الحنبلي: «الواعظة، الزاهدة، العَبّادة، الشيخة، الفقيهة، العالمة، المُسنِدة، المفتية، الخائفة، الخاشعة، السيدة، القانتة، المُرابطة، المتواضعة، الدينّة، العفيفة، الخيّرة، الصالحة، المتقنة، المحققة، الكاملة، الفاضلة، المتفننة، البغدادية الواحدة فِي عصرها والفريدة فِي دهرها المقصودة فِي كُل ناحية كانت جليلة القدر، وافرة العلم، تسأل عَن دقائق المسائل، وتتقن الفقه إتقانًا بالغًا...[5]»، وأضاف ابن رجب الحنبلي في موضع آخر: «وكانت مجتهدة، صوامة، قوامة، قوالة بالحق، خشنة العيش، قانعة باليسير، آمرة بالمعروف، ناهية عَنِ المنكر، انتفع بِهَا خلق كثير، وعلا صيتها، وارتفع محلها...رحمها اللَّه تَعَالَى، ورضي عَنْهَا، آمين.[5]»، وقال عنها صلاح الدين الصفدي: «الشيخة المفتية الفقيهة العالمة الزاهدة العابدة، أم زينب البغدادية الحنبلية الواعظة.[3]»

ولديها ابنة اسمها زينب اقتدت بأمها فأصبحت واعظة وخطيبة تعظ وتخطب النساء.[9] عمرت وطال عمرها فلم تتوفي إلا وهي بأوساط الثمانينات من عمرها في يوم عرفة 9 ذو الحجة عام 714 هـ بحي الظاهر في القاهرة بِمصر.[8] وحسب الذهبي وابن كثير فقد حضر جنازتها وشيعها خلق كثيرٌ.[

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 02-18-2017, 09:38 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

محمد بن عبد الوهّاب (1115 - 1206هـ) (1703م - 1791م): عالم دين سني على المذهب الحنبلي، يعتبره أتباع دعوته من مجددي الدين الإسلامي في شبه الجزيرة العربية حيث شرع في دعوة المسلمين للتخلص من البدع والخرافات وتوحيد الله ونبذ الشرك.

ولد في العيينة وسط نجد سنة 1115 هـ الموافق من عام 1703.[1] لأسرة ينسب إليها عدد من علماء الدين، كان جدُّه سليمان بن علي بن مشرف من أشهر العلماء في الجزيرة العربية في عصره، وكذلك كان والده عالمًا فقيهًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأحد القضاة المعروفين، فقد تولَّى القضاء في عدَّة جهات؛ مثل: العيينة وحريملاء، وكان عمُّه الشيخ إبراهيم بن سليمان من مشاهير العلماء في تلك البلاد.[2]

تعلم القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب وعمره عشر سنين وقرأ على أبيه في الفقه، وتذكر مصادر الترجمة أنه كان مشهوراً حينئذ بحدة ذهنه وسرعة حفظه وحبه للمطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام.[3]

سافر إلى مكة والمدينة لتحصيل المزيد من العلم عبر منهج التلقي عن مشايخه. والتقى في سفره بالعديد من العلماء، ودرس على يد الشيخ عبد الله بن سيف والشيخ محمد حياة السندي، فأخذ عنهم بقية علومه، ثم توجه إلى الأحساء فأخذ عن شيوخها، وزار البصرة وبغداد؛ حيث اطلّع على علوم التصوف وفلسفة الاستشراق، وأنكر على كثير من العلماء ما سمعه من العلوم التي لا تتفق مع الإسلام - حسب فقهه للإسلام - وشرع في الدعوة إلى العودة إلى الإسلام كما فهمه العرب الأوائل.[4]

توفي في العيينة بسبب مرض ألم به في أول شوال ثم كان وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر في عام 1206 هـ.[5]



النشأة

نسبه وأسرته

هو محمد بن عبد الوهّاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبه بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعه بن أبي سود بن مالك بن حنظله بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي. من المشارفه آل مشرف من المعاضيد من فخذ آل زاخر من قبيلة الوهبه من بني حنظلة من قبيلة بني تميم فيقال له (المشرفي) نسبة إلى جده مشرف وأسرته آل مشرف، ويقال: (الوهيبي) نسبة إلى جده وهيب. أما والدته؛ فهي ابنة محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي.[6][7][8]

أولاده


لمحمد بن عبد الوهّاب 6 أبناء وابنة واحدة اسمها فاطمة كانت تعد من عالمات الدين. أسماء أبنائه كما يلي:
◾حسن بن محمد بن عبد الوهاب. وقد توفي في حياة أبيه.
◾حسين بن محمد بن عبد الوهاب،.
◾إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب توفي ولم يعقب.
◾عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.
◾علي بن محمد بن عبد الوهاب.
◾فاطمة بنت محمد بن عبد الوهاب.
◾عبد العزيز بن محمد بن عبد الوهاب توفي ولم يعقب سوى ابنتين هما طرفة ونَورَة.[6]

طلب العلم

انحدر محمد بن عبد الوهّاب من أسرة علمية شهيرة فأبوه عبد الوهّاب بن سليمان كان من الفقهاء وقاضياً في العارض وجده سليمان بن علي كان عالماً وقاضياً وموثقاً شرعياً تولى القضاء أيضاً، وعمه الشيخ إبراهيم وهو ممن تخرج بأبيه وكان يتردد على ما حول العيينة للإفتاء والتوثيق وتولى القضاء في بلدة أشيقر، حفظ محمد بن عبد الوهّاب القرآن الكريم ولم يتجاوز سنه عشرة أعوام وشرع في طلب العلم فقرأ على والده وعمه وتخرج بهما في الفقه وغيره وكان سريع الحفظ والكتابة قوي الإدراك كثير المطالعة شغوفا بها ولاسيما في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام. ثم رحل إلى عدد من الأمصار لطلب العلم والحديث والتفقه في الدين فرحل إلى الحجاز وتهامة والبصرة والزبير والأحساء وقرأ على جملة من علمائها، وتحصل على إجازات في الحديث وغيره.[9]

رحل محمد بن عبد الوهّاب في طلب العلم إلى مكة والمدينة والبصرة غير مرة. ولم يتمكن من الرحلة إلى الشام ثم عاد إلى نجد يدعو الناس إلى التوحيد. ولم يثبت أن محمد بن عبد الوهّاب قد تجاوز الحجاز وتهامة والعراق والأحساء في طلب العلم. فتفقه على المذهب الحنبلي وتلقاه على يد والده بإسناد متصل ينتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل. كما تلقى علم الحديث النبوي ومروياته الحديثية لجميع كتب السنة كالصحاح والسنن والمسانيد وكتب اللغة والتوحيد وغيرها من العلوم عن شيخيه: العلامة عبد الله الفرضي الحنبلي والمحدث محمد حياة السندي وأسانيدهما مشهورة معلومة.[10] ولقد كان لعدد من العلماء السلفيين دور في تشكيل وبناء فكر محمد بن عبد الوهّاب ومنهم الشيخ محمد المجموعي وبعض علماء العراق الآخرين وقد هاجم الشيخ محمد بن عبد الوهّاب ما رآه من المعاصي هناك وعاد غاضباً. ومن علماء الإحساء كان للشيخ ابن عبد اللطيف وهو أحد علماء الأحساء الحنابلة دور في بناء فكر محمد بن عبد الوهّاب الديني. وقد تدارس الشيخ كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم مما كان له الأثر في انطلاق فكره وحرية آرائه واجتهاده.[9]

أما ما قيل من أنه سافر إلى الشام كما ذكره خير الدين الزركلي في الأعلام وإلى فارس وإيران وقم وإصفهان كما يذكره بعض المستشرقين ونحوهم في مؤلفاتهم فهذه الأشياء غير مقبولة لأن حفيده عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وابنه عبد اللطيف وابن بشر نصوا على أن محمد بن عبد الوهّاب لم يتمكن من السفر إلى الشام أما ما يذكر من أنه سافر إلى فارس وغيرها من البلاد فإن أغلبهم قد اعتمدوا على كتاب لمع الشهاب لمؤلف مجهول. قال حمد الجاسر:

«ولا تفوت الإشارة إلى أن كثيراً ممن كتبوا عن محمد انخدعوا بما جاء في كتاب لمع الشهاب... إلى أن قال: وهذا الكتاب الذي لا يصح التعويل عليه.»

وبالإجمال؛ فقد حرص مترجموا محمد بن عبد الوهّاب على تدوين كل ما يتصل برحلاته وبأسماء العلماء الذين تلقى العلم عنهم. وبذكر البلاد التي زارها ويكادون يتفقون على عدم صحة ما ورد في كتاب لمع الشهاب.[10] ومن ذلك ما زعم أنه درس اللغتين الفارسية والتركية والحكمة الإشراقية والفلسفة والتصوف ولبس جبة خضراء في أصفهان فليس بثابت بل إنه أمر مستبعد إذ ليس في مؤلفاته وآثاره ما يدل على شيء من هذا ثم إن من ذكر ذلك عنه كان ممن انخدع بمثل كتاب لمع الشهاب.[11] وبعد مضي سنوات على رحلته عاد إلى بلدة حريملاء التي انتقل إليها والده بعد أن تعين على العيينة أمير جديد يلقب عثمان بن حمد بن معمر والذي لم يرق له بقاء عبد الوهّاب في القضاء فعزله عنه فغادرها عبد الوهّاب إلى حريملاء وأقام بها وتولى قضاءها. فأقام محمد في حريملاء مع أبيه يدرس علمه.[12]

شيوخه

كان من شيوخه:
1.الشيخ عبد الله بن سالم البصري، المكي الشافعي، قارئ صحيح البخاري في جوف الكعبة المشرفة ومصحح كتب الحديث الستة (ت1134 هـ).
2.الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، من فقهاء المدينة المنورة (ت1140 هـ).
3.الشيخ محمد بن حياة بن إبراهيم السندي، من كبار المحدثين في عصره (ت 1163 هـ)، وهو من أخص تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الهادي السندي، صاحب الحواشي الشهيرة على المسند والكتب الستة.
4.الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الشامي، صاحب المصنف الشهير (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) (ت1162 هـ).
5.الشيخ عبد الله بن فيروز الأحسائي (ت 1175 هـ).[9]

تلاميذه

أخذ عن محمد بن عبد الوهّاب كثير من أهل الدرعية والواردين عليها، في وقت كانت فيه حاضرة من حواضر العلم في بلاد المسلمين، وممن تتلمذ عليه أبناؤه:
1.الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهّاب (ت1224 هـ)
2.الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهّاب (ت1242 هـ)
3.الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهّاب
4.الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الوهّاب
5.حفيده المجدد الثاني للدعوة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهّاب (1285 هـ)
6.الشيخ سعيد بن حجي (ت 1229 هـ)
7.الشيخ عبد العزيز بن حصين (ت1237 هـ)
8.الشيخ حمد بن معمر (ت1225 هـ)، وغيرهم.[9]

عقيدته

كان محمد بن عبد الوهّاب عند أتباعه يدعو الناس إلى عقيدة التوحيد ولذلك سمى أتباعه هذه الدعوة بالدعوة السلفية نسبة إلى السلف الصالح. وكانت جل دعوته إعادة الناس إلى تحقيق التوحيد ونبذ الشرك الذي كثر آنذاك مثل التعبد بالقبور والتقرب بالأصنام والأشخاص والبناء على القبور والتعامل بالسحر وغيرها من مظاهر البدع والتي هي تنافي عقيدة التوحيد في دين الإسلام والتي ختمها آخر الأنبياء محمد
Mohamed peace be upon him.svg
وتبعه بها الخلفاء الأربعة والصحابة والتابعين ومن بعدهم، ودعوة الناس لنبذ ما يخالفها من الأفكار التي كانت قد تفشت في ذلك العصر من عبادة القبور وغيرها ويرى أعداؤه ومنتقدوه أنه أنشأ طائفة أو فكرة متشددة لتفسير الإسلام، ما أدى إلى عدم التهاون مع مخالفيهم في الدين أو في المذهب، بل ضخموا المسائل الفرعية المختلفة فيها إلى درجة التكفير والتفسيق.[13]

يقول في الإيمان ما قاله السلف أنه قول وعمل يزيد وينقص. يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية هذا من عقيدته وليس له في ذلك مذهب خاص. وإنما أظهر ذلك في نجد وما حولها ودعا إلى ذلك ثم جاهد عليه من رفضه وعانده وقاتلهم، وكذلك هو على ما عليه من الدعوة إلى الله وإنكار الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


أعماله

دعوة التوحيد

قام محمد بن عبد الوهّاب بدعوة المسلمين للتخلص من البدع والخرافات وتوحيد الله عز وجل. وقد كان كتاب التوحيد أحد مؤلفاته التي ساق فيه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله. كان على بن عبد الوهّاب محاربة كل هذه البدع والضلالات - حسب رأيه - من خلال غزو هذا الفكر بفكر جديد وكان لفكر ابن تيمية دور عظيم في اتجاهات دعوة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهّاب وقد تصدى الكثيرون للدعوة في مطلعها.[9]

بدأت الدعوة في لين ورفق من بن عبد الوهّاب بين أتباعه ومريديه وفي بلدته العيينة إلا أنه لقي معارضة شديدة من بعض المذاهب وكَثر أعداءه لاختلاف المصالح. ولكن الشيخ لم يهدأ واستعمل كل الوسائل لنشرها.

خروجه من العيينة

خرج إلى الدرعية مقر آل سعود. وهناك التقى بأمير الدرعية الشيخ محمد بن سعود بن محمد آل مقرن، الذي استقبل محمد بن عبد الوهّاب فعرض محمد بن عبد الوهّاب دعوته على الأمير محمد بن سعود بن محمد آل مقرن؛ فقبلها، وتعاهد الشيخان على حمل الدعوة على عاتقهم، والدفاع عنها، والدعوة للدين الصحيح، ومحاربة البدع، ونشر كل ذلك في جميع أرجاء جزيرة العرب.[9]

تحالفه مع محمد بن سعود

خرج محمد بن عبد الوهّاب من العيينة طريداً وكان سبب إخراجه من العيينة هو أن ابن معمر أمير العيينة خاف من حاكم الإحساء أن يقطع عنه المعونة فأخرج محمد بن عبد الوهّاب من العيينة. فتوجه إلى الدرعية وقد افتقد ثقة الأمير وثقة الناس من حوله به وبما يدعو إليه وافتقد المسكن والمكانة ومشى وحيداً أعزل من أي سلاح ليس بيده إلا مروحة من خوص النخيل من العيينة إلى الدرعية . فلما وصل الدرعية قصد بيت ابن سويلم العريني، فلما دخل عليه ضاقت عليه داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود بن محمد آل مقرن فوعظه الشيخ وأسكن جأشه وقال :«سيجعل الله لنا ولك فرجاً ومخرجاً.[14]»

ثم انتقل محمد بن عبد الوهّاب إلى دار تلميذ الشيخ ابن سويلم الشيخ محمد بن سويلم العريني وهناك بدأ التزاور بين خصائص أهل العلم من الدرعية ولما اطلعوا على دعوة الشيخ أرادوا أن يشيروا على ابن سعود بنصرته فهابوه فأتوا إلى زوجته موضي بنت محمد بن عبد الله بن سويلم العريني وأخيه ثنيان فأخبروها بمكان محمد بن عبد الوهّاب ووصف ما يأمر به وينهى عنه فاتبعا دعوة الشيخ وقررا نصرته.[15]

دخل محمد بن سعود بن محمد آل مقرن على زوجته فأخبرته بمكان الشيخ وقالت له: «هذا الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به» فقبل قولها ثم دخل على أخيه ثنيان وأخيه مشاري فأشارا عليه بمساعدته ونصرته. أراد أن يرسل إليه فقالوا:«سر إليه برجلك في مكانه وأظهر تعظيمه والاحتفال به، لعل الناس أن يكرموه ويعظموه» فذهب محمد بن سعود إلى مكان الشيخ ورحب به وأبدى غاية الإكرام والتبجيل وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده. وقال له: "أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة"، فقال الشيخ: "وأنا أبشرك بالعزة والتمكين وهذه كلمة لا إله إلا الله من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وأنت ترى نجداً وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعض فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك".[16]

شروط التحالف

شرط الأمير محمد بن سعود بن محمد آل مقرن على محمد بن عبد الوهّاب شرطين:
◾أن لا يرجع عنه إن نصرهم الله ومكنهم.
◾أن لا يمنع الأمير من الخراج الذي ضربه على أهل الدرعية وقت الثمار.

فقال محمد بن عبد الوهّاب: «أما الأول الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثاني فلعل الله يفتح عليك الفتوحات وتنال من الغنائم ما يغنيك عن الخراج.[17]»

التطبيق

دخلت الدعوة في إطار التنفيذ ونجحت شيئاً فشيئاً ودخل الناس في دعوة التوحيد ودخل أتباع الشيخ مكة وأرادوا أن يخلصوا الدين من البدع فهدموا كثيراً من القباب الأثرية في مكة كقبة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وقبة كانت على المكان الذي ولد فيه النبي
Mohamed peace be upon him.svg
وقبة مولد أبي بكر وعلي. وفي المدينة رفعوا بعض الحلي والزينة الموضوعة على قبر رسول الله
Mohamed peace be upon him.svg
مما أثار غضب كثير من الناس وبرر غضبهم رغبة من هؤلاء الناس في الحفاظ على معالم التاريخ ولأن قبر الرسول رمز للعاطفة الإسلامية وقوة دولة المسلمين.

ولم يهتم أتباع محمد بن عبد الوهّاب بذلك بل اهتموا بعقيدتهم وإزالة البدع والرجوع إلى الأصول في دينهم. وكان الاهتمام الأكبر بأخلاق الناس وعقيدتهم والشروع في تقويتها وترسيخها وإزالة الرواسب منها. وفي وقت سيادة الدعوة بقيادة السلفيين قلت المشاكل في مجتمع الجزيرة فانعدمت السرقات وحروب الفجور وشرب الخمور. وأصبحت الطرق أكثر أمناً وأماناً بعد أن كانت مصدر متاعب للناس وحركتهم حيث السطو والسرقات قبل انتشار السلفيين ودعوتهم وأصبحت منطقة الجزيرة بمثابة منطقة جهاد بالنسبة للسلفيين مما أثار انتباه العالم الخارجي لهذه الدعوة الإسلامية الخطيرة الجديدة في ذلك الوقت.[9]


وفاته

في عام 1206 هـ الموافق 1791 توفي محمد بن عبد الوهّاب في العيينة بالقرب من الرياض، قال ابن غنام: «كان ابتداء المرض به في شوال، ثم كان وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر.[5]» وكذا قال عبد الرحمن بن قاسم،[18] أما ابن بشر فيقول: «كانت وفاته آخر ذي القعدة من السنة المذكورة.[19]» وقول ابن غنام أرجح لتقدمه في الزمن على ابن بشر ولمعاصرته له وشهوده زمن وفاته وتدوينه لتاريخه، وكان بلغ من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة، وتوفي ولم يخلف مالاً يقسم بين ورثته.[20]


مؤلفاته


أما عن مؤلفاته فهي كثيرة جداً، فقد قام بتأليف عدد من الكتب والرسائل، منها:
◾كتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير..[21]
◾كتاب مختصر زاد المعاد..[21]
◾كتاب ثلاثة الأصول.[21]
◾كتاب الأصول الثلاثة: وهي معرفة الرب، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة الرسول. اقرأه على ويكي مصدر
◾كتاب التوحيد: وهو من أشهر مؤلفاته ذكر فيه معتقده حول حقيقة التوحيد والشرك ومفاسده. Wikisource-logo.svg
كتاب كشف الشبهات: ونستطيع أن نسميه تكملة لكتاب التوحيد، والحقيقة أن جميع كتبه تتعلق بمحور واحد وهو التوحيد. Wikisource-logo.svg
◾كتاب القواعد الأربع: حيث ذكر في هذه الرسالة اعتقاده في بعض مسائل التوحيد. اقرك Wikisource-logo.svg
◾كتاب أصول الإيمان : وبين أبواب مختلفة من الإيمان بالأحاديث النبوية. ويظهر أن بعض أولاد الشيخ قد أضاف إلي -logo.svg
◾كتاب فضل الإسلام: وقد وضح فيه معتقده حول مفاسد البدع والشرك، وشروط الإسلام. -
◾كتاب مسائل الجاهلية: وذكر فيه مئة وإحدى وثلاثين مسألة خالف الرسول صلى الله عليه وسلم فيها معتقدات أهل الجاهلية. Wikisource-logo.svg
◾كتاب السيرة: وهو ملخص من كتاب السيرة لابن هشام. -logo.svg
◾كتاب الهدي النبوي: وهو ملخص لكتاب زاد المعاد لابن القيم. اقرأه على ويكي مصدر
◾كتاب شروط الصلاة وأركانها: وقد شرحت هذه الرسالة شروط الصلاة وهي: الإسلام، والعقل، التميز، رفع الحدث وإزالة النجاسة، وستر العورة ودخول الوقت واستقبال القبلة، والنية، وذكرت أركان الصلاة وواجباتها.
◾كتاب الكبائر: ذكر فيه جميع أقسام الكبائر، واحدة واحدة، مفصلة في أبواب، وقد دعمت الأبواب كلها بنصوص الكتاب والسنة.
◾كتاب نصيحة المسلمين: وهذا كتاب مستقل قد جمع فيه أحاديث تتعلق بجميع نواحي التعليمات الإسلامية.
◾كتاب تفسير الفاتحة: وهو تفسير موجز جداً لسورة الفاتحة.
◾كتاب تفسير الشهادة: وهو تفسير لكلمة "لا إله إلا الله"، مع ذكر أهمية التوحيد.
◾كتاب تفسير لبعض سور القرآن: وهي مجموعة لبعض تعليقاته على آيات وسور مختلفة من القرآن.
◾كتاب ستة مواضع من السيرة: وهي رسالة مختصرة توضح ستة أحداث من السيرة النبوية، والمواضع الستة هي:ابتداء نزول الوحي، تعليم التوحيد والرد على الكفار، قصة تلك الغرانيق العلى، ختام أبي طالب، منافع الهجرة وعظاتها، قصة الارتداد بعد وفاة الرسول Mohamed peace be upon him.svg. وله عدة رسائل صغيرة أخرى يوجد بعضها في كتاب روضة الأفكار المجلد الأول الفصل الثالث والرابع.[22]


صورته

انتشرت له بعض الصور على الانترنت، إلا أنّ الحقيقة أنّه لم تثبت له أي تصوير، فذلك لأن أول كاميرا ضوئية تم ابتكارها كانت عام 1826م على يد لويس داجير وكان هذا بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمدة 35 سنة.


منتقدو محمد بن عبد الوهّاب

واجهت دعوة محمد بن عبد الوهّاب العديد من الإنتقادات في بداياته لكنها لم تتمكن من الحد من أعماله ودعوته، حديثاً ألفت العديد من الكتب تنتقد دعوة محمد بن عبد الوهّاب وتصف مذهبه بالتشدد ، وأصبح أتباعه يوصفون بالوهّابية على الرغم من رفضهم لهذه التسمية بحجة أن دعوة محمد بن عبد الوهّاب لاتختلف عن المذهب الحنبلي في شيء.

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 02-18-2017, 08:45 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السُّلَمي الشافعي (577هـ/1181م - 660هـ/1262م) الملقب بسلطان العلماء وبائع الملوك وشيخ الإسلام، هو عالم وقاضٍ مسلم، برع في الفقه والأصول والتفسير واللغة، وبلغ رتبة الاجتهاد،[1] قال الحافظ الذهبي: «بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلابة في الدين، وقَصَدَه الطلبة من الآفاق، وتخرّج به أئمة».[2] وقال ابن العماد الحنبلي: «عز الدين شيخ الإسلام... الإمام العلامة، وحيد عصره، سلطان العلماء... برع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد، وصنف التصانيف المفيدة».[3]

وُلد العز بن عبد السلام بدمشق سنة 577هـ (1181م) ونشأ بها، ودرس علوم الشريعة والعربية، وتولى الخطابة بالجامع الأموي والتدريسَ في زاوية الغزالي فيه، واشتُهر بعلمه حتى قصده الطلبة من البلاد، كما اشتُهر بمناصحة الحكام ومعارضتهم إذا ارتكبوا ما يخالف الشريعة الإسلامية برأيه، وقد قاده ذلك إلى الحبس، ثم إلى الهجرة إلى مصر، فعُيّن قاضياً للقضاة فيها، وقام بالتدريس والإفتاء، وعُيّن للخطابة بجامع عمرو بن العاص، وحرّض الناس على ملاقاة التتار وقتال الصليبيين، وشارك في الجهاد بنفسه، وعمّر حتى مات بالقاهرة سنة 660هـ (1262م) ودُفن بها.[1]



عصره

الناحية السياسية

عاش العز بن عبد السلام في الربع الأخير من القرن السادس الهجري، وأكثر من النصف الأول من القرن السابع (577-660هـ)، وعاصر الدولة الأيوبية والدولة المملوكية في الشام ومصر. وتعد هذه الفترة الزمنية من أشد العصور في التاريخ الإسلامي اضطراباً وقلقاً؛ إذ كانت سلطة الخلافة العباسية والدول القائمة تحت نفوذها في ارتفاع وانخفاض مطلقين، والناس يتنقّلون بين الاستقلال والاحتلال، والوحدة والانفصال؛ ففي القرن الخامس الهجري اتجه الصليبيون إلى ديار الإسلام، فاحتلوا أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، حتى سقط بيت المقدس في أيديهم سنة 492هـ. ثم جاء عهد عماد الدين زنكي أمير الموصل الذي تصدى للصليبيين، وبدأ بتوحيد صفوف المسلمين، ثم خلفه ابنه نور الدين محمود الذي اتسم عهده بالصلاح والاهتمام بالعلم، فسعى لتوحيد البلاد الإسلامية وجمع صفوفها ضد أعداء الإسلام، حتى توفي سنة 569هـ. فخلفه صلاح الدين الأيوبي الذي كان نائباً عنه في حكم مصر، فأسس الدولة الأيوبية، وبدأ في الإصلاح السياسي والعلمي والاجتماعي والعسكري، وسعى إلى توحيد الشام ومصر، ثم اتجه إلى محاربة الصليبيين، فاستطاع أن يسترد بيت المقدس سنة 583هـ، وتابع تحرير فلسطين وسائر بلاد الشام من الصليبيين حتى توفي سنة 589هـ.[4]

بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي وقعت الفُرقة بين حكام الإمارات والمدن من أبناء صلاح الدين وإخوته، فانقسمت الدولة الأيوبية إلى دُويلات يتآمر حكامها على بعض، ويحارب بعضهم الآخر، فاشتد ضعفهم، وهزلت صورتهم وكيانهم أمام الصليبيين من الغرب، والتتار من الشرق، ووصل بهم الأمر إلى أن يتحالف بعضهم مع الصليبيين ويستعينوا بهم على إخوتهم أو أبناء إخوتهم، ويُسلِّموهم البلاد والقلاع والحصون. واستمر الأمر كذلك حتى انتهت الدولة الأيوبية، وبدأت دولة المماليك، وتولى قطز الإمارة سنة 657هـ، واتجه لملاقاة التتار القادمين من الشرق، وقد أسقطوا الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ، ودخلوا الشام واتجهوا نحو مصر، فتلقاهم قطز بعين جالوت بفلسطين وانتصر عليهم، وقُتل أثناء عودته إلى مصر، فتولى الظاهر بيبرس السلطة مكانه، وبقي في الحكم حتى نهاية عُمْر العز بن عبد السلام.[4]

الحالة العلمية


أثّرت الحالة السياسية والكوارث الداخلية والخارجية التي حلت بالبلاد الإسلامية في القرون الثلاثة (الخامس والسادس والسابع) على الحركة العلمية والنهضة الثقافية، سلباً وإيجاباً، فمن جهة: ركدت الحركة العلمية، وقصرت الهمم، وجمد الاجتهاد وساد التقليد. وكان للفساد الاجتماعي والانحلال الخلقي بين الناس أثرٌ على العلم والعلماء الذين آثر كثير منهم اعتزال المجتمع، والانقطاع إلى العلم والعبادة، والابتعاد عن الحكام والأمراء، بينما كان فريق آخر يقف في وجه الانحراف، ويسعى إلى تقويم السلوك وإصلاح المجتمع، ويقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتصدى لتصرفات الحكام والأمراء. وشهد القرن السابع الهجري أعظم النكبات التي حلت بالثروة العلمية والتراث الإسلامي الضخم، فقُتل عدد كبير من العلماء، وحُرقت الكتب والمكتبتات، وهاجر كثير من العلماء من بلادهم إلى مكان آخر، يأمنون فيه على دينهم وعلمهم، ويمارسون نشاطهم ودروسهم، ويركنون فيه إلى البحث والتأليف. أضف إلى ذلك الفتن المذهبية التي كانت تعمل عملها في الداخل، فالصراع شديد بين الباطنية وأهل السنة، وبين أهل السنة مع بعضهم البعض، وبين المسلمين وأهل الذمة.[5]

وفي هذا العصر نفسه، ظهرت نهضة علمية كبيرة في الشام ومصر والأندلس، وأقبل كثير من الحكام والأمراء على العلم وتشجيع العلماء وبناء المساجد، والتنافس في بناء المدارس الشهيرة التي كانت بمثابة جامعات، كالمستنصرية التي بنيت في بغداد سنة 631هـ، والكاملية بالقاهرة (621هـ)، والصالحية بمصر (639هـ)، والظاهرية بدمشق (661هـ)، والمنصورية بالقاهرة (679هـ)، وامتاز العهد الأيوبي في مصر والشام بالاهتمام الشديد بالمدارس والعلماء وتدريس الفقه والحديث، وبناء المعاهد لكل ذلك.[5]

ولَمَعَ في هذا القرن عدد من العلماء الذين جمعوا بين مختلف العلوم والفنون في مختلف البلاد، ومنهم: فخر الدين الرازي (المتوفى عام 606هـ) والمبارك بن الأثير الجزري المحدث اللغوي (606هـ) وموفق الدين بن قدامة الحنبلي (620هـ) والتبريزي الأصولي (621هـ) وأبو القاسم الرافعي القزويني الفقيه الشافعي (623هـ) وعز الدين علي بن الأثير الجزري المؤرخ الأديب (630هـ) وسيف الدين الآمدي الأصولي (631هـ) وشهاب الدين عمر السهروردي الواعظ المتصوف، الذي حضر إلى دمشق والتقى العز بن عبد السلام (632هـ) ومحيي الدين بن عربي المتصوف (638هـ) وابن أبي الدم الحموي القاضي الفقيه (642هـ) وابن الصلاح المحدث (643هـ) والحافظ ابن النجار المؤرخ (643هـ) وابن الحاجب الأصولي النحوي الفقيه المالكي (646هـ) ومجد الدين بن تيمية الفقيه (652هـ) والحافظ عبد العظيم المنذري (656هـ) والعز بن عبد السلام (660هـ) وابن مالك النحوي (672هـ) ومحيي الدين يحيى بن شرف النووي المحدث الفقيه (676هـ) وابن خلِّكان المؤرخ (684هـ) والقاضي البيضاوي الأصولي المفسر (685هـ) وعبد الرحمن الفزاري الفقيه المعروف بالفركاح (690هـ).[5]


اسمه ونسبه وكنيته ولقبه
◾اسمه: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مُهَذَّب، باتفاق العلماء وإجماع المصادر المعتمدة.[6][7][8]
◾نسبه: السُّلَمي المغربي الدمشقي المصري الشافعي.
فهو "السُّلَمي"؛ نسبة إلى بني سُليم، إحدى القبائل المشهورة من قبائل مضر، ويُنسب إليهم كثيرون.
المغربي؛ أي يعود أصله إلى بلاد المغرب العربي، ولعل أحد أجداده جاء من المغرب وسكن الشام.
الدمشقي؛ نسبة إلى دمشق، لأن العز ولد وترعرع وطلب العلم بها، وتولى فيها المناصب والأعمال المختلفة، وقضى فيها معظم حياته.
المصري؛ نسبة إلى مصر، التي انتقل إليها واستقر بها ومات فيها ودفن، ولذلك يقال عنه: «المغربي أصلاً، الدمشقي مولداً، المصري داراً ووفاةً».[9]
الشافعي؛ نسبة إلى مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي في الفقه الإسلامي، وينسب إليه العز لأنه تفقه على هذا المذهب، ودرّسه وأفتى به، وتولى القضاء للحكم بأحكامه، وصنَّف الكتب الفقهية في المذهب الشافعي، حتى بلغ رتبة الاجتهاد في المذهب.[6]
◾كنيته: أبو محمد.[10]

ألقابه

من ألقابه "عز الدين"؛ جرياً على عادة ذلك العصر الذي انتشرت فيه الألقاب عامةً للخلفاء والملوك والأمراء والعلماء، والنسبة إلى الدين خاصة، فلُقب بعز الدين، ويختصر بـ"العز" وهي التسمية الشائعة في الاستعمال عند الناس وفي كتب التاريخ والتراجم والفقه. كما اشتهر بلقبه الثاني: "سلطان العلماء"، ويُعرف أيضاً بـ"ابن عبد السلام" إشارة إليه في بعض الأحيان، ولكن يشاركه في هذه التسمية الأخيرة غيره من المالكية خاصة، ومن الشافعية والحنابلة، ولذلك نسبت بعض كتبهم إلى العز بن عبد السلام.[هامش 1] ولقب أيضاً بـ"القاضي"، وهذا وصف له لتوليه منصب القضاء في دمشق والقاهرة، كما لقب أيضاً بـ"قاضي القضاة" لتعيينه مسؤولاً عن القضاء والقضاة في الفسطاط والوجه القبلي.[10]

وأما لقب "سلطان العلماء" فقد لقبه به تلميذه الأول ابن دقيق العيد كما ذكره ابن السبكي فقال: «وهو الذي لَقَّب الشيخ عز الدين سلطانَ العلماء».[7] ووجه هذه التسمية أنه «أكّدَ مكانة العلماء، ورفع ذكرهم في عصره، وجسّد ذلك في مواقفه، في الإنكار على الحكام والسلاطين والأمراء لبعض تصرفاتهم المخالفة، وقارعهم بالحجة والبيان فغلبهم، وكان على رأس العلماء في هذا الموقف الصلب، مما عرّضه لكثير من المتاعب». واشتهر العز بن عبد السلام بهذا اللقب، ونقله معظم الكتاب والمؤلفين والمترجمين له، واتفقوا على استحقاق العز لهذه التسمية، ولكنهم اختلفوا في تعليلها، فذهب بعضهم إلى التعليل السابق، وقال كثيرون: «إنه اشتهر بهذا اللقب لنظراته التجديدية، ونفوره من التقليد، وبلوغه مرتبة الاجتهاد، وخاصة أنه عاش في عصر شاع فيه التقليد، والتزم الناس به، وهمس بعضهم بقفل باب الاجتهاد، وعكفوا على كتب السابقين وآرائهم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والاستنباط، ومواجهة الظروف المتغيرة والمسائل الجديدة والقضايا المطروحة، فخرج العز عن هذا الطوق بقوله وفعله واجتهاده وتصنيفه».[11]


سيرته

مولده ونشأته

ولد العز بن عبد السلام بدمشق باتفاق المصادر والمراجع التي ترجمت له وعرضت سيرته. أما تاريخ ولادته فحصل فيها اختلاف، فذهب كثيرون إلى تحديد تاريخ ولادته سنة 577هـ، وقال آخرون: إنها سنة 578هـ، وتشكك فريق ثالث بين السنتين، وحاول بعض الباحثين ترجيح الأول، ورجح بعضهم الثاني، وتوقف فريق عن الترجيح لعدم التأكد من ذلك، وعدم توفر النص القاطع أو المرجح في ذلك.[12]

كانت دمشق في زمن العز بن عبد السلام حاضرة العلم والعلماء منذ العصر الأموي، يقطنها العلماء من كافة الفنون، ويجتمع فيها أئمة العلم البارعون، ويقصدها الطلبة من كافة الأصقاع، وكان المسجد الأموي جامعةً للعلوم والطلاب والعلماء.[13] ويظهر من سيرة العز بن عبد السلام أنه عاش في أسرة فقيرة مغمورة، فلا يوجد ذكر صريح لأبيه وأمه، أو أجداده وأعمامه وأخواله، أو أي شيء عن مراحل طفولته، وكل ما تذكره المصادر أنه ابتدأ العلم في سن متأخرة، يقول ابن السبكي عن والده:

«سمعت الشيخ الإمام يقول: «كان الشيخ عز الدين في أول أمره فقيراً جداً، ولم يشتغل إلا على كِبَر (أي في العلم)، وسبب ذلك أنه كان يبيت في الكلّاسة (وهي الزاوية والبناء والمدرسة عند الباب الشمالي للجامع الأموي) من جامع دمشق، فبات بها ليلة ذات برد شديد، فاحتلم، فقام مسرعاً ونزل في بِركة الكلّاسة، فحصل له ألم شديد من البرد، وعاد فنام، فاحتلم ثانياً، فعاد إلى البِركة؛ لأن أبوابَ الجامع مُغلقةٌ، وهو لا يمكنه الخروج، فطلع فأُغمي عليه من شدة البرد»، أنا أشك، هل كان الشيخ الإمام يحكي أن هذا اتفق له ثلاث مرات أو مرتين فقط، ثم سمع النداء في المرة الأخيرة: «يا ابنَ عبدِ السلام، أتريد العلمَ أم العمل؟» فقال الشيخ عز الدين: «العلم؛ لأنه يهدي إلى العمل»، فأصبح، وأخذ "التنبيه"[هامش 2] فحفظه في مدة يسيرة، وأقبل على العلم، فكان أعلم أهل زمانه، ومن أعبد خلق الله تعالى.[13][14][15]»

وتوجه العز إلى طلب العلم بجد واجتهاد وهمة عالية؛ ليُعَوِّض ما فاته في المدة السابقة من طفولته وصباه، فقصد العلماء وجلس في حلقاتهم، ينهل من علومهم، ويكب على الدراسة والحفظ، والفهم والاستيعاب، حتى حفظ "التنبيه" في فينة قصيرة، واجتاز العلوم بمدة يسيرة، وهو ما تحدث به عن نفسه فقال: «ما احتجتُ في عِلم العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه، وما توسطته على شيخ من المشايخ الذين كنتُ أقرأ عليهم إلا وقال لي الشيخ: قد استغنيتَ عني فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرحُ حتى أكمل الكتاب الذي أقرؤه في ذلك العلم».[16] وكان يقول: مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حتى أُمِرَّ أبوابَ الأحكام على خاطري.[13]

وجمع العز في تحصيله بين العلوم الشرعية والعلوم العربية، فدرس التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والتصوف، والنحو والبلاغة، وعلم الخلاف. ولم يكتف العز بدراسة هذه العلوم، ولكنه تفوق في معرفتها والتأليف فيها، ولذلك قال ابن العماد الحنبلي: «وبرع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف أقوال الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد».[13][17]

رحلته إلى بغداد

قضى العز معظم حياته في دمشق، وكان أكثر تحصيله وطلبه للعلم على علمائها، ولكنه ارتحل عنها ثلاث مرات لأغراض مختلفة، الأولى: رحلته إلى بغداد، والثانية: رحلته إلى مصر، والثالثة: رحلته إلى الحجاز بقصد الحج والعمرة، وكانت هذه الأخيرة في الغالب بعد سنة 644هـ، وكان قد بلغ في العلم غايته، وبعد أن عزل نفسه عن قضاء مصر، وكان الناس يقصدونه هناك بالفتوى والأخذ عنه.[18]

أما رحلته إلى بغداد، فقد ذكرت المصادر التي ترجمت له أنه ازداد شغفاً بالعلم وتحصيله، ورحل في ريعان شبابه إلى بغداد، حاضرة الخلافة العباسية، وموئل العلم والعلماء، ومقصد الطلاب من كافة الأقطار، وعاصمة الثروة العلمية والمكتبات الزاخرة، فقصدها العز سنة 597هـ، وأخذ بعض العلوم والمعارف، وأقام بها أشهراً فقط، فسمع الحديث من أبي حفص بن طَبَرْزد، وحنبل بن عبد الله الرصافي. قال ابن رافع السلامي: «وسمعت بعض المحدثين يقول: إنه دخل بغداد في طلب العلم، فوافق يومَ دخوله موتُ الحافظ أبي الفرج بن الجوزي... وكان ذلك في سنة 597هـ». وبعد أن نال العز مبتغاه وحصّل مقصده في بغداد، عاد إلى دمشق.[18]

محنته مع الملك الأشرف موسى

تمثل هذه القضية أول مواقف العز بن عبد السلام بدمشق، وصدامه مع الملك الأشرف موسى الأيوبي، وكان العز قد ذاع صيته واشتهر علمه، وظهرت شخصيته في الحياة العلمية وعلى المستوى الرسمي والشعبي، وكان العز على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري من أهل السنة والجماعة في العقيدة وصِفات الله تعالى، ومنها صفة الكلام، ويقول: «إن كلام الله تعالى معنى قائم بذاته، قديم أزلي، وليس بحرف ولا صوت»، خلافاً لبعض الحنابلة، وكان الملك الأشرف يميل إلى الحنابلة ويستمع إليهم، فاستغلوا ذلك وأوغروا صدره على العز، فوقعت الواقعة. وأحداث الفتنة طويلة، خلاصتها ما نقله محمد الزحيلي عن عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام:

«لما وصل إلى الملك الأشرف ما عليه الشيخ عز الدين من القيام لله والعلم والدين، أحبّه وصار يلهج بذكره، ويؤثر الاجتماع به، والشيخ لا يجيب إلى الاجتماع. وكانت طائفة من الحنابلة القائلين بالحَرْف والصوت، ممن صحبهم السلطان في صغره، يكرهون الشيخ عز الدين، ويطعنون فيه... فلما أخذ السلطان في الميل إلى الشيخ عز الدين دسّت هذه الطائفة إليه، وقالوا: «إنه أشعري العقيدة، يُخطِّئ من يعتقد الحرف والصوت ويبدِّعه»، فاستهال ذلك السلطان واستعظمه، ونسبهم إلى التعصب عليه، فكتبوا فتيا في مسألة الكلام، وأوصلوها إلى مريدين أن يكتب عليها، فيَسْقُطُ موضِعُه عند السلطان.
وكان الشيخ العز قد وصله كل ذلك، فلما جاءته الفتيا قال: «هذه الفتيا كتبت امتحاناً لي، والله لا كتبت فيها إلا الحقّ»، فكتب "العقيدة المشهورة"، ومما جاء فيها: «واعتقاد الأشعري رحمه الله مشتمل على ما دلّت عليه أسماء الله التسعة والتسعون، التي سمّى الله بها نفسه في كتابه وسنة رسول الله
Mohamed peace be upon him.svg
... فإن زعموا أن القرآن مكتوب في المصحف غيرُ حالٍّ فيه، كما يقول الأشعري، فلِمَ يطعنون الأشعري رحمه الله...».
فلما فرغ من كتابة ما رامُوه رَماه إليهم، وهو يضحك عليهم، فطاروا بالجواب، وهم يعتقدون أن الحصول على ذلك من الفرص العظيمة التي ظفروا بها، ويقطعون بهلاكه واستئصاله واستباحة دمه وماله، فأوصلوا الفتيا إلى الملك الأشرف
رحمه الله
، وذلك في حفلة الإفطار في رمضان بالقلعة، وعنده عامة الفقهاء من جميع الأقطار، فلما وقف عليها استشاط غضباً، وقال: «صح عندي ما قالوه عنه، وهذا رجل كنا نعتقد أنه مُتوحِّد في زمانه في العلم والدِّين، فظهر بعد الاختبار أنه من الفُجّار، لا بل من الكفار»، ولم يستطع أحد أن يرد عليه، وقال أقواهم شكيمة: «السلطان أولى بالعفو والصفح، ولا سيّما في مثل هذا الشهر»، وانتشر الخبر في البلد، واشتغل الناس بما جرى، حتى أقام الحقَّ الشيخُ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب، ومضى إلى القضاة والعلماء الأعيان الذين حضروا عند السلطان، وشدّد عليهم النكير، وطلب منهم أن يبينوا للسلطان «أن كلام الشيخ العز مذهبهم، وهو مذهب أهل الحق»، فكتبوا فتيا بموافقة العز، وطلبوا أن يُعقد مجلسُ مناظرةٍ بين العز وخصومه، ويَحضُرَ أهلُ المذاهب الأربعة، وأن العلماء لم يُمْكِنْهم الكلامُ بمجلس السلطان لغضبه وما ظهر من حدّته في ذلك المجلس، وقالوا للسلطان: «الذي نعتقده في السلطان أنه إذا ظهر له الحق يرجع إليه، وأنه يعاقِب من موّه الباطل عليه».
ولما وصل الأمر للسلطان تراجع عن بعض موقفه واعتدل قليلاً، ورفض الاجتماع مع الشيخ العز، وكتب له رسالة يدافع فيها عن عقيدته باتباع الخلفاء الراشدين، ويلمز بالشيخ العز في إثارة الفتنة، وادعاء الاجتهاد لمذهب خامس في العقيدة. ولما وصلت الرسالة للشيخ العز قرأها وطواها، وشرع بالجواب بأشد منها، وأبلغ من سابقتها، ومما جاء فيها: «وأما طلب المجلس وجمع العلماء، فما حملني عليه إلا النصح للسلطان وعامة المسلمين... وليس ردُّ البِدع وإبطالها من باب إثارة الفتن، فإن الله سبحانه أمر العلماء بذلك، وأمرهم ببيان ما علموه، ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله، لا يجوز أن يلعنه رسول الله
Mohamed peace be upon him.svg
... وأما ما ذكر من أمر الاجتهاد والمذهب الخامس، فأصول الدين ليس فيها مذاهب، فإن الأصل واحد، والخلاف في الفروع... وبعد ذلك فإنا نزعم أنّا من جُملة حِزب الله، وأنصار دينه وجنده، وكل جندي لا يُخاطر بنفسه فليس بجندي».
... ولما عاد الرسول إلى السلطان، وقرأ الرسالة، اشتدت استشاطته، وعظم غضبه، وتيقن الحنابلة تلف الشيخ وعطبه، واستدعى أستاذ الدار، وحمّله رسالة إلى الشيخ، وفيها «إنا قد شرطنا عليه ثلاثة شروط: أنه لا يفتي، ولا يجتمع بأحد، ويلزم بيته». وسُرّ الشيخ العز بالرسالة، ولزم بيته، وبقي ثلاثة أيام، حتى قام الشيخ العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية في زمانه، وكان له مكانة عالية عند الملك، فدخل عليه وبيّن له «فضل الشيخ العز، وصحة ما يقول، وهو اعتقاد المسلمين، وكل ما قاله صحيح في الرسالتين».
وهنا قال السلطان: «نحن نستغفر الله مما جرى، ونستدرك الفارط في حقه، والله لأجعلنه أغنى العلماء»، وأرسل إلى الشيخ واسترضاه، وطلب محالَلَته ومخالَلَته، وطلب من الفريقين الإمساكَ عن مسألة الكلام، وألا يفتيَ فيها أحدٌ بشيء.
ولما وصل الملك الكامل من الديار المصرية، وكان قد سمع ما جرى في دمشق، فرام الاجتماع بالشيخ العز، واعتذر إليه، وأمره أن يكتب ما جرى في هذه القضية مستقصى، ولما اجتمع بالملك الأشرف عنّفه على موقفه في المنع من الكلام في المسألة، وقال له: «تُساوي بن أهل الحق والباطل؟ وتمنع أهل الحق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وكان الطريقُ أن تمكَّن أهل السنة من أن يلحَنوا بحُججهم، وأن يُظهروا دينَ الله...». وانقشعت المسألة للسلطان الملك الأشرف، وصرّح بخجله وحيائه من الشيخ، وقال: «لقد غلطنا في حق ابن عبد السلام غلطة عظيمة»، وصار يترضاه ويعمل بفتاويه وما أفتاه، ويطلب أن يُقرأ عليه تصانيفه الصغار».[19][20]»
موقفه من تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيينعدل

لما مرض الملك الأشرف موسى مرض الموت، طلب من العز بن عبد السلام الزيارة والنصح والدعاء، فأشار عليه العز بإبطال المنكرات ورد المظالم، وتطبيق الشرع والالتزام بالقرآن والسنة، فأمر السلطان المريض أخاه إسماعيل (الذي يتولى السلطنة بالنيابة) بتنفيذ ما أمر به الشيخ العز، وإبطالِ ما يرى إبطالَه، ثم توفي الملك الأشرف سنة 635هـ، فخلفه أخوه الملك الصالح إسماعيل. ولم يكن إسماعيل على وفاق مع العز منذ حياة أخيه الأشرف، فكان إسماعيل سيء الظن بالعز، ولكنه لم يجرؤ على عزله من خطابة الجامع الأموي أو الإساءة إليه؛ لما رآه من تكريم الأشرف موسى والملك الكامل للعز وإكبارهما إياه، ولِمَا يتمتع به العز من مكانة مرموقة في المجتمع، وثقة وحب من جمهور المسلمين. ولَمَّا أمر الأشرفُ نائبَه وأخاه إسماعيل بإبطال المنكرات التي أشار إليها العز، نفذ بعضها وأغفل بعضاً آخر.[21]

ولما توفي السلطان الأيوبي الكامل محمد بن العادل حصل نزاعٌ على خلافته، وانتهت السلطة إلى ابنه الأكبر الصالح أيوب، فاتجه إلى الشام بعد أن استقر له الأمر في مصر، وعزم على ضمها إلى ملكه، لأنها كانت في الأصل تابعة لوالده الكامل، فخاف إسماعيل من تهديد الصالح أيوب «خوفاً مَنَعَهُ المنامَ والطعامَ والشرابَ»،[22] ولم يتحرج إسماعيل من اللجوء إلى الصليبيين أعداء المسلمين، فتحالف معهم لينجدوه من الصالح أيوب ويساعدوه عليه، وسلّم إليهم لقاء ذلك صيدا والشقيف وصفد وغير ذلك من حصون المسلمين، وذلك سنة 638هـ. وزيادةً على ذلك، أذن إسماعيل للصليبيين بدخول دمشق لشراء السلاح لقتال المسلمين في مصر، فغضب العز بن عبد السلام، وشق عليه ما حصل مشقة عظيمة.[21]

وبدأت الجولة الأولى باستفتاء العز في مبايعة الفرنج للسلاح، فقال: «يَحْرم عليكم مبايعتهم، لأنكم تتحققون أنهم يشترونه ليقاتلوا به إخوانكم المسلمين»، ثم صعد منبر المسجد الأموي الكبير، وذمَّ موالاة الأعداء، وقبّح الخيانة، وشنّع على السلطان، وقطع الدعاء له بالخطبة، وصار يدعو أمام الجماهير بما يوحي بخلعه واستبداله، ويقول: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رَشَداً، تُعِزّ فيه وليَّك، وتُذِلُّ فيه عدوَّك، ويُعمَل فيه بطاعتك، ويُنهى فيه عن معصيتك»، والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين، والنصر على الأعداء.[

رد مع اقتباس
  #40  
قديم 02-18-2017, 08:54 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

وكان إسماعيل خارج دمشق، فلما وصله الخبر أحسّ بالخطر الذي يحدق به، والثورةِ المتوقَّعةِ عليه، فسارع إلى إصدار الأمر الكتابي بعزل العز من الخطابة والإفتاء، وأمر باعتقاله، واعتقال الشيخ ابن الحاجب المالكي الذي شاركه في الإنكار على فعل السلطان، ولما قدم إسماعيل إلى دمشق أفرج عنهما، وألزم العز بملازمة داره، وألا يفتي.[22] وتلقى العز العزل راضياً مرضيّاً، ولكنه ضاق بالإقامة الجبرية وتعطيل العمل المسؤول عنه شرعاً، فقرر مغادرة دمشق، فاتجه إلى مصر عن طريق القدس، سنة 638هـ.[21]

استمر إسماعيل في مطاردة العز وهو في طريقه إلى القدس، وأراد مساومته بالتراجع عن رأيه والاستسلام للسلطان، يقول عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام محدثاً عما حدث لوالده:

«وأُخرج الشيخ (أي من السجن) بعد محاورات ومُراجعات، فأقام مدة بدمشق، ثم انتزح عنها إلى بيت المقدس، فوافاه الملك الناصر داود (ابن الملك المعظم عيسى أخي الملك إسماعيل) في الغور، فقطع عليه الطريق وأخذه، فأقام عنده بنابُلس مدة، وجرت له معه خطوب، ثم انتقل إلى بيت المقدس وأقام به مدة... ثم جاء الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص وملوكُ الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إلى بيت المقدس يقصدون الديار المصرية... فسيّر الصالح إسماعيل بعض خَواصّه إلى الشيخ بمِنْدِيله، وقال له: «تدفع منديلي إلى الشيخ، وتتلطف به غاية التلطف، وتستنزله وتَعِدُه بالعَوْد إلى مناصبه على أحسن حال، فإن وافقك فتدخل به عليّ، وإن خالفك فاعتَقِله في خيمة إلى جانب خيمتي»... فلما اجتمع الرسول بالشيخ شرع في مُسايسته وملاينته، ثم قال له: «بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسِر للسلطان، وتقبّل يدَه لا غير»... فقال له: «يا مسكين، ما أرضاه أن يُقبل يدي، فضلاً أن أقبّل يده، يا قوم، أنتم في وادٍ، وأنا في وادٍ، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به»... فقال له: «قد رسم لي إن لم تُوافق على ما يُطلب منك وإلا اعتقلتُك»، فقال: «افعلوا ما بدا لكم»، فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان.[22][23]»

وأراد إسماعيل أن يتبجح أمام الصليبيين بما فعل بالعز، وكان العز يقرأ القرآن، والسلطان يسمعه، فقال لملوك الصليبيين: «تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟» قالو: «نعم»، قال: «هذا أكبر قُسُوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره عليَّ تسليمي حُصُون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته فجاء إلى القدس، وقد جَدّدتُ حبسه واعتقاله لأجلكم»، فقالت له ملوك الفرنج: «لو كان هذا قِسِّيسَنا لغَسلنا رجليه وشربنا مَرَقَتها».[24] وبقي العز في المعتقل حتى جاءت العساكر المصرية، فانتصروا وقتلوا عساكر الفرنج بالقدس، وانهزم أعوانهم، ونجى العز بن عبد السلام فتابع سيره إلى الديار المصرية،[25] فأقبل عليه السلطان الصالح أيوب، وولاه خطابة مصر وقضاءها، وفوَّض إليه عمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.[22][26]

بيع الأمراء في المزاد

وصل العز بن عبد السلام إلى مصر سنة 639هـ، فلقيه في مصر الملك الصالح أيوب، فاستقبله استقبالاً حافلاً، وأكرمه غاية الإكرام والإجلال، وعيّنه في أعلى المناصب في خطابة جامع عمرو بن العاص وقضاء القضاة.[27]

يوصف الصالح أيوب بأنه كان طموحاً، فعندما أراد أن يُقوِّيَ جيشَه ويَصطفيَ قُوَّادَه ويَحميَ نفسَه، اشترى (من مال الدولة) المماليك الأتراك، واستجلبهم من أواسط آسيا وغربها، ودَرَّبهم على الفروسية والفُتوَّة والقتال، حتى نالوا ثقته، فاتسع نفوذهم حتى صاروا أمراءَ الجيش وقادتَه، وبلغ أحدُهم أن صار نائب السلطان مباشرة، فلما تولى العز منصب قاضي القضاة، اكتشف الخلل في الإدارة والسلطة، وأن القادة الأمراء لا يزالون في حكم الرق لبيت مال المسلمين، ولم يَثبُتْ عند الشيخ أنهم أحرار، وبالتالي فإن الحكمَ الشرعي عدمُ صحة ولايتهم من جهة، وعدمُ نفوذ تصرفاتهم الخاصة والعامة من جهة أخرى. ومع ذلك، فإن العز لم يُشهر بهم، ولم يرفع راية العصيان المسلح عليهم، وإنما بلّغهم ذلك أولاً، وأوقف تصرفاتهم ثانياً، «ولم يصحح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً، وتعطلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطان»،[28] فلما بلغهم ذلك عظم الخطب عليهم، واضطرب أمرهم، واستشاطوا غضباً، وثارت ثائرتهم، ولكنهم كبحوا جماح الغضب، وجاؤوا للعز بالحسنى والمساومة، واجتمعوا به للاستفسار عن مصيرهم في رأيه، فصمم على حكم الشرع وأنه يجب بيعهم لصالح بيت المال، ثم يتم عتقهم ليصبحوا أحراراً، ثم يتولوا تصريف الأمور، وقال لهم بكل وضوح وصراحة: «نعقد لكم مجلساً، ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي»، فرفضوا واستكبروا، ولم ينفردوا باتخاذ القرار بشأن العز، فرفعوا الأمر إلى السلطان أيوب، فبعث إليه وراجعه، فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمةٌ فيها غلظة على العز، وحاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر الذي لا يعنيه ولا يتعلق به.[27]

وهنا أدرك العز أن الأمراء تمالؤوا عليه، ووقفوا في وجه ما يعتقد أنه الحق وتطبيق الشرع، فأعلن الانسحاب، وعزل نفسه عن القضاء، وقرر الرحيل، ونفذ قراره فوراً، فحمل أهله ومتاعه على حمار، وركب حماراً آخر، وخرج من القاهرة. وما أن انتشر الخبر في الشعب إلا وأعلن الناس الوقوف بجانب العز، وقرروا العصيان غير المسلح بالالتحاق بالعز، فلم يصل العز خارج القاهرة إلا قليلاً حتى لحقه غالب المسلمين من العلماء والصلحاء والتجار، حتى النساء والصبيان. فقال قائل للسلطان: «أدرك ملكك، وإلا ذهب بذهاب الشيخ»، فركب السلطان بنفسه، ولحق بالشيخ العز، واسترضاه وطيَّبَ قلبه، وطلب منه الرجوع والعودة إلى القاهرة، فوافق العز على شرطه بأن يتمّ بيع الأمراء بالمناداة عليهم، ورجع الجميع إلى القاهرة.[27]

وبعد ذلك حاول نائب السلطنة التدخل بالملاطفة، ثم بالتهديد والوعيد، ثم بمحاولة التخلص من الشيخ وقتله، فلما فشلت محاولاته، أذعن الأمراء للأمر، واستسلموا لحكم الشرع، وأُعلنَ المزادُ العام، ووقف العز ينادي على أمراء الدولة واحداً واحداً، ويغالي في ثمنهم، وتدخّل الشعب في المزايدة، حتى إذا ارتفع السعر إلى أقصى غايته وعجز الأفراد عنه قام السلطان أيوب بدفع الثمن من ماله الخاص، ليتملك الأرقاءَ الأمراءَ، ثم أعتق رقابهم فصاروا أحراراً، واحتفظ بهم قادة، وقبض الشيخ العز الثمن فوضعه في بيت مال المسلمين ليُصرف في شؤونهم العامة ووجوه الخير المختلفة، قال ابن السبكي: «وهذا لم يُسمع بمثله عن أحد رحمه الله تعالى ورضي عنه».[27][29]

إسقاط عدالة الوزير وهدم قاعته

لم تمض سنة على الحادثة السابقة (بيع الأمراء) حتى وصل إلى علم العز بن عبد السلام ما فعله أستاذ الدار عند السلطان (وهو ما يعادل اليوم كبير أمناء الحاكم)، وهو معين الدين بن شيخ الشيوخ، والذي كان يجمع إلى منصبه اختصاصات الوزير وقائد الجيش، لكنه يوصف بأنه «كان مُتحلِّلاً وعابثاً ومُعْتَدّاً بقوته ومنصبه، ولذلك تجرأ على منكر كبير، يخالف أحكام الدين ويَسخَر بالشرع، ويُسيء إلى مشاعر المسلمين، فبنى فوق أحد مساجد القاهرة طبلخانة أي قاعة لسماع الغناء والموسيقى، وذلك سنة 640هـ».[30]

وما أن ثبت ذلك عند العز وهو يتولى منصب قاضي القضاة حتى غضب، وأصدر أمره بهدم البناء، ولكنه خشي من الجُبن في التنفيذ أو المعارضة في الهدم، فقام بنفسه وجمع معه أولاده والموظفين عنده وذهب إلى المسجد، وحمل مِعْوله معهم، وقاموا بإزالة المنكر وهدم البناء المستحدث فوق المسجد. ولم يكتف العز بهذا التحدي للوزير والسلطان معاً، بل أسقط عدالة الوزير بما يعني عدم قبول روايته وشهادته، وعَزَلَ نفسَه عن القضاء؛ حتى لا يَبقى تحت رحمة السلطان وتهديده بالعزل أو غيره.[30]

وكان لهذا العمل دويٌّ هائلٌ وأثرٌ عجيبٌ، وتنفس الناسُ الصعداءَ من تسلط الحكام وارتكاب المخالفات وممارسة التجاوزات الشرعية، ولم يجرؤ أحد أن يمس العز بسوء، بل أدرك السلطان أيوب أن الحق مع العز، وتلطف معه للعودة إلى القضاء ولكنه أصر على ذلك. وطار الخبر في الآفاق حتى وصل إلى الخليفة العباسي في بغداد، قال ابن السبكي: «واتُّفق أن جهّز السلطانُ الملكُ الصالحُ رسولاً من عنده إلى الخليفة المستعصم ببغداد، فلما وصل الرسول إلى الديوان ووقف بين يدي الخليفة وأدى الرسالة، خرج إليه وسأله: «هل سمعت هذه الرسالة من السلطان؟» فقال: «لا، ولكن حمَّلَنيها عن السلطان معين الدين بن شيخ الشيوخ أستاذ داره»، فقال الخليفة: «إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام، فنحن لا نقبل روايته»، فرجع الرسول إلى السلطان (بمصر) حتى شافهه بالرسالة، ثم عاد إلى بغداد، وأدَّاها».[30][31]

قتاله للصليبيين

شارك العز بن عبد السلام عملياً في الجهاد والقتال ضد الصليبيين الذين اتجهوا لاحتلال دمياط وسائر مصر بعد أن وصلوا إلى المنصورة، واستظهروا على المسلمين، فهّبَّ الجيشُ المسلمُ في مصر لمواجهة الغزاة، قال ابن السبكي: «وكان الشيخ (العز بن عبد السلام) مع العسكر، وقويت الريح، فلما رأى الشيخُ حالَ المسلمين نادى بأعلى صوته مشيراً بيده إلى الريح «يا ريحُ خُذيهم» عدة مرات، فعادت الريح على مراكب الفرنج فكسرتها، وكان الفتح، وغرق أكثرُ الفرنج، وصرخ من بين يدي المسلمين صارخ: الحمد لله الذي أرانا في أمة محمد
Mohamed peace be upon him.svg
رجلاً سخّر له الريح»،[28] وكان النصر المبين للمسلمين، واعتبر المؤرخون هذه الصيحةَ من كرامات العز بن عبد السلام.[32]

دعوته لقتال التتار


عندما كان العز بن عبد السلام بمصر سنة 657هـ، تقدم التتار بعد سقوط بغداد إلى الشام، واستولوا على بعض مدنها، ليواصلوا الطريق إلى مصر، وكان على عرش مصر شاب صغير، وبَعَثَ ملكُ حلب الناصرُ يوسف يطلب النجدة على قتال التتار، فجمع سيف الدين قطز العلماء والأعيان والفقهاء والقضاة لمشاورتهم في الأمر لمواجهة التتار، وحضر الشيخ العز، وعمره ثمانون سنة، وطُرحت المشكلة في استيلاء هولاكو على البلاد، وأن بيت المال خالٍ من الأموال، والسلطان صغير السن، قال ابن تغري بردي: «وأفاضوا في الحديث، فكان الاعتماد على ما يقوله ابن عبد السلام»، وسكت الأمراء والقضاة والعلماء، ولم يَجْرُؤ أحد على الاعتراض على عزم الملك الجديد قطز في فرض الضرائب على الشعب دون الأمراء وبيت السلطان، وهنا ظهرت نصيحة العز الجريئة والحازمة، فأفتى بخلع السلطان الصغير، وجواز تعيين ملك قوي مكانه، وهو قطز، ثم وجَّه له النصيحة في أمر الضرائب مدافعاً عن الشعب ومبيّناً للحق، فقال: «إذا طَرَقَ العدوُّ بلادَ الإسلام وجب على العالَم قتالُهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهبية والفضية والكبابيس المزركشة وأسْقاط السيوف والفضة وغير ذلك، وأن تبيعوا مالكم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة، ويقتصرَ كلُّ الجند على سلاحه ومركوبه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا».[33][34][35][36]

مبايعة الظاهر بيبرس

ولمّا أراد الظاهر بيبرس أن يستلم السلطة والحكم، استدعى الأمراء والعلماء لمبايعته، وكان بينهم العز بن عبد السلام الذي فاجأ الظاهر بيبرس بكل جرأة وشجاعة وقال له: «يا ركن الدين، أنا أعرفك مملوك البندقدار»، أي لا يصح مبايعة المملوك في استلام السلطة، فأحضر بيبرس ما يثبت أن البندقدار قد وهبه للملك الصالح أيوب، وأن الصالح أيوب قد أعتقه، وهنا تقدم العز وبايعه على الملك، وكان الظاهر بيبرس «يعظم الشيخ العز ويحترمه، ويعرف مقداره، ويقف عند أقواله وفتاويه»،[37] وقال السيوطي عن الظاهر بيبرس: «وكان بمصر منقمعاً تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، لا يستطيع أن يخرج عن أمره، حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن».[38][39]

وفاته

توفي العز بن عبد السلام في جُمادى الأولى سنة 660هـ (1262م) باتفاق المؤرخين وعلماء التراجم، وقد بلغ ثلاثاً وثمانين سنة من العمر. ولكن علماء التراجم والتاريخ اختلفوا في يوم وفاته، فنقل ابن السبكي عن عبد اللطيف بن العز أن «وفاة الشيخ في تاسع جمادى الأولى، في سنة ستين وستمائة»،[37] وقال ابن السبكي بعد ذلك: «توفي في العاشر من جمادى الأولى سنة ستين وستمائة بالقاهرة».[40] وشك أبو شامة المقدسي قائلاً: «إن وفاته كانت يوم الأحد عاشر جمادى الأولى أو الحادي عشر».[41]

وحُكي أن شخصاً جاء إليه فقال له: رأيتك في النوم تُنْشد:



وكنتُ كذي رِجْلين: رِجْلٌ صحيحةٌ ورِجْلٌ رمى فيها الزّمانُ فشُلَّتِ

فسكت ساعةً ثم قال: «أعيش من العمر ثلاثاً وثمانين سنة، فإن هذا الشّعرَ لكُثَيّر عَزّة، ولا نسبة بيني وبينه غير السن، أنا سُنّي وهو شيعي، وأنا لست بقصير وهو قصير، ولست بشاعر وهو بشاعر، وأنا سُلَميّ وليس هو بسُلَمي، لكنه عاش هذا القدر». قال ابن السبكي: «فكان الأمر كما قاله رحمه الله تعالى».[37]

ودُفن العز يوم الأحد العاشر من جمادى الأولى قُبيل الظهر، في آخر القرافة بسفح المقطم من ناحية البركة، وكان يومُ دفنه مشهوداً، وحضر جنازتَه الخاصُّ والعامُّ من أهل مصر والقاهرة، وشارك في الجنازة خلائقُ لا تُحصى، وصلى عليه ملكُ مصر والشام الظاهر بيبرس.[41] وقد تأثر الظاهر بيبرس من وفاة العز، وتأسف على موته أثناء دولته فقال: «لا إله إلا الله، ما اتَّفَقَتْ وفاةُ الشيخ إلا في دولتي»، وشيّع أمراءَه وخاصتَه وأجنادَه لتشييعِ جنازته، وحَمَلَ نعشَه وحَضَرَ دفنَه.[37]

كما تأثر عامةُ المسلمين بوفاة العز؛ لفضله وعلمه ومواقفه، فخرجوا في جنازته، وأقيمت صلاة الغائب عليه في جميع ديار مصر وبلادها والبلاد الشامية إلى قاطع الفرات والبيرة والرحبة، ثم بالمدينة المنورة ومكة المكرمة واليمن. وحزن أهل دمشق خاصة على ابنهم وعالمهم وقاضيهم، فصلَّوا عليه يومَ الجمعة في الجامع الأموي وجوامع أخرى، ونادى النصير المؤذن بعد الفراغ من صلاة الجمعة: «الصلاة على الفقيه الإمام، الشيخ عز الدين بن عبد السلام»، وعُمل العزاء للشيخ العز بجامع العقيبة المعروف الآن بجامع التوبة، وذلك يوم الاثنين 25 جمادى الأولى سنة 660هـ.[41]


مناصبه وأعماله

الإفتاء

لم يكن للإفتاء منصب رسمي ووظيفة مرسومة في الدولة الإسلامية، وأول ما ظهر ذلك بصفة رسمية وحكومية في الدولة العثمانية، وكان العلماء يقومون بهذا المنصب من تلقاء أنفسهم، فهم يعتقدون أن كل من حصّل علماً وبلغ مرحلة التعرف الصحيح للأحكام وجب عليه أن يبين الشرع والدين للناس.[42] وقام العز بن عبد السلام بالإفتاء في الشام، وكان يدعى "مفتي الشام"، واستمر بالإفتاء حتى عزله الملك الأشرف موسى بسبب الفتنة حول "تفسير كلام الله تعالى"، فظهر موقف العز من الإفتاء والفتوى قائلاً: «... أما الفتيا فإني كنت مُتبرّماً بها وأكرهها، وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم، ولولا أني أعتقد أن الله أوجبها عليَّ؛ لِتَعيُّنها علي في هذا الزمان، لما كنت تلوّثت بها، والآن فقد عذرني الحق وسقط عني الوجوب وتخلصت ذمتي، ولله الحمد والمنة».[42][43] وبقي العز على تلك الحالة ثلاثة أيام حتى تدخل شيخ الحنفية جمال الدين الحصيري وأنكر على السلطان عمله، فتراجع السلطان نهائياً عن موقفه ومعتقده، وعاد العز إلى الإفتاء ولكنه رفض صلةَ الملك وأموالَه. وتجاوزت شهرته بلاد الشام، وأرسلت إليه الفتاوى من مختلف البلاد، قال ابن كثير: «وقُصد بالفتاوى من الآفاق»،[44] حتى قصده أهل الموصل من العراق بالاستفتاء في مجموعة أسئلة، فأجاب عنها وجُمعت في مؤلفاته باسم "الفتاوى الموصلية".[42]

ولما توجه العز إلى مصر، كانت سمعته في العلم والإفتاء قد سبقته، فلما حل في الديار المصرية (سنة 639هـ) اعترف له علماؤها ومفتوها بالفضل، وامتنعوا عن الفتوى بوجوده، وقال الحافظ المنذري (الفقيه الشافعي المفتي): «كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، فأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه».[31] وكان العز قد تجاوز الستين من عمره، ولكن لم تخر قواه، ولم يؤثر عليه كبر السن، فأصدر في مصر الفتاوى الجسيمة التي تتعلق بالأمراء وبيع الملوك، وفتوى هدم الطبلخانة، وغير ذلك من الفتاوى، وبقي العز يفتي في مصر حتى توفي.[42]

كان العز جريئاً في الفتاوى، فمثلاً، عندما كان الملك الكامل (سلطان مصر) في دمشق، واجتمع بالعز بعد وفاة الملك الأشرف موسى وتعيين الملك الصالح إسماعيل، سأل الكاملُ العزَّ عما يصدر من أخيه الملك إسماعيل بحضوره من هواية رمي البندق، وهل يجوز ذلك؟ فلم يتهيب العز من بيان الحق والحكم الشرعي، فقال: «بل يحرم عليه، فإن رسول الله
Mohamed peace be upon him.svg
نهى عنه وقال: إنه يَفْقَأُ العين، ويَكسِر العظم».[42][45] وكان العز متهيباً من الفتوى، وكان جريئاً في الرجوع إلى الحق إذا تبين أنه أخطأ، فقد حكى القاضي عز الدين البكاري «أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى مرة بشيء، ثم ظهر له أنه أخطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: من أفتى له ابن عبد السلام بكذا، فلا يعمل به، فإنه خطأ».[42][46][47]

التدريس

بعد أن حصّل العز بن عبد السلام العلومَ وتقدَّم في الحفظ والفهم، اتجه إلى العطاء والإفادة في عدة جوانب، وخاصة التدريس الذي مارسه من أول حياته العلمية في دمشق وحتى آخر عمره في القاهرة، إذ ألقى الدروس في دمشق في بيته وفي المساجد، وفي كل مكان وُجد فيه، قال ابن كثير: «وأفاد الطلبة ودرّس بعدة مدارس بدمشق».[48][49] واقتصرت المراجع والمصادر على تحديد مكانين درّس فيهما العز في الشام وهما:
1.المدرسة الشِبْلية البَرَّانِيَّة: وكانت خارج دمشق على سفح جبل قاسيون بالصالحية، ولعل ذلك في أيام الملك الأشرف موسى الذي لم يكن على وفاق تام مع العز في أول الأمر.
2.المدرسة الغزالية: وهي الزاوية الغربية بالجامع الأموي، ونُسبت إلى أبي حامد الغزالي لكثرة اعتكافه فيها وتدريسه وتأليفه حين إقامته بدمشق، ثم قام بالتدريس فيها كبارُ العلماء. ونصّت المصادر على أن الملك الكامل عندما ملك دمشق وحضر إليها سنة 635هـ كلف العز بالتدريس في هذه المدرسة، قال ابن السبكي: «وولّى الملك الكامل رحمه الله الشيخ تدريس زاوية الغزالي بجامع دمشق، وذكّر بها الناس»،[45] واستمرّ العز بالتدريس في هذه الزاوية حتى آخر مقامه بدمشق وهجرته إلى القدس فمصر.[48]

وصار صيت العز شائعاً، وشهرته عامة، وأكّدت معظم كتب التراجم على عبارة «وقصده الطلبة من الآفاق، وتخرج به أئمة»،[50] «ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد».[51] وقال قطب الدين اليونيني عن تدريسه: «كان مع شدته فيه حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار»،[52] وكان العز متأثراً بجودة التدريس وحسن الخطابة والإلقاء بشيخه الآمدي، كما تأثر بالقاسم بن عساكر في المرح بالدرس، واستعمال المزح وطرح التكلف،[48] قال ابن كثير: «وكان لطيفاً ظريفاً يستشهد بالأشعار».[53]

ولما انتقل العز إلى مصر واظب على التدريس الحر والدروس العامة، مع وظيفته في الخطابة والقضاء، ولم يُعيَّن للتدريس في وظيفة رسمية حتى عَزل نفسَه من القضاء، وكان السلطان الصالح أيوب يبني المدرسة الصالحية بين القصرين في القاهرة، وأعدّها لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة، واكتمل بناؤها سنة 639هـ، فحاول السلطان أن يثني العز عن استقالته من القضاء فأبى، فلما رأى زهده في منصب القضاء قَبِلَ استقالتَه وعَرَضَ عليه تدريسَ الفقه الشافعي في هذه المدرسة فقَبِلَه، «فعكف على التدريس فيها للشافعية، وقصده الطلبة من كل البلاد، وتخرج به الأئمة».[48] وبقي فيها حتى توفي.[31]

ولما بنى الملك الظاهر بيبرس مدرسته "الظاهرية" بالقاهرة، سأل العز أن يكون مدرّساً بها، فأجابه: «إن معي تدريس الصالحية، فلا أُضَيِّق على غيري».[54] ولما مرض العز مرض الموت، أرسل له الملك الظاهر بيبرس وقال له: «عيّن مناصبك لمن تريد من أولادك»، فقال: «ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين بن بنت الأعز» أحد تلاميذه، ففُوِّضت إليه.[48]

أول من درّس التفسير

كان من ميزات العز بن عبد السلام التي تَفرَّد بها أنه ابتدأ في إلقاء دروسٍ في التفسير لأول مرة، ولم يكن ذلك معهوداً من قبل، ولذلك قال ابن العماد الحنبلي: «وأخذ التفسيرَ في دروسه، وهو أول من أخذه في الدروس»،[55] وقال السيوطي: «وألقى التفسير بمصر دروساً، وهو أول من فعل ذلك»،[48][56]

الخطابة

تولى العز بن عبد السلام الخطابة في الجامع الأموي بدمشق من قبل الملك الصالح إسماعيل، وذلك في ربيع الآخر سنة 637هـ، حتى وصف تلميذه أبو شامة المقدسي جدارة الشيخ بهذا المنصب فقال: «وفي العشر الأخير من ربيع الآخر تولى الخطابة بدمشق أحق الناس بالإمامة يومئذ، الشيخ الفقيه عز الدين بن عبد السلام السُّلمي، مفتي الشام يومئذ، ناصر السنة، قامع البدعة».[57]

وكان العز خطيباً لَسِناً جريئاً، فبيّن الأحكام، ولما أَنِسَ من الناس الإصغاءَ والاستماعَ شَرَعَ في إبطال البدع، وإزالة ما لحق بالدين من الخطباء والأئمة وغيرهم، كدق السيف على المنبر، ولبس السواد، وسجع الخطب، والثناء المفرط على الحكام، فلم يلبس العز السواد في خطبته، ولا سجع فيها، وكان يقولها مترسلاً، واجتنب الثناء على الملوك، ولكنه كان يدعو لهم إن كانوا صالحين وما داموا على الحق، كما كان العز في الخطابة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فأبطل عملياً صلاة الرغائب لأنها برأيه لم يثبت فيها دليل شرعي، ثم أبطل صلاة النصف من شعبان لنفس السبب،[58] فعارضه ابن الصلاح وصَنَّفَ رسالة في تأييدها والدفاع عن ثبوتها، فردَّ عليه العز برسالة وافقه عليها كبار العلماء.[57][59]

ولَمْ يستمر العز طويلاً في خطابة دمشق، فبقي فيها مدة سنة تقريباً، إذ وقعت قصة الملك الصالح إسماعيل في تحالفه مع الفرنج، فترك العز الدعاء له وأنكر عليه فعلته وفضح أمره على الملأ، فعزله عن الخطابة سنة 638هـ وحبسه ثم أطلقه.[45][57] ولما انتقل العز إلى مصر عام 639هـ كانت شهرته قد سبقته، فتلقاه بمصر سلطانها الملك الصالح أيوب بالتعظيم والتبجيل والإكرام، وعينه فوراً خطيباً لأعظم مساجد مصر، وهو جامع عمرو بن العاص. وقام العز بمناصبه حتى وقعت حادثة الطبلخانة، وهدم بنفسه البناء على ظهر المسجد، وبادر إلى عزل نفسه عن القضاء، فتحركت هواجس السلطان وخوفه من منصب العز بالخطابة، وتذكر ما فعله من التشنيع على الملك إسماعيل بدمشق، وقال حاشية الملك له: «اعزله عن الخطابة، وإلا شنّع عليك على المنبر كما فعل في دمشق»، فاستغل السلطان هذه المناسبة وعزله عن الخطابة دون الإساءة إليه، وكلفه بالتدريس.[57][60]

السفارة

نصّ عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام في الرسالة التي كتبها عن والده «أن الملك الكامل محمداً، سلطانَ الديار المصرية، لمّا قَدِمَ دمشق وحكمها، واستلم السلطة فيها أوائل جمادى الأولى سنة 635هـ ولّى الشيخ العز عدة مناصب وولايات، ثم عيّنه للرسالة إلى الخلافة المعظمة ببغداد، ثم اختلسته (أي الملك الكامل) المنيّة». ولم يثبت في المراجع قيام العز بهذه السفارة، ومهما كان الأمر فالخبر صحيح في التعيين بالسفارة، وسواءً نُفِّذَ أم لم يُنَفَّذ، فإنه يدل على المكانة المرموقة التي كان العز يحظى بها، والرضا الواضح من الملك الكامل به والثقة فيه.[61]

القضاء

كان الملك الكامل محمد شديد الإعجاب بالعز بن عبد السلام، فقد سمع به في مصر، وكان شديد الثقة بعلمه ونزاهته وكفاءته، وكان يوافقه في المذهب الشافعي في الفقه والمذهب الأشعري في العقيدة، فلما وصل الملك الكامل من الديار المصرية إلى دمشق، وأقر له الملك الصالح إسماعيل بالسلطة والسيادة في أوائل جمادى الأولى سنة 635هـ، «ولّى الشيخَ العز تدريس زاوية الغزالي بجامع دمشق، ثم ولّاه قضاء دمشق، بعد ما اشترط عليه الشيخ شروطاً كثيرة لقبول القضاء، ودخل في شروطه، ثم عيّنه للرسالة إلى الخلافة المعظمة ببغداد».[45] ولكن الملك الكامل مات بعد شهرين ونيف من ملكه بدمشق، واستلم الملك الصالح إسماعيل دمشق من جديد، ولم ينفذ تعيين العز في القضاء بعد ذلك.[62]

ثم هاجر العز إلى مصر سنة 639هـ، وكان ملكها الصالح أيوب يسمع بغزارة علم العز ووقوفه على الحق والعدل، ووافق وصول العز إلى مصر بعد وفاة قاضي القضاة شرف الدين بن عين الدولة، فاستقبل السلطان الصالح أيوب العز استقبالاً حافلاً، ورحب به ترحيباً شديداً، وعهد إليه بالمناصب، وولاه خطابة مصر وقضاءها، وفوّض إليه عمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.[24] وقد تولى العز بن عبد السلام القضاء بمصر في التاسع عشر من ذي القعدة سنة 639هـ، وكان ذلك من السلطان تقديراً لمكانته، وبمثابة رد اعتبار للشيخ ووفاءً له بعدما حاول الصالح إسماعيل الإساءة إليه.[62]

قاضي القضاة

قاضي القضاة هو أحد المناصب الجليلة التي ظهرت في الخلافة الإسلامية، ومهمته تعيين القضاة والإشراف عليهم ومراقبة أعمالهم والاطلاع على الأحكام التي يصدرونها لبيان مدى موافقتها للشرع لتصديقها وإقرارها، فإن خالفت الشرع نقضها قاضي القضاة وردها إلى القاضي الذي أصدرها لتصحيحها، كما يقوم قاضي القضاة بعزل القضاة إن اقتضى الأمر.[62]

عَيَّنَ السلطانُ الصالحُ أيوبُ العزَّ بنَ عبدِ السلام على قضاء مصر (الفسطاط) والوجه القبلي (الصعيد)، وأبقى القاضي السنجاري على قضاء القاهرة والوجه البحري، لأن الإدارة القضائية في كل من هذه المناطق الأربعة مستقلة، فقسمها السلطان بين اثنين، وعُرف العز بن عبد السلام في كتب التراجم والتاريخ بقاضي القضاة.[62] وكان العز بن عبد السلام جريئاً يعلن الحكم ولو كان على السلطان والأمراء، ويبين الحكم الشرعي عند لزومه دون أن يخشى بطش جبار أو متسلط، ويصرّ على التطبيق والالتزام والتنفيذ، لذلك وصفه الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العزيز الجزّار كأنه الخليفة عمر بن عبد العزيز، فقال فيه:[62][63][64]



سارَ عبدُ العزيز في الحُكْم سَيراً لم يَسِرْه سوى ابنُ عبد العزيزِ
عَمَّنا حكمُه بعَدْلٍ وسيط شامِل للورى، ولفظٍ وَجِيزِ

وقال العز مبيناً الغرض والهدف من وجود القضاء ونصب القضاة:

«الغرض من نصب القضاة: إنصاف المظلومين من الظالمين، وتوفير الحقوق على المستحقين، والنظر لمن يتعذر نظره لنفسه كالصبيان والمجانين والمبذرين والغائبين، فلذلك كان سلوك أقرب الطرق في القضاء واجباً على الفور؛ لِما فيه من إيصال الحقوق إلى المستحقين ودرء المفسدة عن الظالمين والمبطلين، وقد تقدّم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الفور، وأحد الخصمين ههنا ظالم أو مبطل وتجب إزالة الظلم والباطل على الفور وإن لم يكن آثماً بجهله؛ لأن الغرض إنما هو دفع المفاسد سواءً كان مرتكباً آثماً أو غير آثم.[65]»

تركه للقضاء

لم يطلب العز بن عبد السلام القضاء؛ وقوفاً عند قول جمهور الفقهاء من كراهة طلب القضاء، ولكن الملوك هم من بادروا إلى تعيينه في القضاء وقضاء القضاء، فقبله مع أنه كان متبرماً منه ومتحرجاً من الانغماس فيه، ويدرك مخاطره ومتاعبه وعواقبه، ولم يقبله إلا على مضض، وقد جاءه أحد أصحابه فلامه وعاتبه على قبوله القضاء، فأعلن العز عن رأيه وأن ذلك «حكم الله وقدره، وأنه لم يطلب إلا رضاء الله فيه»، وأنشد قائلاً:[62]



يا ذا الذي يُؤلِمني عُتبُه أَنَسِيْتَ ما قُدِّر في الماضي
إنّ الذي ساقَك لي واعظاً هو الذي صيَّرني قاضي
والله ما اخترتُ سوى قربَه واختار أن يَعكس أغراضي
إن كنتَ لا تَرضى بأحكامه إني بما قدَّره راضي

وكان العز بن عبد السلام صارماً في تطبيق الأحكام والتسوية بين الناس، ولا يرضى عن الحق والشرع بديلاً ولو قيد شعرة، ومهما كان الأمر جسيماً وخطيراً ومحرجاً ولو للسلطان وأمرائه وأعوانه. وكانت هذه الصورة سبباً في تعب القاضي العز وعُرضته للخطر والتهديد والعزل والحبس، فكان يبادر غالباً لعزل نفسه لتأييد حكمه وقوله ورأيه، وذلك في ثلاث مرات:[62]
◾الأولى: لما عينه الملك الكامل قاضياً في دمشق ثم مات بعد وقت قصير، فوجد الملك إسماعيل الفرصة مواتية لعزل العز من القضاء.[62]
◾الثانية: في مصر، ولم ينص أحد المترجمين على السبب فيها، والغالب أنها كانت بعد قرار العز ببيع الأمراء المماليك.[62]
◾الثالثة: في مصر أيضاً، وكانت بعد هدم الطبلخانة فوق المسجد وإسقاط عدالة معين الدين بن شيخ الشيوخ أستاذ دار السلطان، فهدم العز البناء بنفسه وحكم بفسق الوزير وأسقط شهادته، وعزل نفسه عن القضاء، وذلك سنة 640هـ، ولم يعد بعدها للقضاء الذي كان يتحين الفرص للخلاص منه، وراجعه السلطان فأصر وأبى، وقبل السلطان استقالته، وعين أحد نوابه صدر الدين الموهوب الجزري في الحكم منابه. وهكذا انتهت ولاية القضاء في حياة العز، قال ابن العماد الحنبلي: «ثم عزل نفسه من القضاء، وعزله السلطان من الخطابة، فلزم بيته يشغل الناس ويدرّس، وأخذ في التفسير في دروسه، وهو أول من أخذه في الدروس».[

رد مع اقتباس
  #41  
قديم 02-18-2017, 09:11 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

أخلاقه وصفاته


صفته الشكلية

لم تسعف كتب التراجم والسير إلا بالقليل النادر عن صفات العز بن عبد السلام الخَلْقية، فلم تذكر سوى أنه كان طويل القامة، كامل الصورة والأوصاف، مما جعله مقبولاً عند الناس، وليس فيه عاهة أو علامة فارقة تلفت نظر الناظر أو قلم الباحث والكاتب في عصره أو بعده.[67]

ورعه وزهده

اتفقت كلمة معاصري العز وتلاميذه ومن بعدهم من العلماء والمصنفين على وصف العز بأنه كان ورعاً تقياً، بل شديد الورع بالالتزام بالحلال والبعد عن الحرام، واجتناب الشبهات في أعماله وتصرفاته، وفي مناصبه ومواقفه، وفي كسبه ورزقه وإنفاقه، وفي عباداته ومعاملاته. ومما يدل على ورعه وزهده أنه لم يجمع من الدنيا إلا القليل، فإذا عُرضت عليه أعرض عنها، وقصصه في ذلك كثيرة. منها: عندما انتهت محنته مع الملك الأشرف بدمشق، واقتنع الملك بعقيدة العز، أراد أن يسترضيه ويعوضه بالصلة والمال، وقال: «والله لأجعلنه أغنى العلماء»، ولكن العز لم يأبه لذلك، ولم ينتهز هذه الفرصة لمصالحه الشخصية، فلم يقبل درهماً من الملك، بل رفض الاجتماع به لأمور شخصية أو مجاملات رسمية، كما اعتذر عن الاجتماع بالملك الكامل عندما قدم دمشق وطلبه إليه.[68][69]

ولما مرض الملك الأشرف مرض الموت وطلب الاجتماع بالعز ليدعو له ويقدم له النصيحة، اعتبر العز ذلك قربة لله تعالى وقال: «نعم، إن هذه العبادة لمن أفضل العبادات، لما فيها من النفع المتعدي إن شاء الله تعالى»، وذهب ودعا للسلطان «لما في صلاحه من صلاح المسلمين والإسلام»، وأمره بإزالة المنكرات، وطلب منه الملك العفو والصفح عما جرى في المحنة قائلاً: «يا عز الدين، اجعلني في حل»، فقال العز: «أما محاللتك فإني كل ليلة أحالِلُ الخلق، وأبيت وليس لي عند أحدٍ مَظْلمة، وأرى أن يكون أجري على الله»، وفي نهاية الجلسة أطلق له السلطان ألف دينار مصرية، فردّها عليه، وقال: هذه اجتماعة لله، لا أكدرها بشيء من الدنيا.[58] ولما هاجر العز من دمشق وقد ناهز الستين، لم يحمل معه شيئاً من المتاع والمال. ولما استقال العز من القضاء عند فتواه ببيع الأمراء، خرج من القاهرة وكل أمتعته في الحياة مع أسرته حِمل حمار واحد،[58] مما يدل على قناعته بالقليل، وزهده في المال والمتاع.[69]

ولما مرض العز وأحس بالموت، أرسل له الملك الظاهر بيبرس أن يُعيّن أولاده في مناصبه، وأن يجعل ولده عبد اللطيف مكانه في تدريس المدرسة الصالحية، فقال العز: «ما يصلح لذلك»، قال له: «فمن أين يعيش؟» قال: «من عند الله تعالى»، قال له: «نجعل له راتباً؟» قال: «هذا إليكم». والحقيقة أن عبد اللطيف بن العز كان عالماً فقيهاً ويصلح للتدريس، ولكن ورع العز وزهده منعه من جعل منصب التدريس وراثة لأولاده.[69] قال الداودي: «وكان كل أحد يضرب به المثل في الزهد والعلم».[70]

حبه للتصدق

حكى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة أن العز لما كان بدمشق وقع مرة غلاءٌ كبيرٌ حتى صارت البساتين تُباع بالثمن القليل، فأعطته زوجته مَصاغاً لها وقالت: «اشتر لنا به بستاناً نَصِيف به»، فأخذ ذلك المصاغ وباعه، وتصدق بثمنه، فقالت: «يا سيدي، اشتريت لنا؟» قال: «نعم، بستاناً في الجنة، إني وجدت الناس في شدة فتصدقت بثمنه»، فقالت له: «جزاك الله خيراً».[46]

ولمّا جاء أستاذ الدار "الغِرْز خليل" برسالة الملك الأشرف بدمشق للشيخ العز بعزله عن الإفتاء، وعدم الاجتماع بأحد ولزوم بيته، تقبل العز هذه الأمور بصدر رحب، واعتبرها «هدية من الله تعالى، أجراها على يد السلطان وهو غضبان، وأنا بها فرحان، والله يا غِرز، لو كانت عندي خِلعةٌ تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة، لخلعتُ عليك، ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة صلّ عليها، فقبِلها وقبَّلها، وودّعه وانصرف إلى السلطان، وذكر ما جرى بينه وبينه، فقال السلطان لمن حضره: قولوا لي ما أفعل به؟ هذا رجلٌ يرى العقوبة نِعمة، اتركوه، بيننا وبينه الله».[71]

وقال ابن السبكي في حب العز للتصدق: «وحكي أنه كان مع فقره كثير الصدقات، وأنه ربّما قطع من عِمامته، وأعطى فقيراً يسأله إذا لم يجد معه غير عِمامته».[46]

جرأته

كان العز جريئاً في الحق يُعلنه في كل مناسبة، وينطق به في خطبه ودروسه، ويبينه في الفتاوى والأحكام، وفي ذلك أمثلة كثيرة ومواقف عديدة في حياته، منها ما نقله ابن السبكي عن والده أنه سمع شيخه الباجي (تلميذ العز) يقول: طلع شيخنا عز الدين مرة إلى السلطان (الصالح أيوب) في يوم عيد إلى القلعة، فشاهد العساكر مصطفين بين يديه، ومجلسَ المملكة، وما السلطانُ فيه يومَ العيد من الأُبَّهَة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية، وأخذت الأمراء تقبِّل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ إلى السلطان، وناداه: «يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أُبَوِّئ لك مُلك مصر، ثم تبيح الخمور؟» فقال: «هل جرى هذا؟» فقال: «نعم، الحانة الفلانية يُباع فيها الخمور وغيرُها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة»، يناديه كذلك بأعلى صوته، والعساكر واقفون، فقال: «يا سيدي، هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي»، فقال: «أنت من الذين يقولون: (إنا وَجدنا آباءنا على أمة)»، فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة، قال الباجي: سألت الشيخ لما جاء من عند السلطان وقد شاع الخبر: «يا سيدي كيف الحال؟» فقال: «يا بُنيّ، رأيته في تلك العظمة، فأردت أن أُهينَه لئلا تكبر نفسه فتؤذيه»، فقلت: «يا سيدي أما خفته؟» فقال: «والله يا بُني، استحضرت هيبة الله تعالى، فصار السلطان قُدَّامي كالقط».[31][72]

محاربته للبدع

وصف المؤرخ أبو شامة المقدسي شيخه العز بقوله: «ناصر السنة، وقامع البدعة»، فقد كان العز معروفاً بمحاربته للبدع والمنكرات، فأزال كثيراً مما كان يراه بدعاً يرتكبها عوامُّ المسلمين، فأفتى بمنع صلاة الرغائب، كما منع صلاة النصف من شعبان، ومنع إقامتها بالجامع الأموي، «لأنه لم يرد فيها سنة صحيحة من رسول الله
Mohamed peace be upon him.svg
»، وقال العز عن صلاة الرغائب: «البدع ثلاثة أضرب... الضرب الثالث: ما كان مخالفاً للشرع، أو ملتزماً لمخالفة الشرع، فمن ذلك صلاة الرغائب، فإنها موضوعة على النبي
Mohamed peace be upon him.svg
، وكذب عليه»،[73] وقال العز: «القيام للمصحف بدعة لم تُعهد في الصدر الأول». كما أزال العز بدع الخطباء في المساجد كلبس السواد، ودق السيف على المنبر، والتسجيع في الخطبة، واجتنب الثناء على الملوك والحكام.[74]

وعقد العز فصلاً عن البدع في كتابه "قواعد الأحكام"، فعرّفها فقال: «البدعة فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله
Mohamed peace be upon him.svg
»، ثم قسّمها وبيّن حكم كل قسم.[75]

مناصحة الحكام

لما مرض الملك الأشرف موسى بدمشق مرض الموت، طلب من العز بن عبد السلام أن يعودَه ويدعو له وينصحه، فلبى العز واجب عيادة المريض، وقال للملك: «وأما دعائي للسلطان، فإني أدعو له في كثير من الأحيان، لما في صلاحه من صلاح المسلمين والإسلام... وأما وصيتي ونصيحتي للسلطان فقد وجبت وتعينت لقبوله وتقاضيه». وكان السلطان قبل مرضه قد وقع بينه وبين أخيه السلطان الكامل بمصر جفوة ووحشة، في الوقت الذي ظهر فيه التتار في الشرق، فقال الشيخ للسلطان: «أخوك الكبير ورحمك، وأنت مشهور بالفتوحات، والنصر على الأعداء، والتتر قد خاضوا بلاد المسلمين...»، وأَمَرَه بصلة أخيه والتعاون معه في وجه التتار، وإزالة مظاهر القطيعة والعداوة بينهما قائلاً: «ولا تقطع رحمك في هذه الحالة، وتنوي مع الله نصرَ دينه وإعزاز كلمته، فإن منَّ الله بعافية السلطان رجونا من الله إدالته على الكفار، وكانت في ميزانه هذه الحسنة العظيمة، فإن قضى الله تعالى بانتقاله إليه كان السلطان في خفارة نيته»، فقال له: «جزاك الله خيراً عن إرشادك ونصيحتك»، وأمر (والشيخ حاضر في الوقت) بتنفيذ ذلك، ثم قال له: «زدني من نصائحك ووصاياك»، فقدَّم الشيخ النصائح، وأمره بإزالة المنكرات، ومنع المحرمات، ورفع المكوس عن المسلمين، وإبطال القاذورات، ودفع المظالم، فتقدّم السلطان فوراً بإبطال ذلك كله، وقال له: «جزاك الله عن دينك وعن نصائحك وعن المسلمين خيراً، وجمع بيني وبينك في الجنة بمنّه وكرمه»، وودّع الشيخ السلطان، ومضى إلى البلد، وقد شاع عند الناس صورة المجلس، وتبطيل المنكرات، وباشر الشيخ بنفسه تبطيلَ بعضها.[58][76]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اشتهر العز بن عبد السلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت هذه الصفة أهم صفاته، وأكثر مميزاته على غيره من العلماء، ولذلك أجمع المصنفون على وصفه بذلك،[77] قال الكتبي في وصف العز: «كان ناسكاً ورعاً، أمَّاراً بالمعروف نهَّاءً عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم».[78] وقال ابن العماد في وصف العز بدمشق: «هذا مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين»، ثم يقول عنه في مصر: «فأقام بالمنصب أتم قيام، وتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».[79] وقال عنه السيوطي: «وقدم مصر، فأقام بها أكثر من عشرين سنة، ناشراً للمعروف ناهياً عن المنكر، يعظ الملوك فمن دونهم».[80] وقال ابن السبكي: «إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه».[7]

التصوف

اختلف العلماء والكُتّاب والمصنفون قديماً وحديثاً اختلافاً واسعاً في وصف العز بن عبد السلام بالتصوف أو براءته منه، وتشعّب القول في ذلك، فذهب معظم المؤرخين القدامى وبعض المعاصرين إلى إثبات نسبة التصوف للعز، واتفاقه مع الكتاب والسنة، واستندوا إلى أدلة كثيرة، أهمها صلته بكبار علماء الصوفية في زمانه كأبي الحسن الشاذلي وشهاب الدين عمر السهروردي، وحضور مجالسهم، وقراءة كتب الصوفية وممارسته لبعض أعمالهم.[81] وقد نقل ابن السبكي: «أن الشيخ عز الدين لبس خرقة التصوف من الشيخ السُّهروردي، وأخذ عنه، وذكر أنه كان يقرأ بين يديه "رسالة القشيري"»، ثم قال ابن السبكي: «وقد كان للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف، وتصانيفه قاضية بذلك»،[46] وقال السيوطي: «وله كرامات كثيرة، ولَبِسَ خرقة التصوف من الشهاب السُّهروردي، وكان يحضر عند الشيخ أبي الحسن الشاذلي، ويسمع كلامه في الحقيقة ويعظمّه».[56] وقال الشعراني: «وكان الشيخ عز الدين
رضي الله عنه
يقول بعد اجتماعه على الشيخ أبي الحسن الشاذلي وتسليمه للقوم: «من أعظم الدليل على أن طائفة الصوفية قعدوا على أعظم أساس الدين ما يقع على أيديهم من الكرامات والخوارق، ولا يقع شيء من ذلك قط لفقيه إلا إن سلك مسلكهم كما هو مشاهد»، وكان الشيخ عز الدين
رضي الله عنه
قبل ذلك ينكر على القوم، ويقول هل لنا طريق غير الكتاب والسنة، فلما ذاق مذاقهم، وقطع السلسلة الحديدية بكراسة الورق، صار يمدحهم كل المدح».[82]


وذهب فريق من المعاصرين إلى نفي التصوف عن العز، وأن «التصوف يتنافى مع عقلية العز الفكرية والاجتهادية القائمة على إعمال العقل في النصوص، وتتعارض مع سيرة العز في الحياة ومواقفه وفتاويه وكتبه ومصنفاته». وتوسّط آخرون إلى الاعتراف بتصوف العز «على طريقته الخاصة وطريقة السلف التي تجمع بين العلم والعمل».[83]

وقد أنكر العز ما يصدر عن بعض المتصوفة من الرقص والسماع فقال:

«وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلى راعن أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه، وذهب قلبه، وقد قال عليه السلام: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يُقتدى بهم يفعل شيئاً من ذلك، وإنما استحوذ الشيطان على قوم يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله عز وجل، ولقد مانوا فيما قالوا، وكذبوا فيما ادعوا... ومن هاب الإله وأدرك شيئاً من تعظيمه لم يَتصور من رقص ولا تصفيق، ولا يَصدر التصفيقُ والرقصُ إلا من غبي جاهل، ولا يصدران من عاقل فاضل.[84]»

ولما سُئل العز عن الإنشاد والتواجد والرقص والسماع أجاب:

«الرقص بدعة، لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء، وأما سماع الإنشاد المحرك للأحوال السَّنِيَّة بما يتعلق بالآخرة فلا بأس به، بل يندب إليه عند الفتور وسآمة القلوب، لأن الوسائل إلى المندوب مندوبة، والسعادة كلها في اتباع الرسول
Mohamed peace be upon him.svg
واقتفاء أصحابه الذين شهد لهم بأنهم خير القرون، ولا يَحضُرُ السماعَ مَنْ في قلبه هوى خبيث، فإن السماع يُحرك ما في القلوب من هوى مكروه أو محبوب، والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم، وهم أقسام...[85]»
ويقول محمد الزحيلي: «والخلاصة أننا نرى أن العز كان صوفياً حسب قواعد الشرع، ومن الناحية الفكرية والقلبية والروحية، وبحسب المعنى العام الوارد في الشرع عن هذا الجانب التربوي في الإسلام، وأنه ملتزم بكل ما جاء في القرآن والسنة من التربية الروحية والقلبية والتهذيب النفسي، ولم يكن متصوفاً بالمعنى الاصطلاحي والعرفي، ولم ينتسب إلى طريقة يلتزم بطقوسها ومصطلحاتها وقواعدها، ولم يدخل في المتاهات الغامضة التي تحتمل الظاهر والباطن، والصحيح والفاسد...».[86]


شيوخه

تلقى العز بن عبد السلام العلم على جلة علماء دمشق وبغداد والقاهرة، وقد ذكر ابن السبكي أهم شيوخ العز وأشهرهم وبين اختصاصهم، فقال: «تفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر، وقرأ الأصول على الشيخ سيف الدين الآمدي وغيره، وسمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر، وشيخ الشيوخ عبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعد البغدادي، وعمر بن محمد بن طَبَرْزَد، وحنبل بن عبد اللطيف الرصافي، والقاضي عبد الصمد بن محمد الحرستاني، وغيرهم، وحضر على بَرَكات بن إبراهيم الخُشُوعي».[7][87]


تلاميذه

تفرّغ العز بن عبد السلام للتعليم وإلقاء الدروس في المدارس والمساجد والبيوت حتى وفاته، واجتمعت في حلقاته ودروسه الجموعُ الغفيرة من أهالي دمشق والقاهرة، ولما اشتهر وذاع صيته قصده الطلبة من أصقاع العالم الإسلامي، لذلك قال ابن كثير: «وأفاد الطلبة، ودرّس بعدة مدارس... وانتهت إليه رئاسة الشافعية، وقُصد بالفتاوى من الآفاق»، وقال ابن العماد الحنبلي: «وبلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد»، وقال الكتبي: «ودرّس وصنّف وأفتى وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من البلاد، وتخرّج به أئمة، وله الفتاوى السديدة». أما أشهر تلاميذه فمنهم:
1.إبراهيم بن العز بن عبد السلام.
2.عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام.
3.ابن دقيق العيد.
4.تاج الدين بن بنت الأعز.
5.أبو شامة المقدسي.
6.عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري، المعروف بالفركاح.
7.شهاب الدين القرافي.
8.عبد الوهاب بن الحسين بن عبد الوهاب المهلّبي البَهْنسي.[7][88]


مؤلفاته

ترك العز بن عبد السلام العديد من الكتب والمصنفات والرسائل، إلا أن هذا الإنتاج لا يتناسب مع مكانة العز وعلمه وتحصيله، ولذلك قال فيه اليافعي اليمني: «وهو من الذين قيل فيهم: علمهم أكثر من تصانيفهم، لا من الذين عبارتهم دون درايتهم، ومرتبته مع السابقين من الرعيل الأول».[89] والسبب في ذلك هو أن العز كان مشغولاً بالمناصب الرسمية وأعمال الأمة ومتاعب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.[90]

التفسير وعلوم القرآن

تفسير العز بن عبد السلام: وهو مختصر تفسير "النكت والعيون للماوردي".[91]
2.تفسير القرآن العظيم.[92]
3.الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، ويختصر أحياناً باسم مجاز القرآن. واختصر هذا الكتاب ابن قيم الجوزية مع زيادات في كتابه "الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان"، كما لخص السيوطي كتاب العز مع زيادات عليه، وسماه "مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن"، ويعتبر كتاب العز هذا، مع كتابه "قواعد الأحكام" أهم كتبه على الإطلاق.[93]
4.أمالي عز الدين بن عبد السلام، وهي تشمل: الأمالي في تفسير بعض آيات القرآن الكريم، والأمالي في شرح بعض الأحاديث المنتقاة، والأمالي في مناقشة بعض المسائل الفقهية، وهذه الأمالي كان العز يلقيها في دروس تفسير القرآن الكريم.[94][95]

الحديث والسيرة والأخبار
1.شرح حديث: «لا ضرر ولا ضرار».
2.شرح حديث "أم زَرْع" الذي روته السيدة عائشة.
3.مختصر صحيح مسلم.
4.بداية السول في تفضيل الرسول: ساق فيه العز اثنين وثلاثين وجهاً لتفضيل النبي محمد، «وهي تعداد الخصائص التي خصه الله بها».[96]
5.قصة وفاة النبي Mohamed peace be upon him.svg.
6.ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام: وفيها بيان فضل الشام والترغيب بالسكن فيها.[97]
7.مجلس ذم الحشيشية.[98]

الإيمان والعقيدة وعلم التوحيد

كان العز بن عبد السلام يعتقد بعقيدة الأشاعرة من أهل السنة والجماعة، وكان من المدافعين عنها الواقفين في وجه الفرق المخالفة لها، وقد خصص بعض الرسائل في بيان الإيمان والعقيدة، منها:
1.رسالة في علم التوحيد.
2.الملحة في اعتقاد أهل الحق، وتسمى أيضاً: "رسالة في العقيدة" أو "الاعتقاد". وقد كتبها للرد على الحنابلة الذين شنعوا على الإمام الأشعري في صفات الله تعالى عامة وصفة الكلام خاصة، وهي التي رفعها الحنابلة للملك الأشرف وأدت إلى المحنة المعروفة التي وقعت به. وقد قدم العز فيها الحجج والأدلة والبراهين عليها، واقتصر على الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، وترك الاحتجاج بالمعقول «كميناً عند الحاجة إليه» على حد تعبيره.[99]
3.الفرق بين الإسلام والإيمان: وهي جواب لسؤال، لذلك ورد بعضها في "الفتاوى الموصلية" وتكلم العز فيها عن زيادة الإيمان ونقصه، وهو رأي جمهور أهل السنة والجماعة.[100]
4.نبذة مفيدة في الرد على القائل بخلق القرآن.
5.وصية الشيخ عز الدين: وهي رسالة صغيرة في العقيدة.
6.أحوال الناس يوم القيامة وذكر الخاسرين والرابحين منهم: وهي رسالة من ستين صفحة في العقيدة والزهد وفضائل الأعمال والتربية.[101][102][103]

الفقه والفتاوى
1.الغاية في اختصار النهاية: وهو كتاب كبير يقع في خمس مجلدات كبيرة، اختصر فيه أشهر كتب الفقه الشافعي المسمى "المذهب" وعنوانه "نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين الجويني الذي يقع في 27 مجلداً، وقام إمام الحرمين نفسه باختصار كتابه باسم "المعتصر"، وجاء العز فاختصر المختصر.
2.الجمع بين الحاوي والنهاية: ولعله لم يُكمل، وهو كتاب يجمع بين كتابين يوصفان بأنهما أعظم كتابين في الفقه الشافعي، الأول: "الحاوي أو الحاوي الكبير" لأبي الحسن الماوردي، ويقع في أربع وعشرين مجلداً، والثاني: "نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين الجويني، وهما أهم كتب الفقه الشافعي وأكثرهما توسعاً في المذهب.
3.أحكام الجهاد وفضائله: وهو رسالة في الجهاد وأحكامه وفضائله.[104]
4.مقاصد الصلاة: وهي رسالة صغيرة عن «فضل الصلاة، وبيان شرفها، وأنها أفضل العبادات بعد الإيمان بالله تعالى».[105]
5.مقاصد الصوم: وهي رسالة صغيرة تتضمن فضل الصوم وفوائده الدنيوية والأخروية، وبعض أحكامه.[106]
6.مناسك الحج: وهي رسالة صغيرة تحدّث فيها عن الحج والعمرة وبعض أعمال الحج.[107]
7.صلاة الرغائب: وهي رسالة صغيرة تتألف من قسمين: الأول: الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة، للرد على من يدعي مشروعيتها، فرد ابن الصلاح بجوازها ومشروعيتها، فصنف العز القسم الثاني: رسالة في تفنيد رد ابن الصلاح.[108]
8.الفتاوى الموصلية: ويقال عنها: "فتاوى العز بن عبد السلام"، وهي أجوبة عن تسعين سؤالاً وجهت إليه من خطيب الموصل شمس الدين عبد الرحيم الطوسي سنة 654هـ بالقاهرة، فقيل "الموصلية" أو "الأسئلة الموصلية" أو "المسائل الموصلية"، وتشمل مختلف أبواب الفقه، وبعض الأسئلة في علم الكلام والتفسير وموضوعات أخرى.[109]
9.الفتاوى المصرية: وهي فتاوى مكونة من أجوبة في الفقه والأصول والتفسير والعقيدة سُئل عنها العز بمصر، وهي مجموع مشتمل على فنون من المسائل والفوائد، جمعها أحد تلامذته ودَوَّنها حسب ترتيب الأبواب الفقهية.[110][111]

أصول الفقه
1.قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أو القواعد الكبرى، ويوصف هذا الكتاب مع كتاب "الإشارة إلى الإيجاز" بأنهما أعظم كتب العز، «وهما شاهدان على إمامة العز وعظيم منزلته في علوم الشريعة».[40][112]
2.القواعد الصغرى: وهو مختصر الكتاب السابق، اختصر فيه العز كتابه بحذف الفروع الفقهية والاستطرادات والتعليقات.[113]
3.الإمام في بيان أدلة الأحكام: ويذكر أيضاً بعنوان "الدلائل المتعلقة بالملائكة والنبيين عليهم السلام والخلق أجمعين" وظنه بعضهم كتابين للعز، كما ظن آخرون أن الكتاب في العقيدة بسبب العنوان الثاني،[40] وهما عنوانان لكتاب واحد.[114]
4.شرح "منتهى السؤال والأمل في عِلْمي الأصول والجدل" لابن الحاجب.[115]

الزهد والتصوف والتربية والأخلاق وفضائل الأعمالعدل
1.شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال: قال السبكي: «حسن جداً»،[40] وحدد العز معالم هذه الشجرة، فأصلها "معرفة الذات" الإلهية، وفرعها "معرفة الصفات" وثمرتها هي "التخلق بآداب القرآن" و"التخلق بصفات الرحمن" التي تحقق "جميع الخيرات العاجلة والآجلة.[116]
2.مقاصد الرعاية لحقوق الله: مختصر رعاية المُحاسبي.[117]
3.مسائل الطريقة في علم الحقيقة: واشتهرت بالستين مسألة؛ لأنها تتضمن ستين سؤالاً في الأخلاق والتصوف والإيمان.[118]
4.رسالة في القطب والأبدال الأربعين: «بيّن فيها بطلان قول الناس فيهم وعدم وجودهم كما زعموا».
5.الفتن والبلايا والمحن والرزايا أو فوائد البلوى والمِحَن: وهي رسالة صغيرة فيها الفوائد والثواب والأجر الذي يناله المسلم من ابتلائه بالفتن والمحن والرزايا والمصائب، ذكر العز فيها سبع عشرة فائدة.[119]
6.نهاية الرغبة في أدب الصحبة.[120]


كتب عن العز بن عبد السلام

لقد اعتنى العلماء والباحثون قديماً وحديثاً بترجمة العز بن عبد السلام، وأفرده بالترجمة غير واحد في كتب مستقلة، ومنهم:
◾الدكتور محمد الزحيلي، في كتاب "العز بن عبد السلام: سلطان العلماء وبائع الملوك".
◾رضوان علي الندوي، في كتاب "العز بن عبد السلام".
◾محمد حسن عبد الله، في كتاب "عز الدين بن عبد السلام".
◾الدكتور عبد الله بن إبراهيم الوهيبي، في رسالته للدكتوراه بعنوان "العز بن عبد السلام: حياته وآثاره ومنهجه في التفسير".
◾الدكتور علي الفقير، في رسالته للدكتوراه بعنوان "الإمام العز بن عبد السلام ومنهجه الأصولي".
◾عبد العظيم فودة في رسالته للماجستير بعنوان "عز الدين بن عبد السلام وأثره في الفقه والأصول".
◾علي الصلابي، في كتاب "الشيخ عز الدين بن عبد السلام: سلطان العلماء وبائع الأمراء".[

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 03-04-2017, 12:36 AM
أبو الوليد أبو الوليد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Sep 2014
المشاركات: 624
معدل تقييم المستوى: 5
أبو الوليد is on a distinguished road
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

موضوع رائع أخي جحفل وفيه الكثير من الخير.
نتمنى من الجميع قرائته و الاستفادة منه.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 03-04-2017, 10:27 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

مشكور اخي ابو الوليد وجزاك الله خيرا

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 03-10-2017, 01:03 AM
أبو ياسر أبو ياسر غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Feb 2014
المشاركات: 1,080
معدل تقييم المستوى: 6
أبو ياسر is on a distinguished road
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

جزاكم الله ألف خير على نشر هذا الموضوع الرائع.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 03-10-2017, 01:11 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,288
معدل تقييم المستوى: 5
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

ولكم بمثل اخي الكريم شكرا لك

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.