منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-22-2016, 01:52 AM
جحفل جحفل متصل الآن
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,221
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي معركة بلاط الشهداء

معركة بلاط الشهداء أو معركة تور (بالإنجليزية: Battle of Tours) أو معركة بواتييه (بالفرنسية: Bataille de Poitiers) هي معركة دارت في رمضان 114 هـ/أكتوبر 732م[3][4] في موقع يقع بين مدينتي بواتييه وتور الفرنسيتين، وكانت بين قوات مسلمين تحت لواء الدولة الأموية،[5] بقيادة والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي من جهة، وقوات الفرنجة والبورغنديين[6][7] بقيادة شارل مارتل(4) من جهة أخرى، وانتهت بانتصار قوات الفرنجة وانسحاب جيش المسلمين بعد مقتل قائده عبد الرحمن الغافقي.

اعتبر مؤرخو الفرنجة في القرن التاسع، نتيجة المعركة حكم إلهي لصالح الفرنجة، كما اكتسب شارل مارتل من حينها لقبه "Martellus" الذي يعني المطرقة.[8][9] تفاصيل المعركة من حيث الموقع وأعداد القوات المشاركة من الطرفين لا يمكن تحديدها على وجه الدقة. إلا أنه من المؤكد، أن قوات الفرنجة انتصرت في المعركة دون أن يكون لديهم سلاح فرسان.[10] أشاد المؤرخون المسيحيون المتأخرون في فترة ما قبل القرن العشرين بشارل مارتل وعدّوه بطل المسيحية، واصفين المعركة بنقطة التحول الحاسمة في الكفاح ضد الإسلام، مما حفظ المسيحية كديانة لأوروبا.[11] وفقًا للمؤرخ العسكري الحديث فيكتور ديفيس هانسون، فإن معظم مؤرخي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، رأوا أن المعركة أوقفت المد الإسلامي في أوروبا.[12] لذا عدّها رانكه علامة فارقة في واحدة من أهم الحقب في تاريخ العالم.[13]

وعلى النقيض، انقسم المؤرخون الحديثون الآخرون حول أهمية المعركة، واختلفوا حول ما إذا كان الانتصار معقولاً ليكون سببًا لإنقاذ المسيحية وإيقاف الفتح الإسلامي لأوروبا. إلا أن المعركة أسهمت في تأسيس الإمبراطورية الكارولنجية وهيمنة الفرنجة على أوروبا في القرن التالي. ويتفق معظم المؤرخين على أن نشأة القوة الفرنجية في أوروبا الغربية حددت مصير القارة، وأن هذه المعركة أكدت سلطتها.[14]






التسمية والموقع


أطلقت المصادر العربية على المعركة اسم معركة بلاط الشهداء، تخليداً لذكرى قتلى المسلمين، ويُستَشَفُّ ذلك من رواية ابن حيان القرطبي.[15] ونقلوا عن ابن حيان أن الأذان لبث عصوراً طويلة يسمع في موقع المعركة.[16][17] بينما أطلق المؤرخون الغربيون عليها اسم معركة تور (بالإنجليزية: Battle of Tours) نسبة إلى مدينة تور، كما أطلقوا عليها اسم "معركة بواتييه" (بالفرنسية: Poitiers)، وهي غير معركة بواتييه التي جرت بين بريطانيا وفرنسا خلال حرب المئة عام. أما موقع المعركة فيطلقون عليه اسم موساي لاباتيّ (بالفرنسية: Moussais-la-Bataille).[18] فيما حدد باحثون كالحجي وعبد الفتاح مقلد الغنيمي موقعها في قرية تقع ضمن أرض المعركة تدعى "خندق الملك" (بالفرنسية: Fossi le Roi)، حيث اكتشفت هناك حديثاً سيوف عربية،[18][19] وموقع المعركة سهل ممتد بين مدينتي تور وبواتييه، محدد من الشرق بمجرى نهر فيين الذي يرفد نهر اللوار.[18]


ما قبل المعركةعدل

حشد الغافقي جيشاً يعد أكبر جيش أموي دخل الأندلس وغالية حتى ذلك الوقت.[3] انطلق في البداية من سرقسطة نحو قطلونية، وهو أقرب أقاليم الأندلس إلى بلاد الغال، فعمل على تقوية هذا الثغر والقضاء على الثوار فيه، ثم تحرك إلى سبتمانيا فعزز من وجود الحاميات فيه، وعاد بعدها إلى بنبلونة في شمالي أيبيريا، فانطلق منها وعبر ممر رونسفال في جبال المعابر،[20] وكان هدفه أقطانيا، ومنها سار شمالاً ثم في الاتجاه الجنوبي الشرقي نحو آرل، فأعاد فتحها وحصّن المسلمين فيها، ثم عاد إلى أقطانية. كان أودو دوق أقطانيا قد جمع جيشًا قاتل به جيش الغافقي في معركة نهر الجارون، والتي انتصر فيها المسلمون، وسط خسائر كبيرة في الجيش الأقطاني.(1) بعد هذه المعركة، افتتح الغافقي أقطانيا بالكامل،[21] بما في ذلك مدينة بوردو عاصمتها.[22] ثم واصل الغافقي إلى بواتييه فافتتحها، ثم تور الواقعة على نهر اللوار وافتتحها أيضاً.[23]

رأى بعض المؤرخين أن الغافقي لم يكن ينوي التقدم أكثر من ذلك، بل كان ينوي تحصين المدن المفتوحة وتقويتها لتصبح ثغراً للمسلمين، كما هي الحال في سبتمانيا، ولم يكن معه من الجند ما يكفي لفتح مدن أكثر، بعد مسيرته طويلة في جنوب غالة وغربها، وقتاله في معركة نهر الجارون.[24] دفعت انتصارات المسلمين في غالة شارل مارتل للتحرك لمواجهة جيش المسلمين، خاصة بعد أن لجأ إليه منافسه أودو بمن بقي معه من رجاله، ليساعده على استعادة أقطانيا[25][26]، فقبل شارل مساعدته على أن يكون ولاء أودو لدولة الفرنجة، فوافق أودو على ذلك


جمع شارل مارتل جيشًا من المرتزقة ومقاتلين من حدود الراين[28] ومن بورغانديا. كان عبد الرحمن قد وصل إلى تور بمن تبقى من جيشه، بعد معاركه في أقطانيا وقطلونية وسبتمانيا أو الحاميات التي خلفها ورائه.[24][29]

استدرج شارل مارتل جيش المسلمين المتحصن في تور إلى سهل يقع غرب رافد نهر اللوار، بأن أرسل شارل مجموعات صغيرة من طلائع جيشه إلى الضفة الشرقية للنهر، وعندما علم بأمرها عبد الرحمن، أرسل مجموعات للاستطلاع، عادت لتخبره بقلة عددهم وسهولة القضاء عليها، فخرج عبد الرحمن من المدينة لمواجهتها، وعبر بقواته إلى الضفة الشرقية، فتحرك شارل بقواته باتجاه جيش المسلمين.[5][30] وعندما فوجيء عبد الرحمن بأعداد أكثر مما قدرتها فرق استطلاعه ارتد بقواته إلى سهل بين تور وبواتييه.[30][31] تقدم شارل بقواته ونزل في مواجهة جيش الأمويين استعداداً للمعركة، وتحرك جيش الأمويين نحو الجنوب باتجاه بواتييه، بينما تجمع جيش شارل جهة الشمال باتجاه تور.[32]


المعركةعدل

لا تتفق المصادر على تاريخ بدأ وانتهاء المعركة وكم كانت مدتها، استمرت المناوشات بين الفريقين لأيام، إلى أن لجأ المسلمون للهجوم في اليوم الأخير بفرسانهم على جيش شارل، الذي تحمله مشاة جيش الفرنجة،[33] وبدا كما لو أن المسلمون اقتربوا من النصر.[30][34] إلا أن شارل أرسل فرقًا يعتقد أنها كانت بقيادة أودو هاجمت معسكر المسلمين من الخلف[35] مما دفع المسلمين لمحاولة إنقاذ معسكرهم.(2) حاول الغافقي ومن بقي من جنوده معه الثبات في القتال والسيطرة على الموقف بعد أن اضطربت صفوف المسلمين، وظل يقاتل حتى قُتل.[36][37] ثم نجح بقية جيش المسلمين في الدفاع عن معسكرهم حتى نهاية اليوم،[38] وفي الليل، اجتمع قادة الجيش ورأوا أن ينسحبوا ليلاً بعد أن فقدوا قائدهم عبد الرحمن الغافقي. وفي اليوم التالي، عندما وجد الفرنجة أن القتال لم يتجدد تخوفوا من أن يكون ذلك كمينًا،[39] إلى أن استطلعت قواتهم مخيمات المسلمين التي تركوها وراءهم ووجدوها فارغة.[40]


نتائج المعركةعدل

لم تتوقف غزوات المسلمين في بلاد الغال رغم الهزيمة في المعركة، بل استمرت بعدها مباشرة، فأرسل الوالي الجديد عبد الملك بن قطن الفهري حملة يقودها يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي تحالف مع مورونتوس كونت بروفنس،[41] غزت بلاد الغال واجتاحت آرل، ثم مدينة سانت ريمي وأفينيون[42][43][44]، ثم تابع الوالي عقبة بن الحجاج السلولي تلك الغزوات فسيطر على بورغونية، حتى بلغت حملته بيدمونت بشمال إيطاليا.[45][46] ثم انشغل ولاة الأندلس بمشاكلهم الداخلية وتكالبهم على السلطة،[44] ففقدوا المناطق التي سيطروا عليها في بلاد الغال، الواحدة تلو الأخرى حتى لم يبق بأيديهم في عهد يوسف بن عبد الرحمن الفهري والي الأندلس الأخير سوى أربونة فقط،[47] والتي سقطت نهائيًا عام 759 م، عندما أمر عبد الرحمن الداخل بإجلاء المسلمين من المدينة.[48] ومن ناحية أخرى، أنشأ شارلمان حفيد شارل مارتل بعد ذلك الثغر الإسباني في البرانس لتكون بمثابة منطقة عازلة عن مناطق المسلمين خلف البرانس.


المعركة في المصادر الإسلاميةعدل

ذكرت المصادر الإسلامية الأولية المعركة باقتضاب. فقد أشار إليها ابن عذاري قائلاً: «ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا [يعني الغافقي] ثانية، وكان جلوسه لها في صفر سنة 112 هـ، فأقام والياً سنتين وسبعة أشهر وقيل وثمانية أشهر، واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة 114 هـ.[49]» وقد نقل عن ابن حيان القرطبي في موضع آخر قوله: «ثم ولي الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، فغزا الروم، واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115 هـ، بموضع يعرف ببلاط الشهداء.[50]» كما أشار إليها المقري في قوله: «ثم قدم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية، فدخلها سنة ثلاث عشرة، وغزا الإفرنجة، وكانت له فيهم وقائع، وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء، وبه عرفت الغزوة.[51]» كذا، قال عنها ابن عبد الحكم: «ولي عبد الرحمن بن عبد الله العكي على الأندلس، وكان رجلاً صالحًا، فغزا عبد الرحمن إفرنجة، وهم أقاصي عدو الأندلس، فغنم غنائم كثيرة، وظفر بهم، ... ثم خرج إليهم غازيًا، فاستشهد وعامة أصحابه، وكان قتله فيما حدثنا يحيى بن الليث في سنة خمس عشرة ومائة.[52]» ووافقه في ذلك ابن الأثير.[53] ولم يرد ذكرها يذكر في تواريخ الواقدي والبلاذري والطبري وهم من أقدم رواة الفتوح، شيئاً عن الموقعة[15]


اختلاف الآراء حول المعركةعدل

انقسمت الآراء التاريخية حول المعركة إلى ثلاث وجهات نظر. ففي الوقت الذي رأى فيه المؤرخون الغربيون كجيبون وجيله من المؤرخين الذين اعتمدوا على تأريخ عام 754 وتأريخ فريدغر، بأن شارل مارتل أنقذ المسيحية، وأن المعركة بلا شك كانت حاسمة في تاريخ العالم. إلا أن المؤرخين المعاصرين قد انقسموا حول ذلك، إلى معسكرين. الأول يتفق مع جيبون، والآخر يقول بأن المعركة بُولغ فيها بشدة وتم تصويرها وكأنها نهاية عصر الغزو الإسلامي. بل وحتى المعسكر الأول الذي رأى أهمية المعركة التاريخية الكبيرة، اتخذ عدد منهم نهجًا أكثر اعتدالاً ودقة في وصف أهمية المعركة، بدلاً من الوصف الدراماتيكي الذي اتخذه جيبون. أبرز هؤلاء هو ويليام واتسون، الذي آمن بأهمية المعركة تاريخيًا، لكنه حللها عسكريًا وثقافيًا وسياسيًا، بدلاً من أن ينظر إليها من منظور الصراع الكلاسيكي بين المسلمين والمسيحيين. أما الآن، فقد انقسم المؤرخون الغربيون المعاصرون بشكل واضح على أهمية المعركة، وأين ينبغي أن تُصنّف في التاريخ العسكري.

آراء تضخم من أهمية المعركةعدل

يقول المؤرخ إدوارد جيبون في كتابه "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية": «خط انتصار [المسلمين] طوله ألف ميل من جبل طارق حتى نهر اللوار كان غير مستبعد أن يكرر في مناطق أخرى في قلب القارة الأوروبية حتى يصل بالساراسنز [يقصد المسلمين] إلى حدود بولندا ومرتفعات أسكتلندا، فالراين ليس بأصعب مرورا من النيل والفرات، وإن حصل ما قد ذكرت كنا اليوم سنرى الأساطيل الإسلامية تبحر في مصب التايمز بدون معارك بحرية ولكان القرآن يدرس اليوم في أوكسفورد ولكان علماء الجامعة اليوم يشرحون للطلاب باستفاضة عن الوحي النازل على محمد.[54]»

لم يكن جيبون وحده الذي أثنى على شارل مارتل كمنقذ للمسيحية والحضارة الغربية، فقد قال هربرت جورج ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم": «عندما عبر المسلمون البرانس عام 720، وجدوا مملكة الفرنجة تحت الحكم الفعلي لشارل مارتل رئيس بلاط قصر سلالة كلوفيس، الذي تحققت الهزيمة الساحقة في بواتييه عام 732 على يديه. كان شارل مارتل هذا عمليًا سيد أوروبا في شمال جبال الألب من البرانس إلى هنغاريا، مترأسًا عدد كبير من الحكام الناطقين بالفرنسية اللاتينية، واللغات الألمانية العليا والمنخفضة.» ومن أنصار هذا المعسكر أيضًا المؤرخ البلجيكي غودفروا كورث، الذي كتب عن المعركة قائلاً: «يجب أن تظل هذه المعركة واحدة من أهم الأحداث الكبرى في تاريخ العالم، لأنها حددت ما إذا كانت الحضارة المسيحية ستستمر أم سيسود الإسلام جميع أنحاء أوروبا.[55]» تحمس أيضًا على وجه الخصوص المؤرخون الألمان في مدح شارل مارتل؛ ومدح هذا النصر العظيم على حد وصف كارل فريدريش فيلهلم شليغل،[56] الذي قال: «لقد حفظت سواعد شارل مارتل الأمم المسيحية الغربية من قبضة الإسلام المدمرة.» وقد نقل إدوارد كريزي رأي رانكه عن تلك الفترة قائلاً: «كانت أحد أهم الحقب في تاريخ العالم، فمع بداية القرن الثامن، عندما هددت المحمدية إيطاليا وبلاد الغال، وعدد من المناطق الوثنية القديمة كساكسونيا وفرايزلاند مرة أخرى عبر نهر الراين. وفي ظل هذا الخطر الذي هدد المجتمعات المسيحية، ظهر الأمير الشاب من أصل جرماني شارل مارتل، كبطلهم الذي حافظ عليهم بكل الطاقة الضرورية اللازمة للدفاع عن النفس، وفي النهاية، استطاع نشرهم في مناطق جديدة.[56]»

كما قال المؤرخ العسكري الألماني هانس ديلبروك عن هذه المعركة: «لم يكن هناك معركة أكثر أهمية منها في تاريخ العالم.[57]» كما أكد المؤرخ هنري هالام أنه لو لم يحتوِ شارل مارتل هجوم المسلمين، لما كان هناك شارلمان ولا الإمبراطورية الرومانية المقدسة أو حتى الدولة البابوية. وقد صنّف المؤرخ توماس أرنولد انتصار شارل مارتل بأنه أهم من انتصار أرمينيوس في تأثيره على كل التاريخ الحديث: «كان انتصار شارل مارتل في تور كان من بين أطواق النجاة التي أثرت لقرون في سعادة البشرية.[58]» وقال لويس غوستاف وتشارلز شتراوس في كتابهما "المسلمون والفرنجة؛ أو شارل مارتل وإنقاذ أوروبا": «النصر الذي تم حاسم ونهائي، فتراجع سيل الغزو العربي إلى الوراء، وأنقذت أوروبا خطر نير المسلمون.[59]» كما قال تشارلز أومان، في كتابه "تاريخ فن الحرب في العصور الوسطى"، بأن: «في بواتييه، قاتل الفرنجة كما فعلوا قبل مئتي سنة في كاسيلينيوم، ككتلة واحدة صلبة، دون أن تنكسر صفوفهم أو يحاولوا المناورة. تحقق انتصارهم من خلال تكتيكات دفاعية بحتة باستخدام المشاة؛ محطمين العرب المتعصبين مرة بعد مرة إلى قطع، إلى أن هربوا في النهاية في ستار الليل. ولكن دون سعي من جهة كارل للسماح لرجاله بمطاردة العدو المكسور.[60]» وكتب جون باغنيل بيري في مطلع القرن العشرين: «معركة تور... كثيرًا ما تصور كحدث من الدرجة الأولى لتاريخ العالم، لأنه بعدها، وصل تغلغل الإسلام في أوروبا في النهاية إلى طريق مسدود.[61]» وقال المؤرخ الأمريكي ويليام واتسون عن أهمية المعركة أنها أوقفت جيوش المسلمين، وأبقت الحضارة الغربية بجذور المسيحية والتي ستكون سببًا في ازدهار الحضارة الغربية وتطورها.[62] كما وصف الكاتب جون هنري هارين في كتابه "مشاهير رجال العصور الوسطى" المعركة قائلاً: «تعد معركة تور أو بواتييه كما ينبغي أن يطلق عليها، أحد المعارك الحاسمة في العالم. فهي التي جعلت المسيحيين، لا المسلمين، السلطة الحاكمة في أوروبا".[63]»

آراء تقلل من أهمية المعركةعدل

وعلى الجانب الآخر، رأى عدد من المؤرخين الغربيين، برأي المؤرخين المسلمين في أن المعركة لم تكن بتلك الأهمية. فقد قال برنارد لويس: «إن المؤرخين العرب، إذا ما ذكروا هذا الاشتباك [يعني المعركة] بصفة عامة، يذكرون أنها كانت مناوشات طفيفة.[64]» وكتب غوستاف جرونبوم: «هذه الانتكاسة قد تكون مهمة من وجهة النظر الأوروبية، ولكن بالنسبة للمسلمين في ذلك الوقت، لم يروا فيها أي خطة كبير، وبالتالي لم تكن لها أهمية أكبر من ذلك.[65]» ذكر ابن عذاري المعركة في كتابه البيان المغرب، قائلاً: «ولي الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، فغزا الروم، واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115 هـ، بموضع يعرف ببلاط الشهداء.[50]» وقد أشار هنري كوبيه إلى أن نفس الاسم البلاط أطلق على معركة تولوز،(3) والعديد من المعارك الأخرى التي هُزم فيها المسلمين.[66] ويقول الإيطالي أليساندرو باربيرو: «يميل المؤرخون اليوم إلى التقليل من أهمية معركة بواتييه، حيث أن هدف القوات العربية التي هزمها شارل مارتل لم يكن فتح مملكة الفرنجة، ولكنه ببساطة لجمع الغنائم من دير سانت مارتن الغني في تور.[67]» كذلك كتب توماز ماستناك: «لقد نسج المؤرخون المعاصرون أسطورة حول هذا الانتصار، بأنه الذي أنقذ أوروبا المسيحية من المسلمين. فإدوارد جيبون، على سبيل المثال، دعا كارل مارتل بمنقذ المسيحية وأن المعركة التي دارت قرب بواتييه غيرت تاريخ العالم ... وقد ظلت تلك الأسطورة حية بشكل جيد في عصرنا ... رغم أن المعاصرين للمعركة، لم يبالغوا في أهميتها. فتأريخ فريدغر، الذي كتب على الأرجح في منتصف القرن الثامن، صوّر المعركة كواحدة من العديد من المعارك بين المسيحيين والعرب المسلمين - بل باعتبارها واحدة من سلسلة حروب التي خاضها أمراء الفرنجة من أجل الغنائم والأراضي ... وصف تاريخ فريدغر معركة بواتييه كما هي بالفعل: حلقة في الصراع بين الأمراء المسيحيين مثل الكارولينجيون الذين سعوا لضم أقطانيا تحت حكمهم.[68]» كذلك يرى المؤرخ الإيطالي فرانكو كارديني في كتابه "أوروبا والإسلام"، قائلاً: «إنه من الحصافة أن تقلل من أهمية أو نفي الصفة الأسطورية لهذا الحدث، الذي لا يعتقد أي شخص الآن أنه كان حاسمًا. إن أسطورة النصر العسكري المميز تدخل اليوم في نطاق الكليشيهات الإعلامية، التي لا يصعب القضاء عليها. فمن المعروف جيدًا كيف نسج الترويج للفرنجة وتمجيد البابوية للنصر الذي تم في الطريق بين تور وبواتييه...[69]»

وفي مقدمة كتابهما "رفيق القارئ إلى التاريخ العسكري" لخّص روبرت كاولي وجيفري باركر وجهة النظر الحديثة هذه عن المعركة، قائلين: «إن دراسة التاريخ العسكري شهدت تغيرات جذرية في السنوات الأخيرة. فلم يعد نهج الطبول والأبواق القديم فعّالا، حيث حظيت عوامل كالاقتصاد والخدمات اللوجستية والاستخبارات والتكنولوجيا بالاهتمام لتقييم المعارك والحملات والخسائر. واكتسبت كلمات مثل "استراتيجية" و"عمليات" معانٍ ربما لم تكن معروفة منذ جيل مضى. وقد غيرت الأبحاث الجديدة وجهات نظرنا ... على سبيل المثال، العديد من المعارك التي أدرجها إدوارد شيبرد كريزي عام 1851 في كتابه المشهور "أكثر خمسة عشر معركة حسمًا في العالم" نذكر منها هنا، المواجهة بين المسلمين والمسيحيين في بواتييه-تور عام 732، التي كان ينظر إليها أنها حدثًا فاصلاً، خُفّضت إلى مجرد غارة.[70]»


الجدل حول أعداد الجيشينعدل

افترض معظم المؤرخين أن الجيشين التقيا عند ملتقى نهري كلين وفيين بين تور وبواتييه، ولا يعرف عدد الجنود في كلا الجيشين. وقد وصف تأريخ عام 754 وهي وثيقة لاتينية معاصرة للمعركة، المعركة بتفصيل أكبر من أي مصدر لاتيني أو عربي آخر، حيث نصت على أن "شعب أوستراسيا [قوات الفرنجة]، الأكثر جندًا وتسليحًا بشكل هائل، قتل الملك عبد الرحمن"،[71] وهو ما يتوافق مع ما ذكره العديد من المؤرخين العرب والمسلمين. ومع ذلك، تختلف كل المصادر الغربية تقريبًا مع ذلك، فتقدّر قوات الفرنجة بحوالي 30,000 مقاتل، أي أقل من نصف عدد قوات المسلمين.[72]

حاول المؤرخون المعاصرون تقدير أعداد الجيشين، اعتمادًا على تقدير ما العدد الذي تستوعبه أرض المعركة، وما العدد الذي يمكن لشارل مارتل أن يجمعه من مملكته ويضيف إليه خلال حملته، ومع تقدير أعداد قوات المسلمين، وما لحق بها من أعداد قبل تور، لتفوق بكثير أعداد الفرنجة، وبالاستناد إلى مصادر إسلامية غير معاصرة للمعركة. قدّر كريسي قوات المسلمين بحوالي 80,000 مقاتل أو أكثر. وفي عام 1999، قدّر المؤرخ بول ديفيس قوات المسلمين بحوالي 80,000 والفرنجة في حوالي 30,000،[72] وأشار بأن المؤرخين الحديثين قدروا قوات الجيش الأموي في تور ما بين 20,000-80,000 مقاتل.[73] وقد رفض المؤرخ إدوارد شونفيلد التقديرات القديمة بأن أعداد الأمويين بين 60,000-400,000 والفرنجة 75,000، قائلاً: «إن تقدير عدد الأمويين بأكثر من خمسين ألف جندي (وبأن الفرنجة كانوا أكثر) مستحيل لوجستيًا.[10]» وأيد ذلك، المؤرخ فيكتور ديفيس هانسون الذي اعتقد بأن الجيشين كانا تقريبًا بنفس الحجم حوالي 30,000 رجل.[74]

قد يكون المؤرخون الحديثون أكثر دقة من مصادر القرون الوسطى، حيث استندوا على تقديرات القدرات اللوجستية في المناطق الريفية المجاورة التي تكفي هذه الأعداد من الرجال والحيوانات. واتفق ديفيس وهانسون على كون وجوب اعتماد الجيشين على الريف المجاور، حيث لم يكن لديهما أنظمة كافية لتوفير الإمدادات اللازمة للحملتين. وقد قدّرت مصادر أخرى كغور الذي قدّر الجيش الفرنجي بين 15,000-20,000، بينما قدّره آخرون ما بين 30,000-80,000. وعلى الرغم من اختلاف تقدير قوات المسلمين بتفاوت كبير، إلا أن غور قدره ما بين 20,000-25,000، فيما زادته تقديرات أخرى إلى نحو 80,000 رجل.[75]

خسائر المعركة غير معروفة، غير أن بعض المؤرخين بعد ذلك زعموا بأن قوات شارل مارتل خسرت حوالي 1,500، بينما منيت قوات المسلمين بخسائر ضخمة تصل إلى 375,000 رجل. وقد ذكرت تلك الأرقام في كتاب الباباوات الذي يروي انتصار أودو دوق أقطانيا في معركة تولوز. وقد صحّح بولس الشماس في كتابه تاريخ اللومبارد (الذي كتبه حوالي عام 785) أن هذا التأريخ دون تلك الأعداد كونها أعداد خسائر معركة تولوز (وزعم أيضًا أن شارل مارتل قاتل في تلك المعركة جنبًا إلى جنب مع أودو)، ولكن الكتاب اللاحقين، الذين ربما تأثروا بتأريخ فريدغر، نسبوا خسائر المسلمين فقط لشارل مارتل، وأصبحت المعركة التي وقعت فيها تلك الخسائر معركة بواتييه بلا شك.[76] كما ذكر تأريخ حياة باردولف المكتوب في منتصف القرن الثامن، أن قوات عبد الرحمن حرقت ونهبت ما في طريقها إلى ليموزين في طريق عودتهم إلى الأندلس، مما يعني أن الجيش لم يدمر إلى الحد الذي صوره تأريخ فريدغر.[

__________________
در مع الحق حيث دار
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-22-2016, 02:00 AM
جحفل جحفل متصل الآن
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,221
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: معركة بلاط الشهداء

عبد الرحمن الغافقي


أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي العكي والي الأندلس لمرتين. الأولى قدمه أهل الأندلس واليًا عليهم بعد مقتل الوالي السمح بن مالك الخولاني إلى أن حضر الوالي المعين من قبل الدولة الأموية عنبسة بن سحيم الكلبي في عام 103 هـ،[1] والثانية بتكليف من والي أفريقية عبيد الله بن الحبحاب عام 113 هـ[2]






ولايته الأولىعدل

شارك في معركة تولوز مع السمح بن مالك الخولاني التي هُزم فيها المسلمون أمام قوات أودو دوق أقطانيا. بعد الهزيمة، انسحب بالقوات وتولى الأندلس إلى أن قدم عنبسة بن سحيم الكلبي. خلال تلك الفترة القصيرة، استطاع عبد الرحمن أن يخمد بوادر التمرد في الولايات الشمالية، كما ثبّت وضع المسلمين في القواعد التي استولى عليها المسلمون في سبتمانيا.[3] أما عن الفترة التي تلت تلك الولاية، فقد نقل المؤرخ شكيب أرسلان عن السياسي والمؤرخ عبد العزيز الثعالبي حيازته لوثائق تؤرخ لحملة بحرية على جنوب أوروبا أرسلها إسماعيل بن أبي المهاجر والي أفريقية عام 105 هـ بقيادة عبد الرحمن الغافقي، حققت نجاحات في إيطاليا.[4].


ولايته الثانيةعدل

بدأ عبد الرحمن ولايته الثانية بالمصالحة بين العرب المضرية واليمانية وجمع كلمتهم،[5] بعد أن التهبت الأمور ودبت روح النزاعات القبلية بينهما، نتيجة تحيّز بعض الولاة المتعصبين للمضريين على حساب اليمانيين.[6] ثم أخمد تمرد البربر في الولايات الشمالية بقيادة منوسة الذي حالف أودو دوق أقطانيا، وتزوج ابنته، بأن أرسل حملة بقيادة ابن زيان نجحت في سحق التمرد، وقتل منوسة وسبي امرأته، وإرسالها إلى بلاط الخليفة هشام بن عبد الملك في دمشق.[7]

جمع بعد ذلك عبد الرحمن جيشًا يعد من أكبر الجيوش التي جمعت في تلك الفترة، وعبر به البرنيه، وزحف على مدينة آرل على نهر الرون لامتناعها عن أداء الجزية، ثم هزم جيش الدوق أودو دوق أقطانيا في معركة[8] على ضفاف النهر، ثم عبر نهر الغارون واجتاح أقطانيا، واستولى على عاصمتها بردال بعد حصار قصير. ومنها اتجه إلى برجونية، واستولى على ليون وبيزانسون، ثم عبر اللوار قاصدًا عاصمة الفرنج،[9] بعد أن جنى جيش المسلمين من حملته تلك مغانم عظيمة.

بعد أن انهزم أودو أمام جيش المسلمين، لجأ إلى كارل مارتل يطلب العون والمدد، فأجابه كارل إلى ذلك، وجمع جيشًا من من الغاليين والجرمان وزحف به لمقابلة جيش المسلمين. التقى الجيشان في وادٍ يقع بين مدينتي تور وبواتييه في معركة دامت لأكثر من سبعة أيام. وفي يومها الأخير، حدث خلل في صفوف المسلمين نتيجة اختراق بعض رجال مارتل لمعسكر غنائم المسلمين، مما دفع عدد كبير من المسلمين للتراجع للدفاع عن غنائمهم. حاول عبد الرحمن حينئذ تنظيم صفوف المسلمين مجددًا وإعادة النظام لجيشه. إلا أنه سقط صريعًا بسهم أودى بحياته، فازداد اضطراب جيش المسلمين، وكثر القتل فيهم. وعند الليل انفصل الجيشان، لكن حال اختلاف المسلمين فيما بينهم على استكمال المعركة، فانسحبوا في الليل مخلفين ورائهم جرحاهم.[10] كانت وفاةعبد الرحمن في 27 شعبان 114 هـ/21 أكتوبر 732 م، وقد عرفت تلك المعركة باسم موقعة البلاط.[11]


شخصيتهعدل

يعد الغافقي من التابعين[12] فقد روي عن عبد الله بن عمر[13] وروى عنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عياض. وقد وصفه الحميدي في كتابه "جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس" قائلاً: «كان رجلاً صالحًا، جميل السيرة في ولايته، عدل القسمة في الغنائم.[14]» وقد كان عبد الرحمن قائد بارع، ظهرت قدراته العسكرية في نجاحه في الانسحاب بجيش المسلمين المهزوم في طولوشة، كما أجمعت النصوص اللاتينية عن قدراته الحربية[15] وكانت له أيضًا مهاراته الإدارية،[16] فنجح في إعادة الوئام بين العرب المضرية واليمانية وجمع كلمتهم، حتى عده المؤرخون أعظم ولاة الأندلس.[5]

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-22-2016, 02:02 AM
جحفل جحفل متصل الآن
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,221
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: معركة بلاط الشهداء

معركة بوردو، أو معركة بُرْذال، أو معركة وادي الغارون، وذلك لحدوثها قرب نهر الغارون، هي معركة حدثت بين جيش أموي بقيادة والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي، والفرنجة بقيادة دوق أكيتانيا أودو سنة 732م. شكلت المعركة انتصارا حاسما وشاملا للمسلمين وثأرا لهزيمتهم في معركة تولوز.

كان نصر أودو في معركة تولوز طفيفاً، حيث لم يستطع استعادة طولوشة ((تولوز))، والتي بقيت في أيدي المسلمين فترة بعد ذلك[2]، فلجأ إلى سياسة إثارة الفتن والنزاعات في الدولة الأندلسية.

ومع بداية ولايته الثانية على الأندلس في 730م، عمد عبد الرحمن الغافقي إلى إصلاحات داخلية، وحل النزاعات، وتوحيد المسلمين، حتى تجمع حوله جيش أكثره من الأمازيغ مع بعض العرب[3][4]، وانطلق بهم في حملتين، الأولى من سرقسطة نحو كاتالونيا لمواجهة متمردين، ثم سبتمانيا لتعزيز الحاميات. ثم عاد بعد ذلك إلى بنبلونة في شمالي آيبيريا وانطلق منها فعبر الرونسفال في جبال المعابر، وتقدم في دوقية فاسكوني، ففتحها بعد أن هزم أودو في المعركة الأولى، ثم عاد باتجاه الجنوب الشرقي نحو آرليس، وهناك حدثت المعركة الثانية، وانتصر بها أيضاً، وأعاد فتح المدينة، ثم عاد من جديد إلى أقطانيا، حيث اشتبك مع أودو في المعركة الكبرى، والتي انتصر فيها المسلمون أيضاً، وقتل من جيش أودو ما لايحصى، وبذلك فتح بوردو، وأنجولام، وبواتييه، وتور، ثم اشتبك أخيراً في معركة البلاط، ولم يكن قد بقي عندها معه سوى قلة[5]، فأصيب جيشه في ذلك الموضع والذي يعرف عند المسلمين ببلاط الشهداء.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-22-2016, 02:14 AM
جحفل جحفل متصل الآن
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,221
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: معركة بلاط الشهداء

فتح بلاد الغال


انطلاق حملة الغافقي

حشد الغافقي جيشاً قوامه 50 ألف مقاتل،[1] وهو أكبر جيش أموي دخل الأندلس وغالية حتى ذلك الوقت[2]، فحتى طارق بن زياد كان جيشه يتألف من 7 آلاف مقاتل، وطريف بن مالك كان جيشه 5 آلاف، وموسى بن نصير كان جيشه 18 ألفاً، وبذلك يكون جيشهم جميعاً 30 ألف مقاتل[3]، أي أن الغافقي قد جهز حملة لم يسبق لأحد من قادة الأمويين قبله أن جهز مثلها.

كان الغافقي من طراز حسان بن النعمان يعمد إلى الفتح وترسيخه وتعزيز الحاميات قبل الانطلاق إلى فتحٍ غيره[4]، فانطلق في البداية من سرقسطة نحو إقليم كاتالونيا في الأندلس، وهو أقرب إقليم إلى بلاد الغال، فعمل على تقوية هذا الثغر والقضاء على الثوار فيه، ثم تحرك إلى إقليم سبتمانيا الأموي فعزز من وجود الحاميات فيه، وعاد بعدها إلى مدينة بنبلونة في شمالي أيبيريا، فانطلق منها وعبر معبر الرونسفال في جبال المعابر أو جبال الأبواب (في اللاتينية تسمى جبال البرت Porta، وتعني الباب)[5]، وكان هدفه أقطانيا (والتي كانت حدودها تنتهي عند نهر اللوار) والدوق أودو.

وصل الغافقي إلى إقليم أقطانيا، وسار في الطرف الغربي من فرنسا باتجاه الشمال، ثم انحرف باتجاه الشرق والجنوب إلى مدينة آرليس فأعاد فتحها وحصَّن المسلمين فيها، ثم عاد إلى أقطانيا وكان حريصاً على أن يصلها بسبتمانيا، لتمكين المسلمين من كلا الإقليمين معاً.


معركة نهر الجارونعدل

كان أودو حاكم أقطانيا قد جمع للغافقي كل ما استطاع، وكان حاكماً ذا سلطة ونفوذٍ وعلى اتصال مستمر ببابا الكنيسة في روما، ويطلق على نفسه لقب أودو العظيم، فخرج للقاء الغافقي، واصطدم الجيشان في معركة نهر الجارون، والتي كان النصر فيها حليف المسلمين، وكثر القتل في جيش أودو، حتى قال بعض المؤرخين: إن الله وحده يعلم عدد القتلى.[6]

وبعد هذه المعركة الحاسمة، فتحت مدن ومقاطعات أقطانيا بالكامل[7]، ويشار من بينها إلى مدينة بوردو عاصمة الإقليم[8]. وصل عبد الرحمن الغافقي إلى بواتييه ففتحها، ثم وصل إلى تور الواقعة على نهر اللوار وفتحها أيضاً[9]، وبذلك بات على مشارف ممالك الشمال الجرمانية والفرنجية.


بعد معركة نهر الجارونعدل

يرى بعض المؤرخين أن الغافقي لم يكن ينوي التقدم أكثر من ذلك، بل كان ينوي تحصين المدن المفتوحة وتقويتها لتصبح ثغراً للمسلمين، كما هي الحال في سبتمانيا، ولم يكن معه من الجند ما يكفي لفتح مدن أكثر، فبعد مسيرة طويلة في جنوب غالة وغربها، وبعد معركة نهر الجارون، لم يكن قد بقي معه أكثر من 10-30 ألف مقاتل[10].

أما قارلة -الملك الفعلي للفرنجة- فقد كان يعمل طوال فتوحات الأمويين في غالة على أن يظل بعيداً نائياً بنفسه عن مواجهتهم، على الرغم من أنَّ حملاتهم كانت على مقربة من أرضه، بل وقد دخلت حدود أرضه أحياناً كحملة عنبسة بن سحيم الكلبي التي افتتحت إقليم بورغانديا بالكامل الذي هو جزء من مملكة قارلة، ووصلت سراياها حتى سفوح جبال فوسغس في قلب مملكة الفرنجة[11]، ولكن قارلة لم يصطدم معهم، كما تشير المصادر التاريخية الإسلامية أيضاً إلى أن حملة عنبسة لم تلق مقاومة تذكر[12]، وأنه آثر العودة إلى قاعدته لأسباب إستراتيجية، لأنه شعر أنه توغل كثيراً في أرضٍ لا تزال مجهولةً بالنسبة للمسلمين[13][14]، وتذكر بعض هذه المصادر أيضاً (مثل ابن عذاري وابن الأثير)[15][16] أن عنبسة مات ميتة طبيعية ولم يُقتَل في طريق عودته.[17]

يعتقد بعض المؤرخين (مثل عبد الرحمن علي الحجي) أن قارلة رأى أن المسلمين أشداء في معاركهم وفتوحاتهم، وأن مواجهتهم وهم في أوج قوتهم ليست في صالحه، فترك أقطانيا وغيرها -وهم خصوم قارلة الذين أجبرتهم غزوات المسلمين على اللجوء إليه والتحالف معه- ينالهم من المسلمين ما ينالهم، في حين أخذ يعد ما بوسعه هو من العدد والعتاد للاشتباك في الوقت المناسب.[18] وبعد انتصارات المسلمين في غالة قرر تشارلز بالفعل أن الوقت قد حان للقائهم مباشرة بعد أن خاضوا حروبهم الأخيرة، وألا يتيح المجال أمام الغافقي كي يوطد نفسه ورجاله، ويعيد تجديد حملته، ويجلب الإمدادات.

وصادف ذلك قدوم أودو -منافس قارلة- إليه، وكان أودو قد أعاد لمَّ رجاله وقواته، ولكنها لم تكن تكفيه كي يستعيد ملكه، فطلب من قارلة أن يساعده في استعادة أقطانيا[19][20]، وكان هذا ما أراده تشارلز، حيث أخذ من أودو ميثاقاً بالولاء له ولدولته، وكان له ما أراد، فتحالف هكذا أودو العظيم مع تشارلز مارتل ضد المسلمين[21].


قوات الشمال تزحف باتجاه رافد اللوارعدل

خرج قارلة بجيش كبير جداً[22]، حيث كان قد جلب مرتزقة ومقاتلين من حدود الراين[23] وقوات من بورغانديا، ومتطوعين من كل أنحاء أوربا وبرعاية من بابا الكنيسة في روما، كما انضم إليهم أودو بفلول جيشه، فبات جلياً أن انهزام الجيش سيعني انكسار ممالك أوربا كلها.

كان عبد الرحمن قد وصل إلى تور مع من تبقى من جيشه، وكانت حملته بحاجة إلى الدعم بالإمدادات لتعويض ما خسرته من جنود في أقطانيا وكاتالونيا وسبتمانيا وغيرها سواء في المعارك التي خاضتها أو في الحاميات التي خلفتها ورائها أو غير ذلك.[24][25]

أراد قارلة ألا يتيح هذا المجال أمام الغافقي، وأن يسارع لمواجهته في هذا التوقيت، فاختار زمن المعركة الذي يناسبه، كما أنه أراد أن يختار أرض المعركة أيضاً، خصوصاً وأنه كان قد سبق لجيش المسلمين أن انتصروا مراراً في معارك حاسمة كانوا فيها قلة كاليرموك ومعركة وادي لكة.

يرى شوقي أبو خليل أن قارلة لم يكن مسيحياً متديناً، وأنه لم يحارب من أجل الصليب، بل غلب على طبعه وسياسته العكس تماماً، ويستدل على ذلك بأن كثيراً من مقاتليه كانوا مرتزقة وثنيين (خصوصاً أبناء القبائل الجرمانية)غلبت على معتقداتهم الأساطير والخرافات،[26] كما يستدل على ذلك أيضاً بأن شارل مارتل نفسه -كما يقول شوقي أبو خليل- كان إذا هاجم أراضي خصومه ومنافسيه لا يتورع عن تهديم الكنائس مع أنه كان مسيحياً.[26]

ويتابع شوقي أبو خليل قائلاً: "وفضلاً عن ذلك، فإن قارلة ((شارل مارتل)) عندما استرجع أملاك الكنائس والأديرة، لم يردها على أهلها بل وزعها على رجاله".[27]

رأى قارلة أن مواجهة المسلمين وهم متحصنون في تور قد تكسر كثرة جيشه، فرأى أن يستدرجهم إلى خارج المدينة إلى السهل الواقع غرب رافد نهر اللوار، حيث سيمكنه هذا السهل من محاصرة المسلمين من الخلف، ومن أكثر من جهة، معززاً بذلك تفوق عامل الكثرة الذي يتمتع به جيشه.

مع الإشارة هنا إلى أن هذا السهل هو سهل أحراش، الأمر الذي ساعد المسلمين نوعاً ما في صمودهم في المعركة، في حين يرى آخرون -ومنهم الغنيمي- أن الأحراش لعبت دوراً سلبياً بالنسبة للمسلمين. أرسل قارلة فرقاً صغيرة من طلائع جيشه إلى الضفة الشرقية من النهر، فعندما علم بأمرها عبد الرحمن، أرسل فرقاً استطلاعية لكشفها، وعادت تلك الفرق تخبره أنها فرق قليلة العدد يسهل القضاء عليها، فخرج عبد الرحمن من المدينة لمواجهتها، وبذلك تحقق لقارلة ما أراد، فعندما عبر الغافقي وقواته إلى ضفة النهر الشرقية، حرك قارلة قواته باتجاه أرض المعركة، وكانت مهولة الكثرة كالطوفان المندفع كما يصفها شوقي أبو خليل.[28][29]

عندما رأى عبد الرحمن هذا الجمع الهائل ارتد بقواته إلى السهل بين تور وبواتييه[29][30]، فقد أدرك عندها ما أراده عدوه، وأنه أراد الإيقاع به وبقواته في السهل، حيث سيظهر تفوق العدد بشكل واضح.

أخذ عبد الرحمن يعد بعض التحصينات، ومن المحتمل أنه عمد إلى حفر خندقٍ حول مؤخرة الجيش كي يحبط محاولات الفرنجة للاتفاف عليه، ومما يشير إلى ذلك اكتشافات حديثة لسيوف عربية هناك في منطقة تدعى خندق الملك Fossi le-Roi وفق ما أورده الأستاذ الدكتور عبد الرحمن علي الحجي[31] وأشار إليه أيضاً الدكتور الغنيمي[32]، والمرجح أن المقصود بالملك هو عبد الرحمن الغافقي، والخندق هو الخندق الذي عمد إلى حفره، ولكن الظاهر أن هذا الخندق كان سريع الإعداد هش المفعول ولم يتسن للمسلمين الوقت كي يكملوه كما يجب.

تقدم قارلة بقوات الشمال ونزل على مواجهة مع الجيش الأموي، استعداداً للمعركة، حيث انحرف الجيش الأموي قليلاً وتجمع في جهة الجنوب باتجاه بواتييه -كي يؤمن اتصاله بالجنوب-، وكان جيش أوربا ينحرف قليلاً ويتجمع في جهة الشمال باتجاه تور -كي يؤمن اتصاله بالشمال-[33].


معركة بلاط الشهداءعدل

Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: معركة بلاط الشهداء

استمرت بين الجيشين مناوشات لحوالي 9 أيام، انتهت بشن المسلمين للهجوم في اليوم الأخير، يرى بعض المؤرخين أن قارلة عمد إلى تعزيز كثرة قواته وموقفه بإطالة أمد المعركة، فأرسل يطلب المزيد من المدد من المدن المجاورة في حين أن الغافقي كان يحتاج لكل مقاتليه في المعركة، ولا يمكنه أن يتخلى عن بعضهم كي يرسلهم في طلب المدد، كما أن الطرق لم تكن مؤمنة بعد بما يكفي للرسل الأمويين -يشار هنا بشكل خاص إلى جبال الأبواب والتي كان عبورها مغامرة خطرة في ذلك الوقت-، وهذا الأمر لعب دوراً دفع الأمويين لشن الهجوم في اليوم الأخير، كي لا تطول المعركة وتزيد الإمدادات القادمة لقوات الشمال. يضاف إلى ذلك أن الأمويين قليلو العدد ستكثر جراحهم ويقل عددهم أكثر إذا طالت المعركة. وقدأشارت إحدى المصادر إلى أن الغافقي لو أرسل في طلب المدد، فلن يصله هذا المدد في أقل من شهر -في أحسن الأحوال-، أما قارلة فكان يقاتل في أرضه وبلاده وبين شعبه، وأرض المعركة نفسها خط إمداد له.[34]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-24-2016, 12:48 AM
جحفل جحفل متصل الآن
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,221
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: معركة بلاط الشهداء

حسان بن النعمان الأزدي الغسَّاني، هو حسّان بن النعمان بن عديّ بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن الأزد،[1] المُلقَّب الشيخ الأمين قائد الفتوحات في إفريقية.ولد حسان بن النعمان في الشام، وأسلم عند الفتح الإسلامي للشام مع أهله. حفظ القرآن والسنة النبوية وأتقن العلوم الفقهية، وروى عن عمر بن الخطاب، وكانت وفاته سنة 86 هـ.


نبذة عن حياتهعدل
◾أول من دخل إفريقيا من الشام زمن بني أمية.
◾ولاه معاوية أفريقيا وولاه عبد الملك بن مروان مصر.
◾أرسله عبد الملك بن مروان إلى إفريقية بعد حدوث الاضطرابات فيها وقال: "ما أعلم أحدًا أكفأ بإفريقية من حسان بن النعمان الغساني"
◾بلغ جيشه 40000 رجل ولم يدخل أفريقية جيش قط مثله.
◾فتح قرطاجنة وقضى على الملكة الكاهنة زعيمة الأمازيغ في معركة "بئر الكاهنة"، بعد أن انتصرت عليه في باغاية وكادت أن تقضي عليه لولا تصرفه السريع بسحب الجيش بأقل الخسائر، ثم عاد إليها بعد سنوات قضاها في برقة فلاقى الترحاب من الأمازيغ وقاتل كثيرون منهم معه كرها لتسلط الكاهنة عليهم، وقد طاردها حتى تواجها في معركة حاسمة بمكان في جبال الأوراس سمي حاليا ببئر الكاهنة حيث هزمها وقضى عليها سنة 82هـ/712م[2][3].
◾أنشأ حسان مدينة تونس لتكون قاعدة للمسلمين في المغرب الأوسط.
◾فرت من أمامه جيوش الروم وحلفائهم واتجهوا إلى صقلية والأندلس.

أقام بالقيروان فجدد بناء مسجدها ودون الدواوين وولى الولاة.
◾عزله عبد العزيز بن مروان فعاد إلى الشام، وحلف ألا يلي لبني أمية أبداً بعد أن حاول الوليد بن عبد الملك أن يرده ويوليه مرة أخرى.
◾أمر ببناء جامع الزيتونة بتونس.
◾أعاد الأمن إلى بلاد المغرب.


مراجع

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:55 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.