منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > المنتديات العامة > المنتدى العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-15-2019, 06:43 AM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي ( الحياة .. في ظلال القرآن )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحياة في ظلال القرآن نعمة .
نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها.
نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.

والحمد لله..
لقد من علي بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان،
ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي.
ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه.

لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدث إلي بهذا القرآن..
أنا العبد القليل الصغير..
أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟
أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟
أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟

وعشت - في ظلال القرآن -
أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض،
وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة..

أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية
بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال..
كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال. ولثغة الأطفال..
وأعجب.. ما بال هذا الناس؟!
ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة،
ولا يسمعون النداء العلوي الجليل.
النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟

عشت أتملى - في ظلال القرآن -
ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود.. لغاية الوجود كله، وغاية الوجود الإنساني..
وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية، في شرق وغرب، وفي شمال وجنوب..

وأسأل.. كيف تعيش البشرية، في المستنقع الآسن، وفي الدرك الهابط،
وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتع الزكي، وذلك المرتقى العالي، وذلك النور الوضيء؟

وعشت - في ظلال القرآن -
أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله،
وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله..

ثم أنظر..
فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية،
والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تُملى عليها
وبين فطرتها التي فطرها الله عليها.

وأقول في نفسي:
أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم؟

يا حسرة على العباد!!!

وعشت - في ظلال القرآن -
أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود..
أكبر في حقيقته، وأكبر في تعدد جوانبه..

إنه عالم الغيب والشهادة لا عالم الشهادة وحده.
وإنه الدنيا والآخرة، لا هذه الدنيا وحدها..
والنشأة الإنسانية ممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول..

والموت ليس نهاية الرحلة
وإنما هو مرحلة في الطريق.
وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله،
إنما هو قسط من ذلك النصيب.

وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك.
فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع.

على أن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب
إنما هي رحلة في كون حي مأنوس، وعالم صديق ودود.

كون ذي روح تتلقى وتستجيب،
وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع:

{ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال}

{ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده }

أي راحة،
وأي سعة وأي أنس،
وأي ثقة يفيضها على القلب
هذا التصور الشامل الكامل الفسيح الصحيح؟




يتبع إن شاء الله تعالى

__________________
(يا حي يا قيوم ، برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين)
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-15-2019, 11:13 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )


وعشت - في ظلال القرآن -
أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد..
إنه إنسان بنفخة من روح الله:
{فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }..

وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض:
{وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة }..

ومُسخر له كل ما في الأرض:
{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا }


ولأن الإنسان بهذا القدر من الكرامة والسمو
جعل الله الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة من النفخة الإلهية الكريمة.
جعلها آصرة العقيدة في الله..
فعقيدة المؤمن هي وطنه.
وهي قومه، وهي أهله..
ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها،
لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج! ..

والمؤمن ذو نسب عريق،
وضارب في شعاب الزمان.
إنه واحد من ذلك الموكب الكريم،
الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم:
نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ويعقوب ويوسف ، وموسى وعيسى ، ومحمد .. عليهم الصلاة والسلام..
{وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} ..

هذا الموكب الكريم، الممتد في شعاب الزمان من قديم،
يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة،
وأزمات متشابهة، وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور، وتغير المكان، وتعدد الأقوام.
يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى،
والاضطهاد والبغي، والتهديد والتشريد.

ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو،
مطمئن الضمير، واثقا من نصر الله،
متعلقا بالرجاء فيه، متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد:
{وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا. فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم. ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}

موقف واحد
وتجربة واحدة.
وتهديد واحد.
ويقين واحد.
ووعد واحد للموكب الكريم..
وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف.
وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد..


وفي ظلال القرآن
تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ،
ولا للفلتة العارضة:

{ إنا كل شيء خلقناه بقدر } ..
{وخلق كل شيء فقدره تقديرا }..

وكل أمر لحكمة.
ولكن حكمة الغيب العميقة قد لا تتكشف للنظرة الإنسانية القصيرة:
{ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا }
{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ..

والأسباب
التي تعارف عليها الناس قد تتبعها آثارها وقد لا تتبعها،

والمقدمات
التي يراها الناس حتمية قد تعقبها نتائجها وقد لا تعقبها.

ذلك أنه ليست الأسباب والمقدمات هي التي تنشئ الآثار والنتائج،
وإنما هي الإرادة الطليقة التي تنشئ الآثار والنتائج كما تنشئ الأسباب والمقدمات سواء:
{ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ..
{ وما تشاءون إلا أن يشاء الله } ..

والمؤمن يأخذ بالأسباب لأنه مأمور بالأخذ بها;
والله هو الذي يقدر آثارها ونتائجها..
والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وإلى حكمته وعلمه
هو وحده الملاذ الأمين، والنجوة من الهواجس والوساوس:
{ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم } ..

ومن ثم عشت - في ظلال القرآن -
هادئ النفس، مطمئن السريرة، قرير الضمير..
عشت أرى يد الله في كل حادث وفي كل أمر.
عشت في كنف الله وفي رعايته.
عشت أستشعر إيجابية صفاته تعالى وفاعليتها..
{ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء }؟ ..
{ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير}
{ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ..
{ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} ..
{ فعال لما يريد }..
{ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إن الله بالغ أمره }..
{ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها }..
{ أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه }..
{ ومن يهن الله فما له من مكرم }..
{ ومن يضلل الله فما له من هاد }..

إن الوجود ليس متروكا لقوانين آلية صماء عمياء .
فهناك دائما وراء السنن الإرادة المدبرة، والمشيئة المطلقة..
والله يخلق ما يشاء ويختار.

كذلك تعلمت أن يد الله تعمل.
ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة;
وأنه ليس لنا أن نستعجلها;
ولا أن نقترح على الله شيئا.

فالمنهج الإلهي - كما يبدو في ظلال القرآن -
موضوع ليعمل في كل بيئة، وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية،
وفي كل حالة من حالات النفس البشرية الواحدة..

وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض،
آخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته،
وقوته وضعفه، وحالاته المتغيرة التي تعتريه..

إن ظنه لا يسوء بهذا الكائن فيحتقر دوره في الأرض،
أو يهدر قيمته في صورة من صور حياته،
سواء وهو فرد أو وهو عضو في جماعة.

كذلك هو لا يهيم مع الخيال
فيرفع هذا الكائن فوق قدره وفوق طاقته وفوق مهمته التي أنشأه الله لها يوم أنشأه..
ولا يفترض في كلتا الحالتين أن مقومات فطرته سطحية تنشأ بقانون أو تكشط بجرة قلم! ..

الإنسان هو هذا الكائن بعينه.
بفطرته وميوله واستعداداته،
يأخذ المنهج الإلهي بيده ليرتفع به
إلى أقصى درجات الكمال المقدر له بحسب تكوينه ووظيفته،
ويحترم ذاته وفطرته ومقوماته، وهو يقوده في طريق الكمال الصاعد إلى الله..

ومن ثم فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل
- الذي يعلمه خالق هذا الإنسان ومنزل هذا القرآن -
ومن ثم لم يكن معتسفا ولا عجولا في تحقيق غاياته العليا من هذا المنهج.

إن المدى أمامه ممتد فسيح،
لا يحده عمر فرد، ولا تستحثه رغبة فان،
يخشى أن يعجله الموت عن تحقيق غايته البعيدة;
كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد،
ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصبرون على الخطو المتزن!

وفي الطريق العسوف التي يسلكونها
تقوم المجازر،
وتسيل الدماء،
وتتحطم القيم،
وتضطرب الأمور.
ثم يتحطمون هم في النهاية،
وتتحطم مذاهبهم المصطنعة تحت مطارق الفطرة
التي لا تصمد لها المذاهب المعتسفة!

فأما الإسلام
فيسير هينا لينا مع الفطرة ، يدفعها من هنا، ويردعها من هناك،
ويقومها حين تميل، ولكنه لا يكسرها ولا يحطمها.
إنه يصبر عليها صبر العارف البصير الواثق من الغاية المرسومة..

والذي لا يتم في هذه الجولة
يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو المائة أو الألف..

فالزمن ممتد، والغاية واضحة،
والطريق إلى الهدف الكبير طويل،

وكما تنبت الشجرة الباسقة
وتضرب بجذورها في التربة،
وتتطاول فروعها وتتشابك..
كذلك ينبت الإسلام ويمتد في بطء وعلى هينة وفي طمأنينة.
ثم يكون دائما ما يريده الله أن يكون..

والزرعة قد تسفى عليها الرمال،
وقد يأكل بعضها الدود، وقد يحرقها الظمأ، وقد يغرقها الري.

ولكن الزارع البصير يعلم أنها زرعة للبقاء والنماء،
وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل
فلا يعتسف ولا يقلق،
ولا يحاول إنضاجها بغير وسائل الفطرة الهادئة المتزنة، السمحة الودود..

إنه المنهج الإلهي في الوجود كله..

{ ولن تجد لسنة الله تبديلا } ..

يتبع إن شاء الله تعالى

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-16-2019, 10:10 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

والحق في منهج الله أصيل في بناء هذا الوجود.
ليس فلتة عابرة، ولا مصادفة غير مقصودة..

إن الله سبحانه هو الحق.
ومن وجوده تعالى يستمد كل موجود وجوده:
{ ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير }..

وقد خلق الله هذا الكون بالحق لا يتلبس بخلقه الباطل:
{ ما خلق الله ذلك إلا بالحق }..
{ ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك }!

والحق هو قوام هذا الوجود فإذا حاد عنه فسد وهلك:
{ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن } ..
ومن ثم فلا بد للحق أن يظهر، ولا بد للباطل أن يزهق..
ومهما تكن الظواهر غير هذا فإن مصيرها إلى تكشف صريح:
{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق }..

والخير والصلاح والإحسان أصيلة كالحق،
باقية بقاءه في الأرض:
{ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع، زبد مثله. كذلك يضرب الله الحق والباطل. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال } ...

{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } ..

أي طمأنينة ينشئها هذا التصور؟
وأي سكينة يفيضها على القلب؟
وأي ثقة في الحق والخير والصلاح؟
وأي قوة واستعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير؟


وانتهيت من فترة الحياة - في ظلال القرآن - إلى يقين جازم حاسم..
إنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان،
ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة.. إلا بالرجوع إلى الله..

والرجوع إلى الله - كما يتجلى في ظلال القرآن -
له صورة واحدة وطريق واحد.. واحد لا سواه..

إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم..
إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها.
والتحاكم إليه وحده في شؤونها.
وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والارتكاس في الحمأة،
والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله:

{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ..


إن الاحتكام إلى منهج الله في كتاب ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار،
إنما هو الإيمان.. أو.. فلا إيمان..
{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }..
{ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين } ..

والأمر إذن جد..
إنه أمر العقيدة من أساسها..
ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها..

إن هذه البشرية - وهي من صنع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله;
ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه -
وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء:
{ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } ..


{ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }..
ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه،
ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه،
ولا تسلك في أمر نفسها، وفي أمر إنسانيتها، وفي أمر سعادتها أو شقوتها..
ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة..
وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز.
ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه، فترده إلى المصنع الذي منه خرج،
ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب،
الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف،
الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه:
{ إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }؟ ..

ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة.
البشرية المسكينة الحائرة،
البشرية التي لن تجد الرشد، ولن تجد الهدى، ولن تجد الراحة،
ولن تجد السعادة، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير،
كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير!

ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها،
ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألم بها من نكبات..


يتبع إن شاء الله تعالى

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-17-2019, 09:47 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعد ما فسدت الأرض،
وأسنت الحياة، وتعفنت القيادات، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة;
و ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ..

تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن،
وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن،
وبالشريعة المستمدة من هذا التصور..
فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان أعظم في حقيقته
من المولد الذي كانت به نشأته.

لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم;
كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا، كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور،
قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء.. نعم!

لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال، والعظمة والارتفاع، والبساطة واليسر،
والواقعية والإيجابية، والتوازن والتناسق ... بحيث لا يخطر للبشرية على بال،
لولا أن الله أراده لها، وحققه في حياتها..
في ظلال القرآن، ومنهج القرآن، وشريعة القرآن.

ثم وقعت تلك النكبة القاصمة;
ونُحي الإسلام عن القيادة. نُحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى،
في صورة من صورها الكثيرة.
صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم،
كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان!

إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية.
يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى;
ثم يقولون لها: اختاري!!!
اختاري إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة،
وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله!!!

وهذا خداع لئيم خبيث.
فوضع المسألة ليس هكذا أبدا..
إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني.
إنما هو منشئ لهذا الإبداع وموجه له الوجهة الصحيحة..
ذلك كي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض.
هذا المقام الذي منحه الله له، وأقدره عليه،
ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه;
وسخر له من القوانين الكونية ما يعينه على تحقيقه;
ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع..
على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله، ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام،
والتقيد بشرطه في عقد الخلافة; وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله.

فأما أولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة،
والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى..
فهم سيئو النية، شريرون،
يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال،
وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح،
وأن تؤوب من المتاهة المهلكة، وأن تطمئن إلى كنف الله ...

وهنالك آخرون لا ينقصهم حسن النية;
ولكن ينقصهم الوعي الشامل، والإدراك العميق..

هؤلاء يبهرهم ما كشفه الإنسان من القوى والقوانين الطبيعية،
وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة.
فيفصل ذلك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية،
وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة;
ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا، وللقيم الإيمانية مجالا آخر;
ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غير متأثرة بالقيم الإيمانية،
وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا. اتبعوا منهج الله أم خالفوا عنه.
حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس!

هذا وهم.. أنه فصل بين نوعين من السنن الإلهية هما في حقيقتهما غير منفصلين.
فهذه القيم الإيمانية هي بعض سنن الله في الكون كالقوانين الطبيعية سواء بسواء.
ونتائجها مرتبطة ومتداخلة; ولا مبرر للفصل بينهما في حس المؤمن وفي تصوره..

وهذا هو التصور الصحيح الذي ينشئه القرآن في النفس حين تعيش في ظلال القرآن.
ينشئه وهو يتحدث عن أهل الكتب السابقة وانحرافهم عنها وأثر هذا الانحراف في نهاية المطاف:

{ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم }.

وينشئه وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه: فقلت:
{ استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} ..

وينشئه وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم:
{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } ..

إن الإيمان بالله، وعبادته على استقامة، وإقرار شريعته في الأرض ... كلها إنفاذ لسنن الله.

وهي سنن ذات فاعلية إيجابية،
نابعة من ذات المنبع الذي تنبثق منه سائر السنن الكونية
التي نرى آثارها الواقعية بالحس والاختبار.

ولقد تأخذنا في بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الكونية،
حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية..

هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق; ولكنها تظهر حتما في نهايته..
وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه.

لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية في حياته مع القيم الإيمانية.
وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقهما.
وظل يهبط ويهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض
عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا..

وفي الطرف الآخر تقف الحضارة المادية اليوم.
تقف كالطائر الذي يرف بجناح واحد جبار، بينما جناحه الآخر مهيض،
فيرتقي في الإبداع المادي بقدر ما يرتكس في المعنى الإنساني،
ويعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية ما يصرخ منه العقلاء هناك..
لولا أنهم لا يهتدون إلى منهج الله، وهو وحده العلاج والدواء.

إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون.
فإنفاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثر إيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون..
والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير أصلها الكبير.

فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم،
كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم.
وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الكبير وللوجود الإنساني،
ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير، ونظافة في الشعور،
وضخامة في الاهتمامات، ورفعة في الخلق، واستقامة في السلوك ...

وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها
سواء ما نسميه القوانين الطبيعية وما نسميه القيم الإيمانية..
فكلها أطراف من سنة الله الشاملة لهذا الوجود.

والإنسان كذلك قوة من قوى الوجود.
وعمله وإرادته، وإيمانه وصلاحه، وعبادته ونشاطه....
هي كذلك قوى ذات آثار إيجابية في هذا الوجود;
وهي مرتبطة بسنة الله الشاملة للوجود.. وكلها تعمل متناسقة،
وتعطي ثمارها كاملة حين تتجمع وتتناسق;
بينما تفسد آثارها وتضطرب، وتفسد الحياة معها،
وتنتشر الشقوة بين الناس والتعاسة حين تفترق وتتصادم:

{ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }..
فالارتباط قائم وثيق بين عمل الإنسان وشعوره وبين مجريات الأحداث في نطاق السنة الإلهية الشاملة للجميع.

ولا يوحي بتمزيق هذا الارتباط، ولا يدعو إلى الإخلال بهذا التناسق، ولا يحول بين الناس وسنة الله الجارية،
إلا عدو للبشرية يطاردها دون الهدى; وينبغي لها أن تطارده، وتقصيه من طريقها إلى ربها الكريم..

هذه بعض الخواطر والانطباعات من فترة الحياة في ظلال القرآن. لعل الله ينفع بها ويهدي.

وما تشاءون إلا أن يشاء الله..

سيد قطب




ما تقدم كان بقلم سيد قطب رحمه الله
وألحقه بركب الشهداء والصالحين

وهي مقدمة كتابه " في ظلال القرآن "

ويليه ـ إن شاء الله ـ نقل لبعض المواضيع الهامة و المتنوعة من الظلال
والتي فيها معالم لطريق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى
أسأل الله أن ينفع بها وأن يجزي سيدا خير الجزاء

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-18-2019, 08:28 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

(في ظلال سورة البقرة)

ان القرآن هو كتاب هذه الأمة الحي ;
ورائدها الناصح
وأنه هو مدرستها التي تلقت فيها دروس حياتها.

وان الله - سبحانه - كان يربي به الجماعة المسلمة الأولى
التي قسم لها إقامة منهجه الرباني في الأرض،
وناط بها هذا الدور العظيم بعد أن أعدها له بهذا القرآن الكريم.

وأنه - تعالى - أراد بهذا القرآن أن يكون هو الرائد الحي -
الباقي بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقيادة أجيال هذه الأمة، وتربيتها،
وإعدادها لدور القيادة الراشدة الذي وعدها به، كلما اهتدت بهديه، واستمسكت بعهدها معه،
واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن،
واستغزت به واستعلت على جميع المناهج الأرضية.
وهي بصفتها هذه، مناهج الجاهلية!.

إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى.. ولكنه دستور شامل..
دستور للتربية، كما أنه دستور للحياة العملية،

ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية
على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها;
وتضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم - عليه السلام -
وقدمها زادا للأمة المسلمة في جميع أجيالها.
تجاربها في الأنفس، وتجاربها في واقع الحياة.
كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها،
وهي تتزود لها بذلك الزاد الضخم،
وذلك الرصيد المتنوع.

ومن ثم جاء القصص في القرآن بهذه الوفرة، وبهذا التنوع، وبهذا الإيحاء..
وقصص بني إسرائيل هو أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم ، لأسباب عدة،
ذكرنا بعضها في الجزء الأول من الظلال عند استقبال أحداث بني إسرائيل ;
وذكرنا بعضها في هذا الجزء في مناسبات شتى - وبخاصة في أوله -
ونضيف إليها هنا ما نرجحه..

وهو أن الله - سبحانه - علم أن أجيالا من هذه الأمة المسلمة
ستمر بأدوار كالتي مر فيها بنو إسرائيل ،
وتقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل ;
فعرض عليها مزالق الطريق، مصورة في تاريخ بني إسرائيل ،
لتكون لها عظة وعبرة; ولترى صورتها في هذه المرآة المرفوعة لها بيد الله - سبحانه -
قبل الوقوع في تلك المزالق أو اللجاج فيها على مدار الطريق!.

إن هذا القرآن ينبغي أن يقرأ وأن يتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي.
وينبغي أن يتدبر على أنه توجيهات حية، تتنزل اليوم، لتعالج مسائل اليوم،
ولتنير الطريق إلى المستقبل.
لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل;
أو على أنه سجل لحقيقة مضت ولن تعود!.

ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا;
كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها الواقعة..

وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد.
وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي!

سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق;
وتقول لنا: هذا فافعلوه وهذا لا تفعلوه.
وتقول لنا: هذا عدولكم وهذا صديق.
وتقول لنا: كذا فاتخذوا من الحيطة وكذا فاتخذوا من العدة.
وتقول لنا حديثا طويلا مفصلا دقيقا في كل ما يعرض لنا من الشؤون..
وسنجد عندئذ في القرآن متاعا وحياة;
وسندرك معنى قوله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } ..

فهي دعوة للحياة..
للحياة الدائمة المتجددة.
لا لحياة تاريخية محدودة في صفحة عابرة من صفحات التاريخ.



رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-19-2019, 05:54 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )


{ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا }

إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاما كاملة في بناء العقيدة
بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى . . كلا !
فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة ;
ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشر عاما أو أكثر أو أقل ،
حتى يستوعبوا "النظرية الإسلامية " !

ولكن الله - سبحانه - كان يريد أمرا آخر .
كان يريد منهجا معينا متفردا .
كان يريد بناء الجماعة وبناء الحركة وبناء العقيدة في وقت واحد .

كان يريد أن يبني الجماعة والحركة ... بالعقيدة ،
وأن يبني العقيدة ... بالجماعة والحركة !

كان يريد أن تكون العقيدة .. هي واقع الجماعة الفعلي ،
وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي .. هو صورة العقيدة . .

وكان الله - سبحانه - يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة . .
فلم يكن بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة . .
حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج . .

هذه هي طبيعة هذا الدين - كما تستخلص من منهج القرآن المكي -
ولا بد أن نعرف طبيعته هذه ;
ولا نحاول أن نغيرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية !

فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة ،
وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود ،
كما أخرجها الله أول مرة . . "

{ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } ...
" فالفرق مقصود . والمكث مقصود كذلك . .
ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة "منظمة حية "
لا في صورة "نظرية معرفية " !

يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدا ،
أنه كما أن هذا الدين دين رباني ،
فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك ، متواف مع طبيعته .

وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل
ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين كما أنه جاء ليغير التصور الاعتقادي - ومن ثم يغير الواقع الحيوي -
فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الفكري والحركي الذي يبني به التصور الاعتقادي ويغير به الواقع الحيوي . .

جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة . .
ثم لينشئ منهج تفكير خاصا به بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصورا اعتقاديا وواقعا حيويا .
ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص وتصوره الاعتقادي وبنائه الحيوي ، فكلها حزمة واحدة .

فإذا عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه ،
فلنعرف أن هذا المنهج أصيل ; وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى .
إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين إلا به . ..."



... لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ويقيم لها نظاما،
فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها،
وتعلم به البشرية هذا النظام وفق المنهج الكامل المتكامل.
ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقا وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة،
ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى.

والتربية تتم في الزمن الطويل، وبالتجربة العملية في الزمن الطويل.
جاء ليكون منهجا عمليا يتحقق جزءا جزءا في مرحلة الإعداد،
لا فقها نظريا ولا فكرة تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني!

وتلك حكمة نزوله متفرقا، لا كتابا كاملا منذ اللحظة الأولى.

ولقد تلقاه الجيل الأول من المسلمين على هذا المعنى.
تلقوه توجيها يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهي، وكلما تلقوا منه أدبا أو فريضة.

ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب;
ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير فتكيفوا به في حياتهم اليومية.

تكيفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي سلوكهم ونشاطهم. وفي بيوتهم ومعاشهم.
فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كل ما عداه مما ورثوه، ومما عرفوه، ومما مارسوه قبل أن يأتيهم هذا القرآن.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه - كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. "



رد مع اقتباس
  #7  
قديم 06-20-2019, 08:27 AM
ابراهيم بن محمد ابراهيم بن محمد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 231
معدل تقييم المستوى: 1
ابراهيم بن محمد will become famous soon enough
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

أكمل الغرس أخي بارك الله بك ،،
كبلوه وحبسوه ليكمموه ..
فإذا بالنور المبين يسري من رحم ظلمات السجن
يالهذا الجمال !!

__________________

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-20-2019, 06:36 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

وبكم بارك الله
وجزاك خيرا على مرورك الكريم

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 06-20-2019, 06:49 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

وإدراك هذه الحقيقة يفيدنا فوائد كثيرة . .

يفيدنا أولاً
في إدراك طبيعة هذا القرآن ووظيفته . فهو كائن حي متحرك .
ونحن نراه في ظل هذه الوقائع يعمل ويتحرك في وسط الجماعة المسلمة؛
ويواجه حالات واقعة فيدفع هذه ويقر هذه؛ ويدفع الجماعة المسلمة ويوجهها .
فهو في عمل دائب ، وفي حركة دائبة . .
إنه في ميدان المعركة وفي ميدان الحياة . .
وهو العنصر الدافع المحرك الموجه في الميدان!

ونحن أحوج ما نكون إلى الإحساس بالقرآن على هذا النحو؛
وإلى رؤيته كائناً حياً متحركاً دافعاً .

فقد بعد العهد بيننا وبين الحركة الإسلامية والحياة الإسلامية والواقع الإسلامي؛
وانفصل القرآن في حسنا عن واقعه التاريخي الحي؛
ولم يعد يمثل في حسنا تلك الحياة التي وقعت يوماً ما على الأرض ، في تاريخ الجماعة المسلمة؛

ولم نعد نذكر أنه كان في أثناء تلك المعركة المستمرة
هو « الأمر اليومي » للمسلم المجند؛
وهو التوجيه الذي يتلقاه للعمل والتنفيذ . ......"

.... ويفيدنا ثانياً
في رؤية حقيقة الطبيعة البشرية الثابتة المطردة تجاه دعوة الإيمان وتكاليفها .
رؤيتها رؤية واقعية من خلال الواقع الذي تشير إليه الآيات القرآنية في حياة الجماعة المسلمة الأولى . .

فهذه الجماعة التي كان يتنزل عليها القرآن ، ويتعهدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كان فيها بعض مواضع الضعف والنقص التي تقتضي الرعاية والتوجيه والإيحاء المستمر
ولم يمنعها هذا أن تكون خير الأجيال جميعاً . .

وإدراك هذه الحقيقية ينفعنا .
ينفعنا لأنه يرينا حقيقة الجماعات البشرية بلا غلو ولا مبالغة
ولا هالات ولا تصورات مجنحة!

وينفعنا لأنه يدفع عن نفوسنا اليأس من أنفسنا
حين نرى أننا لم نبلغ تلك الآفاق التي يرسمها الإسلام ويدعو الناس إلى بلوغها .
فيكفي أن نكون في الطريق ، وأن تكون محاولتنا مستمرة ومخلصة للوصول . .

وينفعنا في إدراك حقيقة أخرى :
وهي أن الدعوة إلى الكمال يجب أن تلاحق الناس ،
ولا تفتر ولا تني ولا تيئس إذا ظهرت بعض النقائص والعيوب .
فالنفوس هكذا .
وهي ترتفع رويداً رويداً بمتابعة الهتاف لها بالواجب ،
ودعوتها إلى الكمال المنشود ، وتذكيرها الدائم بالخير ،
وتجميل الخير لها وتقبيح الشر ، وتنفيرها من النقص والضعف ،
والأخذ بيدها كلما كبتْ في الطريق وكلما طال بها الطريق!

ويفيدنا ثالثاً
في الاستقرار إلى هذه الحقيقة البسيطة التي كثيراً ما نغفل عنها وننساها :
وهي أن الناس هم الناس؛
والدعوة هي الدعوة؛
والمعركة هي المعركة . .

إنها أولاً وقبل كل شيء
معركة مع الضعف والنقص والشح والحرص في داخل النفس

ثم هي معركة مع الشر والباطل والضلال والطغيان في واقع الحياة .
والمعركة بطرفيها لا بد من خوضها .

ولا بد للقائمين على الجماعة المسلمة في الأرض
من مواجهتها بطرفيها كما واجهها القرآن أول مرة
وواجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

ولا بد من الأخطاء والعثرات .
ولا بد من ظهور الضعف والنقص في مراحل الطريق؛
ولا بد من المضي أيضاً في علاج الضعف والنقص كلما أظهرتهما الأحداث والتجارب .

ولا بد من توجيه القلوب إلى الله بالأساليب التي اتبعها القرآن في التوجيه . .
وهنا نرجع إلى أول الحديث . نرجع إلى استشارة القرآن في حركات حياتنا وملابساتها .
وإلى رؤيته يعمل ويتحرك في مشاعرنا وفي حياتنا كما كان يعمل ويتحرك في حياة الجماعة الأولى . .

( في ظلال سورة البقرة الجزء الثالث )

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-21-2019, 07:23 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )


(في ظلال معركة أُحد .. سورة آل عمران .. الجزء الرابع من الظلال)

لقد تمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة
في طبيعة هذا الدين الذي هو المنهج الإلهي للحياة البشرية،
وفي طريقته في العمل في حياة البشر .

وهي حقيقة أولية بسيطة، ولكنها كثيرا ما تنسى، أو لا تدرك ابتداء،
فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين:
في حقيقته وفي واقعه التاريخي في حياة الإنسانية،
وفي دوره أمس واليوم وغدا...

.... إن بعضنا ينتظر من هذا الدين - ما دام هو المنهج الإلهي للحياة البشرية -
أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة!
دون اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقتهم الفطرية، ولواقعهم المادي،
في أية مرحلة من مراحل نموهم، وفي أية بيئة من بيئاتهم...

.... وتمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة
عن طبيعة النفس البشرية وطبيعة الفطرة الإنسانية،
وطبيعة الجهد البشري، ومدى ما يمكن أن يبلغه في تحقيق المنهج الإلهي:

إن النفس البشرية ليست كاملة - في واقعها -
ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء،
حتى تبلغ أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض.

وها نحن أولاء نرى قطاعا من قطاعات البشرية - كما هو وعلى الطبيعة -
ممثلا في الجماعة التي تمثل قمة الأمة التي يقول الله ـ تعالى ـ عنها:
{ كنتم خير أمة أخرجت للناس }..

وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - المثل الكامل للنفس البشرية على الإطلاق..

فماذا نرى؟
نرى مجموعة من البشر، فيهم الضعف وفيهم النقص،
وفيهم من يبلغ أن يقول الله ـ تعالى ـ عنهم:
{ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم }.

ومن يبلغ أن يقول الله ـ تعالى ـ عنهم:
{ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم }..

وفيهم من يقول الله ـ تعالى ـ عنهم:
{ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا، والله وليهما، وعلى الله فليتوكل المؤمنون }

وفيهم من ينهزم وينكشف، وتبلغ منهم الهزيمة ما وصفه الله سبحانه بقوله:
{إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم. فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم }..

وكل هؤلاء مؤمنون مسلمون;
ولكنهم كانوا في أوائل الطريق.
كانوا في دور التربية والتكوين.

ولكنهم كانوا جادين في أخذ هذا الأمر،
مُسّلمين أمرهم لله، مرتضين قيادته، ومستسلمين لمنهجه.

ومن ثم لم يطردهم الله من كنفه، بل رحمهم وعفا عنهم;
وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعفو عنهم، ويستغفر لهم،
وأمره أن يشاورهم في الأمر، بعد كل ما وقع منهم، وبعد كل ما وقع من جراء المشورة!

نعم إنه - سبحانه - تركهم يذوقون عاقبة تصرفاتهم تلك،
وابتلاهم ذلك الابتلاء الشاق المرير..

ولكنه لم يطردهم خارج الصف، ولم يقل لهم:
إنكم لا تصلحون لشيء من هذا الأمر، بعد ما بدا منكم في التجربة من النقص والضعف..

لقد قبل ضعفهم هذا ونقصهم،
ورباهم بالابتلاء، ثم رباهم بالتعقيب على الابتلاء،
والتوجيه إلى ما فيه من عبر وعظات.
في رحمة وفي عفو وفي سماحة;
كما يربت الكبير على الصغار; وهم يكتوون بالنار،
ليعرفوا ويدركوا وينضجوا.

وكشف لهم ضعفهم، ومخبآت نفوسهم،
لا يفضحهم بها، ويرذلهم، ويحقرهم،
ولا ليرهقهم ويحملهم ما لا يطيقون له حملا.

ولكن ليأخذ بأيديهم، ويوحي إليهم
أن يثقوا بأنفسهم ولا يحتقروها ولا ييأسوا من الوصول
ما داموا موصولين بحبل الله المتين.

ثم وصلوا.. وصلوا في النهاية،
وغلبت فيهم النماذج التي كانت في أول المعركة معدودة.

وإذا هم في اليوم التالي للهزيمة والقرح،
يخرجون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
غير هيابين ولا مترددين ولا وجلين من تخويف الناس لهم حتى استحقوا تنويه الله تعالى بهم:
{ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل } ..

ولما كبروا بعد ذلك شيئا فشيئا.. تغيرت معاملتهم،
وحوسبوا كما يحاسب الرجال الكبار. بعد ما كانوا يربتون هنا كما يربت الأطفال!

والذي يراجع غزوة تبوك في سورة براءة;
ومؤاخذة الله ورسوله للنفر القلائل المتخلفين، تلك المؤاخذة العسيرة،
يجد الفرق واضحا في المعاملة;
ويجد الفرق واضحا في مراحل التربية الإلهية العجيبة.

كما يجد الفارق بين القوم يوم أحد ، والقوم يوم تبوك .. وهم هم..
ولكن بلغت بهم التربية الإلهية هذا المستوى السامق..
ولكنهم مع هذا ظلوا بشرا. وظل فيهم الضعف، والنقص، والخطأ.

ولكن ظل فيهم كذلك الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله.

إنها الطبيعة البشرية التي يحافظ عليها هذا المنهج;
ولا يبدلها أو يعطلها،
ولا يحملها ما لا تطيق.
وإن بلغ بها أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض.

وهذه الحقيقة ذات قيمة كبيرة في إعطاء الأمل الدائم للبشرية،
لتحاول وتبلغ، في ظل هذا المنهج الفريد.

فهذه القمة السامقة التي بلغتها تلك الجماعة،
إنما بدأت تنهد إليها من السفح الذي التقطها منه.

وهذه الخطى المتعثرة في الطريق الشاق
زاولتها جماعة بشرية متخلفة في الجاهلية. متخلفة في كل شيء.
على النحو الذي عرضنا نماذج منه في سياق هذا الدرس..

وكل ذلك يعطي البشرية أملا كبيرا
في إمكان الوصول إلى ذلك المرتقى السامي، مهما تكن قابعة في السفح.

ولا يعزل هذه الجماعة الصاعدة، فيجعلها وليدة معجزة خارقة لا تتكرر.
فهي ليست وليدة خارقة عابرة. إنما هي وليدة المنهج الإلهي،
الذي يتحقق بالجهد البشري، في حدود الطاقة البشرية - والطاقة البشرية كما نرى قابلة للكثير!.

هذا المنهج
يبدأ بكل جماعة من النقطة التي هي فيها،
ومن الواقع المادي الذي هي فيه.
ثم يمضي بها صعدا كما بدأ بتلك الجماعة
من الجاهلية العربية الساذجة.. من السفح..
ثم انتهى بها في فترة وجيزة لم تبلغ ربع قرن من الزمان،
إلى ذلك الأوج السامق..

شرط واحد لا بد أن يتحقق..
أن تسلم الجماعات البشرية قيادها لهذا المنهج.
أن تؤمن به. وأن تستسلم له.
وأن تتخذه قاعدة حياتها، وشعار حركتها،
وحادي خطاها في الطريق الشاق الطويل..



رد مع اقتباس
  #11  
قديم 06-24-2019, 07:16 AM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )


{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن،
إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين.
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.
واصبر وما صبرك إلا بالله. ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون.
إن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون }
..

على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها،
ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم،
وللدعاة من بعده بدينه القويم.

فلننظر في دستور الدعوة
الذي شرعه الله تعالى في هذا القرآن.

إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله.
لا لشخص الداعي ولا لقومه.
فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله،
لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به،
وأجره بعد ذلك على الله تعالى.

والدعوة بالحكمة،
والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم،
والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة
حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها.

والطريقة التي يخاطبهم بها،
والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها.
فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة
فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.

وبالموعظة الحسنة
التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف،
لا بالزجر والتأنيب في غير موجب.
ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية.
فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة،
ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.

وبالجدل بالتي هي أحسن.
بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح؛
حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل،
ولكن الإقناع والوصول إلى الحق.

فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها،
وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة.

وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس،
فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها.

والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة.
ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة،
وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها،
والاهتداء إليها في سبيل الله،
لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر!

ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه
يشير النص القرآني إلى أن الله تعالى هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين.
فلا ضرورة للجاجة في الجدل، إنما هو البيان، والأمر بعد ذلك لله.

هذا هو منهج الدعوة ودستورها
ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة.
فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير،
فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازا لكرامة الحق،
ودفعا لغلبة الباطل، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع،

فالإسلام دين العدل والاعتدال، ودين السلم والمسالمة.
إنما يدفع عن نفسه وأهله البغي ولا يبغي
{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به }.

وليس ذلك بعيدا عن دستور الدعوة، فهو جزء منه.
فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها، فلا تهون في نفوس الناس.

والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد، ولا يثق أنها دعوة الله.
فالله تعالى لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها.
والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة لله، والعزة لله جميعا.

ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض، وتحقيق العدل بين الناس،
وقيادة البشرية إلى الطريق القويم.
فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون، ويعتدى عليهم فلا يردون؟!.

ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل،
فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر،
حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر ووقف العدوان.
في الحالات التي قد يكون العفو فيها والصبر أعمق أثرا. وأكثر فائدة للدعوة.

فأشخاصهم لا وزن لها
إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر.
فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة الله ويرخصانها،
فالقاعدة الأولى هي الأولى.

ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال، وضبط للعواطف، وكبت للفطرة،
فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه:
{ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله } ..

فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس،
والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية
في رد الاعتداء بمثله والقصاص له بقدره.

ويوصي القرآن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وهي وصية لكل داعية من بعده،
ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون،
فإنما عليه واجبه يؤديه، والهدى والضلال بيد الله،
وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال.

وألا يضيق صدره بمكرهم، فإنما هو داعية لله،
فالله تعالى حافظه من المكر والكيد،
لا يدعه للماكرين الكائدين، وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئا لنفسه..

ولقد يقع به الأذى لامتحان صبره،
ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه،
ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة :
{ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون }
ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون


هذا هو دستور الدعوة إلى الله تعالى.. كما رسمه الله تعالى.
والنصر مرهون باتباعه كما وعد الله.
ومن أصدق من الله تعالى؟ .

( في ظلال سورة النحل )

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-27-2019, 08:26 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

{ وما يدريك لعله يزكى؟ أو يذكر فتنفعه الذكرى؟ أما من استغنى فأنت له تصدى؟ وما عليك ألا يزكى؟ }

إن هذا التوجيه الذي نزل بشأن هذا الحادث هو أمر عظيم جداً.
أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة.
إنه معجزة، هو والحقيقة التي أراد إقرارها في الأرض،
والآثار التي ترتبت على إقرارها بالفعل في حياة البشرية.
ولعلها هي معجزة الإسلام الأولى، ومعجزته الكبرى كذلك.

ولكن هذا التوجيه يرد هكذا تعقيباً على حادث فردي
على طريقة القرآن الإلهية في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة
فرصة لتقرير الحقيقة المطلقة والمنهج المطرد.

وإلا فإن الحقيقة التي استهدف هذا التوجيه تقريرها هنا
والآثار الواقعية التي ترتبت بالفعل على تقريرها في حياة الأمة المسلمة،
هي الإسلام في صميمه.
وهي الحقيقة التي أراد الإسلام وكل رسالة سماوية قبله غرسها في الأرض.

هذه الحقيقة ليست هي مجرد:
كيف يُعامل فرد من الناس؟ أو كيف يعامل صنف من الناس؟
كما هو المعنى القريب للحادث وللتعقيب.

إنما هي أبعد من هذا جداً، وأعظم من هذا جداً.
إنها: كيف يزن الناس كل أمور الحياة؟
ومن أين يستمدون القيم التي يزنون بها ويقدرون؟

والحقيقة التي استهدف هذا التوجيه إقرارها هي:
أن يستمد الناس في الأرض قيمهم وموازينهم من اعتبارات سماوية إلهية بحتة،
آتية لهم من السماء، غير مقيدة بملابسات أرضهم، ولا بموضوعات حياتهم،
ولا نابعة من تصوراتهم المقيدة بهذه المواضعات وتلك الملابسات.

وهو أمر عظيم جداً، كما أنه أمر عسير جداً.
عسير أن يعيش الناس في الأرض بقيم وموازين آتية من السماء.
مطلقة من اعتبارات الأرض. متحررة من ضغط هذه الاعتبارات.

ندرك عظمة هذا الأمر وعسره
حين ندرك ضخامة الواقع البشري، وثقله على المشاعر، وضغطه على النفوس،
وصعوبة التخلي عن الملابسات والضغوط الناشئة من الحياة الواقعية للناس،
المنبثقة من أحوال معاشهم، وارتباطات حياتهم، وموروثات بيئتهم، ورواسب تاريخهم،
وسائر الظروف الأخرى التي تشدهم إلى الأرض شداً،
وتزيد من ضغط موازينها وقيمها وتصوراتها على النفوس.

كذلك ندرك عظمة هذا الأمر وعسره
حين ندرك أن نفس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
قد احتاجت كي تبلغه إلى هذا التوجيه من ربه؛
بل إلى هذا العتاب الشديد، الذي يبلغ حد التعجيب من تصرفه!

وإنه ليكفي لتصوير عظمة أي أمر في هذا الوجود أن يقال فيه:
إن نفس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد احتاجت كي تبلغه إلى تنبيه وتوجيه!

نعم يكفي هذا.
فإن عظمة هذه النفس وسموها ورفعتها،
تجعل الأمر الذي يحتاج منها كي تبلغه إلى تنبيه وتوجيه أمراً أكبر من العظمة، وأرفع من الرفعة!
وهذه هي حقيقة هذا الأمر، الذي استهدف التوجيه الإلهي إقراره في الأرض،
بمناسبة هذا الحادث المفرد.

أن يستمد الناس قيمهم وموازينهم من السماء،
طلقاء من قيم الأرض وموازينها المنبثقة من واقعهم كله..
وهذا هو الأمر العظيم..


إن الميزان الذي أنزله الله تعالى للناس مع الرسل،
ليقوّموا به القيم كلها، هو
{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}

هذه هي القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل!
وهي قيمة سماوية بحتة، لا علاقة لها بمواضعات الأرض وملابساتها إطلاقاً..

ولكن الناس يعيشون في الأرض، ويرتبطون فيما بينهم بارتباطات شتى؛
كلها ذات وزن وذات ثقل وذات جاذبية في حياتهم.

وهم يتعاملون بقيم أخرى..
فيها النسب، وفيها القوة، وفيها المال،
وفيها ما ينشأ عن توزيع هذه القيم من ارتباطات عملية.. اقتصادية وغير اقتصادية..
تتفاوت فيها أوضاع الناس بعضهم بالنسبة لبعض.
فيصبح بعضهم أرجح من بعض في موازين الأرض..

ثم يجيء الإسلام ليقول:
{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}
فيضرب صفحاً عن كل تلك القيم الثقيلة الوزن في حياة الناس،
العنيفة الضغط على مشاعرهم، الشديدة الجاذبية إلى الأرض.
ويبدل من هذا كله تلك القيمة الجديدة المستمدة مباشرة من السماء،
المعترف بها وحدها في ميزان السماء!

ثم يجيء هذا الحادث لتقرير هذه القيمة في مناسب واقعية محددة.
وليقرر معها المبدأ الأساسي:
وهو أن الميزان ميزان السماء، والقيمة قيمة السماء.

وأن على الأمة المسلمة أن تدع كل ما تعارف عليه الناس،
وكل ما ينبثق من علاقات الأرض من قيم وتصورات وموازين واعتبارات،
لتستمد القيم من السماء وحدها وتزنها بميزان السماء وحده!


يتبع إن شاء الله تعالى


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 06-28-2019, 09:36 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

ويجيء الرجل الأعمى الفقير.. ابن أم مكتوم.. إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش. عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي جهل عمرو بن هشام،
وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، ومعهم العباس بن عبد المطلب..

والرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام؛
ويرجو بإسلامهم خيراً للإسلام في عسرته وشدته التي كان فيها بمكة؛
وهؤلاء النفر يقفون في طريقه بمالهم وجاههم وقوتهم؛
ويصدون الناس عنه، ويكيدون له كيداً شديداً حتى ليجمدوه في مكة تجميداً ظاهراً.
بينما يقف الآخرون خارج مكة، لا يقبلون على الدعوة التي يقف لها أقرب الناس إلى صاحبها،
وأشدهم عصبية له، في بيئة جاهلية قبلية، تجعل لموقف القبيلة كل قيمة وكل اعتبار.

يجيء هذا الرجل الأعمى الفقير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو مشغول بأمر هؤلاء النفر. لا لنفسه ولا لمصلحته، ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام.
فلو أسلم هؤلاء لانزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة في مكة؛
ولانساح بعد ذلك الإسلام فيما حولها، بعد إسلام هؤلاء الصناديد الكبار.

يجيء هذا الرجل، فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم
يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله..
ويكرر هذا وهو يعلم تشاغل الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو فيه من الأمر.
فيكره الرسول قطعه لكلامه واهتمامه.
وتظهر الكراهية في وجهه الذي لا يراه الرجل فيعبس ويعرض.
يعرض عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير.
الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير؛
والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينة، وإخلاصه لأمر دعوته، وحبه لمصلحة الإسلام، وحرصه على انتشاره!

وهنا تتدخل السماء. تتدخل لتقول كلمة الفصل في هذا الأمر؛ ولتضع معالم الطريق كله،
ولتقرر الميزان الذي توزن فيه القيم بغض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات.
بما في ذلك اعتبار مصلحة الدعوة كما يراها البشر. بل كما يراها سيد البشر صلى الله عليه وسلم.

وهنا يجيء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم، صاحب الخلق العظيم،
في أسلوب عنيف شديد. وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب: { كلا } !
وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب!
ذلك أنه الأمر العظيم الذي يقوم عليه هذا الدين!

والأسلوب الذي تولى به القرآن هذا العتاب الإلهي أسلوب فريد،
لا تمكن ترجمته في لغة الكتابة البشرية.
فلغة الكتابة لها قيود وأوضاع وتقاليد، تغض من حرارة هذه الموحيات في صورتها الحية المباشرة.
وينفرد الأسلوب القرآني بالقدرة على عرضها في هذه الصورة في لمسات سريعة.
وفي عبارات متقطعة. وفي تعبيرات كأنها انفعالات، ونبرات وسمات ولمحات حية!

{عبس وتولى. أن جاءه الأعمى}..
بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب!

وفي هذا الأسلوب إيحاء بأن الأمر موضوع الحديث من الكراهة عند الله
بحيث لا يحب سبحانه أن يواجه به نبيه وحبيبه، عطفاً عليه، ورحمة به، وإكراماً له عن المواجهة بهذا الأمر الكريه!

ثم يستدير التعبير بعد مواراة الفعل الذي نشأ عنه العتاب
يستدير إلى العتاب في صيغة الخطاب.

فيبدأ هادئاً شيئاً ما: {وما يدريك لعله يزكى؟ أو يذكر فتنفعه الذكرى؟}..
ما يدريك أن يتحقق هذا الخير الكبير. أن يتطهر هذا الرجل الأعمى الفقير الذي جاءك راغباً فيما عندك من الخير
وأن يتيقظ قلبه فيتذكر فتنفعه الذكرى. ما يدريك أن يشرق هذا القلب بقبس من نور الله،
فيستحيل منارة في الأرض تستقبل نور السماء؟
الأمر الذي يتحقق كلما تفتح قلب للهدى وتمت حقيقة الإيمان فيه. وهو الأمر العظيم الثقيل في ميزان الله..

ثم تعلو نبرة العتاب وتشتد لهجته؛ وينتقل إلى التعجيب من ذلك الفعل محل العتاب:
{أما من استغنى، فأنت له تصدى؟! وما عليك ألا يزكى؟! وأما من جاءك يسعى وهو يخشى، فأنت عنه تلهى؟!}.

أما من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك وعما عندك من الهدى والخير والنور والطهارة..
أما هذا فأنت تتصدى له وتحفل أمره، وتجهد لهدايته، وتتعرض له وهو عنك معرض!

{وما عليك ألا يزكى؟}..
وما يضيرك أن يظل في رجسه ودنسه؟ وأنت لا تسأل عن ذنبه. وأنت لا تُنصر به. وأنت لا تقوم بأمره..

{وأما من جاءك يسعى} طائعاً مختاراً، {وهو يخشى} ويتوقى {فأنت عنه تلهى!}..
ويسمي الانشغال عن الرجل المؤمن الراغب في الخير التقي تلهياً.. وهو وصف شديد..

ثم ترتفع نبرة العتاب حتى لتبلغ حد الردع والزجر: {كلا!}..
لا يكن ذلك أبداً.. وهو خطاب يسترعي النظر في هذا المقام.

ثم يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها،
واستغناءها عن كل أحد. وعن كل سند. وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها،
كائناً ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا:
{إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعه مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة}..
فهي كريمة في كل اعتبار. كريمة في صحفها، المرفوعة المطهرة الموكل بها السفراء
من الملأ الأعلى ينقلونها إلى المختارين في الأرض ليبلغوها. وهم كذلك كرام بررة..
فهي كريمة طاهرة في كل ما يتعلق بها، وما يمسها من قريب أو من بعيد.
وهي عزيزة لا يُتصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها؛
فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها..

هذا هو الميزان. ميزان الله.
الميزان الذي توزن به القيم والاعتبارات، ويقدر به الناس والأوضاع..
وهذه هي الكلمة. كلمة الله. الكلمة التي ينتهي إليها كل قول، وكل حكم، وكل فصل.

وأين هذا ..؟
ومتى ..؟
في مكة، والدعوة مطاردة، والمسلمون قلة.
والتصدي للكبراء لا ينبعث من مصلحة ذاتية؛
والانشغال عن الأعمى الفقير لا ينبعث من اعتبار شخصي.
إنما هي الدعوة أولاً وأخيراً.

ولكن الدعوة إنما هي هذا الميزان،
وإنما هي هذه القيم، وقد جاءت لتقرر هذا الميزان وهذه القيم في حياة البشر.
فهي لا تعز ولا تقوى ولا تنصر إلا بإقرار هذا الميزان وهذه القيم..

ثم إن الأمر كما تقدم أعظم وأشمل من هذا الحادث المفرد، ومن موضوعه المباشر.
إنما هو أن يتلقى الناس الموازين والقيم من السماء لا من الأرض،
ومن الاعتبارات السماوية لا من الاعتبارات الأرضية..
{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}
والأكرم عند الله هو الذي يستحق الرعاية والاهتمام والاحتفال،
ولو تجرد من كل المقومات والاعتبارات الأخرى، التي يتعارف عليها الناس
تحت ضغط واقعهم الأرضي ومواضعاتهم الأرضية.
النسب والقوة والمال.. وسائر القيم الأخرى، لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى.
والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا أنففت لحساب الإيمان والتقوى.

يتبع إن شاء الله تعالى

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 06-29-2019, 04:10 AM
أبو ذر الشمالي أبو ذر الشمالي غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 18,446
معدل تقييم المستوى: 10
أبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to behold
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

بارك الله بك على هذا الموضوع القيم وجعله في ميزان حسناتك
السلام عليكم

__________________
اللهم إني استودعتك المسلمين والمسلمات وأنت خير الحافظين
لا إله إلا الله العظيم الحليم
لا إله إلا الله رب العرش العظيم
لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم

http://shemalyat.blogspot.com/
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 06-29-2019, 10:07 PM
جوابي كافي جوابي كافي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 1
جوابي كافي is on a distinguished road
افتراضي رد: ( الحياة .. في ظلال القرآن )

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

وبكم بارك الله أستاذنا الفاضل
وجزاكم خيرا على كل ما تقومون به

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.