منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-13-2009, 04:29 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

والذي قال فيه وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مات أول يوم في الطاعون سبعون ألفاً، وفي الثاني نيف ... وفي سنة تسع عشرة وثلاث مائة كثر الموت، وكان يدفن في القبر الواحد جماعة. ... وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة وقع الوباء، وبلغ الرطل من التمر الهندي أربعة دنانير. ...... أما بان سكان فاملـح لـي ما كنت قبل البين أستحلي? ما ابيض لي في الدار ...




كتاب المدهش لابن الجوزي
من مشاهير كتب الإمام ابن الجوزي. يندرج في قائمة كتبه في الوعظ والإرشاد، ولكنه وعظ مرقق، وإرشاد منمق، مزجه بروائع شعر الزهد ، مما يرقى بالكتاب إلى مصاف كتب الأمالي والمجالس.
ويتألف الكتاب من خمسة أبواب. الأول: في علوم القرآن، ومن نوادره الفصل الذي عقده، لما ورد في القرآن من الألفاظ التي تتضمن أكثر من معنى. الثاني: في اللغة ونوادرها. الثالث: في الحديث والسيرة، وما يلزم من المعارف للتمييز بين الصحابة. الرابع: في ذكر عيون التاريخ، ذكر فيه عجائب الاتفاقات والصدف، وضمنه قوائم للطواعين والزلازل، من بدء الإسلام وحتى عصره.
نسخ وتنسيق وترتيب مكتبة مشكاة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم
رب عونك
قال شيخ الأمة وعلم الأئمة، ناصر السنة، نجم الإسلام جمال الدين زين الأنام، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن حمادي بن الجوزي رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي لا منتهى لعطاياه ومنحه، حمداً يقوم بالواجب من شكره ومدحه، وصلى الله على أشرف نبي وأنصحه، وعلى أصحابه وأزواجه ما استن طرف في مرحه.
أما بعد فإني قمت بحمد الله في علم الوعظ بأصحه وأملحه، وآثرت أن أنتقي في هذا الكتاب من ملحه، والله الموفق في كل عمل لأصلحه، وقد قسمته خمسة أبواب:
الباب الأول: في ذكر علوم القرآن العزيز.
الباب الثاني: في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها.
الباب الثالث: في علوم الحديث.
الباب الرابع: في عيون التواريخ.
الباب الخامس: في ذكر الوعظ. وهذا الباب مقسم، قسم يذكر فيه القصص، وقسم يذكر فيه المواعظ مطلقاً والله الموفق.
الباب الأول:
في علوم القرآن
فصل
في ذكر الخطاب بالقرآن
الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجهاً: 1- خطاب عام "خلقكم".
2- وخطاب خاص "أكفرتم".
3- وخطاب الجنس "يا أيها الناس".
4- وخطاب النوع "يا بني آدم".
5- وخطاب العين "يا آدم".
6- وخطاب المدح "يا أيها الذين آمنوا".
7- وخطاب الذم "يا أيها الذين كفروا".
8- وخطاب الكرامة "يا أيها النبي".
9- وخطاب التودد "يا بن أم إنَّ القوم".
10- وخطاب الجمع بلفظ الواحد "يا أيها الإنسان ما غرك".
11- وخطاب الواحد بلفظ الجمع "وإن عاقبتم".
12- وخطاب الواحد بلفظ الاثنين "ألقيا في جهنم" 13- وخطاب الاثنين بلفظ الواحد "فمن ربكما يا موسى".
14- وخطاب العين والمراد به الغير "فإن كنت في شك".
15- وخطاب التلو وهو ثلاثة أوجه: أحدها أن يخاطب ثم يخبر "حتى إذا كنتم في الفلك وجَرَيْنَ بهم". "وما أوتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون". "وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون".
والثاني: أن يخبر ثم يخاطب "فأما الذين اسودَّت وجوههم أكفرتم" "وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاءاً وكان سعيكم مشكوراً".
والثالث: أن يخاطب عيناً ثم يصرف الخطاب إلى الغير "إنَّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ليؤمنوا بالله ورسوله". وهذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو فإنهما قرءا بالياء



فصل
في ذكر أمثال القرآن
في القرآن ثلاثة وأربعون مثلاً: في البقرة: "كمثل الذي استوقد ناراً"، "أو كصيب"، "أن يضرب مثلاً ما بعوضة"، "ومثل الذين كفروا"، "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله"، "فمثله كمثل صفوان"، "ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله"، "أيود أحدكم"، "كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان". وفي آل عمران: "وكنتم على شفا حفرة من النار"، "مثل ما ينفقون". وفي الأنعام: "كالذي استهوته الشياطين". وفي الأعراف: "فمثله كمثل الكلب". وفي يونس: "إنما مثل الحياة الدنيا". وفي هود: "مثل الفريقين". وفي الرعد: "إلا كباسط كفيه إلى الماء"، "أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها"، "مثل الجنة". وفي إبراهيم: "مثل الذين كفروا بربهم"، "كيف ضرب الله مثلاً"، "ومثل كلمة خبيثة". وفي النحل: "ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً"، "وضرب الله مثلاً رجلين"، "وضرب الله مثلاً قرية". وفي الكهف: "واضرب لهم مثلاً رجلين"، "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا". وفي الحج: "فكأنما خرَّ من السماء"، "ضرب مثل". وفي النور: "مثل نوره"، "أعمالهم كسراب بقيعة". وفي العنكبوت: "مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت". وفي الروم: "ضرب لكم مثلاً من أنفسكم". وفي يس: "وضرب لنا مثلاً". وفي الزمر: "ضرب الله مثلاً رجلاً". وفي سورة محمد - صلى الله عليه وسلم -: "نظر المغشي عليه من الموت"، "مثل الجنة". وفي الفتح: "ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل". وفي الحشر: "كمثل الذي من قبلهم"، "كمثل الشيطان". وفي الجمعة: "مثل الذين حملوا التوراة". وفي التحريم: "ضرب الله مثلاً للذين كفروا"، "وضرب الله مثلاً للذين آمنوا".
وكم من كلمة تدور على الألسن مثلاً. جاء القرآن بألخص منها وأحسن، فمن ذلك قولهم: القتل أنفى للقتل، مذكور في قوله: "ولكم في القصاص حياة".
وقولهم: ليس المخبر كالمعاين، مذكور في قوله تعالى: "ولكن ليطمئن قلبي".
وقولهم: ما تزرع تحصد، مذكور في قوله تعالى: "من يعمل سوءاً يُجْزَ به".
وقولهم: للحيطان آذان، مذكور في قوله تعالى: "وفيكم سمَّاعون لهم".
وقولهم: الحمية رأس الدواء، مذكور في قوله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا".
وقولهم: احذر شر من أحسنت إليه، مذكور في قوله تعالى: "وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسولُه من فضله".
وقولهم: من جهل شيئاً عاداه، مذكور في قوله تعالى: "بل كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم".
وقولهم: خير الأمور أوساطها، مذكور في قوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط".
وقولهم: من أعان ظالماً سلطه الله عليه، مذكور في قوله تعالى: "كتب عليه أنه من تولاه فأنَّه يضله".
وقولهم: لما أنضج رمَّد، مذكور في قوله تعالى: "وأعطى قليلاً وأكدى".
وقولهم: لا تلد الحية إلا حية، مذكور في قوله تعالى: "ولا يلدوا إلا فاجراً كَفَّاراً".
فصل
في عيون المتشابه
فصل
في الحروف المبدلات
في البقرة: "فسواهن سبع سموات". وفي حم السجدة: "فقضاهن".
في البقرة: "وقلنا يا آدم اسكن". وفي الأعراف: "يا آدم اسكن".
وفي البقرة: "وظللنا عليكم الغمام". وفي الأعراف: "وظللنا عليهم الغمام".
في البقرة: "فانفجرت منه". وفي الأعراف: "فانبجست".
في البقرة: "بعد الذي جاءك من العلم". وفي الرعد: "بعدما جاءك من العلم".
في البقرة: "للطائفين والعاكفين". وفي الحجر: "والقائمين".
في البقرة: "وما أنزل إلينا". وفي آل عمران: "علينا".
في البقرة: "أو لو كان آباؤكم لا يعقلون شيئاً". وفي المائدة: "لا يعلمون".
في آل عمران: "لكيلا تحزنوا". وفي الحديد: "لكيلا تأسوا".
في سورة النساء: "وخلق منها زوجها". وفي الأعراف: "وجعل".
في سورة النساء: "إن تبدوا خيراً". وفي الأحزاب: "شيئاً".
في الأنعام: "من إملاق"، وفي بني إسرائيل: "خشية إملاق".
في الأعراف: "فأرسل معي بني إسرائيل"، وفي طه: "معنا".
في الأعراف: "وأرسل في المدائن حاشرين"، وفي الشعراء: "وابعث".
في الأعراف: "ثم لأصلبنكم"، وفي طه: "ولأصلبنكم".
في التوبة: "يريدون أن يطفئوا"، وفي الصف: "ليطفئوا".
في يونس: "فأتبعهم فرعون وجنوده"، وفي طه: "بجنوده".
في هود: "وأمطرنا عليهم"، وفي الحجر: "عليهم".
في الحجر: "وما يأتيهم من رسول"، وفي الزخرف: "من نبي".
في الحجر: "كذلك نسلكه"، وفي الشعراء: "سلكناه".
في الكهف: "ولئن رددت"، وفي حم السجدة: "ولئن رجعت".
في الكهف: "فأعرض عنها"، وفي السجدة: "ثم أعرض عنها".
في طه: "وسلك لكم فيها سبلاً"، وفي الزخرف: "وجعل لكم".
في الأنبياء: "وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين"، وفي الصافات: "فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين".
في الأنبياء: "وتقطعوا أمرهم بينهم"، وفي المؤمنون: "فتقطعوا".
في النمل: "ففزع من في السموات"، وفي الزمر: "فصعق".
في القصص: "وما أوتيتم"، وفي عسق: "فما أوتيتم".
في العنكبوت: "ولقد تركنا منها آية"، وفي القمر: "وقد تركناها آية".
في حم السجدة: "ثم كفرتم به"، وفي الأحقاف: "وكفرتم به".
في المدثر: "كلا إنه تذكرة"، وفي عبس: "كلا إنها تذكرة".
فصل
في الحروف الزوائد والنواقص
في البقرة: "فأتوا بسورة من مثله"، وفي يونس: "بسورة مثله".
في البقرة: "إلا إبليس أبى واستكبر"، وفي ص: "إلا إبليس استكبر".
في البقرة: "فمن تبع هداي"، وفي طه: "فمن اتبع".
في البقرة: "وإذ نجيناكم"، وفي الأعراف: "وإذ أنجيناكم".
في البقرة: "يذبحون أبناءكم"، وفي إبراهيم: "ويذبحون".
في البقرة: "حيث شئتم رغداً"، وفي الأعراف: "حيث شئتم".
في البقرة: "وسنزيد المحسنين"، وفي الأعراف: "سنزيد".
في البقرة: "فبدل الذي ظلموا قولاً"، وفي الأعراف: "منهم قولاً".
في البقرة: "وذي القربى"، وفي النساء: "وبذي القربى".
في البقرة: "وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون"، وفي آل عمران: "والنبيون".
في البقرة: "ويكون الدين لله"، وفي الأنفال: "كله لله".
في آل عمران: "من آمن تبغونها عوجاً"، وفي الأعراف: "من آمن به وتبغونها".
في آل عمران: "إلا بشرى لكم ولتطمئن"، وفي الأنفال: "إلا بشرى ولتطمئن به".
في سورة النساء: "فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً"، وفي بني إسرائيل: "فاحشةً وساء سبيلاً".
في الأنعام: "ما لم ينزل به عليكم سلطاناً"، وفي باقي القرآن: "ما لم ينزل به سلطاناً".
في الأنعام: "ولا أقول لكم إني ملك". وفي هود: "ولا أقول إني ملك".
في الأحزاب: "يريد أن يخرجكم من أرضكم"، وفي الشعراء: "بسحره".
في الأعراف: "وإنكم لمن المقربين"، وفي الشعراء: "وإنكم إذاً".
في الأعراف: "قال ابن أمّ"، وفي طه: "قال يا ابن أمّ".
في التوبة: "ولا تضروه"، وفي هود: "ولا تضرونه".
في هود: "ولما جاءت رسلنا"، وفي العنكبوت: "ولما أن جاءت رسلنا".
في يوسف: "ولما بلغ أشده آتيناه حكماً"، وفي القصص: "واستوى".
في النحل: "لكيلا يعلم بعد علم شيئاً"، وفي الحج: "من بعد علم".
في النحل: "وبنعمة الله هم يكفرون"، وفي العنكبوت: "وبنعمة الله يكفرون".
في النحل: "ولا تك في ضيق مما يمكرون"، وفي النمل: "ولا تكن".
في الحج: "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها"، وفي ألم السجدة: "أن يخرجوا منها أعيدوا فيها".
في الحج: "وإنما يدعون من دونه هو الباطل". وفي لقمان: "من دونه الباطل".
في الشعراء: "ما تعبدون"، وفي الصافات: "ماذا تعبدون".
في النمل: "ومن شكر"، وفي لقمان: "ومن يشكر".
في القصص: "ويقدر"، وفي العنكبوت: "ويقدر له".
في النازعات: "يوم يتذكر الإنسان"، وفي الفجر: "يومئذٍ يتذكر".
فصل
في المقدم والمؤخر
في البقرة: "وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة"، وفي الأعراف: "وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً".
في البقرة: "والنصارى والصابئين"، وفي الحج: "والصابئين والنصارى".
في البقرة والأنعام: "قل إن هدى الله هو الهدى"، وفي آل عمران: "قل إن الهدى هدي الله".
في البقرة: "ويكون الرسول عليكم شهيداً"، وفي الحج: "شهيداً عليكم".
في البقرة: "وما أهلَّ به لغير الله"، وفي باقي القرآن: "لغير الله به".
في البقرة: "لا يقدرون على شيء مما كسبوا"، وفي إبراهيم: "مما كسبوا على شيء".
في آل عمران: "ولتطمئن قلوبكم به"، وفي الأنفال: "به قلوبكم".
في سورة النساء: "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله"، وفي المائدة: "كونوا قوامين لله شهداء بالقسط".
في الأنعام: "لا إله إلا هو خالق كل شيء"، وفي حم المؤمن: "خالق كل شيء لا إله إلا هو".
في الأنعام: "نحن نرزقكم وإياهم"، وفي بني إسرائيل: "نحن نرزقهم وإياكم".
في النحل: "وترى الفلك مواخر فيه"، وفي فاطر: "فيه مواخر".
في بني إسرائيل: "ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن"، وفي الكهف: "في هذا القرآن للناس".
في بني إسرائيل: "قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم"، وفي العنكبوت: "بيني وبينكم شهيداً".
في المؤمنون: "لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل"، وفي النمل: "لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا".
في القصص: "وجاء رجل من أقصى المدينة"، وفي يس: "وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى.
أبواب منتخبة من الوجوه والنظائر
باب أو
تكون بمعنى التخييرة: "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"، "أو كسوتهم أو تحرير رقبة".
وتكون بمعنى الواو: "أو الحوايا أو ما اختلط بعظم"، "ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً".
وتكون بمعنى بل: "لبثت يوماً أو بعض يوم"، "إلا كلمح البصر أو هو أقرب"، "فكان قاب قوسين أو أدنى".
وتكون للإبهام: "أو كصيب"، "أو يزيدون".
باب أدنى
تكون بمعنى أجدر: "وأدنى ألاَّ ترتابوا"، "ذلك أدنى ألا تعولوا"، "ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة".
وتكون بمعنى أقرب: "من العذاب الأدنى"، "قاب قوسين أو أدنى".
وتكون بمعنى أقل: "ولا أدنى من ذلك ولا أكثر".
وتكون بمعنى دون: "أتستبدلون الذي هو أدنى".
باب الإنزال
تكون بمعنى الحط من علو: "ينزل الغيث".
وبمعنى الخلق: "أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق، وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج"، "وأنزلنا الحديد".
وتكون بمعنى القول: "سأنزل مثل ما أنزل الله".
وبمعنى البسط: "ولكن ينزل بقدر ما يشاء".
باب الأرض
الأرض تذكر ويراد بها أرض الأردن: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين".
ويراد بها القبر: "لو تسوى بهم الأرض".ويراد بها أرض مكة: "كنا مستضعفين في الأرض".
ويراد بها أرض المدينة: "ألم تكن أرض الله واسعة".
ويراد بها أرض الإسلام: "ويسعون في الأرض فساداً".
ويراد بها أرض التيه: "يتيهون في الأرض".
ويراد بها الأرضون السبع: "وما من دابة في الأرض".
ويراد بها أرض مصر: "اجعلني على خزائن الأرض".
ويراد بها أرض الحجر: "فذروها تأكل في أرض الله".
ويراد بها القلب: "فيمكث في الأرض".
ويراد بها أرض الغرب: "مفسدين في الأرض".
ويراد بها الجنة: "أن الأرض يرثها".
ويراد بها أرض الروم: "في أدنى الأرض".
ويراد بها أرض بني قريظة: "وأورثكم أرضهم".
ويراد بها أرض فارس: "وأرضاً لم تطئوها".
ويراد بها أرض القيامة: "وأشرقت الأرض".
باب الأمر
الأمر يذكر ويراد به قتل بني قريظة وجلاء النضير: "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره".
ويراد به النصر: "هل لنا من الأمر من شيء".
ويراد به استدعاء الفعل: "ويأمركم أن تؤدوا الأمانات".
ويراد به الخصب: "أو أمر من عنده".
ويراد به الذنب: "ليذوق وبال أمره".
ويراد به المشورة: "فماذا تأمرون".
ويراد به قتل كفار مكة: "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً".
ويراد به فتح مكة: "فتربصوا حتى يأتي الله بأمره".
ويراد به الحذر: "قد أخذنا أمرنا من قبل".
ويراد به القضاء: "يدبر الأمر".
ويراد به القول: "فلما جاء أمرنا".
ويراد به الغرق: "لا عاصم اليوم من أمر الله".
ويراد به العذاب: "وقضي الأمر".
ويراد به الشان: "وما أمر فرعون برشيد".
ويراد به القيامة: "أتى أمر الله".
باب الإنسان
الإنسان يذكر ويراد به أبو حذيفة بن عبد الله: "وإذا مس الإنسان الضر".
ويراد به عتبة بن ربيعة: "ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة".
ويراد به النضر بن الحارث: "ويدعو الإنسان بالشر".
ويراد به أبي بن خلف: "أوَلا يذكر الإنسان".
ويراد به آدم: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة".
ويراد به سعد بن أبي وقاص: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً".
ويراد به عياش بن أبي ربيعة: "ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك".
ويراد به أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً".
ويراد به عقبة بن أبي معيط: "وكان الشيطان للإنسان خذولاً".
ويراد به بنو آدم: "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم".
ويراد به برصيصا: "إذ قال للإنسان اكفر".
ويراد به الأخنس بن شريق: "إن الإنسان خلق هلوعاً".
ويراد به عدي بن أبي ربيعة: "أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه".
ويراد به أمية بن خلف: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه".
ويراد به الحارث بن عمرو: "لقد خلقنا الإنسان في كبد".
ويراد به الأسود بن عبد الأسد: "يا أيها الإنسان إنك كادح".
ويراد به كلدة بن أسيد: "يا أيها الإنسان ما غرك".
ويراد به الوليد بن المغيرة: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم".
ويراد به أبو طالب بن عبد المطلب: "فلينظر الإنسان مم خلق".
ويراد به عتبة بن أبي لهب: "فلينظر الإنسان إلى طعامه".
ويراد به قرط بن عبد الله: "إن الإنسان لربه لكنود".



ويراد به أبو جهل: "إن الإنسان لفي خسر".
ويراد به أبو لهب: "إن الانسان ليطغى" ويراد به الكافر: "وقال الإنسان ما لها".
باب الباء
الباء، وتكون بمعنى: "وإذ فرقنا بكم البحر".
وبمعنى عند: "والمستغفرين بالأسحار".
وبمعنى في: "بيدك الخير".
وبمعنى بعد: "فأثابكم غماً بغم".
وبمعنى على: "لو تسوى بهم الأرض".
وتكون صلة: "فامسحوا بوجوهكم".
وبمعنى المصاحبة: "وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به".
وبمعنى إلى: "ما سبقكم بها".
وبمعنى السبب: "الذي هم به مشركون"، أي من أجله.
وبمعنى عن: "فاسأل به خبيراً".
وبمعنى مع: "فتولى بركنه"، أي مع جنده.
وبمعنى من: "عيناً يشرب بها عباد الله".
باب الحق
الحق يأتي بمعنى الجرم: "ويقتلون النبيين بغير الحق".
وبمعنى البيان: "الآن جئت بالحق".
وبمعنى المال: "وليملل الذي عليه الحق".
وبمعنى القرآن: "بل كذبوا بالحق".
وبمعنى الصدق: "قوله الحق".
وبمعنى العدل: "وبين قومنا بالحق".
وبمعنى الإسلام: "فيحق الحق".
وبمعنى المنجز: "وعداً علينا حقاً".
وبمعنى الحاجة: "ما لنا في بناتك من حق".
وبمعنى لا إله إلا الله: "له دعوة الحق".
ويراد به الله عز وجل: "ولو اتبع الحق أهوائهم".
وبمعنى التوحيد: "وأكثرهم للحق كارهون".
وبمعنى الحظ: "والذين في أموالهم حق معلوم".
باب الخير
الخير يذكر ويراد به القرآن: "أن ينزل عليكم من خير من ربكم".
ويراد به الأنفع: "نأت بخير منها".
ويراد به المال: "إن ترك خيراً".
ويراد به ضد للشر: "بيدك الخير".
ويراد به الإصلاح: "يدعون إلى الخير".
ويراد به الولد الصالح: "ويجعل الله فيه خيراً كثيراً".
ويراد به العافية: "وإن يمسسك الله بخير".
ويكون بمعنى النافع: "لاستكثرت من الخير".
وبمعنى الإيمان: "ولو علم الله فيهم خيراً".
وبمعنى رخص الأسعار: "إني أراكم بخير".
وبمعنى النوافل: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات".
وبمعنى الأجر: "لكم فيها خير".
وبمعنى الأفضل: "وأنت خير الراحمين".
وبمعنى العفة: "ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً".
وبمعنى الصلاح: "إن علمتم فيهم خيراً".
وبمعنى الطعام: "إني لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير".
وبمعنى الظفر: "لم ينالوا خيراً".
وبمعنى الخيل: "أحببت حب الخير".
وبمعنى القوة: "أهم خير".
وبمعنى حسن الأدب: "لكان خيراً لهم".
وبمعنى حب الدنيا: "إنه لحب الخير لشديد".
باب الدين
الدين: يذكر ويراد به الجزاء: "مالك يوم الدين".
ويراد به الإسلام: "بالهدى ودين الحق".
ويراد به العذاب: "ذلك الدين القيم".
ويراد به الطاعة: "ولا يدينون دين الحق".
ويراد به التوحيد: "مخلصين له الدين".
ويراد به الحكم: "ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك".
ويراد به الحد: "ولا تأخذكم بهم رأفة في دين الله".
ويراد به الحساب: "يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق".
ويراد به العبادة: "قل أتعلمون الله بدينكم".
ويراد به الملة: "ذلك دين القيمة".
باب الذكر
الذكر: يذكر ويراد به ذكر اللسان: "فاذكروا الله كذكركم آباءكم".
ويراد به الحفظ: "فاذكروا ما فيه".
ويراد به الطاعة: "فاذكروني".
ويراد به الصلوات الخمس: "فإذا أمنتم فاذكروا الله".
ويراد به ذكر القلب: "ذكروا الله فاستغفروا".
ويراد به البيان: "أوعجبتم أن جاءكم ذكر".
ويراد به الخير: "قل سأتلو عليكم منه ذكراً".
ويراد به التوحيد: "ومن أعرض عن ذكري".
ويراد به القرآن: "ما يأتيهم من ذكر".
ويراد به الشرف: "فيه ذكركم"، "وإنه لذكر لك".
ويراد به العيب: "أهذا الذي يذكر آلهتكم".
ويراد به صلاة العصر: "عن ذكر ربي".
ويراد به صلاة الجمعة: "فاسعوا إلى ذكر الله".
باب الروح
الروح: يذكر ويراد به الأمر: "وروح منه".
ويراد به جبريل: "فأرسلنا إليها روحنا".
ويراد به الريح: "فنفخنا فيها من روحنا".
ويراد به روح الحيوان: "ويسألونك عن الروح".
ويراد به الحياة: "فروح وريحان": على قراءة من ضم.
باب الصلاة
الصلاة: تذكر ويراد بها الصلوات الخمس: "يقيمون الصلاة".
ويراد بها صلاة العصر: "تحبسونهما من بعد الصلاة".
ويراد بها صلاة الجنازة: "ولا تصل على أحد منهم".
ويراد بها الدعاء: "وصل عليهم".
ويراد بها الدين: "أصلاتك تأمرك".
ويراد بها القراءة: "ولا تجهر بصلاتك".
ويراد بها موضع الصلاة: "وصلوات ومساجد".
ويراد بها المغفرة والاستغفار: "إن الله وملائكته يصلون على النبي"، فصلاة الله تعالى المغفرة، وصلاة الملائكة الاستغفار.
ويراد بها الجمعة: "إذا نودي للصلاة".
باب عن
ترد صلة: "يسألونك عن الأنفال".
وتكون بمعنى الباء: "بتاركي آلهتنا عن قولك".
وبمعنى من: "يقبل التوبة عن عباده".
وبمعنى على: "فإنما يبخل عن نفسه".
وبمعنى بعد: "لتركبن طبقاً عن طبق".
باب الفتنة
تذكر، ويراد بها الشرك: "حتى لا تكون فتنة".
ويراد بها القتل: "أن يفتنكم الذين كفروا".
ويراد بها المعذرة: "ثم لم تكن فتنتهم".
ويراد بها الضلال: "ومن يرد الله فتنته".
ويراد بها القضاء: "إن هي إلا فتنتك".
ويراد بها الإثم: "ألا في الفتنة سقطوا".
ويراد بها المرض: "يفتنون في كل عام".
ويراد بها العبرة: "تجعلنا فتنة".
ويراد بها العقوبة: "أن تصيبهم فتنة".
ويراد بها الاختيار: "ولقد فتنا الذين من قبلهم".
ويراد بها العذاب: "جعل فتنة الناس".
ويراد بها الإحراق: "يوم هم على النار يفتنون".
ويراد بها الجنون: "بأيكم المفتون".
باب في
تكون بمعنى الظرف: "لا ريب فيه".
وبمعنى نحو: "قد نرى تقلب وجهك في السماء".
وبمعنى الباء: "في ظلل".
وبمعنى إلى: "فتهاجروا فيها".
وبمعنى مع: "ادخلوا في أمم".
وبمعنى عند: "وإنا لنراك فينا ضعيفاً".
وبمعنى عن: "أتجادلونني في أسماء".
وبمعنى على: "في جذوع النخل".
وبمعنى اللام: "وجاهدوا في الله".
وبمعنى من: "يخرج الخبء في السماوات".
باب القرية
تذكر، ويراد بها أريحاء: "ادخلوا هذه القرية".
ويراد بها دير هرقل: "مر على قرية".
ويراد بها إيليا: "واسألهم عن القرية".
ويراد بها مصر: "واسأل القرية".
ويراد بها مكة: "قرية كانت آمنة".
ويراد بها مكة والطائف: "على رجل من القريتين عظيم".
ويراد بها جمع القرى: "وإن من قرية إلا نحن مهلوكها".
ويراد بها قرية لوط: "ولقد أتوا على القرية".
ويراد بها أنطاكية: "واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية".
باب كان
ترد بمعنى وجد: "ومن كان ذا عسرة".
وبمعنى الماضي: "كان حلا".
وبمعنى ينبغي: "ما كان لبشر".
وصلة: "وكان الله غفوراً رحيما"ً.
وبمعنى هو: "من كان في المهد صبياً".
وبمعنى صار: "فكانت هباءً منبثاً".
باب كلا
هي في القرآن على وجهين: أحدهما: بمعنى لا ومنه في مريم: "اتخذ عند الرحمن عهداً كلا"، "ليكونوا لهم عزاً كلا". وفي المؤمنين: "لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا"، وفي الشعراء: "فأخاف أن يقتلون كلا"، "إنا لمدركون قال كلا"، وفي سبأ: "ألحقتم به شركاء كلا". وفي سأل سائل: "ثم ننجيه كلا"، "أن يدخل جنة نعيم كلا". وفي المدثر: "أن أزيد كلا"، "أن يؤتى صحفاً منشرة كلا". وفي القيامة: "أين المفر كلا". وفي المطففين: "قال أساطير الأولين كلا". وفي الفجر: "فيقول رب أهانني كلا". وفي الهمزة: "أخلده كلا".
فهذه أربعة عشر موضعاً يحسن الوقوف عليها.
والثاني: بمعنى حقاً ومنه: في المدثر: "كلا والقمر"، "كلا إنه تذكرة". وفي القيامة: "كلا بل تحبون العاجلة"، "كلا إذا بلغت التراقي". وفي النبأ: "كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون". وفي عبس: "كلا إنها تذكرة"، "كلا لما يقض ما أمره". وفي الإنفطار: "كلا بل تكذبون بالدين". وفي المطففين: "كلا إن كتاب الفجار"، "كلا إنهم عن ربهم"، "كلا إن كتاب الأبرار". وفي الفجر: "كلا إذا دكت الأرض دكاً". وفي القلم: "كلا إن الإنسان ليطغى"، "كلا لئن لم ينته"، "كلا لا تطعه". وفي التكاثر: "كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون".
فهذه تسعة عشر موضعاً لا يحسن الوقف عليها. وجملة ما في القرآن ثلاثة وثلاثون موضعاً هي هذه: وليس في النصف الأول منها شيء وقال ثعلب: لا يوقف على كلا في جميع القرآن.
باب اللام
اللام في القرآن على ضربين: مكسورة ومفتوحة.
فالمفتوحة ترد بمعنى التوكيد: "إن إبراهيم لحليم".
وبمعنى القسم: "ليقولن ما يحبسه".
وزائدة: "ردف لكم".
والمكسورة ترد بمعنى الملك: "لله ما في السماوات".
وبمعنى أن: "ليطلعكم على الغيب".
وبمعنى إلى: "هدانا لهذا".
وبمعنى كي: "ليجزي الذين آمنوا".
وبمعنى على: "دعانا لجنبه".
وصلة: "إن كنتم للرؤيا تعبرون".
وبمعنى عند: "وخشعت الأصوات للرحمن".
وبمعنى الأمر: "ليستأذنكم".
وبمعنى العاقبة: "ليكون لهم عدواً".
وبمعنى في: "لأول الحشر".
وبمعنى السبب والعلة: "إنما نطعمكم لوجه الله".
باب لولا
وهي في القرآن على وجهين:
إحداهما: امتناع الشيء لوجود غيره، وهو ثلاثون موضعاً: في البقرة: "فلولا فضل الله عليكم ورحمته"، "ولولا دفع الله الناس". وفي سورة النساء: "ولولا فضل الله عليكم"، "ولولا فضل الله عليك". وفي الأنفال: "لولا كتاب من الله سبق". وفي يونس، وهود، وطه، وحم السجدة، وعسق: "ولولا كلمة سبقت". وفي يوسف: "ولولا دفع الله". وفي النور: "ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم"، "ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم"، "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى". وفي الفرقان: "لولا أن صبرنا عليها"، "لولا دعاؤكم". وفي القصص: "لولا أن ربطنا"، "ولولا أن تصيبهم مصيبة"، "لولا أن من الله علينا". وفي العنكبوت: "لولا أجل مسمى". وفي سبأ: "لولا أنتم". وفي الصافات: "ولولا نعمة ربي"، "فلولا أنه كان من المسبحين". وفي عسق: "ولولا كلمة الفصل". وفي الزخرف: "ولولا أن يكون الناس". وفي الفتح: "ولولا رجال مؤمنون". وفي الحشر: "ولولا أن كتب عليهم الجلاء". وفي ن: "لولا أن تداركه".
والوجه الثاني: بمعنى هلا، وهو أربعون موضعاً: في البقرة: "لولا أن يكلمنا الله". وفي النساء: "لولا أخرتنا". وفي المائدة: "لولا ينهاهم الربانيون". وفي الأنعام: "لولا أنزل عليه ملك"، "لولا أنزل عليه آية"، "فلولا جاءهم بأسنا". وفي الأعراف: "لولا اجتبيتها". وفي يونس: "ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه". وفي الكهف: "لولا يأتون عليهم"، "ولولا أرسلت إلينا رسولاً". وفي النور: "لولا إذ سمعتموه قلتم". وفي الفرقان: "لولا أنزل عليه ملك"، "لولا أنزل علينا الملائكة"، "لولا أنزل عليه القرآن جملة". وفي النمل: "لولا تستغفرون الله". وفي القصص: "لولا أرسلت"، "لولا أوتي". وفي العنكبوت: "لولا أنزل عليه آيات من ربه". وفي سجدة المؤمن: "لولا فصلت آياته". وفي الزخرف: "لولا نزل هذا القرآن"، "فلولا ألقي عليه أسورة". وفي الأحقاف: "فلولا نصرهم الذين اتخذوا". وفي سورة محمد: "لولا نزلت سورة". وفي الواقعة: "فلولا تصدقون"، "فلولا تذكرون"، "فلولا تشكرون"، "فلولا إذا بلغت الحلقوم"، "فلولا إن كنتم". وفي المجادلة: "لولا يعذبنا الله". وفي المنافقين: "لولا أخرتني". وفي ن: "لولا تسبحون".
باب من
تكون صلة: "من قبل أن تمسوهن".
وبمعنى التبعيض: "من طيبات ما كسبتم".
وبمعنى عن: "فتحسسوا من يوسف".
وبمعنى الباء: "يحفظونه من أمر الله".
ولبيان الجنس: "من أساور".
وبمعنى على: "ونصرناه من القوم".
وبمعنى في: "ماذا خلقوا من الأرض".
باب الواو
قال ابن فارس: لا تكون الواو زائدة أولا، وقد تزاد ثانية، نحو: كوثر. وثالثة، نحو جدول. ورابعة: نحو قرنوة. وهو نبت يدبغ به الأديم. وخامسة: نحو قمحدوة.
والواو في القرآن، تكون بمعنى إذ: "وطائفة قد أهمتهم أنفسهم". وبمعنى الجمع: "وأيديكم". وبمعنى القسم: "والله ربنا". وتكون مضمرة: "لتحملهم قلت": المعنى آتوك وقلت، وصلة "إلا ولها كتاب معلوم". وبمعنى العطف. "أو آباؤنا".
باب الهدى
يكون بمعنى الثبات: "اهدنا الصراط المستقيم".
وبمعنى البيان: "على هدى من ربهم".
وبمعنى الرسول: "فإما يأتينكم مني هدى".
وبمعنى السنة: "فبهداهم اقتده".
وبمعنى الإصلاح: "لا يهدي كيد الخائنين".
وبمعنى الدعاء: "ولكل قوم هاد".
وبمعنى القرآن: "إذ جاءهم الهدى".
وبمعنى الإيمان: "وزدناهم هدى".
وبمعنى الإلهام: "ثم هدى".
وبمعنى التوحيد: "أن نتبع الهدى".
وبمعنى التوراة: "ولقد آتينا موسى الهدى".
الباب الثاني:
في اللغة
فصل
في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها
لما كانت اللغة تنقسم قسمين: أحدهما: الظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا يحتمل غير ظاهره.
والثاني: المشتمل على الكنايات والإشارات والتجوزات، وكان هذا القسم هو المستحلى عند العرب.
نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي القسمين شئتم، ولو نزل كله واضحاً لقالوا: هلا نزل بالقسم المستحلى عندنا، ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية أو استعارة أو تعريض أو تشبيه كان أحلى واحسن.
قال امرؤ القيس:
وما ذرفت عيناكِ إلا لتقدحـي بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل
فشبه المنظر بالسهم فحلي هذا عند السامع.
وقال أيضاً:
فقلت له لما تخطى يجوزه وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فجعل الليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه، وقال الآخر:
من كميت أجادها طابخاهـا لم تمت كل موتها في القدور
أراد بالطابخين الليل والنهار.
فنزل القرآن على عادة العرب في كلامهم.
فمن عادتهم التجوز، وفي القرآن: "فما ربحت تجارتهم"، "يريد أن ينقض".
ومن عاداتهم الكناية، "ولكن لا تواعدوهن سراً"، "أو جاء أحد منكم من الغائط".
وقد يكون عن شيء ولم يجر له ذكر: "حتى توارت بالحجاب".
وقد يصلون الكناية بالشيء وهي لغيره: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين".
ومن عاداتهم الاستعارة: "في كل واد يهيمون"، "فما بكت عليهم السماء والأرض".
ومن عاداتهم الحذف: "الحج أشهر معلومات"، "واضرب بعصاك الحجر فانفلق"، "واسأل القرية".
ومن عاداتهم زيادة الكلمة: "فاضربوا فوق الأعناق". ويزيدون الحرف: "تنبت بالدهن". ويقدمون ويؤخرون: "ولم يجعل له عوجاً قيماً". ويذكرون عاماً ويريدون به الخاص: "الذين قال لهم الناس"، يريد نعيم بن مسعود. وخاصاً يريدون به العام: "يا أيها النبي اتق الله". وواحداً يريدون به الجمع: "هؤلاء ضيفي"، "ثم يخرجكم طفلاً". وجمعاً يريدون به الواحد: "إن نعفُ عن طائفة منكم نعذب طائفة". وينسبون الفعل إلى اثنين وهو لأحدهما: "نسيا حوتهما"، "يخرج منهما اللؤلؤ"، وينسبون الفعل إلى أحد اثنين وهو لهما: "والله ورسوله أحق أن يرضوه"، "انفضوا إليها". وينسبون الفعل إلى جماعة وهو لواحد: "وإذ قتلتم نفساً". ويأتون بالفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل: "أتى أمر الله". ويأتون بلفظ المستقبل وهو ماض: "فلم تقتلون أنبياء الله". ويأتون بلفظ فاعل في معنى مفعول: "لا عاصم اليوم"، "من ماء دافق"، "في عيشة راضية". ويأتون بلفظ مفعول بمعنى فاعل: "وكان وعده مأتياً"، "حجاباً مستوراً"، "يا موسى مسحوراً". ويضمرون الأشياء: "وما منا إلا له مقام معلوم": أي من له. ويضمرون الأفعال فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ويضمرون الحروف: "سنعيدها سيرتها".
ومن عاداتهم: تكرير الكلام، وفي القرآن: "فبأي آلاء ربكما تكذبان". وقد يريدون تكرير الكلمة ويكرهون إعادة اللفظ فيغيرون بعض الحروف، وذلك يسمى الاتباع، فيقولون: أسوان أتوان: أي حزين، وشيء تافه نافه، وإنه لثقف لقف، وجايع نايع، وجلّ وبلّ، وحياك الله وبياك، وحقير نقير، وعين جدرة بدرة: أي عظيمة، ونضر مضر، وسمج لمج، وسيغ ليغ، وشكس لكس، وشيطان ليطان، وترقوا شذر مذر، وشغر بغر، ويوم عك لك: إذا كان حاراً، وعطشان نطشان، وعفريت نفريت، وكثير بثير، وكز ولز وكن أن، وحار جار يار، وقبيح لقيح شقيح، وثقة تقة نقة، وهو أشق أمق حبق: للطويل، وحسن بسن قسن، وفعلت ذلك على رغمه ودغمه وشغمه، ومررت بهم أجمعين أكتعين أبصعين.
فصل
وقد تأتي بكلمة إلى جانب كلمة كأنها معها وهي غير متصلة بها، في القرآن: "يريد أن يُخرجكم من أرضكم"، هذا قول الملأ فقال فرعون: "فماذا تأمرون"، ومثله: "أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين"، فقال يوسف: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب". ومثله: "إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة"، انتهى قول بلقيس، فقال الله عز وجل: "وكذلك يفعلون". ومثله: "من بعثنا من مرقدنا". انتهى قول الكفار، فقالت الملائكة: "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون".
فصل
وقد تجمع العرب شيئين في كلام فيرد كل واحد منهما إلى ما يليق به، وفي القرآن: "حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب". والمعنى يقول المؤمنون "متى نصر الله"، فيقول الرسول: "ألا إن نصر الله قريب". ومثله: "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله". فالسكون بالليل وابتغاء الفضل بالنهار. ومثله: "وتعزروه وتوقروه وتسبحوه"، فالتعزير والتوقير للرسول والتسبيح لله عز وجل.
فصل
وقد يحتاج بعض الكلام إلى بيان، فيبينونه متصلاً بكلام تارة، ومنفصلاً أخرى. وجاء القرآن على ذلك.
فمن المتصل بيانه: "يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات". وأما المنفصل: فتارة يكون في السورة، كقوله في براءة: "قد نبأنا الله من أخباركم" بيانه فيها عند قوله: "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً".
وتارة يكون في غير السورة كقوله في البقرة: "وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم"، بيانه في المائدة: "لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم". وفي سورة النساء: "يخادعون الله وهو خادعهم"، بيانه في الحديد: "قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نوراً". وفي الأعراف: "وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين"، بيانه في تبارك: "قد جاءنا نذير فكذبنا". وفي الأعراف: "أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب". بيان النصيب في الزمر: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة". وفي الأعراف: "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا". بيانها في القصص: "ونريد أن نمن". وفي براءة: "إلا عن موعدة وعدها إياه"، بيانها في مريم: "سأستغفر لك ربي". وفي يونس: "وتذكيري بآيات الله"، بيانها في نوح: "ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً". وفي يونس: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، بيانه في حم السجدة: "تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا". وفي إبراهيم: "أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال"، بيانه في النحل: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى". وفي إبراهيم: "وتبيَّن لكم كيف فعلنا بهم"، بيانه في العنكبوت: "فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة". وفي النحل: "وعلى الذين هادوا حرَّمنا ما قصصنا عليك من قبل"، بيانه في الأنعام: "حرمنا كلَّ ذي ظفر". وفي بني إسرائيل: "ويدعو الإنسان بالشر"، بيانه في الأنفال: "فأمطر علينا حجارة من السماء". وفي بني إسرائيل: "لأحتنكنَّ ذريته إلا قليلاً"، بيانه في الحجر: "إلا عبادك منهم المخلصين". وفي مريم: "ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين"، بيانه في بني إسرائيل: "واستفزز من استطعت منهم". وفي طه: "فقولا له قولاً ليِّناً"، بيانه في النازعات: "هل لك إلى أن تزكَّى". وفي طه: "ولم ترقُبْ قولي"، بيانه في الأعراف: "اخلُفْني في قومي". وفي النمل: "فإذا هم فريقان يختصمون"، بيان خصومتهم في الأعراف: "إن صالحاً مرسلٌ من ربه". وفي الأحزاب: "هذا ما وعدنا الله ورسوله"، بيان الوعد في آل عمران: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم. وفي الصافات: "ولقد نادانا نوح"، بيانه في القمر: "إني مغلوب فانتصر". وفي الصافات: "فحقَّ علينا قول ربنا"، بيانه في ص: "لأملئنَّ جهنم". وفي الصافات: "ولقد سبقت كلمتنا"، بيانه في المجادلة: "لأغلبن أنا ورسلي". وفي المؤمن: "أمَتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"، بيانه في البقرة: "وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم". وفي المؤمن: "يوم التنادي"، بيانه في الأعراف: "ونادى أصحاب الجنة"، "ونادى أصحاب النار". وفي المجادلة: "فيحلفون له كما يحلفون لكم"، بيانه في الأنعام: "واللهِ ربنا ما كنا مشركين". وفي ن: "إذ نادى وهو مكظوم"، بيانه في الأنبياء: "أن لا إله إلا أنت".





..

__________________
أفضل الصدقة إصلاح ذات البين ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة قالوا بلى قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة تحلق الدين
فاستحق صاحب هذا الوصف وهذ الخلق ان يكون صاحب افضل صدقة واعظم درجة من الصيام والصلاة
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-13-2009, 04:39 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره


وقد تذكر العرب جواب الكلام مقارناً له، وقد تذكره بعيداً عنه وعلى هذا ورد القرآن.
فأما المقارن من الجواب فقوله: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس"، "يسألونك ماذا ينفقون قل العفو".
وأما البعيد فتارة يكون في السورة، كقوله في الفرقان: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق"، جوابه فيها: "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاَّ أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق".
وتارة يكون في غير السورة، كقوله تعالى في الأنفال: "لو نشاء لقلنا مثل هذا"، جوابه في بني إسرائيل: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله". وفي الرعد: "ويقول الذين كفروا لست مرسلاً"، جوابه في يس: "إنك لمن المرسلين". في الحجر: "إنك لمجنون"، جوابه في ن: "ما أنت بنعمة ربك بمجنون". في بني إسرائيل: "أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً"، جوابه في سبأ: "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء". في الفرقان: "قالوا وما الرحمن"، جوابه: "الرحمن علم القرآن". في ص: "واصبروا على آلهتكم"، جوابه في حم السجدة: "فإن يصبروا فالنار مثوى لهم". في المؤمن: "وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، جوابه في هود: "وما أمر فرعون برشيد". في الزخرف: "لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم". جوابه في القصص: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة". في الدخان: "ربنا اكشف عنا العذاب"، جوابه في المؤمنين: "ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر". في القمر: "أم يقولون نحن جميع منتصر". جوابه في الصافات: "ما لكم لا تناصرون". في الطور: "أم يقولون تقوَّلَه"، جوابه في الحاقة: "ولو تَقَوَّل علينا بعض الأقاويل".
فصل
واعلم أن لغة العرب واسعة ولهم التصرف الكثير فتراهم يتصرفون في اللفظة الواحدة بالحركات، فيجعلون لكل حركة معنى كالحمل والحمل والروح والروح.
وتارة بإعجام كالنضح والنضخ، والقبضة والقبصة، والمضمضة والمصمصة.
وتارة يقلبون حرفاً من كلمة ولا يتغير عندهم معناها، كقولهم: صاعقة وصاقعة، وجبذ وجذب، وما أطيبه وأيطبه، وربض ورضب، وانبض في القوس وانضب، ولعمري ورعملي، واضمحل وامضحل، وعميق ومعيق، وسبسب وبسبس، ولبكت الشيء وبلكته، وأسير مكلب ومكبل، وسحاب مكفهر ومكرهف، وناقة ضمرز وضرزم: إذا كانت مسنة، وطريق طامس وطاسم، قفا الأثر وقاف الأثر، وقاع البعير الناقة وقعاها، وقوس عطل وعلط: لا وتر عليها، وجارية قتين وقنيت: قليلة الدر، وشرخ الشباب وشخره: أوله، ولحم خنز وخزن، وعاث يعيث وعثى يعثى: إذا أفسد، وتنح عن لقم الطريق ولمق الطريق، وبطيخ وطبيخ، وماء سلسال ولسلاس، ومسلسل وملسلس إذا كان صافياً. ودقم فاه بالحجر دمقه: إذا ضربه، وفثأت القدر وثفأتها: إذا سكنت غليانها، وكبكبت الشيء وبكبكته: إذا طرحت بعضه على بعض.
فصل
ومن سعة اللغة وحسن تصرفها، أن العرب تضع للشيء الواحد أسماءً من غير تغير يعتريه.
فيقولون السيف والمهند والصارم.
ويغيرون الاسم بتغيير يعتري فيقولون لمن نزل بالركي يملأ الدلو مايح، وللمستقي من أعلاها ماتح، فالتاء المعجمة من فوق لمن فوق، والياء المعجمة من تحت لمن تحت.
وتضع العرب للشيء الواحد أسماء تختلف باختلاف محاله فيقولون لمن انحسر الشعر من جانبي جبهته أنزع، فإذا زاد قليلاً قالوا: أجلح، فإذا بلغ الانحسار نصف رأسه قالوا: أجلى وأجله، فإذا زاد قالوا: أصلع، فإذا ذهب الشعر كله قالوا: أحص، والصلع عندهم ذهاب الشعر، والقرع ذهاب البشرة. ويقولون شفة الإنسان، ويسمونها من ذوات الخف: المشفر ويسمونها من ذوات الظلف: المقمة، ومن ذوات الحافر: الجحفلة، ومن السباع: الخطم، ومن ذوات الجناح غير الصايد: المنقار، ومن الصايد: المنسر، ومن الخنزير: الفنطسة.
ويقولون صدر الإنسان، ويسمونه من البعير الكركرة، ومن الأسد الزور، ومن الشاة القص، ومن الطائر: الجؤجؤ، ومن الجرادة: الجوشن.
والثدي للمرأة وللرجل: ثندؤة، وهو من ذوات الخف: الخلف، ومن ذوات الظلف: الضرع، ومن ذوات الحافر والسباع: الطبي.
والظفر للإنسان وهو من ذوات الخف: المنسم، ومن ذوات الظلف: الظلف، ومن ذوات الحافر: الحافر، ومن السباع والصائد من الطير: المخلب، ومن الطير غير الصائد والكلاب ونحوها: البرثن، ويجوز البرثن في السباع كلها.
والمعدة للإنسان بمنزلة الكرش للأنعام، والحوصلة للطائر.
?فصل
وتفرق العرب في الشهوات.
فيقولون جائع في الخبز، قرم إلى اللحم، عطشان إلى الماء، عيمان إلى اللبن، قرد إلى التمر، جعم إلى الفاكهة، شبق إلى النكاح.
ويقولون البيض للطائر، والمكن للضباب، والمازن للنمل، والسرو للجراد، والصؤاب للقمل.
ويفرقون في المنازل فإن كان من مدر، قالوا: بيت، وإن كان من وبر، قالوا: بجاد. وإن كان من صوف، قالوا: خباء. وإن كان من الشعر، قالوا: فسطاط. وإن كان من غزل، قالوا: خيمة. وإن كان من جلود، قالوا: قشع.
ويفرقون في الأوطان فيقولون: وطن الإنسان، وعطن البعير، وعرين الأسد، ووجار الذئب والضبع، وكناس الظبي، وعش الطائر، وقرية النمل، وكور الزنابير، ونافقاء اليربوع.
ويقولون لما يضعه الطائر على الشجر: وكر، فإن كان على جبل أو جدار فهو: وكن، وإذا كان في كن فهو: عش، وإذا كان على وجه الأرض فهو: أفحوص، والأدحى للنعام خاصة.
ويقولون عدا الإنسان، وأحضر الفرس، وأرقل البعير، وعسل الذئب، ومزع الظبي وزف النعام.
ويقولون طفر الإنسان، وضبر الفرس، ووثب البعير، وقفز العصفور، وطمر البرغوث.
ويفرقون في أسماء الأولاد فيقولون لولد كل سبع: جرو، ولولد كل ذي ريش: فرخ، ولولد كل وحشية: طفل، ولولد الفرس: مهر وفلو، ولولد الحمار: جحش وعفو، ولولد البقرة: عجل، ولولد الأسد: شبل، ولولد الظبية: خشف، ولولد الفيل: دغفل، ولولد الناقة: حوار، ولولد الثعلب: هجرس، ولولد الضب: حسل، ولولد الأرنب: خرنق، ولولد النعام: رأل، ولولد الدب: ديسم، ولولد الخنزير: خنوص. ولولد اليربوع والفأرة: درص، ولولد الحية: حريش.
ويفرقون في الضرب فيقولون: للضرب بالراح على مقدم الرأس: صقع، وعلى القفا: صفع، وعلى الوجه: صك، وعلى الخد ببسط الكف: لطم، وبقبضها: لكم، وبكلتا اليدين: لدم، وعلى الذقن والحنك: وهز، وعلى الجنب: وخز، وعلى الصدر والبطن بالكف: وكز، وبالركبة: زبن، وبالرجل: ركل، وكل ضارب بمؤخره من الحشرات كلها كالعقارب: تلسع، وكل ضارب منها بفيه: يلدغ. ويفرقون في الكشف عن الشيء من البدن، فيقولون: حسر عن رأسه، وسفر عن وجهه، وأفتر عن نابه، وكشر عن أسنانه، وأبدى عن ذراعيه، وكشف عن ساقيه، وهتك عن عورته.
ويفرقون في الجماعات فيقولون: موكب من الفرسان، وكبكبة من الرجال، وجوقة من الغلمان، ولمة من النساء، ورعيل من الخيل، وصرمة من الإبل، وقطيع من الغنم، وسرب من الظباء، وعرجلة من السباع، وعصابة من الطير، ورجل من الجراد، وخشرم من النحل.
ويفرقون في الامتلاء فيقولون: بحر طام، ونهر طافح، وعين ثرة، وإناء مفعم، ومجلس غاص بأهله.
ويفرقون في اسم الشيء اللين فيقولون: ثوب لين، ورمح لدن، ولحم رخص، وريح رخاء، وفراش وثير، وأرض دمثة.
ويفرقون في تغير الطعام وغيره فيقولون: أروح اللحم، وأسن الماء، وخنز الطعام، وسنخ السمن، وزنخ الدهن، وقنم الجوز، ودخن الشراب، وصدئ الحديد، ونغل الأديم.
ويقولون يدي من اللحم غمرة، ومن الشحم زهمة، ومن البيض زهكة، ومن الحديد سهكة، ومن السمك صمرة، ومن اللبن والزبد شترة، ومن الثريد مرة، ومن الزيت قنمة، ومن الدهن زنخة، ومن الخل خمطة، ومن العمل لزقة، ومن الفاكهة لزجة، ومن الزعفران ردغة، ومن الطين ودغة، ومن العجين ودخة، ومن الطيب عبقة، ومن الدم ضرجة وسطلة وسلطة، ومن الوحل لثقة، ومن الماء بللة، ومن الحمأة ثئطة، ومن البرد صردة، ومن الأسنان قضضة، ومن المداد وجدة، ومن البزر والنفط نمشة ونثمة، ومن البول قتمة، ومن العذرة طفسة، ومن الوسخ درنة، ومن العمل مجلة.
ويفرقون في الوسخ فإذا كان في العين قالوا: رمص، فإذا جف قالوا: غمص، فإذا كان في الأسنان قالوا: حفر، فإذا كان في الأذن فهو: أف، وإذا كان في الأظفار فهو: تف، وإذا كان في الرأس قالوا: حزاز، وهو في باقي البدن: درن.
ويقولون في الرياح فإذا وقعت الريح بين ريحين فهي: نكباء، فإذا وقعت بين الجنوب والصبا فهي: الجريباء، فإذا هبت من جهات مختلفة فهي: المتناوحة، فإذا جاءت بنفس ضعيف فهي: النسيم، فإذا كانت شديدة فهي: العاصف، فإذا قويت حتى قلعت الخيام فهي: الهجوم، فإذا حركت الأشجار تحريكاً شديداً وقلعتها فهي: الزعزع، فإذا جاءت بالحصباء فهي: الحاصب، فإذا هبت من الأرض كالعمود نحو السماء فهي: الإعصار، فإذا جاءت بالغبرة فهي: الهبوة، فإذا كانت باردة فهي: الحرجف والصرصر، فإذا كان مع بردها ندى فهي: البليل، فإذا كانت حارة فهي السموم، فإذا لم تلقح ولم تحمل مطراً فهي: العقيم.
ويفرقون في المطر: فأوله رش، ثم طش، ثم طل، ورذاذ، ثم نضخ، ثم هضل، وتهتان، ثم وابل وجود، فإذا أحيى الأرض بعد موتها فهي: الحياء، فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة فهو: الغيث، وإن كان صغار القطر فهو: القطقط، فإذا دام مع سكون فهو: الديمة، فإذا كان عاماً فهو: الجداء، وإذا روى كل شيء فهو: الجود، فإذا كان كثير القطر فهو: الهطل والتهتان، فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع فهو: الوبل.
ويقولون هجهجت بالسبع، وشايعت بالإبل، ونعقت بالغنم، وسأسأت بالحمار، وهأهأت بالإبل: إذا دعوتها للعلف، وجأجأت بها: إذا دعوتها للشرب، وأشليت الكلب: دعوته، وأسدته أرسلته.
ويفرقون في الأصوات: فيقولون: رغا البعير، وجرجر، وهدر وقبقب، وأطت الناقة، وصهل الفرس، وحمحم، ونهم الفيل، ونهق الحمار، وسحل. وشحج البغل، وخارت البقرة وجأرت، وثاجت النعجة، وثغت الشاة ويعرت، وبغم الظبي ونزب، ووعوع الذئب، وضبح الثعلب، وضغت الأرنب، وعوى الكلب ونبح، وصأت السنونو، وضأت الفأرة، وفحت الأفعى، ونعق الغراب ونعب، وزقا الديك وسقع، وصفر النسر، وهدر الحمام وهدل، وغرد المكاء، وقبع الخنزير، ونقت العقرب، وأنقضت الضفادع ونقّت أيضاً، وعزفت الجن.
فصل
وتقول العرب في الأمر: وهن، وفي الثوب: وهى، وفي الحساب: غلت، وفي غيره: غلط، ومن الطعام: بشم، ومن الماء: بغر، وحلا الشيء في فمي، وحلى في عيني.
فصل
المراهق من الغلمان بمنزلة المعصر من الجواري، والحزور من الصبيان بمنزلة الكاعب، والكهل من الرجال بمنزلة النصف من النساء، والقارح من الخيل بمنزلة البازل من الإبل، والعجل من البقر، والشادن من الظباء كالناهض من الفراخ، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبعير بمنزلة الإنسان، والغرز للجمل، كالركاب للفرس، والغدة للبعير كالطاعون للإنسان، والهالة من القمر كالدارة من الشمس، والبصيرة في القلب كالبصر في العين، والأسباط في بني إسحق، كالقبائل في بني إسماعيل، وأرداف الملوك في الجاهلية، كالوزراء في الإسلام، والأقيال لحمير كالبطارق للروم والقواد للعرب.
فصل
وللعرب خاص وعام.
فالبغض عام، والفرك بين الزوجين خاص، والنظر إلى الأشياء عام، والشيم إلى البرق خاص، الصراخ عام، والواعية على الميت خاص، الذنب للحيوان والبهائم عام، والذنابي للفرس خاص. السير عام، والسري بالليل خاص. الهرب عام، والاباق للعبيد خاص. الرائحة عام، والقتار للشواء خاص.
فصل
ومن جملة المسلم للعرب: أنهم لا يقولون مائدة إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهي: خوان. ولا للعظم عرق إلا ما دام عليه لحم، ولا كأس إلا إذا كان فيه شراب، وإلا فهي: زجاجة، ولا كوز إلا إذا كانت له عروة، وإلا فهو كوب، ولا رضاب إلا إذا كان في الفم، وإلا فهو: بصاق، ولا أريكة إلا للسرير إذا كان عليه قبة. فإن لم يكن عليه قبة فهو: سرير. ولا ربطة إلا إذا كانت لفقتين، وإلا فهي: ملاءة، ولا خدر إلا إذا كان فيه امرأة، وإلا فهو: ستر. ولا للمرأة ظعينة إلا إذا كانت في الهودج، ولا قلم إلا إذا كان مبرياً، وإلا فهو: أنبوب. ولا عهن إلا إذا كان مصبوغاً، وإلا فهو: صوف. ولا وقود إلا إذا اتقدت فيه النار، وإلا فهو: حطب. ولا ركية إلا إذا كان فيه ماء، وإلا فهي: بئر. ولا للإبل رأوية إلا ما دام عليها الماء، ولا للدلو سجل إلا ما دام فيها الماء، ولا ذنوب إلا ما دامت ملأى، ولا نفق إلا إذا كان له منفذ وإلا فهو: سرب. ولا سرير نعش إلا ما دام عليه الميت. ولا للخاتم خاتم إلا إذا كان عليه فص. ولا رمح إلا إذا كان له زوج وسنان، وإلا فهو: أنبوب وقناة. ولا لطيعة إلا للإبل التي تحمل الطيب والبز خاصة. ولا حمولة إلا للتي تحمل الأمتعة خاصة. ولا بدنة إلا للتي تجعل للنحر. ولا ركب إلا لركبان الإبل. ولا هضبة، إلا إذا كانت حمراء. ولا يقال غيث، إلا إذا جاء في إبانه، وإلا فهو: مطر. ولا يقال عش، حتى يكون عيداناً مجموعة، فإذا كان نقباً في جبل أو حائط فهو: وكر ووكن.
?الباب الثالث:
في علوم الحديث
فصل
في ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم
ذكر نسبه
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن الهميسع بن النبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن سارغ بن أرغوة بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يزد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم.
وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
ذكر أسمائه
هو محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، والمقفي، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملاحم، والشاهد، والبشير، والنذير، والضحوك، والقتال، والمتوكل، والفاتح، والخاتم، والمصطفى، والرسول، والنبي، والأمي، والقثم.
فالعاقب آخر الأنبياء، والمقفي تبع الأنبياء، والضحوك صفته في التوراة - لأنه كان طيب النفس فكهاً -، والقثم من القثم: وهو الإعطاء.
ذكر عمومته
الحارث والزبير، وأبو طالب، وحمزة، وأبو لهب، والغيداق، والمقوم، وضرار، والعباس، وقثم، وحجل واسمه المغيرة.
ذكر عماته
أم حكيم، وهي البيضاء، وبرة، وعاتكة، وصفية، وأروى، وأميمة، وأسلمت صفية، واختلف في عاتكة وأروى وأميمة.
ذكر أزواجه
تزوج خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم جويرية، ثم زينب بنت جحش، ثم زينب بنت خزيمة، ثم أم حبيبة، ثم صفية، ثم ميمونة، فماتت خديجة وزينب بنت خزيمة في حياته، وتوفي عن التسع البواق.
ذكر أولاده
القاسم، وعبد الله، وهو الطيب والطاهر، وإبراهيم، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم.
ذكر مواليه
أسلم: ويكنى أبا رافع، أبو رافع: آخر والد البهي، أحمر، آنسة، أسامة، أفلح، ثوبان، ذكوان، رافع، رباح، زيد بن حارثة، سلمان، سالم، سليم، سابق، سعيد، شقران، واسمه صالح، ضميرة، عبيد الله عبيد، فضالة، كيسان، مهران - وهو سفينة، وقيل اسمه سفينة، وقيل رومان - وقيل عبس، مدعم، نافع، نفيع - وهو أبو بكر - بنيه، واقد، وردان، هشام، يسار، أبو أثيلة، أبو الحمراء، أبو ضميرة، أبو عبيد، أبو مويهبة، أبو واقد، أبو لبابة، أبو لقيط، أبو هند، سابور.
ذكر مؤذنيه
بلال، وسعد، وابن أم كلثوم، وأبو محذورة.
ذكر كتّابه
أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أبيّ، زيد، معاوية، حنظلة، خالد بن سعد، إبان بن سعيد، العلا بن الحضرمي، وكان المداوم على الكتابة زيد ومعاوية.
ذكر نقباء الأنصار
أسعد بن زرارة، أسيد بن خضير، البراء بن معرور، رافع بن مالك، سعد ابن خيثمة، سعد بن الربيع، عبد الله بن رواحة، عبد الله بن عمرو بن حزام، عبادة بن الصامت، سعد بن عبادة، المنذر بن عمرو، أبو الهيثم بن التيهان، ونقب النبي صلى الله عليه وسلم على النقباء أسعداً.
تسمية من جمع القرآن حفظاً
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، أبي، معاذ بن جبل، أبو الدرداء، زيد بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، قال ابن سيرين: وتميم الداري، وقال القرطبي: وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب.
تسمية من كان يفتي
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وعمار، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو موسى، وسلمان.
تسمية من تأخر موته من الصحابة
آخر من مات من أهل العقبة: جابر بن عبد الله بن عمرو، ومن أهل بدر: أبو اليسر، ومن المهاجرين: سعد بن أبي وقاص، وهو آخر العشرة موتاً، وآخر من مات بمكة من الصحابة: ابن عمر، وبالمدينة: سهل بن سعد بن معاذ، وبالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى، وبالبصرة: أنس بن مالك، وبمصر: عبد الله بن الحارث بن جزء، وبالشام: عبد الله بن يسر، وبخراسان: بريدة، وآخر الناظرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موتاً: أبو الطفيل عامر بن واثلة.
تسمية فقهاء المدينة السبعة
سعيد بن المسيب، والقسم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة، وعبيد الله بن عبد الله، وعروة، وسليمان بن يسار.
منتخب من ذكر الأوائل
أول من خلق الله القلم، أول جبل وضع في الأرض: أبو قبيس، أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام، أول ولد آدم: قابيل، أول من خط وخاط: إدريس، أول من اختن وضاف: إبراهيم، أول من ركب الخيل وتكلم بالعربية: إسماعيل، أول من عمل القراطيس: يوسف، أول من سرد الدروع وقال أما بعد: داود، أول من صبغ بالسواد: فرعون، أول من دخل الحمام وعمل الصابون: سليمان، أول من طبخ بالآجر: هامان.
فصل
أول من سيب السوايب: عمرو بن لحي، أول من سن الدية مائة من الإبل: عبد المطلب، أول من قطع في السرقة في الجاهلية: وقضى بالقسامة وخلع نعليه عند دخول الكعبة: الوليد بن المغيرة، أول من قضى في الخنثى من حيث يبول: عامر بن الظرب، أول عربي قسم الذكر مثل حظ الأنثيين: عامر بن جشم.
فصل
أول ما نزل من القرآن: "اقرأ باسم ربك"، أول آية نزلت في القتال: "أذن للذين يقاتلون"، أول من أسلم من الرجال: أبو بكر، ومن الصبيان: علي، ومن الموالي: زيد، ومن النساء: خديجة، ومن الأنصار: جابر بن عبد الله بن رباب، أول من هاجر إلى الحبشة: حاطب بن عمرو، وإلى المدينة: مصعب بن عميرة، ومن النساء: أم كلثوم بنت عتبة، أول من بايع ليلة العقبة: أسعد بن زرارة، أول من بايع بيعة الرضوان: أبو سنان الأسدي، أول من أذَّن: بلال، أول من بنى مسجداً في الإسلام: عمار، أول من سل سيفاً في الإسلام: الزبير، أول من عدا به فرسه في سبيل الله: عبد الله بن جحش، وهو أول من دعا يا أمير المؤمنين، أول شهيد في الإسلام: سمية.
فصل
أول ظهار كان في الإسلام: ظهار أوس بن الصامت من المجادلة، أول خلع كان في الإسلام: خلع حبيبة بنت سهل بن ثابت بن قيس، أول لعان كان في الإسلام: لعان هلال بن أمية مع زوجته، أول مرجوم كان في الإسلام: ماعز، أول من سن الصلاة عند القتل: خبيب، أول من أوصى بثلث ماله: البراء ابن معرور، أول من دفن بالبقيع: عثمان ابن مظعون.
فصل
أول من جمع القرآن: أبو بكر، أول من قص: تميم، أول من وضع النحو: أبو الأسود، أول من نقط المصحف: يحيى بن يعمر.
فصل
أول ما يرفع من الناس: الخشوع، أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة، أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها، أول من تنشق عنه الأرض: نبينا وهو أول من يقرع باب الجنة، وأول شافع، وأول مشفع، أول من يكسى إبراهيم، أول ما يحاسب العبد به: الصلاة، أول أمة تدخل الجنة: أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
منتخب في ذكر المنسوبين إلى غير آبائهم
فمن المنسوبين إلى أمهاتهم: بلال بن حمامة، واسم أبيه: رباح، ابن أم مكتوم واسم أبيه عمرو، بشير ابن الخصاصية واسم أبيه معبد، الحارث ابن البرصاء واسم أبيه مالك، حفاف ابن ندبة واسم أبيه عمير، سعد ابن جنبة واسم أبيه بحير، شرحبيل ابن حسنة واسم أبيه عبد الله، عبد الله ابن بحينة واسم أبيه مالك، مالك ابن نميلة واسم أبيه ثابت، معاذ ومعوذ ابنا عفراء واسم أبيهما الحارث، يعلى ابن سبابة واسم أبيه مرة، يعلى ابن منية واسم أبيه أمية، وهؤلاء كلهم صحابة.
ومن العلماء بعدهم: إسماعيل ابن علية واسم أبيه إبراهيم، منصور ابن صفية واسم أبيه عبد الرحمن، محمد بن عائشة واسم أبيه: حفص، إبراهيم ابن أهراسة واسم أبيه سلمة، محمد ابن عثمة واسم أبيه خالد.
فصل
في ذكر أسماء تساوى فيها الرجال والنساء
فمن ذلك ما تساوى فيه الاسم والنسب أمية بن أبي الصلت قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "كاد أمية يسلم"، أمية بنت أبي الصلت روى حديثها ابن إسحاق، أمية بن عبد الله: حدث عن ابن عمر، أمية بنت عبد الله: تروي عن عائشة، عمارة بن حمزة: من ولد عكرمة، عمارة بنت حمزة: وهي التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد.
فضالة بن الفضل: حدث عن أبي بكر بن عياش، فضالة بنت الفضل: روى عنها عبد الرحمن بن جبلة.
طلحة بن أبي سعيد المصري: روى عن القاسم بن محمد، طلحة بنت أبي سعيد: روى عنها ابن أبي جبلة أيضاً.
هند بن المهلب: روى عنه محمد بن الزبرقان، هند بنت المهلب: حدثت عن أبيها.
هبة بن أحمد شيخنا، هبة بنت أحمد: حدثت عن أحمد بن محمود.
فصل
ومن ذلك ما يتشابه في الخط ويتباين في اللفظ مع تساوي اسم الأب: بسرة بنت صفوان: صحابية، يسرة بن صفوان: حدث عن إبراهيم بن سعد، حمزة بن عبد الله جماعة، جمرة بنت عبد الله: صحابية، خيثمة بن عبد الرحمن: روى عن ابن عمر، حنتمة بنت عبد الرحمن: أخت أبي بكر بن عبد الرحمن الفقيه.
فصل
ومن الأسماء التي تساوى فيها الرجال والنساء دون أنسابهم: أسما ابن حارثة وأسما بن رباب: صحابيان، أسماء بنت أبي بكر وأسما بنت عميس: صحابيتان.
بركة أم يمن: مولاة رسول الله، بركة أم عطا ابن أبي رباح، ومن الرجال: بركة بن الوليد: روى عن ابن عباس، وبركة بن نشيط روى عن عثمان ابن أبي شيبة.
بريدة بن الحصيب: صحابي، بريدة بنت بشر: صحابية.
جويرية بن مسهر: يروي عن علي، جويرية بن بشير: يروي عن الحسن، جويرية بن أسماء: عن نافع، جويرية بن الحجاج: شاعر.
ومن النساء: جويرية أم المؤمنين، جويرية بنت زياد، جويرية بنت علقمة.
حميضة بن رقيم: صحابي، حميضة ابن الشمردل: تابعي، حميضة بن قيس: شاعر. ومن النساء: حميضة بنت ياسر، حميضة بنت أبي كثير.
الرباب بنت البراء بن معرور، الرباب بنت كعب: أم حذيفة، الرباب بنت النعمان: عمة سعد بن معاذ، الرباب زوجة الحسين بن علي. وفي الرجال: تابعي يقال له رباب: سمع من ابن عباس.
زيد: في الرجال كثير، وزيد بنت مالك بن عميت.
عصيمة: حليف للأنصار من بني أسد، عصيمة: حليف لهم من أشجع: كلاهما شهدا بدراً. ومن النساء: عصيمة بنت حبار، عصيمة بنت أبي الأفلح: مبايعتان.
علية بن زيد: صحابي، ومن النساء: علية بنت شريح أم السايب ابن أخت نمر، وعلية بنت المهدي.
عميرة بن يثربي: قاضي البصرة لعمر بن الخطاب، عميرة بن سعد: يروي عن علي رضي الله عنه، عميرة بن زياد: عن ابن مسعود، ومن النساء: عميرة بنت سهل، عميرة بنت ظهير، عميرة بنت ثابت: صحابيات.
فصل
ومما يقع الإشكال فيه: إسحاق الأزرق، وإسحاق ابن الأزرق فالأول مصري: روى عنه الليث بن سعد، والثاني يروي عن الثوري.
عياش ابن الأزرق، وعباس الأزرق فالأول بالشين المعجمة: روى عنه جعفر الفرياني، والثاني بالسين المهملة: روى عنه حماد. هاشم ابن البريد، وهاشم البريد: فالأول كوفي: حدث عن أبي إسحاق السبيعي، والثاني بصري: روى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث.
منتخب من الأسماء المفردة
أحمد بن عجيان، أثال، أثان، أرطيان، أسفع، أيقع، أفلت، أكبل، أخيل، بحبح، بسمين، بلهط، بلج، بيحرة، ثهلان، جاحل، جيب، جحدل، خنفر، خرباق، ديسم، رعيان، زنيح، ركيح، زبيد، سرق، سياك، شبيب، شتير، شنيف، شويس، شبيم، صحار، صمصم، ضريك، طيسلة، عتريس، عذافر، عزرب، عرعره، عسعس، عباق، فصافص، فنج، قحذم، قريع، كركره، كهدل، لبي، لبطه، لمازه، مراجم، مشرح، معقس، مقلاص، مليل، هلقام، المنقع، منجل، ياسم، نبتل، نسطاس، نوسجان، وقدان، هبيب، هجنع، هداج، هرماس، هصان، ينحس، يعفر، هيطان.
منتخب من مشتبه الأسماء
أحمد: كثير: أحمد بن عجيان: شهد فتح مصر.
أنس: كثير، واتش جد محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني.
بسر: كثير، وبسر ابن أبي أرطاة: صحابي، ونشر هو محمد بن نشر الكوفي: روى عن ابن الحنفية، ويسر أبو اليسر: صحابي، ويسر ابن أنس: متأخر، ونسر جد يحيى ابن أبي بكير: قاضي كرمان.
بيان: كثير، وبنان بن محمد الزاهد، وبنّان بن يعقوب، وبتان هو سعيد بن بتان الأيلي.
يزيد: كثير، وبريد بن أصرم: يروي عن علي، وتزيد بن جشم: في نسب الأمصار، وبرند هو عرعرة بن البرند.
حماد: كثير، وحماد بن أيوب: روى عن حماد بن أبي سليمان.
جرير: كثير، وجرير: هو عبد الله بن جرير، وحريز بن عثمان، وحرير أم الحرير: تروي عن طلحة بن مالك، وجريز بن صدقة الجريز: يروي عن شعبة.
جماز هو: الهيثم بن جماز، وحبيب بن جماز، ونعيم بن خمار، وعياض بن حمار، وحماز: يروي عن ابن مسعود.
خباب: صحابي، وجباب بن المنذر: صحابي، وجناب بن الخشخاش: يروي عن أبي كلدة، وجباب بن صالح، وحتات بن يحيى.
خبيب: كثير، حبيب: صحابي، وخبيب: صحابي، وجبيب بن النعمان بن يحيى، وجبيب أخو حمزة الزيات.
خنيس بن حذافة: صحابي، وهب بن حنبش: صحابي، حبيش بن خلد: صحابي، حبيس بن عايد: مصري.
نعيم: كثير، يغنم بن سالم يروي عن أنس.
فصل
من مشتبه النسبة
الحسن البصري، طلحة بن عمرو النصري، الحسين بن الحسن النضري.
سفيان الثوري، محمد بن الصلت التوزي، محمد بن عمرو البوري، أبو الحسين النوري.
أبو بكر الخياط، فطر بن خليفة الحتاط، مسلم الخباط: وقد جمع مسلم هذه الصفات الثلاثة: الخزاز - جماعة -، وعبد الله ابن عون الخراز، وعيسى بن يونس الحزاز، ويحيى ابن الجزاز.
أبو عمر الشيباني، أيوب بن سويد السيباني، الفضل بن موسى السيناني.
فرقد السبخي، سليمان بن معبد السنجي، أبو بكر السبحي، بدر الشيحي.
عامر الشعبي، معاوية بن حفص الشعبي، زكريا بن عيسى الشغبي.
حذيفة بن اليمان العبسي، عمار بن ياسر العنسي، صعق بن حزن العيسي، وتقع النسبة في المحدثين إلى هذه الألفاظ الثلاثة، قال الحسن ابن سفيان النسوي: كلما ورد في الحديث عبسي فهو كوفي، وعنسي فهو بصري، وعيسى فهو مصري.
إبراهيم بن يزيد الخوزي، محمد بن يزيد الحوزي، محمد بن يزداد الجوري، عبد الرحمن بن علي الجوزي.
بيان أحاديث أهمل فيها تبيين الأسماء المشتبهة
حديث
روى أبو قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع يعني الصيام، أنس هذا هو ابن مالك القشيري.
أحاديث
روى عطاء عن أبي هريرة قال: في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى علينا أخفينا عليكم.
وروى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمع حبُّ هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
وروى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
وروى عطاء عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في إقرأ باسم ربك.
وروى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مضى ثلث الليل يقول الله ألا داعٍ يجاب.
عطاء الأول هو ابن أبي رباح، والثاني الخراساني، والثالث ابن يسار، والرابع ابن ميناء، والخامس مولى أم صبية.
أحاديث
روت عمرة عن عائشة قالت: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد كما منع نساء بني إسرائيل.
وروت عمرة أنها دخلت مع أمها على عائشة فسألتها: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الفرار من الطاعون? قالت: سمعته يقول: كالفرار من الزحف.
وروت عمرة قالت: خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة فمررنا بالمدينة ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حجره فكانت أول قطرة قطرت على هذه الآية: فسيكفيكهم الله. قالت عمرة: فما مات منهم رجل سوياً.
وروت عمرة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الوِصال.
عمرة الأولى هي بنت عبد الرحمن الأنصارية، والثانية بنت قيس العدوية، والثالثة بنت أرطاة، والرابعة يقال لها الطاخية.
أحاديث
روى حماد عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع في النخل صوتاً فقال ما هذا? فقال يوبرون النخل، فذكر الحديث.
وروى حماد: عن ثابت عن أنس قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الرحمن صُفْرة فقال: ما هذا? قال: تزوجت، قال: أَوْلِم.
روى حماد عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل أمتي مثل المطر.
حماد الأول ابن سلمة، والثاني ابن زيد، والثالث الأبح.
واعلم أن مثل هذه الأسماء المشتبهة إذا لم يصرح في الحديث ببيانها لم يفرق بينها إلا الناقد المجود.
وفي الفرق بينها فائدة عظيمة، وهي أن بعض الرواة ثقة، ومشبهه في الاسم يكون ضعيفاً، فيطلب الفرق لذلك، مثاله: أن يروي قتادة عن عكرمة، وهو يروي عن عكرمة مولى ابن عباس، وذاك ثقة وعن عكرمة بن خالد وهو ضعيف، وكذا قول وكيع: حدثنا النضر عن عكرمة: وهو يروي عن النضر بن النضر بن عربي وهو ثقة، وعن النضر بن عبد الرحمن - وهو ضعيف - ومثله قول حفص بن غياث بن أشعث عن الحسن، وهو يروي عن أشعث بن عبد الملك - وهو ثقة، وعن أشعث بن سوار - وهو ضعيف.
منتخب من المتفق والمفترق
أنس بن مالك خمسة: اثنان من الصحابة أبو حمزة الأنصاري، وأبو أمية الكعبي، والثالث أبو مالك الفقيه، والرابع كوفي، والخامس حمصي.
أسامة بن زيد ستة: أحدهم مولى النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني تنوخي، والثالث ليثي، والرابع كلبي، والخامس شيرازي، والسادس مولى لعمر.
أحمد بن جعفر بن حمدان أربعة في طبقة واحدة: أحدهم دينوري، والثاني طرسوسي، والثالث قطيعي، والرابع سقطي.
جابر بن عبد الله سبعة: أحدهم ابن عمرو، والثاني ابن رئاب صحابيان، والثالث سلمى، والرابع محاربي، والخامس غطفاني، والسادس مصري، والسابع بصري.
الخليل بن أحمد خمسة: ثلاثة بصريون، والرابع أصبهاني، والخامس سجزي.
سعيد بن المسيب ثلاثة: أحدهم مدني، والثاني بلوي، والثالث شيرازي.
عبد الله بن المبارك ستة: أحدهم مروزي، والثاني خراساني، والثالث بخاري، والرابع جوهري، والباقيان من أهل بغداد.
عمر بن الخطاب سبعة: أحدهم أمير المؤمنين، والثاني كوفي، والثالث بصري، والرابع اسكندراني، والخامس سجستاني، والسادس راسبي، والسابع عنبري.
عثمان بن عفان اثنان: أحدهما أمير المؤمنين، والثاني سجزي.
علي بن أبي طالب ثمانية: أحدهم أمير المؤمنين، والثاني بصري، والثالث جرجاني، والرابع أستراباذي، والخامس تنوخي، والسادس بكراباذي، والسابع بغدادي، والثامن يقال له الدهان.
عمر بن حصين أربعة: أحدهم صحابي، والثاني ضبي، والثالث بصري، والرابع أصبهاني.
فضيل بن عياض اثنان: أحدهما مصري، والثاني مكي.
يحيى بن معاذ ثلاثة: أحدهم نيسابوري، والثاني رازي، والثالث تستري.
يوسف بن إسباط ثلاثة: أحدهم كوفي، والثاني حمصي، والثالث سلمي.
الباب الرابع:
في ذكر عيون التواريخ
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الله تعالى التربةَ يوم السبت وخلق الجبال فيها: يوم الأحد، وخلق الشجر فيها: يوم الاثنين، وخلق المكروه: يوم الثلاثاء، وخلق النور: يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب: يوم الخميس، وخلق آدم: يوم الجمعة بعد العصر.
قال علماء التاريخ: الأرض كلها على صخرة، والصخرة على منكبي ملك، والملك على حوت، والحوت على الماء، والماء على متن الريح.
فصل
أقاليم الأرض سبعة: فالإقليم الأول الهند، والثاني إقليم الحجاز، والثالث إقليم مصر، والرابع إقليم بابل، والخامس إقليم الروم والشام، والسادس بلاد الترك، والسابع بلاد الصين.
وأوسط الأقاليم: إقليم بابل وهو أعمرها وفيه جزيرة العرب وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا، وبغداد في أوسط هذا الإقليم، فلاعتداله اعتدلت ألوان أهله، فسلموا من شقرة الروم، وسواد الحبش، وغلظ الترك، وجفاء أهل الجبال، ودمامة أهل الصين، وكما اعتدلوا في الخلقة، لطفوا في الفطنة.
فصل
قال علماء التواريخ: جميع ما عرف في الأرض من الجبال مائة وثمانية وتسعون: من أعجبها جبل سرنديب، وطوله مائتان ونيف وستون ميلاً وفيه أثر قدم آدم حين هبط، وعليه سنا البرق، لا يذهب صيفاً، وحوله ياقوت، وفي واديه الماس الذي يقطع الصخور، ويثقب اللؤلؤ، وفيه العود والفلفل، ودأبه المسك، ودابة الزباد.
وجبل الرد الذي فيه السد، طوله سبعمائة فرسخ وينتهي إلى البحر المظلم
فصل
قالوا: في الأرض سبعمائة معدن، ولا ينعقد الملح إلا في السبخ، ولا الجص إلا في الرمل والحصى، والبحر الأعظم محيط بالدنيا، والبحار تستمد منه.
فصل
قالوا: وعاش آدم ألف سنة، وولدت له حواء أربعين ولداً، في كل بطن ذكر وأنثى، فأولهم قابيل، وتوأمته قليما، ولم يمت آدم حتى رأى من ولده وولد ولده أربعين ألفاً، وانقرض نسلهم، غير نسل شيت، ثم انقرض النسل، وبقي أولاد نوح وهم: سام، وحام، ويافث، فسام أبو العرب، وحام أبو الزنج، ويافث أبو الروم والترك، ويأجوج ومأجوج نوع من الترك.
فصل
في تسمية الحواريين
شمعون الصفا، وشمعون القناني، ويعقوب بن زندي، ويعقوب بن حلقي، وقولوس، ومارقوس، وأندراوس، وبرثملا، ويوحنا، ولوقا، وتوما، ومتى.





فصل
كان أول ملوك الفرس: دارا: ملك نحواً من مائتي سنة، ثم ملك بعده خمسة وعشرون: منهم امرأتان، وكان آخر القوم يزدجرد، هلك في زمان عثمان، وكان ملكهم خمسمائة سنة وكسراً.
وكان أظرفهم ولاية ذو الأكتاف، فإنه لا يعرف من ملك وهو في بطن أمه غيره، لأن أباه كان قد مات ولا ولد له، وإنما كان هذا حملاً، فقال المنجمون هذا الحمل يملك الأرض، فوضع التاج على بطن الأم، وكتب منه إلى الآفاق، وهو جنين، وسمي سابوراً وإنما لقب بذي الأكتاف لأنه حين ملك كان ينزع أكتاف مخالفيه، وهو الذي بنى الإيوان، وبنى نيسابور وسجستان والسوس، وما زال الملك ينتقل بعده فيهم حتى ملك أنشروان، وكان أحزمهم، وكان له اثنا عشر ألف امرأة وجارية، وخمسون ألف دابة، وألف فيل إلا واحداً، وفي زمانه ولد نبينا صلى الله عليه وسلم، ومات لثمان سنين مضت من مولد نبينا صلى الله عليه وسلم، ولما دخل المسلمون المدائن، أحرقوا ستر باب الإيوان، فأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهباً.
فصل
أربعة تناسلوا، رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو قحافة، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن، وابنه محمد، ويكنى أبا عتيق.
أربعة أخوة كان بين كل واحد منهم وواحد عشر سنين: أولاد أبي طالب: طالب وعقيل، وجعفر، وعلي، فكان طالب أسن من عقيل عشر سنين، وعقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وجعفر أسن من علي بعشر.
ولا يعرف أخوان تباعدا في السن مثل موسى بن عبيدة الربذي وأخيه عبد الله بن عبيدة، فإن عبد الله أسن من موسى بثمانين سنة.
ومن العجائب: ثلاث أخوة ولدوا في سنة واحدة، وقتلوا في سنة واحدة وكانت أعمارهم ثماني وأربعين سنة: يزيد، وزياد، ومدرك، بنو المهلب ابن أبي صفرة.
ومن العجائب: أربعة أنفس رزق كل واحد منهم مائة ولد، أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر الليثي، وخليفة السعدي، وجعفر بن سليمان الهاشمي.
ومن العجائب: ثلاثة بنو أعمام كلهم كانوا في زمان واحد، كل واحد منهم اسمه علي، ولهم ثلاثة أولاد كل واحد منهم اسمه محمد، والآباء والأبناء علماء أشراف، وهم: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن عبد الله بن العباس، وعلي بن عبد الله بن جعفر.
ومن العجائب: أنه في ليلة السبت لأربع بقين من ربيع الأول سنة تسعين ومائة، مات الهادي، واستخلف الرشيد، وولد المأمون.
ومن العجائب: أنه سلم على الرشيد بالخلافة عمه سليمان بن المنصور وعم أبيه المهدي، وهو العباس بن محمد، وعم جده المنصور، وهو عبد الصمد بن علي، وقال له عبد الصمد يوماً: يا أمير المؤمنين هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعم أمير المؤمنين وعم عم أمير المؤمنين وعم عم عمه، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد، والعباس عم سليمان، وعبد الصمد عم العباس.
ومن العجائب: أن عبد الصمد حج بالناس سنة خمسين ومائة، وقد حج قبله يزيد بن معاوية سنة خمسين: وهما في النسب إلى عبد مناف سواء، لأن يزيد هو ابن معاوية بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وعبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
فصل
وقد سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية، كلهم ابن خليفة: المنتصر ابنه، ومحمد ابن الواثق، وأحمد بن المعتصم، وموسى بن المأمون، وعبد الله بن الأمير، وأبو أحمد بن الرشيد، وأبو العباس بن الهادي، والمنصور بن المهدي.
فصل
وقد ولي الخلافة: أخوان، وثلاثة، وأربعة، فأما الأخوان: فالسفاح والمنصور، والهادي والرشيد، والواثق والمتوكل ابنا المعتصم، والمسترشد والمقتفي، وأما الثلاثة: فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر، وأما الأربعة فلم يكونوا إلا بني عبد الملك.
فصل
من العجائب المتعلقة بالنساء
من ذلك أن امرأة شهد لها بدراً سبعة بنين مسلمين وهي: عفراء بنت عبيد، تزوجها الحارث بن رفاعة، فولدت له معاذاً ومعوذاً، ثم تزوجها بكير فولدت له إياساً وخالداً، وعاقلاً، وعامراً، ثم رجعت إلى الحارث فولدت له عوفاً، فشهدوا كلهم بدراً، ويخرج من هذا جواب المسائل هل تعرفون أربعة أخوة لأب وأم شهدوا بدراً مسلمين?.
ومن هذا الجنس، امرأة كان لها أربعة أخوة وعمَّان شهدوا بدراً، فأخوان وعم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوان وعم مع المشركين، وهي هند بنت عتبة بن ربيعة، فالأخوان المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة ومصعب بن عمير، والعم المسلم: معمر بن الحارث، والأخوان المشركان: الوليد بن عتبة وأبو عزيز، والعم المشرك: شيبة بن ربيعة.
ومن العجائب: أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان كان له أربع بنات: عبدة، وعائشة، وأم سعيد، ورقية، تزوجهن أربعة من الخلفاء: تزوج عبدة الوليد بن عبد الملك، وعائشة سليمان، وأم سعيد يزيد بن عبد الملك، ورقية هشام.
وكان لهذا الرجل - أعني عبد الله بن عمرو - ولد اسمه محمد - كان يقال له الديباج لحسنه - وكان لمحمد بنت اسمها حفصة لا يعرف امرأة ولدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير والحسين وابن عمر سواها، أما ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فإن أم أبيها فاطمة بنت الحسين بن علي، وأم الحسين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طريق الحسين بن علي ولادته لها وولادة علي لها، وأما ولادة أبي بكر لها، فإن أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق، ومن طريق عروة ولدها الزبير، وأما ولادة عمر لها، فإن أم جدها عبد الله زينب بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فمن هذه الطريق ولادة عمر لها، وأما ولادة عثمان لها، فمن طريق أبيها، وأما ولادة طلحة، فإن جدتها من قبل أبيها هي أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله.
ومن العجائب: امرأة ولدت خليفتين، وهن ثلاث: الأولى: ولادة بنت العباس العبسية، تزوجها عبد الملك بن مروان، فولدت له: الوليد وسليمان فوليا الخلافة، والثانية: شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد، تزوجها الوليد بن عبد الملك، فولدت له: يزيد وإبراهيم فوليا الخلافة، والثالثة: الخيزران: ولدت للمهدي الهادي والرشيد.
فصل
في الجدوب وعموم الموت
أجدبت الأرض في سنة ثماني عشرة فكانت الريح تسفي تراباً كالرماد، فسمي عام الرمادة، وجعلت الوحوش تأوي إلى الأنس، فآلى عمر ألا يذوق سمناً ولا لبناً ولا لحماً حتى يحيى الناس واستسقى بالعباس فسقوا، وفيها كان طاعون عمواس، مات فيه أبو عبيدة، ومعاذ، وأنس.
وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة وماتت أم أميرهم فما وجدوا من يحملها.
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مات أول يوم في الطاعون سبعون ألفاً، وفي الثاني نيف وسبعون ألفاً، وفي اليوم الثالث خمد الناس.
وفي سنة تسع عشرة وثلاث مائة كثر الموت، وكان يدفن في القبر الواحد جماعة.
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة ذبح الأطفال، وأكلت الجيف، وبيع العقار برغيفان، واشتري لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم.
وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة عمت الأمراض البلاد، فكان يموت أهل الدار كلهم.
وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة أصاب أهل البصرة حر، فكانوا يتساقطون موتى في الطرقات.
وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عم القحط، فأكلت الميتة، وبلغ المكوك من بزر البقلة سبع دنانير، والسفرجلة والرمانة ديناراً، والخيارة واللينوفرة ديناراً، وورد الخبر من مصر بأن ثلاثة من اللصوص نقبوا داراً فوجدوا عند الصباح موتى، أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب المكورة.
وفي السنة التي تليها وقع وباء، فكان تحفر زبية لعشرين وثلاثين فيلقون فيها، وتاب الناس كلهم وأراقوا الخمور، ولزموا المساجد.
وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة وقع الوباء، وبلغ الرطل من التمر الهندي أربعة دنانير.
وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة اشتد الجوع والوباء بمصر، حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، وبيع اللوز والسكر بوزن الدراهم، والبيضة بعشرة قراريط، وخرج وزير صاحب مصر إليه فنزل عن بغلته، فأخذها ثلاثة فأكلوها، فصلبوا، فأصبح الناس لا يرون إلا عظامهم تحت خشبهم وقد أكلوا.
وفي سنة أربع وستين وأربعمائة وقع الموت في الدواب حتى إن راعياً قام إلى الغنم وقت الصباح ليسوقها فوجدها كلها موتى.
فصل
في الزلازل والآيات
زلزلت الأرض على عهد عمر في سنة عشرين، ودامت الزلازل في سنة أربع وتسعين: أربعين يوماً، وقعت الأبنية الشاهقة، وتهدمت أنطاكية.
وفي سنة أربع وعشرين ومائتين زلزلت فرغانة فمات فيها خمسة عشر ألفاً.
وفي السنة التي تليها رجفت الأهواز، وتصدعت الجبال، وهرب أهل البلد إلى البحر والسفن ودامت ستة عشر يوماً.
وفي السنة التي تليها مطر أهل تيما مطراً وبرداً كالبيض، فقتل بها ثلاثمائة وسبعين إنساناً، وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك، اعف عن عبادك، ونظروا إلى أثر قدم طولها ذراع بلا أصابع، وعرضها شبر، ومن الخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ست، فاتبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتاً ولا يرون شخصاً.
وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين رجفت دمشق رجفة حتى انقضت منها البيوت وسقطت على من فيها، فمات خلق كثير، وانكفأت قرية في الغوطة على أهلها، فلم ينج منهم إلا رجل واحد، وزلزلت أنطاكية فمات منها عشرون ألفاً.
وفي السنة التي تليها هبت ريح شديدة لم يعهد مثلها فاتصلت نيفاً وخمسين يوماً، وشملت بغداد والبصرة والكوفة وواسط وعبادان والأهواز، ثم ذهبت إلى همدان، فأحرقت الزرع، ثم ذهبت إلى الموصل، فمنعت الناس من السعي، فتعطلت الأسواق، وزلزلت هراة فوقعت الدور.
وفي سنة ثمان وثلاثين وجه طاهر بن عبد الله إلى المتوكل حجراً سقط بناحية طبرستان، وزنه ثمانمائة وأربعون درهماً، أبيض، فيه صدع، وذكروا أنه سمع لسقوطه هدة أربع فراسخ في مثلها، وأنه ساخ في الأرض خمسة أذرع.
وفي سنة أربعين ومائتين خرجت ريح من بلاد الترك، فمرت بمرو فقتلت خلقاً كثيراً بالزكام، ثم صارت إلى نيسابور، وإلى الري، ثم إلى همذان وحلوان، ثم إلى العراق، فأصاب أهل بغداد وسر من رأى حمى وسعال وزكام، وجاءت كتب من المغرب أن ثلاث عشرة قرية من قرى القيروان خسف بها، فلم ينج من أهلها إلا اثنان وأربعون رجلاً سود الوجوه فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها، وقالوا أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها.
وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء، وجعلت تتطاير شرقاً وغرباً كالجراد، من قبل غروب الشمس إلى الفجر، ولم يكن مثل هذا إلا عند ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي السنة التي تليها رجمت قرية يقال لها السويدا ناحية مصر بخمسة أحجار، فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة أرطال، وزلزلت الري وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصبهان وقم وقاشان كلها في وقت واحد، وزلزلت الدامغان فهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفاً، وتقطعت جبال، ودنا بعضها من بعض، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية، فهلك من أهلها، وسار جبل باليمن، عليه مزارع، حتى أتى مزارع قوم آخرين، ووقع طائر أبيض دون الرخمة وفوق الغراب على دلبة بحلب، لسبع مضين من رمضان فصاح: يا معشر الناس، اتقوا الله، الله، الله، حتى صاح أربعين صوتاً ثم طار، وجاء من الغد فصاح أربعين صوتاً ثم طار، فكتب صاحب البريد بذلك، وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه، ومات رجل في بعض كور الأهواز فسقط طائر أبيض على جنازته، فصاح بالفارسية والخورية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده.
وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت أنطاكية، فسقط منها ألف وخمسمائة دار، ووقع من سورها نيف وتسعون برجاً، وسمع أهلها أصواتاً هائلة، من كوى المنازل، وسمع أهل تنيس صيحة هائلة، دامت فمات منها خلق كثير، وذهبت جيلة بأهلها.
وفي سنة خمسين وثلاثين ومائتين مطرت قرية حجارة بيضاء وسوداء.
وفي سنة ثمان وثمانين زلزلت دنبل في الليل، فأصبحوا، ولم يبق من المدينة إلا اليسير، فأخرج من تحت الهدم خمسون ومائة ألف ميت.
وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة عدل الحاج عن الجادة خوفاً من العرب، فرأوا في البرية، صور الناس من حجارة، ورأوا امرأة قائمة على تنور وهي من حجارة، والخبز الذي في التنور من حجارة.
وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة هبت ريح بفم الصلح، شبت بالتنين، خرقت دجلة، حتى ذكر أنها باتت أرضها، وهلكت خلقاً كثيراً، واحتملت زورقاً منحدراً، وفيه دواب، فطرحته في أرض جوخى.
وفي سنة عشرين وأربعمائة جاء برد هائل، ووقعت بردة، حزرت بمائة وخمسين رطلاً، فكانت كالثور النائم.
وفي سنة أربع وثلاثين زلزلت تبريز، فهدم سورها وقلعتها، وهلك تحت الهدم خمسون ألفاً.
وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة كانت بأذربيجان زلازل، انقطعت منها الحيطان، فحكى من يعتمد على قوله، إنه كان قاعداً في إيوان، فانفرج حتى رأى السماء من وسطه ثم عاد.
وفي سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة بفلسطين هلك فيها خمسة عشر ألفاً، وانشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت، وغاب الحر مسيرة يوم، فساخ في الأرض، فدخل الناس يلتقطون، فرجع عليهم فأهلك خلقاً كثيراً منهم.
وفي سنة اثنتين وستين خسف بأيلة.
وفي سنة ست وخمسمائة سمع ببغداد صوت هدة عظيمة في أقطار بغداد في الجانبين، قال شيخنا أبو بكر ابن عبد الباقي أنا سمعتها، فظننت حائطاً قد وقع، ولم يعلم ما ذاك، ولم يكن في السماء غيم فيقال رعد.
وفي سنة سبع وقعت زلزلة بناحية الشام، فوقع من سور الرها ثلاثة عشر برجاً، وخسف بسميساط وقلب بنصف القلعة.
وفي سنة إحدى عشرة زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة، فكانت الحيطان تمر وتجيء.
وفي سنة خمس عشرة وقع الثلج ببغداد، فامتلأت منه الشوارع والدروب، ولم يسمع قبله بمثله.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة كانت زلزلة بجنزة أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفاً فأهلكتهم، وكانت في مقدار عشرة فراسخ في مثلها.
وفي السنة التي تليها خسف بجنزة وصار مكان البلد ماء أسود، وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهليهم، وزلزلت حلوان فتقطع الجبل، وهلك خلق كثير.
وفي سنة اثنين وخمسين وخمسمائة كانت زلازل بالشام في ثلاثة عشر بلداً من بلاد الإسلام، فمنها ما هلك كله، ومنها ما هلك بعضه.
الباب الخامس
في ذكر المواعظ
وهذا الباب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول يختص بذكر القصص، والقسم الثاني فيه المواعظ والإشارات مطلقاً.
القسم الأول في القصص
وهو المختص بذكر القصص، وفيه ست وعشرون قصة
الفصل الأول
في قصة آدم عليه السلام
اعلموا أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام آخر الخلق، لأنه مهد الدار قبل الساكن، وأقام عذره قبل الزلل، بقوله في "الأرض" فظنت الملائكة أن تفضيله بنفسه، فضنت بالفضل عليه، فقالوا "أتجعل فيها" فقوبلوا بلفظ "إني أعلم" فلما صوره، ألفاه كاللقا، فلما عاين إبليس تلك الصورة، بات من الهم في سورة، فلما نفخ فيه الروح، بات الحاسد ينوح، ثم نودي في نادي الملائكة "اسجدوا لآدم" فتطهروا من غدير "لا علم لنا" وغودر الغادر بخساً بكبرياء "أنا خير" ثم حام العدو حول حمى المحمي، فلولا سابق القدر، ما قدر عليه، فلما نزل إلى الأرض، خدخد الفرح، بدمع الترح، حتى أقلق الوجود فجاء جبريل، فقال: ما هذا الجهد? فصاح لسان الوجد: للخفاجي:
ما رحلت العيش عن أرضكم فرأت عيناي شيئاً حسـنـا
هل لنا نحوكم مـن عـودة ومن التعليل قولي هل لنـا
يا آدم لا تجزع من كأس خطإ كان سبب كيسك، فلقد استخرج منك داء العجب، وألبسك رداء النسك، لو لم تذنبوا: للمتنبي:
لعل عتبك محمود عواقـبـه فربما صحت الأجسام بالعلل
لا تحزن لقولي لك "اهبط منها" فلك خاتمتها، ولكن اخرج منها إلى مزرعة المجاهدة، وسق من دمعك، ساقية لشجرة ندمك، فإذا عاد العود أخضر، فعد: للبحتري:
إن جرى بيننا وبينك عتـب أو تنأت منا ومنك الـديارُ
فالغليل الذي عهدت مقـيم والدموعُ التي شهدت غزارُ
ما زالت زلة الآكلة تعاده، حتى استولى داؤه على أولاده، فنمت هينمة الملائكة، بعبارة نظر العاقبة، فنشروا مطوى "أتجعل" قرعوا بعصي الدعاوي، ظهور العصاة، فقيل لهم: لو كنتم بين أفاعي الهوى وعقارب اللذات لبات سليمكم سليماً، فأبوا للجرآة إلا جرجرير الدعاوي، وحدثوا أنفسهم بالتقى بالتقاوي، فقيل: نقبوا عن خيار نقبائكم، وانتقوا ملك الملكوت، فما رأوا فيما رأوه لمثلها مثل هاروت وماروت، فأبى لسفر البلاء بالبلية، فما نزلا حتى نزلا من مقام العصمة، فنزلا منزل الدعوى، فركبا مركب البشرية، فمرت على المرئيين امرأة يقال لها الزهرة، بيدها مزهر زهرة الشهوة، فغنت الغانية بغنة اغن، فرأت قيان الهوى، فهوى الصوت في صوت قلب قلبيهما، فقلبهما عن تقوى التقويم، فانهار بناء عزم هاروت، وما رهم حزم ماروت، فأراداها على الردى فراوداها، وما قتل الهوى نفساً فوداها، فبسطت نطع التنطع على تحت التخيير، إما أن تشركا وإما أن تقتلا، وإما أن تشربا، فظنا سهولة الأمر في الخمر، وما فطنا، فلما امتد ساعد الخلاف فسقى فسقاً، فدخلا سكك السكر، فزلا في مزالق الزنا، فرآهما مع الشخصية شخص، فشخصا إليه فقتلا، فكشت فتنتهما في فئة الملائكة، فاتخذوا لتلك الواردة، ورداً من تضرع "ويستغفرون لمن في الأرض".
الفصل الثاني
في بناء الكعبة
لما علا كعب الكعبة على سائر البقاع بقاع العلم، أبرزتها كف الإيجاد كالكاعب، قبل وجود الأرض، وكان آدم أول من ساس الأساس، ثم بيّت للبيت البيات، طواف الطوفان، فحل ما حل أزرار حلل الحلل، فلما هاجر الخليل بهاجر وابنها، أوضع بهما فوضعهما هنالك، وتولى راضياً بمن تولاه، يوم حرقوه، فقالت هاجر: الله أمرك بهذا? قال: نعم، فرجعت متوكئة على منسأة التوكل على من لا ينسى، فجعلت تشرب ما معها من ماء، وترضع لبنها ابنها، فلما نفدا جعل إسماعيل يتلوى على رمض رمضان الصوم، فانطلقت لتبذل الجهود في مأمور "فامشوا في مناكبها" فصعدت بأقدام الصفا على الصفا، فلما أطلت الطلة على الطلل، توكفت طل روح ينقع الغلة، ثم جدت فجدت الجدد بالجد هابطة، فلما طرف طرف سيرها طرف طرف الوادي، رفعت طرف ذراعها، ثم وسعت خطاها وسعت للجهد بجهد ذراعها، ثم أتت المرأة المروة، وعادت إلى الصفا سبعا، فلذلك أمر المكلف أن يسعى، لأنه أثر قدم مقدام، لتصيب الأقدام، نصيباً من مواطي "فبهداهم اقتده" فسمعت صوتاً من صوب، فنزل الملك ليزيل النازلة، فهيا نزل النزيه، فزمزم ماء زمزم، ونزا نزواً لانز نزاً، فحصحص الماء في صحصح الحصى، فامتدت كف الحرص، فلفقت كالحوض، فقيل لها ليس هذا الماء من كيس كسبك فما هذا المذاق من حرص فعلك، ولو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً، فمرت رفقة من جُرهم، جرَّهم سؤال "فاجعل أفئدة من الناس" فأقاموا.
واشتاق الخليل إلى ابنه، فاستاق راحلة الرحيل، فاشترط لسان غيرة سارة، أن لا تزال عن مكانة "وإبراهيم الذي وفَّى" فقدمت زوجة إسماعيل إليه المقام فقدت فيه قدمه وغابت رجل الرجل فحولته إلى يساره، فسرت إليه اليسرى، فهيت دليل الإرشاد بالقاصدين "واتخِذوا من مقام إبراهيم مُصلَّى" فلما أمرا ببناء البيت حار من لا يعلم مراد الآمر، فإذا سحابة تسحب ذيل الدليل، قد قدَّها المهندس القدري على قدر البيت، فوقفت فنادت يا إبراهيم: علِّم على ظلي، فلما علَّم كما علِم، هبت فذهبت فسُرَّ بما فُسِّر له من مشكل الشكل، فذلك سرُّ "وإذا بوَّأْنا" فجعلا مكان استراحة البناء المعنى "ربنا تقبَّل منا" فلما فرغا، فغرا فم السؤال، يرتشفان ضرع الضراعة "وأرنا مناسكنا" فلما شرفت الكعبة بإضافة "وطهِّرا بيتي" قصدها فوج الفيل، فقيل مرادهم، لما باتوا على ما بيتوا، أقبل الطير الذي رمى كالغمام، فكانت قطراته للحصاد، لا للبذر، فأصبح لزرع الأجساد كالمنجل الهاشم، ليكون معجزاً لظهور نبي بني هاشم، فأمسوا في بيدر الدِّيّاس "كعصفٍ مأكول".
الفصل الثالث
في قصة نوح عليه السلام
لما عم أهل الأرض العمى عما خلقوا له، بعث نوح بجلاء أبصار البصائر، فمكث يداويهم "ألف سنة إلا خمسين عاماً" فكلهم أبصر ولكن عن المحجة تعالى، فلاح لللاحي عدم فلاحهم، فولاهم الصلا يأساً من صلاحهم. وبعث شكاية الأذى، في مسطور "إنهم عصوني" فأذن مؤذن الطرد، على باب دار إهدار دمائهم "إنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن" فقام نوح في محراب "لا تذر" فأتته رسالة "أن اصنع" ونادى بريد الإعلام بالغضب "ولا تخاطبني" فلما أن هال كئيب الإمهال، وانقطع سلك التأخير. غربت شمس الانتظار، فادلهمت عقاب العقاب فلما انسدلت الظلمة، وفات النور "فار التنور" فقيل يا نوح: قد حان حين الحين، فاحمل "فيها من كل زوجين اثنين"، فتخلف خلف نوح خلف من ولده، فمد يد الحنو ليأخذ بيده "يا بني اركب معنا" فأجاب عن ضمير خايض في مساء المساوي "سآوي" فرد عليه لسان الوعيد "لا عاصم" فلما انتقم من العصاة بما يكفي، كفت كف النجاة كفة الأرض بقسر "ابلعي" وقلع جذع جزع السماء في وكف دمعها بظفر "أقلعي" ونوديت نجاة الجودي جودي، بإنجاء غرقى السير، وزود الهالكون في سفر الطرد زاد "وقيل بُعداً".
الفصل الرابع
في قصة عاد
لما تجبر قوم عاد في ظل ظلل ضلالهم حين أملى الأمل، وطول البقاء وزوى ذكر زوالهم، ومروا في مشارع عذاب الملاهي، ناسين من عذابها، رافلين في حلل الغفلة بالأمنية عن المنية وآدابها، أقبل هود يهديهم، ويناديهم في ناديهم "اعبدوا الله" فبرزوا في عتو "من أشدُّ منّا قوة" فسحب سحاب العذاب، ذيل الأدبار، بإقباله إلى قبالتهم، فظنوه لما اعترض عارض مطر، فتهادوا تباشير البشارة، بتهادي بشارة "هذا عارض ممطرنا" فصاح بلبل البلبال فبلبل "بل هو ما استعجلتم به" فكان كلما دنا وترامى، ترى ما كان "كأن لم يكن" فحنظلت شجرات مشاجرتهم هوداً، فجنى من جنى، من جنا ما جنى في مغنى "فما أغنى عنهم سمعهم" فراحت ريح الدبور، لكي تسم الأدبار بكي الإدبار، فعجوا منها عجيج الأدبر، فلم تزل تكوي تكوينهم، بميسم العدم، وتلوي تلوينهم إلى حياض دم الندم، وتكفأ عليهم الرمال، فتكفي تكفينهم، وتبرزهم إلى البراز، عن صون حصون، كن يقيناً يقينهم فإذا أصبحت أخذت تنزع في قوس "تنزع الناس" وإذا أمست، أوقعت عريضهم في عرض "كأنهم أعجاز نخل" فما برحت بارحهم عن براحهم، حتى برّحت بهم، ولا أقلعت حتى قلعت قلوع قلاعهم، فدامت عليهم أفة وداء، لا تقبل فداء "سبع ليال وثمانية أيام حسوماً" فحسوا ما آذاقهم من سوء ما حسوا ما، ونسفوا في قفر "ألا بعداً" إلى يم "واتبعوا" فلو عبرتَ في معبر الاعتبار، لترى ما آل إليه مآلهم، لرأيت التوى، كيف التوى عليهم، وكف النوى كيف نوى الدنو إليهم، فانظر إلى عواقب الخلاف فإنه شاف كاف.
الفصل الخامس
في قصة ثمود
لما أعرضت ثمود عن كل فعل صالح، بعث إليهم للإصلاح، صالح، فتعنت عليه ناقة أهوائهم بطلب ناقة، فخرجت من صخرة صماء تقبقب ثم فصل عنها فصيلٌ يرغو، فأرتعت حول نهي نهيهم عنها في حمى حماية "ولا تمسوها" فاحتاجت إلى الماء، وهو قليل عندهم، فقال حاكم الوحي "لها شِرْب" فكانت يوم وردها، تقضي دين الماء، بماء درها، فاجتمعوا في حلة الحيلة، على شاطئ غدير الغدر، فدار قدار حول عطن "فتعاطى" فصاب عليهم صيّب صاب صاع صاعقة العذاب الهون، فحين دنا وديدن، دمغهم دمار فدمدم، فأصبحت المنازل، لهول ذلك النازل "كأن لم تغن بالأمس".
الفصل السادس
في قصة الخليل عليه السلام
كان الكهنة قد حذرت نمرود وجود محارب غالب، ففرق بين الرجال والنساء، فحمل به على رغم أنف اجتهاده، فلما خاض المخاض في خضم أم إبراهيم وجعلت بين خيف الخوف وحيز التحيز تهيم، فوضعته في نهر قد يبس، وسترته بالحلفاء ليلتبس، وكانت تختلف لرضاعه، وقد سبقها رضاع "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل" فلما بلغ سبع سنين، رأى قومه في هزل "وجدنا آباءنا" فجادلهم فجدّلهم فجدلهم وأبرز نور الهدى في حجة "ربي الذي يحيي ويميت" فقابله نمرود، بسهى السهو في ظلام "أنا أحيي" فألقاه كاللقا، على عجز العجز، بآفات "فأت بها، فبهت" ثم دخل دار الفراغ "فراغ عليهم" فجردوه من بُرد بَرد العدل، إلى حر "حرِّقوه" فبنوا لسفح دمه بنياناً إلى سفح جبل، فاحتطبوا له على عجل العجل، فوضعوه في كفة المنجنيق، فاعترضه جبريل، في عرض الطريق فناداه وهو يهوي في ذلك الفلا: ألك حاجة? قال: أما إليك فلا، فسبق بريد الوحي إلى النار، بلسان التفهيم "كوني برداً وسلاماً على إبراهيم".
الفصل السابع
في قصة الذبيح عليه السلام
لما ابتلي الخليل بالنمرود فسلم، وبالنار فسلم، امتد ساعد البلاء إلى الولد المساعد، فظهرت عند المشاورة نجابة "افعل ما تؤمر" وآب يوصي الأب: اشدد باطي ليمتنع ظاهري من التزلزل، كما سكن قلبي مسكن السكون، واكفف ثيابك عن دمي لئلا يصبغها عندمي فتحزن لرؤيته أمي، واقرأ السلام عليها مني، فقال: نعم العون أنت يا بني ثم أمر السكين على مريئي المرء فما مرت، غير أن حسرات الفراق للعيش أمرت، فطعن بها في الحلق مرات، فنبت، لكن حب حب الرضا في حبة القلب نبت، يا إبراهيم من عادة السكين أن تقطع، ومن عادة الصبي أن يجزع، فلما نسخ الذبيح نسخة الصبر، ومحا سطور الجزع، قلبنا عادة الحديد، فما مر ولا قطع، وليس المراد من الابتلاء أن نعذب، ولكن نبتلي لنهذب.
أين المعتبرون بقصتهما في غصتهما، لقد حصحص الأجر في حصتهما، لما جعلا الطاعة إلى الرضا سُلّماً، سل ما يؤذي فسلما، وكلما كلما حاجب كلم كل ما به تذبحان، فصد ما به صدما، بينا هما على تل "وتلَّه" جاء بشير "قد صدَّقتَ الرؤيا" فارتد أعمى الحزن بصيراً بقميص "وفديناه". ليس العجيب أمر الخليل بذبح ولده، وإنما العجب مباشرة الذبح بيده، ولولا استغراق حب الأمر لما هان مثل هذا المأمور.





رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-13-2009, 04:44 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

الفصل الثامن
في قصة ذي القرنين
قطع ذي القرنين الأرض وأقطعها فمر سالكاً مسلكاً ما فت سبسبه فتى "فأتْبع سبباً" فشمر مشمراً ما تلفت، حتى لفت شملة جمع شمله بالشمس في عين حمئه، فلما أفرغ غرب الغرب على غارب الغربة مشى نحو المشارق، ولم يزل يحوز الكنوز، ويجوز إلى قتل من يجوز، إلى أن طلعت طلايعه الطلعة على مطلع الشمس، فأبرز نير عدله المشرق في المَشرِق، ثم رأى باقي عرضه في دمه مقدار مقدرته كالدين، فسلك بين السدين، فلما حشى حشا الجبلين بالزبر، ولج المفسدون قسر قصراهم، على مضض "فما استطاعوا" عجباً له كم اقتنى من أصقع وأقنف، وكم أسعف بأغشى وأسعف وكم لطى له من لطيم وأخيف، وكم سعى به من أكسع، وقفز به من أقفز، ومشى به في محجة المشرق محجل، وطرق به طريق المغرب مغرب، كم صحبه من سايف ونابل وسالح، كم تبعه من في السلاح كافر، غير شاك في الصلاح ولا كافر، فما درأ عنه الأد المودى له مود، ولا دارى عن داره الدوائر دارع، ولا رد عنه ورد ولا كميت، إذ ورد عليه ما تركه كميّت، ولا فرّ به من منيته سابق، ولا سكيت، فكأنه إذ مات ما تحرك على حارك فرس، ولا شاك شاكلته بشولحة عقب، بل مر كأنه لم يكن، وذل للموت وقبلها لم يهن، فتلمح آخر الدنيا إن كنت تدري، وانظر في أي بحر إلى الهلاك تجري، وأصخ لخطاب الخطوب، وافهم ما يجري، وكن على أهبة فهذي الركاب تسري.
للشريف الرضي:
أو ما رأيت وقائع الـدهـر أفلا تسيء الظن بالعمـرِ
بينا الفتى كالطودِ تمنـعـه هضباته والعصْب ذي الأثْرِ
يأبى الدنيةَ في عشـيرتـه ويجاذبُ الأيدي على الفخرِ
وإذا أشار إلـى قـبـائلـه حشدتْ عليه بأوجـهٍ غُـرِّ
زل الزمان بوطء أخمصـه ومواطئ الأقدام للعـثْـرِ
نزع الإباءَ وكان شملـتـه وأقرَّ إقراراً على صُغـرِ
صدْعُ الردى أعيى تلاحـمـه مَن ألحم الصدفين بالقِـطـرِ
جرّ الجياد على الوجى ومضى أمماً يدق السهل بـالـوعـرِ
حتى التقى بالشمس مغـمـده في قعر منقطعٍ من البحـرِ
ثم انثنت كفُ المـنـون بـه كالضغث بين الناب والظُفـرِ
لم تشتجر عنه الـرمـاح ولا رد القضاءَ بمالـه الـدثـرِ
جمع الجنود وراءه فكأنـمـا لاقته وهو مُضيِّعُ الظـهـرِ
وبنى الحصون ممتعاً فكأنمـا أمسى بمـضـيعة ولا يدري
ويرى المعابل للعدى فكأنمـا لحمامه كـان الـذي يبـري
أودى وما أودت مـنـاقـبـه ومن الرجال مُعمّرُ الـذكـرِ
إن التوقي فضل مـعـجـزة فدعِ القضاء يقُـدُّ أو يفـري
تحمي المطاعم للبـقـاء وذي الآجال ملؤ فروجها تحـزي
لو كان حُفظ النفس ينفعـهـا كان الطبيب أحق بالعـمـرِ
الــداء داء لا دواء لـــه سيان ما يوبي ومـا يُمـري
الفصل التاسع
في قصة قوم لوط
لما تهاوى قوم لوط في هوة أهوائهم وتنادوا في جهات جهلهم، "أخرِجوا آلَ لوط" بعثت الأملاك لانتزاع ملاك الحياة من أيديهم، فنزلوا من منزل لوط منزل النزيل، وهم في أفسح بيت نبي من الكرم، غير أن حارس حِذْرِه ينادي "وضاق بهم ذرعاً" فخاف من قومه أذاهم "فإذا هم يهرعون" فأخذ يدافع، تارة بمشورة "هؤلاء بناتي" وتارة بتقاة "فاتقوا الله" وتارة بسؤال "ولا تُخْزون" وتارة بتوبيخ "أليسَ منكم" فلما كلَّ كلُّ سلاحه، وأعيته جهات جهاده، أن برمز "لو أن لي بكم قوة" فحجبهم جبريل بحجاب "فطمسنا" وانتاشه من أسر الغنم بلفظ "فأسرِ" فلما علم أن الملأ ملائكة، تشوق إلى تعجيل التعذيب، فنادت عواطف الحلم "أليس الصبح بقريب" فسار بأهله على أعجاز نجائب النجاة، إلا عجوز العجز عن عرفان المعجز فإنها لحقت بالعجزة، فلما لاح مصباح الصباح، احتمل جبريل قرى من جنى على قرى جناحه، فلم ينكسر في وقت رفعهم إناء، ولم يرق في صعود صعودهم ماء، فلما سمع أهل السماء نباح كلابهم أسرعت كف القلى بهم في انقلابهم، فتفكروا بالقلب، كيف جوزوا على قلب الحكمة بالقلب، ثم بعث إليهم سحاب فشصا بالشصائص واحزال ثم ال إليهم، فاكفهرت بالغضب أرجاؤه، وأحومت بالسخط أرجاؤه، وابذعرت فعرت بوارقه، وارتتقت في جو الجوى جوبه، واستقلت على قلل قلاقل الردى أردافه، فارتجز بأرجوزة الرجز قبل أن يهمي فهمهم، في دوى بأدواء في دو دورانه فأظلم، وركد كيده فلم تكد قلوعه تقلع حتى قلعهم حينه حين أثجم، فما أرك ولا دث ولا بغض. بل قطقط فأفرط، وعم عميمه حين أغمط، فتقاطر على قطرهم من قطرة قطر الحجارة، وبغتهم في غرة غرتهم بالغرور حين شن الغارة، تالله لقد ضكضك العذاب، فضعضعهم فتضعضعوا، وانقض بقضه وقضيضه، فقضقض عظام عظامهم، وقطعها فتقطعوا، وسار بهم على طرفسان عقاب العقاب، إلى عوطب العطب فاهرمعوا، وكانوا في كن صافي الصفاة، فمروا إلى مر الملق فانفرنقعوا، وهمس هميسعهم وهل لمثلهم إلا الوهل والوهى، ولات حين مناص فادرنقعوا، وبرقط المخرنشم بعد أن بهنس، وبلطط فبلطح وحزن المبرنشق بعد أن زهزق، فبلسم وكلح، فأجيل على ذلك الجيل، سجل السجيل، فما برح حتى برح، ودار هاتف العبرة، على دارس دارهم ينادي "ولقد تركنا منها آيةً".
فليحذر العازمون على طروق طريقهم من وعيد "وما هي مِنَ الظالمين ببعيد" قبل غصص الجرض، وألم الحرض، عند حلول المرض، حين يعتقل اللسان، ويتحير الإنسان، وتسيل الأجفان، ويزول العرفان، وتنشر الأكفان، فيا عجباً. كيف ألفى لذة العيش الفاني الفان، وقد مر فأمر كل ما كان "كلُّ من عليها فان".
الفصل العاشر
في قصة يوسف عليه السلام
تمكن الحسد من قلوب أخوة يوسف، أرى الظلوم مال الظالم في مرآة "إني رأيت أحد عشر كوكباً" فتلطفوا بخداع "ما لك لا تأمنّا" وشوقوا يوسف إلى رياض "نرتع ونلعب" فلما أصحروا أظهروا المقت له، ورموا بسهم العدوان مقتله، ففسخ نهار رفقهم به ليلَ انتهارهم له، فصاح يهودا، في بقايا شفق الشفقة وأغباش غيابة الجب "لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابةِ الجُب" فلما ألقوه، وقالوا هلك، جاء ملك من عند ملك، يقول: ستبلغ أملك "لتنبئنَّهُم" فعادوا عمن عادوا كالأعشى "عِشاءً يبكون" ولطخوا قميصه الصحيح "بدمٍ كَذِب" فلاحت علامة سلامة القميص كي يظهر كيدهم، فقال حاكم الفراسة "بل سوَّلتْ".
فلما ورد وارد السيارة، باعوا الصدفة ولم يتلمحوا الدرة، واعجبا لقمر قومر به، فلما وصل إلى مصر تفرس فيه العزيز، فأجلسه على أعزاز "أكرمي" فشغف قلب سيدته وفرى "فراودته" فسار بأقدام الطبع في فلاة غفلات "همَّت به وهمَّ بها" رد "لولا أن رأى" فأنقذ قوى الفرار وما استبقى "فاستبقا" فانبسطت يد العدوان وامتدت "وقدَّت" فلما بانت حجته في إبان "وشهد شاهد" أخذت تزكي مصراة الإصرار، بيمين يمين "ولئن لم يفعل" فاختارت درة فهمه، صدفة الحبس لجهل الناقد "ربِّ السجن أحبُّ إليَّ" فلما ضاق قفص الحصر، على بلبل الطبع ترنم بصوت "اذكرني" فعوقب بإيثاق باب "فلبث في السجن" فلما آن أوان الفرج، خرج إلى الملك.
هذا ويعقوب مفترض فراش الأسى على حزن الحزن، لا يستلذ نوماً ولا سِنة، ثمانين سنة، حتى نحل البدن، وذهب البصر:
لم يبق بعدكم رسم ولا طلـلُ إلا وللشوق في حافاته عملُ
إذا شممت نسيماً من بلادكـم فقدت عقلي كأني شاربٌ ثملُ
فلما عمَّ عامُ القحط أرض كنعان، خرج أخوته لطلب الميرة، فدخلوا عليه في ظلام ظلمهم، فرآهم المظلوم بعين "لتنبئنَّهم" وخفي عليهم نعمة "اقتلوا يوسف" فأقبل عليهم سائلاً، وأقبل الدمع سايلاً وتقلقل تقلقُلَ الواجد، ليسمع أخبار الوالد:
إيه أحاديث نعمان وسـاكـنـه إن الحديث عن الأحباب أسمارُ
أفتش الريح عنكم كلما نفحـت من نحو أرضكم نكباء معطارُ
فقالوا: جئنا من أرض كنعان، ولنا شيخ يقال له يعقوب، وهو يقرأ عليه السلام، فلما سمع رسالة أبيه، انتفض طائر الوجد لذكر الحبيب:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أحزان الفؤاد ومـا يدري
فرد السلام قلبه قبل لسانه، وشغله وكف شانه عن شانه، وقال مقول إبدائه بعبارة صعدائه:
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى فلاقى به ليلاً نسيم ربـى نـجـدِ
فإن بذاك الجو حـبـاً عـهـدتـه وبالرغم مني أن يطول به عهـدي
ثم إنه طلب آخاه، فاحتالوا بحجة "مُنع منّا الكيل" فلما حملوا حال بينهم وبينه، بحيلة "جعل السقاية" فلما دخل وقت التهمة "أذَّن مؤذِّن" فعادوا إلى أبيهم بشجى على شجن، وقرحٍ على جرح، وعقر على عقر في عقر، فقام وقد تقوس، وعسى على باب "عسى" ثم بعثه لطف "لا تقنطوا" على أن بعثهم برسالة "فتحسَّسوا" فلما رجعوا دخلوا من قفر الفقر، فاستقلوا في ساحة الضر، ينادون على غليل عليل الذل "وتصدق علينا" تالله لقد جوزيت أيد، مدها تغشرم "وشَرَوْهُ" أن مدت في طريق ذل "وتصدّق علينا" فلما عرفوه اعترفوا، فمحى ما اقترفوا بكف "لا تثريب" فرفع من موائد تلك الفوائد نصيب الوالد "اذهبوا بقميصي" فهبت نسايم الفرح، فتوغلت في خياشيم مريض كالفرخ، من فُرَج الفرج، فخر ركام الزكام، عن منخر الضر، فنادى مدنف الوجد "إني لأجد":
نشدتك اللـه يا نـسـيم ما فعلت بعدنا الرسومُ
هل استهلت بها الغوادي ونمقت روضها الغيومُ
وهل بها من عهدت فيها بعد على حاله مـقـيمُ
علل بروح الوصال صبا أنفاسه للجري سمـومُ
وعد فسلم علـى أنـاس ما أنا من بعدهم سلـيمُ
واشرح لهم حال مستهام أنت بأشواقـه عـلـيمُ
وقل غريب ثوى بأرض في غيرها قلبه يهـيمُ
يكابدُ الشوق حين يمسي وتعتري قلبه الهمـومُ
أحبابنا تنقضي الليالـي وما انقضت تلكم الكلومُ
ذاك اللديغ الذي عهدتم بعد على حاله سقـيمُ
أصبح من فقركم وحيداً فلا خليل ولا حمـيمُ
لم تجر ذكر الفراق إلا حن كما حنت الرزومُ
فلما كشف يعقوب فدام الوجد، بكف "إني لأجد" أحدقت به عواذل "تالله تفتؤ"، تالله لو وجدوا ما وجد ما أنكروا ما عرف.
للمهيار:
هل لكما من عـلـمِ بالطارق الـمـلـمِ
سرى على الدياجـي سُرى أخيه النجـمِ
يشقُّ نجداً عـرضـاً من شخصه بسهـمِ
فنوّر الليلَ وليسـت من ليالـي الـتَّـمِّ
خذ يا نسيم عـنـي تحيتي ولـثـمـي
وهنهم بـوجـدهـم من الكرى وعُدْمي
قالوا هجرتَ أرضَهم أهجرُها برغمـي
قد وصلت إلى الحشا رسلكُمُ بالـسـقـمِ
فلـم تـدع واسـطةً بين دمي ولحمـي
عج كي ترى رسوماً ثلاثة فـي رســمِ
سوَّى النحول بينـنـا تعرفنا بـالـوهـمِ
خط هـلال لــيلة ودارهم وجسمـي
الفصل الحادي عشر
في قصة أيوب عليه السلام
جُمع لأيوب بين كثرة المال وحسن الأعمال، فملا مدحُه بالوفاق الآفاق، فأثارت تلك الآثار حسداً من إبليس قد تقادم منذ آدم، فقال: يا رب أن سلطني عليه، ألقيته في الفتنة، فألفيته في الفئة المفتونين، فقيل: قد سلطناك على ماله من مال، فمال إلى جميع عفاريته، ففرقهم في تمزيق ماله، وتولى هو رَمْيَ بيته على بنيه، ثم أتى في صورة معلمهم يعلمه، فرأى ذلك لا يؤلمه، أنصت العدو ليسمع عربدة السكر، فإذا أيوب يتلو آيات الشكر، فصاح بلسان حسده، سلطني على جسده، فسلطه وقد سبقه الصبر، فتقطع الجسم وداد: وما تقطع رسم الوداد، فأخرجه أهل قريته، لقرح قرحه إلى قرواح كناسة، فرموه كسيراً كالكسرة وكساء كساده عندهم أعلى عندنا من أغلى كسوة كسرى، فلم يزل ما نزل به حتى بدا حجابُ بطنه، وكان يبصر عظامه ومعاه معاً.
للمهيار:
ما اختص مني السقام جارحة كل جهاتي أغراض منتبـل
إذا لحاظي لجسمي امتعضت من الضنا قال قلبي احتمـل
فدام هذا البلاء عليه سنين، وفِدام الصمت عن الشكوى على فيه تبين، ولم يبق غير اللسان للذكر، والقلب للفكر، فلو أصغى إلى نطق حاله سمع فهم، أو سأله عن وجده رب قلب لسمع من الذماء الذما يناجي به الحق.
للشريف الرضي:
محا بعدكم تلك العيون بكاؤهـا وغالَ بكم تلك الأضالع غولُها
فمن ناظرٍ لم تبقَ إلا دموعـهُ ومن مهجةٍ لم يبق إلا غليلهـا
دعوا لي قلباً بالغـرام أذيبـه عليكم وعينا في الطلول أجيلها
فلما كع إبليس، لقي زوجته في صورة متطبب، فقال: عندي دواؤه، بشرط أن يقول بشفتيه شفيتني. فجاءت تدب، وقد أنساها طول البلاء تدبر المعنى، فأخبرت من قد خبر عدو العدو، فغضب المؤدب على تلميذ ما يقوم بطول الصحبة، فحلف لئن شفي، ليجلدنها مئة، فبينا المرء يكابد المر، مر به صديقان له، فقالا: لو علم الله من هذا خيراً، ما بلغ به هذا الأمر، فما شد على سمعه أشد من ذلك، فخر على عتبة "ولا تُشْمِت" واستغاث بلفظ "مَسَّنيَ" وصاح بإدلال "لو أقسم" فجاء بجبريل برسالة "اركض" وليس العجب لو ركض جبريل إنما العجب أن يركض العليل، فركضت خيل النعم عند ركضته فردت، وما غار الماء ما أغير عليه من نعمته، فنسي بنسيم العافية، ما ألمَّ من ألم، وردت يد المنة، كل ما مر منه وذهب، وكان نثار الرضا على واديه، بعد أن جرى وادي جرادى من ذهب، وأقبلت زوجته، وعليه يمين ضربها، وما كان يحسن في مقابلة صبرها، فأقبل لسان الوحي يتلو فتوى الرحمة، ويراعي ما سبق من مراعاة رحمة "وخذ بيدك ضِغثاً" تالله ما ضره ما أكل من جسده الدود، لما اختال في ثوب مودود، وأصبح مصطحباً شراب السرور، من جود الجود، فرنت قيان الفرح، إذ غنت السنة المدح لا يعود، وفاح عبير الثناء فزاد نشره على كل عود "إنَّا وجدناه صابراً نعم العبد".
الفصل الثاني عشر
في قصة شعيب عليه السلام
لما رأى شعيب شعب شعاب قومه قد امتلأت بالجور، صعد منبر التذكير بالإنعام، ولكن بين الأنعام، فخوّفهم من قحم قحل القحط في إشارة "إني أراكم بخير" فتلقوه باستهزاء "أصلواتك" ومدوا نحوه باع النخوة "لنخرجنك" وتعللوا بحجة "ما نفقه" وانتهوا إلى عتو "فأسقِط علينا" فلما اسمهر ظلام ظلمهم، اسحنكك ليل إدبارهم، واسلنطح نهار هلاكهم، فحقحق إليهم ما حق عليهم من محقهم، فأضل على ظلل ضلالهم "عذاب الظلّة" فارتجت أرجاء بيوتهم، برج الرجفة، وشدت عليهم شدة الحر، فهربوا إلى البر، فإذا سحابة تسحب ذيل برد البرد، فتنادوا هلموا إلى راحة الروح، فلما تم اجتماعهم في قصر الحصر، وظنوا أنها من حر وقتهم وَقَتْهم، نزلت بهم نار فأحرقتهم، فساروا إلى جهنم في أسر أدبارهم، وسار بعد بعدهم في إدبارهم، نذير التحذير من تبديرهم، وعابهم في عقاب عقابهم "ألا بُعداً لمدين" فليحذر العصاة مثل أفعى أفعالهم، وليتق أعمى البصيرة شبه أعمالهم، وليخف المطففون من أخذ التطفيف في مكيالهم، وليسمعوا نذير العبرة، فقد أوحى إليهم بشرح أعمالهم.
الفصل الثالث عشر
في ذكر بداية موسى عليه السلام
كانت الكهنة أخبرت فرعون بوجود موسى، فأطلق الموسى في ذبح الأطفال، فلما اتهمت أم موسى بالوضع، أوضع الحرس إلى بيتها بالطلب، فأدركها عند العلم الدهش، فألقته في التنور إلقاء الحطب، فلما عادت فرأته قد سلم شاهدت في ضمن ما صنعت أثر "واصطنعتك" فكانت سلامته من النار نقداً لأجل احتمل لأجله وعداً لنجاة يوم أليم، لما سعت بتابوته إلى البحر، ارتعشت يد التسليم فأمسكها، فصاح شجاع الشجاعة بملء فيه: أن اقذفيه فيه، فصدرت بعد إلقائه بصدر قد لوى به لواعج الاشتياق، لا يعلم قدر ما به، إلا من قد رمي به، فتلقاها بالبشر بشير "إنّا رادُّوه" فلم تزل أمواج اليم، تيمم به مسالك القدر، إلى أن خبت به خيل النيل، فشرعت في تناوله مشرعة دار فرعون، فألقته في برية "فالتقطه" فلما فتحوا التابوت أسفر عن مسافر على نجيب النجابة، قد جعل زاده في مزود "ولتُصنع" ووشح قلادة الحب قد رصعت بدر "وألقيتُ" فقام فرعون على أقدام الإقدام على قتله، فخرجت آسية من كمين أتباعه، تنطق عن لسان "سبقت لهم" وتنادي في مخدع خديعة الحرب "قرة عين لي ولك" وتجمع في كلامها ما هو فرد في لغة الغدر "عسى أن ينفعنا" فلم يزل فرعون في أغباش غرور يذبح، حتى طلع غرر صبح "ونريد أن نمنّ" فلما قص شوق أمه جناح صبرها، قالت لأخته "قصيه فبَصُرَت به" في حريم "وحرّمنا" فدنت فدندنت حول حلة الحيلة، بحول "هل أدلكم" فلما حفظت باب المكر، بحارس "يكفلونه لكم" دخل طفيلي الوجد من باب "وهم له ناصحون" فجاءت بأمها يؤمها دليل الطرب، فكادت إذ حضرت تحضر في ميدان "لتبدي به" فكبحها لجام "لولا أن ربطنا" فخافت لسان جهرها لما خافت، فسل من أيديهم إلى سلم تسليمها، فقر في حجر "كي تقر عينها" وترنمت بلابل الوصال فأخرست بلابل الفراق.
فربي موسى في ربى فرعون، ونمى بين نمارقه، إلى أن آن أوان مشاجرته، فجرى القدر بقتل القبطي، ليكون سبباً في سر سير "ولما توجّه" فسعى على أرجاء رجاء "عسى ربي" فتزود مزود "ولما ورد" فتجمع شمل الصهر بواسطة "إنَّ أبي" فبقي ضمان الوفاء إلى أمانة "فلما قضى موسى الأجل" فتلمح معنى "قال لأهله امكثوا" فيبدو في بادية الحيرة أنيس "إني آنست" فترامى كف الطمع إلى مرامي "لعلِّي آتيكم" فأطل على طلل الطلب أقدام "فلما أتاها" فتلقط ثمار التكلم من غير كلفة "وهزي" تساقط من جني جنات التجلي "إني أنا الله".
الفصل الرابع عشر
في تكليم الله عز وجل موسى
عليه السلام
لما خرج موسى بأهله من مدينة مدين، انطلق طلق الطلق بزوجته فما زال يكادح المقادح فلم تور، لأن عروس نار الطور لما همت بالتجلي، نوديت النيران بلسان الغيرة من المشاركة "غضى" فقام على أقدام التحيرة، فهتف به أنيس "آنس" فأنس:
يا حار إن الركب قد حاروا فاذهب تجسس لمن النـارُ
تبدو وتخبو إن خبت وقفوا وإن أضاءت لهم سـاروا
فشمر موسى عن ساق القصد وساق، فلما أتى النادي "نودي" فحين ذاق لذة التكليم، جرح قلبه نصل الشوق، فلم يداوه إلا طبيب "وواعدنا".
ليالينا بـذي الأثـلاث عـودي ليورق في ربى الأثلاث عودي
فإن نسيم ذاك الـشـيح أذكـى لديَّ من انتشاقي نشـر عـودِ
وإن حديثكم في القلب أحـلـى وأغيب نغمة من صوت عـودِ
فبعث في حرب فرعون، فلم يزل مشغولاً بالجهاد، إلى أن قبر القتيل في لحد اليم، فطلب قومه كتاباً يضبط شاردهم ويرد نادهم، فأمره الله أن يصوم ثلاثين ليلة، نهاره وليله فأمسك على مسك الإمساك بكف الكف في الوصال، فدام فِدامُ فيه عن مطمع المطعم، فقيد فقيد قوت الوقت، فصار في قيء ذكر الوعد، فما انقضت الليالي حتى انقضت ظهر البصر، فقام لتراى جلال الوفاء بالأمر، فلاح في مطلع فلاح القصد، فبادر يسعى على أقدام الحب، إلى زيادة ربع الحب، فكاد يقله قلقلة الوجد، فوجد الهواء متغير الريح، في عرضة الفم، فصاح به فصيح لسان الحزم من وراء رأي العزم: يا موسى غير أثراً لازم، فتناول مضغة من النبات فمضغها، فقيل له: أيها الصائم عن أمرنا، لم أفطرت برأيك? فقال: وجدت لفمي خَلوفاً، وما أردت بفعلي خلافاً، فقيل: ما علمت أن فور فورة الخلوف من قدر الإمساك، أطيب عندنا من فارة فارة المسك، إنا لننظر إلى قصد الفاعل لا إلى صورة الفعل، الدم نجس مجتنب، لكنه في حق الشهيد شهي "زملوهم بكلومهم ودمائهم" فرجع موسى عاكفاً على معتكف كف كفه "فتم ميقات ربه" وأحضر حظيرة القدس، فنسي الأنس، مما آنس من الأنس:
فكل شيء رآه ظنه قـدحـاً وكل شخص رآه ظنه الساقي
فلما دارت في دائرة دار الحب كؤوس للقرب، وسمع النداء وسط النادي بلا واسطة، وسيط له من وسيط أقداح المنى في المناجاة بلا وسيط، طاب له شراب الوصال من أوطاب الخطاب، في أواني سماع الكلام، فناداه توق شوقه:
أوان أنـت فـي هـذا الأوان عن الراح المروق في الأواني
رأى على الغور وميضاً فاشتاق، ما أجلب البرق لدمع الأماق فصاح لسان الوجد "أرني" فرد شارد شحذان الشوق على الطوى بطوق "لن تراني" إلا أن جزع الفطام سكن شعله بتعلة "ولكن" فلما تجلى جل جلاله للجبل مر، فخر موسى في بحر الصعق فرقاً، فرقي فرقه ذروة "سبحانك تبت إليك" ما انبسط موسى يقول أرني إلا ببسط، سلني ولو ملح عجينك، ولو تركه مع رعيه الغنم في شعب شعيب لما جال في ظنه ذلك الطمع، ولكنه استدعاه بالنداء، وآنسه بالتقريب، وباسطه بالتكليم.
فلما عاين الحـيرة حادى جملي حارا
كان موسى يطوف في بني إسرائيل، ويقول من يحمّلني رسالة إلى ربي? ما كان مراده إلا أن يطول الحديث مع الحبيب:
فقلت له رد الحديث الذي انقضى وذكراك من ذاك الحـديث أريدُ
يحدد تذكار الحـديث مـودتـي فذكرك عندي والحـديث جـديدُ
أنـاشـده ألا أعـاد حـديثــه كأني بطيء الفهم حـين يعـيدُ
مات موسى قتيل شوق "أرني" فلما جاز عليه نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ردده في الصلوات، ليسعد برؤية من قد رأى:
وإني لآتي أرضكم لا لحـاجة لعلي أراكم أو أرى من يراكم
إن تشق عيني فطالما سعـدت عين رسولي وفاز بالنـظـر
وكلما جاءني الرسـول لـهـم رددت شوقاً في طرفه نظري
تظهر في طرفه محاسنـهـم قد أثرت فيه أحـسـن الأثـرِ
خذ مقلتي يا رسـول عـارية فانظر بها واحتكم على بصري
?الفصل الخامس عشر
في قصة الخضر عليه السلام
لما علا شرف الكليم بالتكليم كل شرف، قال له قومه أي الناس أعلم? فقال: أنا. ولم يقل فيما أعلم، فابتلي فيما أخبر به واعلم، فقام بين يدي الخضر، كما يقوم بين يدي السليم الأعلم، فابتدأ بسؤال "هل أتبعك" فتلقاه برد "لن" وكم أنّ موسى من لن. أمر قومه بالإيمان فقالوا "لن نؤمن" وقعوا في التيه فقالوا "لن نصبر" ندبوا إلى الجهاد فصاحوا "لن ندخلها" طرق باب أرني فرده حاجب "لن"، دنا إلى الخضر للتعلم فلفظه بلفظ "لن" ثم زاده من زاد الرد بكف "وكيف تصبر" فلما سامحه على نوبة السفينة، وواجهه بالعتاب في كرة الغلام، أراق ماء الصحبة في جدال الجدار "هذا فراق بيني وبينك" ثم فسر له سر المشكل، فجعل يشرح القصص فصلاً فصلاً، بمقول قائل يقول فصلاً، وكلما ذكره أصلاً أصلى، لم يبق لموسى عين تراه أصلاً، وكلما سل من حر للعتاب نصلاً، صاح لسان حال موسى: كم نصلى? فألقى تفسير الأمور على الكليم وأملى، والقدر يقول: أهو أعلم أم لا? فعلم موسى ويوشع أي عبد أمّا منذ ابتدأ بالشرح بأمّا، ثم أخذ لسان العتاب، يذكر منسى موسى، أتنكر خرق سفينة? لظاهر إفساد تضمن ضمنه صلاح "ولكم في القصاص حياة" أو تنكر? إتلاف شخص دنى لإبقاء دين شخصين? أو كرهت إقامة الجدار، لشح أهل القرية بالقرا أفاردت من الأصفياء? معاملة البخلاء بالبخل، أما تلمحت سر? صل من قطعك، لقد أنكرت ما جرى لك مثله، حذرت يوم السفينة من الغرق، فصحت بإنكار "أخرقتها" أنسيت يوم? "فألقيه في اليم" أنكرت قتل نفس بغير نفس، أنسيت يوم? "لو كره" نهيت عن عمل بلا أجر، أنسيت يوم "فسقى لهما" فلما بان البيان، خرج الخضر من باب الدعوى، وأخرج يده من ملك التصرف وأحال الحال على الغير "وما فعلته عن أمري".
وهذه القصة قد حرضت على جمع رحل الرحيل في طلب العلم، وعلمت كيفية الدب في كف كف الاعتراض على العالم، وصاح فصيح نصيحها بذي اللب: دع دعواك فعلى دعوى الكليم ليم، وفوق كل ذي علم عليم.
الفصل السادس عشر
في قصة بلعام وموسى
أيها المتعبد: خف من الفتن ولا تأمن، كم قد أخذ أمنٌ من مأمن، إنه لم ينج من غطامط بحر الفتن الأعظم حافظ الاسم الأعظم، بل عام بلعام، رفل في حلل النعم كالنعم، غافلاً يتعامى عن النعم، وكانت بنية نية تعب تعبده على رمل الريا، فجرت تحتها أنهار التجربة، فانهار بنيانها فتخرب، كان على دينار دينه ورقة رقة، فأعجب نضره نواظر الناظرين، فلما حكه المنتقد على حجر الحجر افتضح بين أهل الحجى، وكان ظاهره لثقا بالتقى، وباطنه باطية لخمر الهوى، فلقد خبأ الخبايث في طي الطويات، فلما أراد المقدر تنبيه جاره على جوره، تقدم إلى القدر بهتك ستره، فآتاه وهو في عقر عقار الهوى، يعاقر عقار الريا وقد رفعت عقيرتها عاقر الفهم إلى أن عقر بعقر قلبه فعاد عقيراً، فدعه القدر إلى صف صفصف الدعوى، وأرسل عليه لإصراره صرصر العجب، فمزقت جلبات التعبد، فصيره عصفها عصفاً فانكشف عوار عورته فعوى، فإذا به كلب غفور، وقصة إقصائه أن القدر ساق الكليم إلى محاربة فساق بلدته، فقالوا له: اشحذ موسى الدعاء على موسى، فمج فوه مجمجة التمنع، فخوفوه بنحت خشبة، فخشته خشية الخلق، فخرج حتى أتى على أتان فلما قفا وقفت ليقف سير عزمه، فضرى بضربها حتى أضرَّ بها، فقامت في المحجة تتكلم بالحجة عليه، لم تضربني? وهذه نار تمنع الماشية المشي، فرجع إلى ملكهم فأخبره خبره، وما نقل العتب المقصود ولا خبره، فألجأ الملك إلى صلب عزمه إلى أمر صلب، إما الدعاء عليهم وإما الصلب، فخرج فأتبعه الشيطان، فما كان إلا أن بلغ المكان "فكان من الغاوين" تالله ما عدا عليه العدو، إلا بعد أن تولى عنه الولي، فلا تظنن أن الشيطان غلب، وإنما العاصم أعرض، وإن شككت فاسمع هاتف القدر، مخبراً عن عزة القادر "ولو شئنا لرفعناه بها".
الفصل السابع عشر
في قصة قارون
كان قارون غاية في فقهه وفهمه، وكان في النسب إلى موسى ابن عمه، فلما فاضت الدنيا عليه، فاضت نفس علمه، وكانت مقاليد خزاين خزاياه وقر ستين بغلاً، غير أن الذي فاته بما ناله أعلى وأغلى، سحب ذيل "فبغى" فقام قومه قومة بزجر "لا تفرح" وألقوا إليه نصائح "وابتغ، ولا تنس، وأحسن، ولا تبغ".
فركب يوماً في وقت اقتداره في أربعة آلاف مقاتل، وسم الهوى يعمل في المقاتل، وركب معه في معمعته ثلاثمائة جارية، وقد أنساه سفه الأمل أن سفينة الأجل جارية، فلما غلا وعلا، حط إلى حضيض "فخسفنا به" فقال الجاهلون: إنما بادر موسى بادرته، لأخذ بدرة بيداره فقال حاكم الغيب لإزالة الريب "وبداره" فقال موسى: يا أرض خذيه. فاستخذت لأمره. فسرت بسريره، فناشده قارون بالرحم فما رحم، فأخذته لتقدمه حتى غيبت قدمه، فما زال يردد القول حتى غاب الغبي الغني، وإنه ليخسف به كل يوم قدر قامة، فلا تظنن أن ذم الجزاء قد رقي منه، إن الدنيا إذا طلعت على الطغام تطغى، وإذا بغى نكاحها على العفاف تبغى، ثم إنها تقصد هلك محبها وتبغى، وكم عذلت في فتكها بالفتى الفتي وتلغي، أما دردرها فغرت? فلما فرغت فغرت فاها فرغت للظعن، أما سحبت قرون قارون? مع أقرانه. إلى القران في قرن، أما كفكفت كف مكفوف محبها فارتك فن ما يكون فيك في كفن، تالله لقد لقي الغبي الغني غب غبواته، فلما انجلى غيهب غيمه، رأى الغين والغبن نعوذ بالله من الخذلان.
الفصل الثامن عشر
في قصة داود عليه السلام
لما حلي داود حلية النبوة، ولُقن فصل فصل الخطاب، أطرب شدو شكره سمع القبول، فمتعه إقطاع "يا جبال أوِّبي معه والطير" فأعجبته سلامة العصمة، فتجهز للإجهاز على جرحي الزلل، فرماهم بسهم، لا نغفر للخطائين، والقدر قد أترع له مما سيعض له الأنامل ملء الإناء، فابتلى بالذنب حتى نكس رأس الرياسة على عتبة الذل، ودب إلى داود المعاصي دبيب الدبا من حيث ما دبر، رماه سهم ليالي القضاء في درع ليالي الفتن. فقضى عليه فما قدر على رده "وقدِّر في السرد":
وإذا رامي المقـادير رمـى فدروع المرء أعوان النصال
ظن لقوة لقوة عصمته لقاء قرن الهوى، فلاحت له في حم دعواه حمامة من ذهب، فذهب يصيدها، فوقع في عين شرك عينه.
للمهيار:
ظنَّ غداة الخيف أن قد سلبهـا لما رمى سهماً وما أجرى دما
فعاد يستقـري حـشـاه فـإذا فؤاده من بينها قـد عُـدمـا
لم يدر من أين أصيب قلـبـه وإنما الرامي درى كيف رمى
طاف على بابه طبيب الألطاف، فأراد استخراج النصل من باطن الشغاف، فجئنا على عتبة عتابه، بأعتوبة "خصمان" فقضى على نفسه في صريح "لقد ظلمك" فبينا هو يلاحظ لفظ القضية، المعا معا معاني المعاصي ففطن، ففت بالفتى الفاتن فتن فتياه "وظن داود أنما فتناه" فنزل عن مركب العز إلى مس مسجد الذل، وافترش فراش من قد أسا في دار الأسا، وخلع خلع الفرح لجلباب الحزن، وزرّ زرزر مانقة الخوف على شعار القلق، فأسكت الحمايم بنوحه، وشغلها عن صدحها بصوته، فبالغ حريق الندم في سويدا قلبه، وأقلق الأفئدة بشجى شجنه، ومات خلق كثير من الخلق بترنم شجوه وصوته، وشرب عرق العشب من عين عينه، وحشى سبعة فرش رماداً، ثم رمى داء الحشا، بعد أن فرشها فرشها، وكان يقول في مناجاته: إلهي خرجت أسأل أطباء عبادك. أن يداووا لي جرح خطيئتي فكلهم عليك يدلني، إلهي أمدد عيني بالدموع، وضعفي بالقوة، حتى أبلغ رضاك عني.
....:
يا من تجنب صبري من تجـنـبـه هب لي من الدمع ما أبكي عليك به
حتى متى زفراتي في تصاعـدهـا إلى الممات ودمعي في تصـوبـه
ولي فـؤاد إذا لـج الـغـرام بـه هام اشتياقاً إلى مقـيا مـعـذبـه
ما زال يغسل العين من عين العين، ولسان العتاب يقول: يا بعد اللقا، وكلما رفع قصة غصة جاء الجواب بزيادة الجوى، وهو يستغيث وينادي، حتى أقلق الحاضر والبادي:
إن شفيعي إليك مـنـي دموع عيني وحسن ظني
فبالذي قـادنـي ذلـيلاً إليك إلا عفوت عـنـي
الفصل التاسع عشر
في قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس
ركب سليمان يوماً مركب الريح، فراحت بوادره على وادي النمل، فندت نملة فنادت أخواتها بنداء "لا يحطمنكم" فحملته أريحية سكر الشكر على طرب "فتبسم ضاحكاً" وذلك أنها بلفظ "يا" نادت "أيها" نبهت "النمل" عينت "أدخلوا" أمرت "مساكنكم" نصت "لا يحطمنكم" حذرت "سليمان" خصت "وجنوده" عمت "وهم لا يشعرون"، عذرت، فلما فصل طالوت ملكه بالجنود عن وادي النمل، وقع في مفازة لا يرى فيها على ماء علماً، فجاش جاش الجيش لفقرهم في القفر إلى الماء الما، وكان الهدهد يدلهم على الماء فغاب، فتواعده بلفظ "لأعذبنّه" فجاء ببهت ذكي "أحطت بما لم تحط به" فحمله كتاباً، فألقاه من قاره، بمنقاره، فرأت اليقظى بيقظان فهمها كتاباً مختوماً، كلاماً عجيباً، وحاملاً غريباً، فصادها العقل والفهم فصاداها، فاستشارت قومها فأوموا إلى الحرب بلفظ "نحن أولو قوة" فعلمت أن من جنده الطير لا يقاوم، وبعثت ما يفرق به بين الدعوة والدعوى "وإني مرسلة إليهم بهدية" واعجبا للذهب إذا ذهب سهمه لا يخطي، وللرشا إذا رشت مزالق أقدام العقول لا تبطي.
....:
لا يغرنك من الـم رء إزارٌ رقعـهْ
وقميص فوق كعب الساق منه رفعـهْ
وجبـينٌ لاح فـيه أثر قد خـلـعـه
أره الدرهم تعرف غيه أم ورعــه
فلما بدت هوادي هديتها، صاح سليمان بعز "أتمدونني بما" فلما صح عندها ما يدعو إليه وثبت، وثبت على أقدام الطلب، وهيأت مراكب القصد، ورحلت في هجير شمس الهدى على نجائب الهجرة، فلما سمع سليمان برحيلها، أراد تقوية دليلها، فنادى في نادي عفاريته، مستعرضاً جند بطشها "أيُّكم يأتيني بعرشها" فلما جيء به ستره بقرام "نكِّروا" ثم ابتلاها، ليرى ذكاها "أهكذا عرشك" ثم صرح بلفظ "ادخلي الصرح" فشبه لها لضعفها عن لطافة كاس ساقيها، فكشفت عن ساقيها، فلما وصلت وسلمت، أسلمت فسلمت، وحلت قبل أن حلت نطاق النطق، فنثرت خرزات نظامه على نظم العذر "إني ظلمت نفسي وأسلمتُ مع سليمان لله رب العالمين".
الفصل العشرون
في قصة مريم وعيسى عليهما السلام
كانت أم مريم جنة قد حنت إلى ولد، فكبر عليها امتناعه واستولى الكبر، فرأت يوماً طائراً يغذو فرخاً فرحاً، فرجى أملها اليؤوس فرحاً فرجاً، فسألت عند هذه القضية ولديها ولداً، فلما علمت بالحمل أكسبها السرور ولهاً، فوهبته بلسان النذر لمن وهبه لها، فقال القدر: يا ملك التصوير، صور الحمل أنثى، ليبين أثر الكرم في قبول الناقص.
فلما وضعتها وضعتها بأنامل الانكسار عن سرير السرور، فإن لسان التلهف لما ألقى على الفايت "إني وضعتُها أنثى" فجير كسرها جابر "فتقبلّلَها" وساق عنان اللطف إلى ساق زرعها، فربا في ربى "وأنبتها" فانطلقت بها الأم تأم بيت المقدس، فلبس القوم لامهم في حرب "يُلقون أقلامهم" فثبت قلم زكريا إذا وثبت الأقلام فكفتها وكفلها، فأراه المسبب غناها عن السبب. بآية "وجد عندها رزقاً" فرباها من ربها فنشأت لا ترى إلا ربها.
فانتبذت يوماً من أهلها، فأقبل نحو ذلك البري البري بريد "فأرسلنا" فتحصنت الحصان بحصن "إني أعوذ" فانزوى إلى زاوية "إنما أنا رسول ربك" وأخبرها بالتحفة في لفظ "ليهب" فأقيمت فأقيمت في مهب ريح الروح، فتنفست الكلمة من كمين الأمر، فنفخ جبريل في جنب الدرع جيب، فمرت المرأة حاملاً في الوقت، فلما علمت ألمت بما حمل عليها الحمل، فأخرجها الحياء الحي عن الحي، فلما فاجأها وقت الوضع، فاجأها المخاض إلى الجذع، تحيرت من وجود ولد، وما فجرت، فجرت عين الدمع، فصاح لسان الخفر، بلفظ الندب "يا ليتني مت قبل هذا" فأجابها الملك، عن أمر من ملك "أن لا تحزني" وأجرى لها في أواني الأوان سرى، كما وهب لها من الغلمان سرى فسرى عن سرها وجود الظهور، وأنس الظاهر، فسرا، وأريت آية تدل على من قدر القدرة في مقام "وهُزّي" فهزت جذم جذع مايل مثل الحطب، فتساقط عليها في الحال رطب الرطب، فأخذها الجوى، في إعداد الجواب، فقيل لها "كلي" كل الكل، إلى من له الكل، كنت بمعزل من وجود الولد، فكوني بمعزل من إقامة العذر، فالذي تولى إيجاده يقيم عذر العذرا، لا تعجبي من وجود حمل سافر عن أرض القدرة، فلم يصلح أن ينزل إلا بمنزل، أركانه على عمد "إن الله اصطفاك وطهركِ واصطفاكِ" فلما سكتت وسكنت، بعد أن قعدت وقامت، أقامت أيام النفاس فانقضت وفاتت "فأتت بها قومه تحمله" فنادوا من أندية التوبيخ، إذ ما شاهدوا قط أختها "يا أخت هارون" فأضجروا مريضاً قد ضنى من أنين "إني" على فراش "يا ليتني مت" فلما شارت أرى الرأي. أشارت إليه، فأخذت السنة تعجبهم تعج بهم "كيف نكلِّم" فكأنها قالت لهم: أنا طريق وهذا مر بي، والمسافر يسأل عن الطريق لا الطريق عن المسافر، فقام عيسى يمخض أوطاب الخطاب على منبر الخطابة، فأبرز بالمخض محض إبريز الإقرار "إني عبد الله" وأومى إلى وجوده من غير أب، في إشارة "وبراً بوالدتي" وكانت واسطة عقده "ومبشراً برسول".
فلما تم له سن الشباب، جلس على باب المعجزة، يعطي العافية العافية، ويبرئ الأكمه والأبرص، فربما ألفى ببابه خمسين ألفاً يؤمونه في كل يوم، ولقد فرك الدنيا فطلقها أي تطليق، وأبغضها ولا كبغض الرافضي الصديق، فغزاها بجند الزهد بين مسرح وملجم، وفتك بها كما فتك بالتقى ابن ملجم، ما التفت إليها قط وجه عزمه، ولا صافحا يوماً كف قلبه، ولا غازلها يوماً لسان فكره فلم يعرف حقيقة ما حوى سوى الحواريين، فشمروا عن ساق العزائم، في سوق بدن الأبدان إلى منى المنى، تحن بلفظ "نحن أنصار الله" وكتبوا في عقد العقايد "آمنا بالله" فعدلوا بها إلى عدل "واشهد بأنّا مسلمون".
ثم إن اليهود اجتمعوا في بيت "ومكروا" فزلزل عليهم بيد "ومكر الله" فدخل عيسى خوخة، فدخل خلفه ذو دخل فألقى عليه شبهه، فحاق بالمرء مرّ مراده، وصاح فيه حاكم القدر جود مراقيها.
الفصل الحادي والعشرون
في قصة يحيى بن زكريا عليه السلام
لما قام زكريا عليه السلام بإقامة الإقامة لمريم، رأى وكيل الغيب يسبقه بالإنفاذ على يد القدرة في كنّ كن، وكان إذا خرج ثم جاء فاجأ ثم الثمار قد نمت، فكم قد ألفى الفاف الفاكهة الفايقة لا في حينها، فتلمح بعين زرقاء الفهم، فرأى نفقة الجارية جارية، وكيس الأسباب على ختمه، فصاح لسان الدهش "أنّى لكِ هذا" فأحالت الحال على المسبب "هو من عند الله" فنبهت هذه الآية راقد طمعه، بعد أن طال وسنه سبعين سنة، فسن على سنة وجهه ماء رجاء ماء آسن مما لم يتسنه وقام الدردح بعد أن تقعوس وتسعسع وعسى على باب عسى في محراب "دعا زكريا ربه" فسرى بسره سراً، لئلا ينسب إلى فن من أفن، وكتب قصة "لا تذرني فرداً" وشكا ما شيك به مما حل من حل التركيب وشيكاً، في كلمات هن "وهن العظم مني" فلما أورد في قصته، ما يريد حملها بريد الرجاء، إلى من عود العود العود فكشف الجوى في الجواب، لله دره خدم حتى شاب، ثم طلب نابياً على الباب، فأصبح ميت أمله بوجود يحيى، فمشى لمشاهدة وجه القدرة، وقد حال بينهما سفر العادات، إلى أن لفظ بلفظ "إني" وهتف به هاتف "هو عليَّ هيِّن" فسأل علماً على ما يعلم به وجود الحمل، لحمل نفسه على الشكر، فوعد بسجن اللسان، مع سلامة اللسان، إلا عن ذكر الرحمن، ليكون حج نطقه مفرداً.
فلما ولد له يحيى، لم يبلغ مبلغ يافع، إلا وهو ولد نافع، كان صبا الصبا تميل بالصبيان ولا تهزه، فإذا قالوا له هلم بنا فلنلعب، قال: إنما خلقنا للتعب لا للعب، فقط له القدر قطاً من عصام العصمة ما قط لأحد، فما خطا إلى خطأ ولا هم، ولقد رمى الدنيا عن يد التمسك، وعلا عن فضولها على قلل التقلل، فكان عيش عيشه العشب، واقتنع بمسوك الحيوان عن السب والشف والمشبرق، وشغله عن رقش نقش القشيب والدمقس ما لف مما لفق، ولقد دوى في دو فؤاده غيم الغيم فغدا الغدق يدق إلى أن فاض قليب قلبه، فانقلبت عيناه بقلب كالعيون حتى فرت، فحفرت في أخدود الخدود مجرى، ولم يزل معول دمه يحفر ركية خده، حتى بدت فيه أضراس فيه، يا عجباً من بكاء من ما عصى ولا هم، وضحك من كتابه بالذنوب قد ادلهم، فلما قارب الوفاة وفات العدو، علم من آفات النقل في المواطن المخصوصة، بوحش الوحشة، فتخلص فيها من أسد البلاء، كما حمى من ذنب الذنب "يوم وُلد ويوم يموت ويوم يُبعث حياً".
الفصل الثاني والعشرون
في قصة أهل الكهف
كان رقم "كتب في قلوبهم الإيمان" قد علا على كهف قلوب أهل الكهف، فلما نصب ملكهم شرك الشرك، بان لهم خيط الفخ ففروا، وخرجوا من ضيق حصر الحبس إلى الفضاء فضاء لهم، فما راعهم في الطريق إلا راع وافقهم، فرافقهم كلبه، فأخذوا في ضربه لكونه ليسوا من ضربه، فصاح لسلط حاله لا تطردوني لمباينتي جنسكم، فإن معبودكم ليس من جنسكم، أنا في قبضة إيثاركم أسير، أسير إن سرتم، وأحرس إن نمتم، فلما دخلوا دار ضيافة العزلة، اضطجعوا على راحة الراحة من أرباب الكفر، فغلب النوم القوم "ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً" وكانت الشمس تحول عن حلتهم لحراسة حلتهم من بلاء بلي، وأعينهم مفتوحة لئلا تذوب بأطباق الأطباق، ويد اللطف تقلب أجسادهم لتسلم من أفن عفن، وجرت الحال في كلبهم، على ما جرت بهم، فكأنه في شرك نومهم قد صيد "بالوصيد".
فخرج الملك بجم جمعه في طلابهم فإذا بهم، فسد الباب وما وعى على وعاء مسك، فأضاع حتى ضاع بيد الملك في بيد الهلك، فانساب راع إلى سبسبهم، ففتح باب الكهف ليحوز الغنم، فهب الهواء فهب الراقد، فترنم أحدهم بلفظ "كم لبثتم" فأجابه الآخر "يوماً" ثم رأى بقية الشمس نقية فاتقى بالورع ورطات الكذب، فعاد يتبع أوب "أو بعض يوم" فلما قفلوا من سفر النوم إلى ديار العادة، زاد تقاضي الطبع بالزاد، فخرج رئيسهم في ثوب متنكر، فضلت معرفته المعاهد، فأقبل يتهم اليقظة، فمد إلى بايع الطعام باعه، فما باعه، وظن أنه قد وجد كنزاً، ولقد وجد كنز "وزدناهم هدى" فحمله القوم إلى الوالي، فقال إنه لمالي، فما لكم ومالي? كنا فتية أكرهنا على فتنة فخرجنا عشية أمس، فنمنا في باطن كهف، فلما انتبهنا خرجت لأبتاع للأتباع قوت القوت، فسار القوم معه في عسكر التعجب، فسمع إخوانه جلبة الخيل، في جلبة الطلب، فتجاوبوا بأصوات التوديع، وقاموا إلى صلاة مودع، فدخل تمليخا فقص عليهم نبأهم، فعادوا إلى مواضع المضاجع، فوافتهم الوفاة، وفات لقاؤهم وسدلت عليهم حجاب الرعب، كف "لو اطّلعت".
إخواني ليس العجب من نائم لم يعرف قدر ما مر من يومه، وإنما العجب من نائم في يقظة عمره.
....:
أما والله لو عـرف الأنـام لما خُلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خُلقوا لِما لو أبصـرتـه عيون قلوبهم ساحوا وهاموا
ممات ثم قبر ثـم حـشـر وتوبيخ وأهـوال عِـظـامُ
يوم الحشر قد خُلقت رجالٌ فصلوا من مخافته وصاموا
ونحن إذا أمرنا أو نهـينـا كأهل الكهف أيقـاظ نـيامُ


.. الفصل الثالث والعشرون
في بداية أمر نبينا ورضاعه صلى الله عليه وسلم
خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من أرضى الأرض أرضاً، وأصفى الأوصاف وصفاً، وصين آباؤه من زلل الزنا، إلى أن صدفت بتلك الدرة صدفة آمنة، فوثبت لرضاعه ثويبة، ثم قضت باقي الدين حليمة، فقام نباته مستعجلاً على سوقه، مستعجلاً قيام سوقه، فنشأ في حجر الكمال كما نشأ، فشأى من شأى منشأ.
قدمت حليمة والجدب عام في العام، فعرض على المرضعات فأبين لليتم، فراحت به حليمة إلى حلتها، فثاب لبنها ولبن راحلتها، فباتوا البركة روائه رواء، وهب على مباركهم نسيم نسمة مباركة، فلما ظعنت الظعاين أتت أتانها تؤم أمام الركب، فلما حلوا حللهم. كانت الرعاء تسرح فيعفرها سرحان الجدب، وراعي حليمة يعيد الغنم بالغنم.
فبينا الصبي مع الصبيان، هبت صبا الجبر بجبريل، فجاءه فجأة فشق عن القلب، ثم شقه وما شق عليه، فعلق بيده من باطية باطنه علقة، فقال هذا حظ الشيطان، وقد قطعنا علقه ثم أعاد قلبه بعد أن قَلَبَه، وما به قلبة، فبقي أثر المخيط في صدره، باقي عمره لإظهار سورة "ألم نشرح".
فلما بلغ ست سنين، ألوى الموت بالوالدة، فجد في كفالته الجد، ثم طلب الموت عبد المطلب، فما أبى الطالب، ولا اشتغل بأوصابه حتى أوصى به أبا طالب، فخرج به وقد زانه كالتاج تاجراً، فتيمم باليتيم منزل تيماء، فرآه بحيراء ببحرته فقرأ سمات النبوة من شمايل "يعرفونه" فشام برق فضله فلاح من شيمة شامته، فقال لعمه: احفظ هذه الشامة من شامت.
وما زال نشره يضوع ولا يضيع، إلى أن تمخضت حامل النبوة في إبان التمام، وآثر الطلق طلاق الخلق، فتحرى غار حراء للفراغ فراغ إليه الملك، فأغار حبل الوصال في ذلك الغار، فأفاض عليه حلة "اقرأ" فأفاض إلى حلة "زمِّلوني" فسكّنت خديجة غلته، بعلة إنك لتصل الرحم ثم انطلقت به إلى ورقة فقرأ من ورقة سيماه نقش فضله، فتيقظ لفهم أمره إذ ناموا، فقال: هذا الناموس الذي نزل على موسى، ولقد عرفه الأحبار في الكنايس، والرهبان في الصوامع، وأنذر به الرئي وأخبر به التابع.
فكانت تسلم عليه قبل النبوة الأحجار، وتبشره بما أولاه مولاه الأشجار، وكان خاتم النبوة بين كتفيه، وسرايا الرعب تترك كسرى كالكسرة بين يديه، ألبس أهاب الهيبة وتوج تاج السيادة، وضمخ بأذكى خلوق أزكى الأخلاق، وأحل دار المداراة، واجلس على صفحة الصفح ولقم لقم لقمان الحكيم، ووضعت له أكواب التواضع، وأديرت عليه كؤوس الكيس متضمنة حلاوة الحلم، ختامها مسك النسك، وأعطى لقطع مفازة الدنيا جواد الجود، ونوول قلم العز فوقع على صحائف الكد، "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، كان يعود المريض، ويجيب دعوة المملوك، ويجلس على الأرض، ويلبس الخشن، ويأكل البشع، ويبيت الليالي طاوياً، يتقلب في قعر الفقر، ولسان الحال يناديه: يا محمد نحن نضن بك عن الدنيا لا بها عنك.
ولقد شارك الأنبياء في فضائلهم وزاد، أين سطوة "لا تذر" من حلم "اهد قومي" أين انشقاق البحر: من انشقاق القمر، أين انفجار الحجر من نبع الماء من بين الأصابع، أين التكليم عند الطور من قاب قوسين، أين تسبيح الجبال في أماكنها من تقديس الحصى في الكف، أين علو سليمان بالريح من ليلة المعراج، أين إحياء عيسى الأموات من تكليم الذراع، كل الأنبياء ذهبت معجزاتهم بموتهم، ومعجزة نبينا الأكبر، قائمة على منار "لأنذركم به ومن بلغ" تنادي "فأتوا بسورة من مثله" ولقد أعرب عن تقدمه من تقدمه، "آدم ومن دونه تحت لوائي" لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتّباعي، فإذا نزل عيسى صلى مأموماً، لئلا يدنس بغبار الشبهة وجه "لا نبي بعدي".
فهو أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وخطيب الخلائق إذا وفدوا، ومبشر القوم إذا يأسوا، الأنبياء قد سكتوا لنطقه، والأملاك قد اعترفوا بحقه، والجنة والنار تحت أمره، والخزان داخلون في دائرة حكمه، وكلام غيره قبل قوله لا ينفع وجواب الحبيب له "قُل تُسمَع" فسبحان من فض له من الفضائل ما فضله، وكسب من حلل الفخر الجم ما جمله، جمع الله بيننا وبينه في جنته، وأحيانا على كتابه وسنته.
الفصل الرابع والعشرون
قصة الغار والصديق
لما أغارت قريش خيل الحيل على الرسول، خرج إلى غار لو دخله غيره كان غرراً، فغريت قريش بالطلب، فنبتت شجرة لم تكن قبل. قبل الباب، فأظلت المطلوب، وأضلت الطالب، وجاءت عنكبوت فسدت فسدّت باب الطلب، حاكت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها فحاكت ستراً، ثم حمى اللطف الحمن، بحمامتين فما كان إلا أن سكنتا من الغار فماً، فما بان المستتر فاتخذتا عشاً، فغشى ما غشى من غشاء العشا، على أبصار المقتفين فصاروا كالأعشى، فراغ الأعداء نحو تلك الناحية، فرأوا دليل فراغ الغار الغار، فعادوا عن من عادوا، عوداً بحتاً بلا بخت، فقال الصديق عن حر الوجد، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
فلما رحلا لحقهما سُراقة، فسرقت الأرض قوايم فرسه، فلما رأى أرضاً صلداً قد فرست الفرس، فرست إلى بطنها ببطنها، أشربت نفسه علم اليقين بظنها، فأخذ يعرض المال على من قد رد مفاتيح الكنوز، ويقدم الزاد إلى شبعان "أبيت عند ربي" فجازا على خيمة أم معبد، فأصحت شاتها، وأصبحت تشهد، فوصلا إلى يثرب على نجائب السلامة، وفات الخير مكة، وفاءت المدينة بالكرامة.
الفصل الخامس والعشرون
في قصة أهل بدر
لما بادر بدر الشريعة بالخروج إلى بدر، رأى في أصحابه قلة فارتقى قلة "وشاورهم" فقام المقداد عن قوله قومة، لحق متابعة المبايعة، فقال: لو سرت إلى برك الغماد لتابعناك فما لبث الرسول أن صار يطلب بالخطاب الأنصار، ففطن لسعادته سعد بن معاذ، فقال: لو خضت البحر لخضنا، فرأى المصطفى في الأعداء العدد والعدة، والتفت إلى المسلمين فوجد إذ ما وجد، فاستقبل قبلة الطلب، واقتضى كريماً ما ماطل، فانتدب مدد العون بلا عون، فأقبلت سحابة تسحب ذيل النصر، فسمع المشركون منها حمحمة الخيل فحموا، وانقلبت قلوبهم من يحمومها حماً، فنزلت الملائكة مع الإلفين، جبريل في ألفين، وميكائيل في ألفين، وأسرى إسرافيل في ألف مرد مردفين، فعدلوا كالغمايم، قد سدلوا العمايم، وأرسلت قريش رايداً، فعاد بتأثير سالقي، فحذر القوم العزل سهام العزايم، فأثر عتبه في عتبة، وكان يشيب خوفاً شيبة، وأحكم حزام الحزم حكيم بن حزام، وأبى للجهل أبو جهل:
فلزهم الطراد إلى قـتـالٍ أحد سلاحهم فيه الـفـرارُ
مضوا متسابقي الأعضاء فيه لأرجلهم بأرؤسهم عِـثـارُ
فلما قلبوا إلى القليب، قام الرسول على رأس الرس ينادي الرؤساء حين رسوا بلسان "فانتقمنا" عن جواب "إن تستفتحوا" لتصديق "وينصرك الله" في مضمون "هل ثُوِّب" يا فلان ويا فلان: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً".
ذكر من شهد بدراً على الحروف حرف الألف أبي بن كعب، أبي بن ثابت، أوس بن ثابت، أوس بن خولي، أوس بن الصامت، أسعد بن يزيد، أنس بن معاذ، الأرقم، أربد، أسيرة، إياس.
حرف الباء بشير بن البراء، بشير بن سعيد، بلال، بحاث، بسبس.
حرف التاء تميم بن يعار، تميم مولى خراش، تميم مولى بني غنم.
حرف الثاء ثابت بن أرقم، ثابت بن ثعلبة، ثابت بن خلد، ثابت بن عمرو، ثابت بن هزال، ثعلبة بن حاطب، ثعلبة بن عمرو، ثعلبة بن غنمة، ثقيف.
حرف الجيم جابر بن خالد، جابر بن عبد الله بن رئاب، جبار، جبير، جبر.
حرف الحاء الحارث بن أنس، الحارث بن أوس، الحارث بن خزمة، الحارث بن ظالم، الحارث قيس، الحارث بن النعمان، حارثة بن الحمير، حارثة بن سراقة، حارثة بن النعمان بن رافع، حارثة بن النعمان بن نفيع، حاطب بن أبي بلتعة، حاطب بن عمرو الحباب، حبيب الحرام، حريث، حصين، حمزة.
حرف الخاء خالد بن البكير، خالد بن زيد، خالد بن قيس، خلاد بن رافع، خلاد بن سويد، خلاد بن عمرو، خليد، خباب بن الأرت، خباب مولى عتبة، خبيب بن يساف، خارجة، خليفة، خنيس، خولي.
حرف الدال ليس فيه أحد.
حرف الذال ذكوان، ذو الشمالين.
حرف الراء رافع بن الحارث، رافع بن عنجدة، رافع بن المعلى، رفاعة بن رافع، رفاعة بن عبد المنذر، رفاعة بن عمرو، الربيع، ربيعة، ربعي، رجيلة.
حرف الزاي زيد بن أسلم، زيد بن حارثة، زيد بن الخطاب، زيد بن سهل، زيد بن وديعة، زياد بن كعب، زياد بن لبيد، الزبير.
حرف السين
سعد بن خولة، سعد بن الربيع، سعد بن سهل، سعد بن عثمان، سعد بن مالك، سعد بن معاذ، سعد القاري، سعيد بن قيس، سهل بن حنيف، سهيل بن رافع، سهيل بن عتيك، سهل بن عدي، سهل بن قيس، سهيل بن بيضاء، سليم بن الحارث، سليم بن عمرو، سليم بن قيس، سليم بن ملحان، سليم أبو كبشة، سلمة بن أسلم، سلمة بن ثابت، سلمة بن سلامة، سالم بن عمير، سالم مولى أبي حذيفة، سراقة بن عمرو، سراقة بن كعب، سماك بن خرشة، سماك بن سعد، سنان بن صيفي، سنان بن أبي سنان، سويبط، سواد بن رزين، سواد بن غرية، السايب، سبيع، سفين، سليط.
حرف الشين شجاع، شماس.
حرف الصاد صالح، صفوان.
حرف الضاد ضمرة، الضحاك.
حرف الطاء الطفيل بن الحارث، الطفيل بن مالك، الطفيل بن النعمان.
حرف الظاء ليس فيها أحد.
حرف العين عبد الله أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، عبد الله أبو سلمة، عبد الله أنيس، عبد الله بن ثعلبة، عبد الله بن جبير، عبد الله بن جحش، عبد الله بن الجد، عبد الله بن الربيع، عبد الله بن رواحة، عبد الله بن زيد، عبد الله بن سراقة، عبد الله بن سلمة، عبد الله بن سهل، عبد الله بن سهيل، عبد الله بن طارق، عبد الله بن عبيد الله بن أبي عبد الله بن عبد مناف، عبد الله بن عبس، عبد الله بن عرفطة، عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عمير، عبد الله بن قيس بن خلدة، عبد الله بن قيس بن صخر، عبد الله بن مخرمة، عبد الله بن مظعون، عبد الله بن النعمان، عبد الرحمن بن جبر، عبد الرحمن بن عبد الله، عبد الرحمن بن عوف، عبيد بن أوس، عبيد بن زيد، عبيد بن أبي عبيد، عبيدة بن الحارث، عباد بن بشر، عباد بن قيس، عباد بن الخشخاش، عبد ربه، عتبة بن أبي ربيعة، عتبة بن زيد، عتبة بن غزوان، عتبة بن عبد الله، عقبة بن عامر، عقبة بن وهب بن ربيعة، عقبة بن وهب بن كلدة، عمر بن إياس، عمرو بن ثعلبة، عمرو بن سراقة، عمرو بن طلق، عمر بن معاذ، عمر بن أبي سرح، عمير بن الحارث، عمير بن الحمام، عمير بن عامر، عمير بن عوف، عمير بن مالك، عمير بن معبد، عمار، عمارة، عامر بن أمية، عامر بن البكير، عامر بن الجراح، عامر بن ربيعة، عامر بن سلمة، عامر بن فهيرة، عامر بن مخلد، عاصم بن ثابت، عاصم بن العكير، عامر بن قيس، عصيمة الأشجعي، عصيمة الأنصاري، عوف بن أثاثة، عوف بن عفرا، عاقل، عايذ، عبس، عدي، عنترة، عويم، عياض، عثمان بن مظعون.
حرف الغين غنام.
حرف الفاء الفاكه، وفروة.
حرف القاف قيس بن أبي صعصعة، قيس بن عمرو، قيس بن محصن، قيس بن مخلد، قتادة، قدامة، قطبة.
حرف الكاف كعب بن حماز، كعب بن زيد، كعب بن عمرو، كناز.
حرف اللام ليس فيه أحد.
حرف الميم مالك بن التيهان، مالك بن ثابت، مالك بن الدخشم، مالك بن ربيعة، مالك بن عمرو أبو حبة، مالك بن عمرو أخو ثقيف، مالك بن عمرو بن خيثمة، ملك بن قدامة، ملك بن مسعود، مسعود بن خلدة، مسعود بن الربيع، مسعود بن سعد الحارثي، مسعود بن سعد الزرقي، معاذ بن جبل، معاذ بن عفراء، معاذ بن ماعص، المنذر بن عمرو، المنذر بن قدامة، المنذر بن محمد، معتب بن حمراء، معتب بن عبدة، معتب بن قشير، معبد بن عبادة، معبد بن قيس، محرز بن عامر، محرز بن نضلة، معوذ بن عفراء، معوذ بن عمرو، مبشر، المحذر، محمد بن سلمة، مدلاج، مرثد، مصعب، معقل، معمر، معن، المقداد، مليل، مهجع.
حرف النون النعمان بن ثابت، النعمان بن سنان، النعمان بن عمرو، النعمان بن عبد عمرو، النعمان بن عصر، النعمان بن مالك، النعمان بن أبي خزمة، نصر، نوفل.
حرف الواو وهب بن سعد، وهب بن محصن، وافد، وديعة، وذقة.
حرف الهاء هاني، هشام، هلال.
حرف الياء يزيد بن الحارث، يزيد بن رقيش، يزيد بن عامر، يزيد بن المزين، يزيد بن المنذر.
وممن يعرف بكنيته ولا يعرف باسمه أبو الحمراء، أبو خزيمة، أبو سبرة، أبو مليل.
وامتنع من شهود بدر ثمانية لأعذار، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهامهم وأجورهم فكانوا كمن شهدها: عثمان، وطلحة، وسعيد، والحارث بن حاطب، والحارث بن الصمة، وخوات، وعاصم بن عدي، وأبو لبابة.
فهؤلاء البدريون بجملتهم، حشرنا الله في زمرتهم.
الفصل السادس والعشرون
في تزويج علي بفاطمة عليهما السلام
كان للنبي صلى الله عليه وسلم بنات فضلتهن فاطمة، وزوجات سبقنهن عائشة، وذلك أن اختيار القدر لا يحابي في التساوي، تُسقى بماء واحد "ونفضِّل بعضها على بعض في الأكُل" لما نهض عليّ لخطبتها، طرق بأنامل رجائه أرجاء باب الخطبة، فمشى إليه الآذن بالأذن على عجل العجل، فقد صدق الرغبة قبل نقد الصداق، فعقد العقد على درع لينبّه على جهاد الهوى، وجهزت بالإجهاز على عدو الزهد، ولم يرض لها جهاز الدنيا، لموافقة البضعة التي هي منه، فحلاها الرسول بحلية "فاطمة بضعة مني" وعقد لها عقداً خرزات نظامه "إن الله ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك"، وبعث بين يديها وصايف "غُضُّوا أبصاركم" ونصب لها سدة "ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة"، وأدخلها على الزوج في حلل الحالية عليها قناع القناعة، تسعى في فضاء الفضائل إلى خلوة الخلة، حتى أجلست على منصة النص، فأمر الله تعالى ليلة عرسها، شجر الجنان، فحملت حللاً وحلياً فنثرته على الملائكة، وليس المراد بذلك الملك، ولكن ليعلم رضى الملك.
يا عجباً، نثرت الحلل لأجل من فراشه جلد كبش، هلا حلت له منه حلة، كلا مركب الملك أحلى من أن يحلى، فدخل عليها الرسول، فاستدعى بإناء من ماء، فدعا فيه بالبركة، ثم رش على حبيبين بلا غش، فلما طاب لعلي ذلك الوقت، سأل الرسول سؤال سكران من شراب الوصل: يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي? ففصل الحاكم بين خصوم الحب، فقال: هي أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها، فلما حازت بما حازت قناطر الفضل، صين وجه الكمال بخال الخلل في العيش، فأقوى على الأقوى ففر الفقر، فصيح بفصيح خطاب الشرع: يا علي قم لكسب قوت الوقت، فخرج يسعى على أرض الرضا، بين أعلام الصبر، فبات يسقي نخلاً إلى الفجر بشيء من الشعير على وجه الأجر، فلما جاء به وأصلح للأكل قام سايل على باب البذل، فنادى: يا أهل نادي الندى والفضل، أطعمونا أطعمكم الله من الفضل، فثارت رياح الارتياح للإيثار، فأثارت سحاباً يقطر من قطرته قطر جور الجود، فسأل سيله بقدر وادي الود، فلما تروت بالماء أشجار الأنس، صدحت على ورقها ورق القدس وأغنى عن غرايب صدح المد "ويُطعِمون الطعام على حُبِّه" ثم أخبر الحق، عن مضمون القصد "إنما نطعمكم لوجه الله" فلو رأيت القوم يوم القيامة، في ظل "فوقاهم الله" وقد اكتست أجساد وكست بكسا الضنك غضارة العيش على حلل الخفض، واستراحت أيد تفرق أيدها من طحن الرجاء ونزع الدلو، "متكئين فيها" هذا من حصاد بذر النذر.
ولقد عجب العلماء من شرح هذا الأجر واستظرفوا عدم ذكر الحور في هذا الذكر، فبقوا متحيرين في جير الفكر، فنودوا من بطنان وادي الفضل، بأن ذلك لفضل فضل زهراء الأنس، غير عليها من ذكر الغير، وإنما أثرا على الطفلين، لأنهما غصنان من شجرة "أبيت يطعمني ربي" وبعض من جملة "هي بضعة مني" وفرخ البط سابح، وذكاة الجنين كذكرة أمه.
القسم الثاني في المواعظ
وهو المشتمل على المواعظ والإرشادات مطلقاً وهو مائة فصل
الفصل الأول
في قوله تعالى "هو الأول والآخر" يذكر فيه التوحيد
أول ليس له مبدأ، آخر جل عن منتهى، ظاهر بالدليل، باطن بالحجاب، يثبته العقل ولا يدركه الحس، كل مخلوق محصور، بحد مأسور في سور قطر، والخالق بائن مباين يعرف بعدم مألوف التعريف، ارتفعت لعدم للشبه الشبه، إنما يقع الإشكال في وصف من له أشكال، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، فأما من لم يزل ولا يزال فما للحس معه مجال، عظمته عظمت عن نيل كف الخيال.
كيف يقال له كيف، والكيف في حقه محال، أنى تتخايله الأوهام وهي صنعه، كيف تحده العقول وهي فعله، كيف تحويه الأماكن وهي وضعه، انقطع سير الفكر، وقف سلوك الذهن، بطلت إشارة الوهم، عجز لطف الوصف، عشيت عين العقل، خرس لسان الحس، لا طور للقدم في طور القدم، عز المرقى فيأس المرتقى، بحر لا يتمكن منه غايص، ليل لا يبين للعين فيه كوكب:
مرام شط مرمى العقل فيه فدون مداه بـيد لا تـبـيد
جادة التسليم سليمة، وادي النقل بلا نقع، انزل عن علو غلو التشبيه، ولا تعل قلل أباطيل التعطيل، فالوادي بين جبلين، المشبه متلوث بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص هو التنزيه، تخمّر في نفوس الكفار حب الأصنام، فجاء محمد فمحا ذلك بالتوحيد، وتخمر في قلوب المشبهة حب صورة وشكل، حييت فمحوتها بالتنزيه "والعلماء ورثة الأنبياء" ما عرفه من كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه، المشبه أعشى، والمعطل أعمى.
فما ينزه عنه فم، فيما يجب نفيه بثم جل وجوب وجوده عن رجم لعل، سبق الزمان فلا يقال كان إذ، تمجد في وحدانيته عن زحام مع، تفرد بالإنشاء فلا يستفهم عن الصانع بمن، أبرز عرايس المخلوقات من كنّ كن، بث الحلم فلم يعارض بلم، تعالى عن بعضية من، وتقدس عن ظرفية في، وتنزه عن شبه كان، وتعظم عن نقص لو أن، وعز عن عيب إلا أن، وسما كماله عن تدارك لكن.
إن وقف ذهن بوصفه صاح العز جز، إن سار فكر نحوه قالت الهيبة عد، إن قعد اللسان عن ذكره قال القلب قم، إن تجبر متكبر قال القهر شم، إن سأل محتاج قال الإنعام رش، إن تعرض فقير قال الوفر فر، إن سكت مذنب حيا قال الحلم قل، إن بعد ذو خطاء نادى اللطف إبْ، نثر عجايب النعم وقال للكل خذ.
من بيان عظمته "رفيع الدرجات" من أثر قسره "تُسبِّح له السماوات" توقيع أمره "يأمر بالعدل" واقع زجره "ينهى عن الفحشاء" ينادي على باب عزته "لا يُسأل" يصاح على محجة حجته "لمن الأرض ومن فيها" ينذر جاسوس علمه "ما يكون من نجوى ثلاثة" يقول جهبذ طوله "وإن تعدُّوا نعمة الله" يترنم منشد فضله "لا تقنطوا".
سبحان من أقام من كل موجود دليلاً على عزته، ونصب علم الهدى على باب حجته، الأكوان كلها تنطق بالدليل على وحدانيته، وكل موافق ومخالف يمشي تحت مشيئته، إن رفعت بصر الفكر ترى دائرة الفلك في قبضته، وتبصر شمس النهار وبدر الدجى يجريان في بحر قدرته، والكواكب قد اصطفت كالمواكب على مناكب تسخير سطوته، فمنها رجوم للشياطين ترميهم فترميهم عن حمى حمايته، ومنها سطور في المهامه يقرؤها المسافر في سفر سفرته، وإن خفضت البصر رأيت الأرض ممسكة بحكمة حكمته، كل قطر منها محروس بأطواده عن حركته، فإذا ضجت عطائها ثار السحاب من بركة بركته، ونفخ في صور الرعد لإحياء صور النبات من حفرته، فيبدو نور النور يهتز طرباً بخزامى رحمته، فإذا استوى على سوقه. زادت في سوقه نعامى نعمته، ويفتق يد الإيجاد بأنامل القدرة أكمام النبات عن صنعة صبغته، فيرفل في حلى حلل الحال الحالية إلى معبر عبرته، وتصدح الورق على الورق كل بتبليغ لغته، والأشجار معتنقة ومفترقة على مقدار إرادته، صنوان وغير صنوان، هذا بعض صنعته "ويُسبِّح الرعد بحمد والملائكة من خيفته".
نظر بعين الاختيار إلى آدم فحظي بسجود ملائكته، وإلى ابنه شيث فأقامه في منزلته، وإلى إدريس فاحتال بإلهامه على جنته، وإلى نوح فنجا من الغرق بسفينته، وإلى هود فعاد على عاد شؤم مخالفته، وإلى صالح فتمخضت صخرة بناقته، وإلى إبراهيم فتبختر في حلة خلته، وإلى إسماعيل فأعان الخليل في بناء كعبته، وإلى إسحق فافتكه بالفداء من ضجعته، وإلى لوط فنجاه وأهله من عشيرته، وإلى شعيب فأعطاه الفصاحة في خطبته، وإلى يعقوب فرد حبيبه مع حبيبته، وإلى يوسف فأراه البرهان في همته، وإلى موسى فخطر في ثوب مكالمته، وإلى إلياس فاليأس للناس من حالته، وإلى داود فألان الحديد له على حدته، وإلى سليمان فراحت الريح من في مملكته، وإلى أيوب فيا طوبى لركضته، وإلى يونس فسمع نداه في ظلمته، وإلى زكريا فقرن سؤاله ببشارته، وإلى يحيى فتلمح حصير الحصور على سدة سيادته، وإلى عيسى فكم أقام ميتاً من حفرته، وإلى محمد، فخصه ليلة المعراج رؤيته.
وأعرض عن إبليس فخزي ببعده ولعنته، وعن قابيل فقلب قلبه إلى معصيته، وعن نمرود فقال أنا أحيي الموتى ببلاهته، وعن فرعون فادعى الربوبية على جرأته، وعن هامان فأين رأيه? يوم اليم في وزارته، وعن قارون فخرج على قومه في زينته، وعن بلعام فهلك بل عام في بحر شقوته، وعن برصيصا فلم تنفعه سابق عبادته، وعن أبي جهل فشقي مع سعادة أمه وابنه وابنته، هكذا جرى تقديره من يوم "لا أبالي" في قسمته "ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته".
الفصل الثاني
ودين الحق" نذكر فيه فضل نبينا صلى الله عليه وسلم
لم يزل ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم منشوراً وهو في طي العدم، توسل به آدم، وأخذ له ميثاق الأنبياء على تصديقه، في بعض درسه علم إدريس، في ضمن وجده حزن يعقوب، في سر جده صبر أيوب، في طي خوفه بكاء داود، بعض غنى نفسه يزيد على ملك سليمان، غير بعيد خل خلاله خلة الخليل، ونال تكليم موسى، واسترجع له النظر عند قاب قوسين، فهو جملة الجمال، وكل الكمال، وواسطة العقد، وزينة الدهر، يزيد على الأنبياء زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر، فهو أصدرهم وبدرهم، وعليه يدور أمرهم، قطب فلكهم، عين كتيبتهم، واسطة قلادتهم، نقش فصهم، بيت قصيدتهم، حاتمهم، خاتمهم:
شمس ضحاها هلال ليلتها در تقاصيرها زبرجدها
لما رأى تخليط قريش في دعوى الشرك فر في بادية الهرب فتحرى غار حراء في الفرار للفراغ، فراغ إليه فجاء مزاحم "اقرأ" يا راهب الصمت تكلم، قال لسان العجز البشري: لست بقارئ، فحم لما حم فزمزم بلفظ "زمِّلوني" فصاح الملك "يا أيها المزَّمِّل" يا أطيب ثمار كن، يا محمولاً عليه. ثقل قل "قم".
لما بعث الملك الملك إلى نبينا برسالة "اقرأ" فتر الوحي بعدها مدة، مات قوس الشوق فرمت الكبداء الكبد، بكبد أعجز المكابدة، فكان يهم لما يلقي بإلقاء نفسه من ذروة الجبل، فإذا بدا له جبريل بدله، ثم رميت الشياطين عند مبعثه بأسهم الشهب، عن قوس "ويُقذفون من كل جانب" فمروا إلى المغارب، ومشوا إلى المشارق، ليقطعوا سبسب السبب، فجرت ريح التوفيق، بمراكب بعضهم إلى تهامة، فصادفوه في الصلاة، فصادفوه قلوب القوم، فصاحت ألسنة الوجد "إنّا سمعنا قرآناً عجبا".
تحركت لتعظيمه السواكن، فحن إليه الجذع، وسبح الحصى، وتزلزل الجبل وتكلم الذيب، كل كنى عن شوقه بلغاته. فمرضت قريش بداء الحسد فقالوا مجنون، يا محمد، هذا نقش يرقانهم لا لون وجهك.
لما أخذ في سفر "أسرى" فنقل إلى المسجد الأقصى، برز إليه عباد الأنبياء من صوامعهم، فاقتدوا بصلاة راهب الوجود، ثم خرج فعرج فعرضت عليه الجنة والنار، حتى عرف الطبيب عقاقير الأدوية، قبل تركيب الأدوية، يل لها من ليلة، قل غرب حد سيف "أتجعل فيها" ظنت الملائكة أن الآيات تختص بالسماء، فإذا آية الأرض قد علت.
أقبلت رؤساء الأملاك، تحيي الرئيس الأكبر، فرأى في القوم ملكاً نصفه من ثلج ونصفه من نار، فعجب لاجتماع الضدين، فقيل لا تعجب فعندك أعجب منه، لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، كان جبريل دليل البادية فلما وصل إلى مفازة ليس فيها علم يعرفه، علم ابن أجود أن الصدق أجود، فقال: ما أنت وربك، فإذا قامت القيامة، فموسى صاحبه، وعيسى حاجبه، والخليل في عسكره، وآدم ينادي بلسان حاله يا ولد صورتي، ويا والد معناي، ما صعد من بحور الأكوان أشرف من درة نبينا صلى الله عليه وسلم، طرة غرته أحسن من جمال يوسف، لعاب فيه أشفى من البرء، شمس شرعه لا يدركها كسوف ناسخ، قمر دينه لا يدخل في محاق.
كل الأنبياء في القيامة تقول نفسي نفسي، وهو يقول أمتي أمتي، فإذا سجد، قيل ارفع رأسك، وقل تُسمَع، كم بين ذل محب، وإدلال محبوب، الحيوانات تذل في طلب القوت، والفيلة تتملق حتى تأكل، يا من هو في جملة جنود هذا الشجاع، أيحسن بك? كل يوم هزيمة.
لولا جد أصحابه في جهادهم وشجاعتهم في صفوف قتالهم، لافتضح المتأخرون، فالحمد لله على اليزل، كانوا بالليل رهباناً وبالنهار فرساناً، قطع الرسول طمع من طمع في لحاقهم بحسام "ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" وكيف تنال مرتبة السابق بشيء وقر في صدره? أو منقبة المهيب والعدو يفرق من ظله? أو مقام الوقور فالملائكة تستحي منه? أو فضيلة مزاحم النفس في منزلة كهارون من موسى: يأس والله الكهول من مقارنة سيدَيْ كهول أهل الجنة، كما لم تطمع الشباب في مزاحمة سيدَيْ شباب أهل الجنة، متى التهبت في صحابة الأنبياء? عزيمة كحمرة جمرة حمزة، أو علا على العلاء علي، كعلاء علي، لقد فاز بلقب الصدق طلحة الجود، كما سعد بالفضل وحوارى الزبير، وسما بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلفه ابن عوف، كما قرت بلفظ فداك أبي وأمي عين سعد، ونجا بالشهادة له بالجنة سعيد، كما عز ابن الجراح بلقب الأمين، ولم يذكر باسمه بالقرآن غير زيد، وأين في الموالي مثل سالم وسلمان? ومن في الزهاد كمصعب وابن مظعون، وإنه لمسعود عبد الله ابن مسعود، وطوبى ثم طوبى لخباب وصهيب، ويا شرف المؤمنين بصوت بلال، ويكفي فخراً: "كوني فخراً لعمار" وأي بيت يشبه بيت أبي أيوب? ومن زين القراء إلا أبي بن كعب? ومن في النقباء كابن زرارة وابن الربيع? وأنى في الفقهاء مثل معاذ? ومن له زهد كزهد أبي ذر? والفخر لبني هاشم بالعباس، وكفى للبصراء قائداً ابن أم مكتوم، وإنه لقدوة المؤثرين أبو الدحداح، ومن في قوام الليل مثل تميم? ومن صبر على القتل صبر خبيب? كلهم أخيار، وجميعهم أبرار، ولا مثل صاحب الغار، وأين نظير فُتّاح الأمصار? ومن يشبه قتيل الدار? ولقد افتقروا إلى المجاهد بذي الفقار، بحب هؤلاء ترجى الجنة وتتقى النار.
إن الله تعالى لما حلى محمداً حلية التنزه، خلع عليه خلعةً هي الإسلام، وأعطاه منشوراً هو القرآن، ولواءً هو النصر، فأبو بكر صدَّق النبوة، وعمر أظهر الرسالة وعثمان جمع المنشور، وعلي حمل السيف لما جلا الرسول عروس الإسلام، لم يكن بد من نثار، نثر عمر نصف ماله، فرمى أبو بكر بالكل، فقام عثمان يجهز جيش العسرة، بوليمة العرس، فعلم على حال الغيرة، فبت طلاق الضرة، ثم رأى بعض جهاز الدنيا المطلقة عنده. وهو الخاتم. فسلم وما سلم:
خطوا وأقلامهم خطية سـلـب فهم على الخيل أميون كتـاب
إن أحسنوا كلما واخلو لقوا ذمماً واخشوشنوا شيماً فالقوم أعراب
الفصل الثالث
في قوله تعالى "وأذِّن في الناس بالحج"
لما تكامل بناء البيت، أرسل الله تعالى إلى خليله، أدِّ رسالة "وأذِّن" فَعَلا على أبي قبيس، ونادى في جميع الوجوه: إن ربكم قد بنى لكم بيتاً فحجوه، فأجاب من جرى القدر بحجه: لبيك اللهم لبيك. فكان ذلك اليوم. أخاً ليوم "ألست بربكم":
لما رأيت منـاديهـم ألـم بـنـا شددت ميزر إحرامي ولـبـيتُ
وقلتُ للنفس جدي الآن واجتهـدي وساعديني كهذا مـا تـمـنـيتُ
لو جئتكم زائراً أسعى على بصري لم أقض حقاً وأي الـحـق أديتُ
قطع القوم بيد السفر "بشقِّ الأنفس" فوافقهم الركاب "وعلى كلِّ ضامرٍ":
دعِ المطايا تنسم الجنوبـا إن لها لنبـأ عـجـيبـا
حنينها وما اشتكت لوبـا يشهدان قد فارقت حبيبا
ما حملت إلا فتى كئيبـا يسر مما أعلنت نصيبـا
لو غادر الشوق لنا قلوبـا أذن لأثرنا بهن النـيبـا
إن الغريب يسعد الغريبا
واعجبا من حنين النوق، كأنها قد علمت وجد الركاب، تارة تجد في السير، وتارة تتوقف، وتارة تذل وتطأطئ العناق، وتارة تمرح، كأنها قد استعارت أحوال العارفين:
اذكراها في سراها ما عراهـا فغدت تنفخ شوقاً في براهـا
تقطع البر وتنسى ما جـنـى سيرُها والسيرُ أمرٌ قد براهـا
كلما ظنت مني قـد قـربـت وتدانت دارها طار كـراهـا
أسعداها يا خلـيلـي عـلـى ما دعاها في الهوى أو فدعاها
ذكرا ما زال من عهد الصبـى خلياها والصبا فهو رضاهـا
غنها يا أيهـا الـحـادي لـهـا بالحمى أو بالنقا وانظر سراهـا
نح عنها السوط يكفي شـوقـهـا قد رأت في نفسها ما قد كفاهـا
باعها الوجد بكثـبـان الـنـقـي عجباً إذ باعها كيف اشتـراهـا
أتراها علمـتْ مـن حـمـلـتْ ليتها قد عرفت من في ذراهـا
أنتَ إن لاحت لك العـلام قـف فهي المقصود لا شيء سواهـا
قف على الوادي وسل عن كبدي كبدي واكبـدي مـاذا دهـاهـا
يا رفـيقـي اهـديانـي دارهـم ودعاني ودعـانـي وثـراهـا
أنا مقـتـول بـسـهـم غـرب قوسه خيف مني أو ما زماهـا
حُرِّم الصيد علـى مـن حـجـه فانظرا إلى مهجتي من قد رماها
اكتبا في لوح قبري عشـتـمـا مهجة ماتت وما هالت منـاهـا
أمر المحرمون بالتعري. ليدخلوا بزي الفقراء، فيبين أثر "وما أموالكُم":
من أعلم السايق العنيف بهم بأن روحي تساق مع أبله
وأن دمعي يروي ركايبهـم لولا دم في انسكاب منهمله
تالله لقد جمعوا الخير، ليلة جمع، ونالوا المنى إذ دخلوا منى:
لله در منى وما جـمـعـت وبكا الأحبة ليلة الـنـفـرِ
ثم اغتدوا فرقاً هنا وهـنـا يتلاحظون بأعين الـذكـرِ
ما للمضاجع لا تلايمـنـي وكأن قلبي ليس في صدري
حج جعفر الصادق فأراد أن يلبي فتغير وجهه، فقيل: مالك يا ابن رسول الله? فقال: أريد أن ألبي فأخاف أن أسمع غير الجواب.
وقف مطرف وبكر، فقال مطرف: اللهم لا تردهم من أجلي، وقال بكر: ما أشرفه من مقام لولا أني فيهم.
وقام الفضيل بعرفة، فشغله البكاء عن الدعاء، فلما كادت الشمس تغرب، قال: واسؤتاه منك وإن عفوت.
وقف بعض الخائفين على قدم الإطراق والحياء فقيل له: لم لا تدعو? فقال: ثم وحشة. قيل: فهذا يوم العفو عن الذنوب? فبسط يده فوقع ميتاً.
....:
وانزل الوادي بـأيمـنـه إنـه بـالـدمـع مـلآن
وارم بالطرف العقيق فلي ثم أوطـار وأوطـــان
وانشد القلب المشوق عسى يرجع المفقود نـشـدان
وابك عني ما استطعت إذا ما بدا للطرف نعـمـان
واقره عني السلام فكـأن قلـبـي فـيه سـكـان
لا تزدني يا عذول جـوى أنا بالأشـواق سـكـران
حج الشبلي. فلما رأى مكة قال:
أبطحاء مكة هذا الذي أراه عياناً وهذا أنـا
ثم غشي عليه فلما أفاق قال:
هذه دارهم وأنت محـب ما بقاء الدموع في الإماق
حج قوم من العباد فيهم عابدة فجعلت تقول: أين بيت ربي? أين بيت ربي? فيقولون ألا ترينه:
إذا دنت المنازل زاد شوقي ولا سيما إذا دنت الخـيام
فلما لاح البيت، قالوا هذا بيت ربك، فخرجت تشتد وتقول: بيت ربي. بيت ربي. حتى وضعت جبهتها على البيت، فما رفعت إلا ميتة:
هاتيك دارهـم وهـذا مـاؤهـم فاحبس ورد وشرقت إن لم تسقني
أودعت إقرارك يوم السبت الحجر الأسود، وأمرتُك بالحج لتستحي بالتذكير من نقض العهد، الحجر صندوق أسرار المواثيق، مستمل لما أملى المعاهد، مشتمل على حفظ العهد، فاستلم المستملي المشتمل، ليعلم أن إقرارك لا عن إكراه، لا تنس عهدي فإني لا أنساك:
فلا تحسبوا أنـي نـسـيت ودادكـمُ فإني وإن طال المدى لست أنساكـمُ
حفظنا وضـيعـتـم وداداً وحـرمةً فلا كان من في هجرنا اليوم أغراكمُ
كم شخص أشخصه الوجد في الحج، فكاد نشابة المواثيق قبل تقبيله تقتله، فلما قضى الناسك المناسك، ورجع باقي سهم الشوق إليه في قلب منى المنى:
يكاد يمسكه عرفان راحـتـه ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
أخواني: ذكر تلك الأماكن يعمل في القلب قبل السمع، كأنها قد خلقت من طين الطبع، لسلع سلع لسع، ليس لعسل لعس: للمهيار:
هل مجابٌ يدعو مبدِّد أوطا ري بجمع يرد أيام جمعِ
أو أمين القوى أحمِّلـه هـمـا ثقـيلاً يحـطُّـه دون سـلـعِ
فافرُجا لي عن نفحةٍ من صبـاه طال مدى لها الصليف ورفعي
إن ذاك النسيم يجري على أرضٍ ثراها في الريح رقيةُ لَـسْـعِ
كم زفير علمت منـه حـمـام الدوح ما كان من حنين وسجعِ
وآخجل المتخلف، وآسف المسوف، أين حسرات البعد? أين لذعات الوجد?.
للخفاجي:
أتظن الورق في الأيك تغـنِّـي إنها تضمر حزناً مثل حـزنـي
لا أراك الله نـجـداً بـعـدهـا أيها الحادي بنا إن لم تجـبـنـي
هل تباريني إلى بـث الـجـوى في ديار الحي نشوي ذات غصن
هب لها السبق ولـكـن زادنـا أننا نبكي علـيهـا وتـغـنـي
يا زمان الخيف هل مـن عـودة يسمح الدهر بها من بعد ضـنِّ
أرضينـا بـثـنـيات الـلـوى عن زرود يا لها صفقة غـبـنِ
سل أراك الجزع هل مرت بـه مزنة روت ثراه غير جفـنـي
وأحاديث الغضا هل عـلـمـت أنها تملك قلبـي قـبـل أذنـي
يا عجباً لمن يقطع المفاوز ليرى البيت فيشاهد آثار الأنبياء، كيف لا يقطع نفسه عن هواه? ليصل إلى قلبه فيرى آثار "ويسعني". لمحمد بن أحمد الشيرازي:
إليك قصـدي لا لـلـبـيت والأثـر ولا طوافي بـأركـان ولا حـجـرِ
صفاء دمعي الصفالي حين أعـبـره وزمزمي دمعة تجري من البصـرِ
عرفانكم عرفاتي إذ مـنـي مـنـن وموقفي وقفة في الخوف والحـذرِ
وفيك سعيي وتعميري ومـزدلـفـي والهدى جسمي الذي يغني عن الجزرِ
ومسجد الخيف خوفي من تباعـدكـم ومشعري ومقامي دونكم خـطـري
زادي رجائي لكم والشوق راحلـتـي والماء من عبراتي والهوى سفـري

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-13-2009, 04:46 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

الفصل الرابع
إخواني: قد نمى إليكم أمر من نما، وسامي وصال الوسام وسما، وافتخر بالنسب والنشب وانتمى، كيف بارزه من أبرزه، عن الحمى، فبات بعد الري يشكو الظما، وقد رأيتم ما جرى، فانتظروا مثل ما. لابن المعتز:
يا نفس ويحك طال ما أبصرت موعظة وما
نفعتك فاخشي وانتهى وعليك بالتقوى كمـا
فعل الأناس الصالحون وبادري فلـربـمـا
سلم المبادر واحـذري يا نفس من سوف فما
خدع الشقي بمثلـهـا إياك منهـا كـلـمـا
ناجت مكايدها ضمـير ك إنما هـي إنـمـا
خطرت وكم قتـلـت وأهلكت النفوس وقلما
تغنـي أمـانـيهـا إذا حضر الردى فكأنمـا
لم يحيي مـن لاقـى منيته فيا عجبـا أمـا
في ذاك معتـبـر ولا شاف يبصر من عمى
يا ذا المنى يا ذا المنى عش ما بدا لك ثم مـا
يا سكران الهوى. أما آن الصحو? يا ساطراً قبح الخلاف. أما حان المحو? أين الراحلون? كانوا بالأمس، صحت حجة الموت فبطلت حجة النفس، واعتقلهم حاكم البلى على دين الرمس، وكف أكف الحس، بعد تصرف آلة الخمس، واستوعر عليهم الحصر. واستطال الحبس وأصبحت منازلهم "كأنْ لم تغنَ بالأمس".
يا قليل اللبث، خل العبث، كم حدث جدث في حدث? يا موقناً بالرحيل وما اكترث، اقبل نصحي. ورم الشعث.
إذا نلت من دنياك خيراً ففز بـه فإن لجمع الدهر من صرفه شتا
فكم من مشت لم يصيف بأهلـه وآخر لم يدركه صيف إذا شتى
انتهب نثار الخير. في مكان الإمكان، قبل أن تدخل في خبر كان، قبل معاينة الهول المخوف الفظيع، وتلهف المجدب على زمان الربيع، إنما أهل هذه الدار سفر، لا يحلون عقد الركاب إلا في غيرها، فاعجبوا لدار قد أدبرت والنفوس عليها والهة، ولأخرى قد أقبلت والقلوب عنها غافلة.
والله لو كانت الدنيا بأجمعـهـا تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا
ما كان من حق حر أن يذل لها فكيف وهي متاع يضمحل غدا
يا مكرماً بحلية الإيمان. بعد حلة الإيجاد، وهو يخلقها في مخالفة الخالق، كم من نعمة نعمة? في ترف ترف، وما يخف عليك ذكر شكر. يا عبد السوء ما تساوي قدر قدرتك، لا كانت دابة لا تعمل بعلفها، إلى متى يخدعك المنى? ويغرك الأمل? ويحك. افتح ع**** متى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي، فاعلم أنه قد مسخ.
ما زالت الدنيا مرة في العبرة، ولكن قد مرض ذوقك، لسان قلبك في عقلة غفلة، وسَمْعُ فهمك مسدود عن الفطنة بقطنة. وبصر بصيرتك محجوب بعشا عمى، ومزاج تقواك منحرف عن الصحة، وأما نبض الهوى فشديد الخفقان، سارت أخلاط الأمل في أعضاء الكسل فتثبطت عن البدار، وقد صارت المفاصل في منافذ الفهوم. سدداً، وما يسهل شرب مسهل، ويحك اجتنب حلواء الشره فإنها سبب حمى الروح، خل خل البخل فإنه يؤذي عصب المرؤة، إن عولجت أمراضك فعولجت، وإلا ملكت فأهلكت، لو احتميت عن أخلاط الخطايا لم تحتج إلى طبيب، من ركب ظهر التفريط نزل به دار الندامة ألم تسمع أن داود كان قد أعطي نعمة نغمة. كان يقف لها الماء فلا يسير والطير وقوف الأسير، فامتدت يد الغفلة، فقدت قميص العصمة، فأثر زلله حتى في التلاوة، أعرض المعمار عن المراعاة، فتشعب منزل الصفا، وانقطعت جامكية العسكر، فتفرقت جنود "أوِّبي" كان يؤتى بالإناء ناقصاً، فيتمه بالدموع.
للمهيار:
ما لي شرقتُ بماء ذي الأثل هل كدَّر الوُرَّادُ من قبلي?
أما بان سكان فاملـح لـي ما كنت قبل البين أستحلي?
ما ابيض لي في الدار بعدهمُ يومٌ وهل دارٌ بـلا أهـلِ?
رحلوا بأيامي الرقاق علـى آثارهم وبعيشي السـهـلِ
كان عيش عيشه خضراً، فأحالت الحال سنة الهجر، فكأن أيام الوصال كانت سنة، وكاد يقطع باليأس، لولا التقاء الخضر باليأس.
أرقي قد رق لي من أرقي ورثى لي قلقي من قلقي
وبكائي من بكائي قد بكـا وتشكت حرقي من حرقي
كان داود إذا أراد النياحة، نادى مناديه في أندية المحزونين فيجتمعون في مآتم الندوب، فتزداد الحرق بالتعاون.
للعباس بن الأحنف:
يا بعيد الدار عن وطنه مفرداً يبكي على شجنهْ
كلما جدَّ النحـيب بـه زادت الأسقام في بدنهْ
ولقد زاد الفؤاد شجـىً هاتفٌ يبكي على فننهْ
شاقه ما شاقني فبكـى كلنا يبكي على سكنـهْ
يا مذنبين مصيبتنا في التفريط واحدة وكل غريب للغريب نسيب يا مترافقين: في سفر الطرد. انزلوا للنياحة في ساحة، اندبوا طيب أوطان الوصل، واستغيثوا من هجير الهجر، لعل الغم ينقلب غمامة، تظل من لفخ الكرب.
للمصنف:
أين فـؤادي إذا بـه الـبـعــد وأين قلبي أمـا صـحـا بـعـد
حدا بذكـر الـعـقـيق سـايقـه فطار شوقـاً بـلـبـه الـوجـد
جسم ببغداد لـيس تـصـحـبـه روح وروح يضمـهـا نـجـد
يا لفؤاد ما يستريح مـن الـكـر ب لـه كـل لـحـظة وقــد
آه لعيش قد كـنـت أصـحـبـه لو كـان يومـاً لـفـــايت رد
أروح في حبكـم ووا قـلـقـي وهكـذا أشـتـكـي إذا أغـدوا
كل زماني جزر عن الوصل أشكو ه فـهـلا تـنـاوب الـمـــد
يا سعد زدني جوى بـذكـرهـم يا سعد قل لي فـديت يا سـعـد
بلغهـم مـا أجـن مـن حـرق وقل وحدث بـبـعـض مـا يدو
وقل رأيت الأسـير فـي قـلـق وقال لي حـرمة ولـي عـهـد
ثم فسلـهـم والأمـر أمـرهـم يقول مولى ويصمـت الـعـبـد
الفصل الخامس
أيتها النفس تدبري أمرك وتأملي، ومثلي بين ما يفنى ولا تعجلي، لقد ضللت طريق الهدى فقفي واسألي، وآثرت وهنا، ما يؤرث وهنا لا تفعلي، يا غمرة من الشقا، ما أراها تنجلي، اتبع الهوى والهوى علي وليس لي، أريد حياة نفسي ونفسي تريد مقتلي، يا جسداً قد بلى. بما قد بلى.
نخطو وما خطونا إلا إلى الأجل وننقضي وكأن العمر لم يطل
والعيش يوذِننا بالمـوت أولـه ونحن نرغب في الأيام والدول

يأتي الحمام فينسى المرء منـيتـه ونستقر وقد أمسكن بـالـطـول
لا تحسب العيش ذا طول فتتبعـه يا قرب ما بين عنق المرء والكفل
سلّى عن العيش أنا لا نـدوم لـه وهون الموت ما نلقى من العلـل
لنا بما ينقضي من عمرنا شـغـل وكلنا علق الأحشاء بـالـغـزل
ونستلذ الأمـانـي وهـي مـردية كشارب السم ممزوجاً مع العسل
أخواني: أوقدوا أدهان الأذهان في ليل الفكر، صابروا سني الجدب لعام الخصب تعصروا، فمن أدلج في غياهب ليل العلى. على نجايب الصبر، صبح منزل السرور في السر، ومن نام على فراش الكسل، سال به سيل التمادي إلى وادي الأسف، الرجولية قوة معجونة في طين الطبع، والأنوثية رخاوة، ولد السبع عزيز الهمة، وابن الذئب غدار، وكل إلى طبعه عايد، الجد كله حركة، والكسل كله سكون، إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة حين يخرج من البيضة، فعلقه بمنقاره، فإن تحرك فديك، وإلا فدجاجة، فُتورك عن السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم، يا من قد بلغ أربعين سنة، وكل عمره نوم وسنة، يا متعباً في جمع المال بدنه، ثم لا يدري لمن قد أخزنه? اعلم هذه النفس الممتحنة، إنها بكسبها مرتهنة ألا يعتبر المغرور بمن قد دفنه? كم رأى جباراً فارق مسكنه? ثم سكن مسكن مسكنة.
أيا راحلين بالإقامة، يا هالكين بالسلامة، أين من أخذ صفو ما أنتم في كدره? أما وعظكم في سيره بسيره? بلى. قد حمل بريد الإنذار أخبارهم، وأراكم تصفح الآثار آثارهم.
وحدثتك الليالي أن شيمـتـهـا تفريق ما جمعته فاسمع الخبرا
وكن على حذر منها فقد نصحت وانظر إليها تر الآيات والعبرا
فهل رأيت جديداً لم يعد خلـقـاً وهل سمعت بصفو لم يعد كدرا
حبال الدنيا خيال تغر الغر، المتمسك بها. يلعب بلعاب الشمس، الدنيا كالمرآة الفاجرة لا تثبت مع زوج. فلذلك عنت طلابها..
ميزت بين جمالها وفعالـهـا فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودها فكأنما حلفت لنا أن لا تفـي
محبة الدنيا محنة، عيونها بابلية، كم تفتح باب بلية? ولا حيلة كحيلة، من عين كحيلة، كم أفردت من أرفدت? كم أخمدت من أخدمت? كم فللت من ألفت? كم أفقرت من أرفقت? كم فارقت من رافقت? كم قطعت من أقطعت? فعلها في التكدير كله هكذا، فإن آثرت الصفا فما في الزهد أذى، وإن أردت القذى، فالق ذا. للمهيار:
تعجب من صبري على ألوانهـا في وصلها طوراً وفي هجرانها
ورهاء من كـلـفـهـا وثـيقة كلّفها ما لـيس مـن أديانـهـا
تسلط البلوى على عشـاقـهـا تسلُّط الحِنثِ على أيمـانـهـا
الود في القلب ودعـوى ودِّهـا لا يتعدى طرفَيْ لـسـانـهـا
فكما أعطـتـك فـي مـحـبة زيادةً فاقطع على نقصانـهـا
وقفتُ أسترجـع يومَ بـينـهـا قلباً شجاعاً طاح في أظعانهـا
ولـم يكـن مـنـي إلا ضـلّة نِشدانُ شيءٍ وهو في ضمانهـا
يا من إذا أصبح، طلب المعاش بالشهوات، وإذا أمسى انقلب إلى فراش الغفلات، أين أنت من أقوام نصبوا الآخرة نصب أعينهم فنصبوا، فوفر النصب نصيبهم "إنّا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدار".
قال بعض السلف: لقيت رجلاً في برية، فقلت من أين? فقال: من عند قوم "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" قلت: وإلى أين? قال: إلى قوم "تتجافى جنوبهم عن المضاجع".
بنفسي من غداة نايت عنهم تركت القلب عندهم رهينا
أما لك أيها القلب اعتبـار بما فعل الهوى بالعاشقينا
ملأوا مراكب القلوب متاعاً لا ينفق إلا على الملك، فلما هبت رياح الدجى دفعت المراكب.
لأبي إسحاق الغزي:
إذا الصبا سحبت أذيالهـا سـحـراً على العقيق وقرت في ربى أضم
وحرشت بين بان الجزع ظـالـمة وشيحه وجرت في الضال والسلـم
تنفس الوجد وارتاح المشوق وعـا ش الروح بالروح بعد الأخذ بالكظم
يا سوق الأكل أين أرباب الصيام? يا فرش النوم أين حراس الظلام? درست والله المعالم ووقعت الخيام، قف بنا على الأطلال.
للمهيار:
أين سكانك? لا أين هـمُ أحجازاً سلوكها أم شئاما
قد وقفنا بعدهم في ربعهم فنبهناه استلاماً والتزاما
أترى أي طريق سلكوا? أترى أي شعب أخذوا?.
حمامة الواديين ما الخبـر أعرسوا بالفرات أم عبروا
ما وصل القوم إلى المنزل. إلا بعد طول السرى، ما نالوا حلاوة الراحة إلا بعد مرارة التعب.
لصردر:
لو قَرُبَ الدر على جلابـه ما لجّج الخايص في طِلابه
ولو أقام لازماً أصـدافَـه لم تكن التيجان في حسابـه
ما لؤلؤ البحر ولا مرجانـه إلا وراء الهول من عُبابـه
من يعشق العلياء يلق عندها ما لقي المحب من أحبابـه
ما حظي الدينار بنقش اسم الملك، حتى صبرت سبيكته على التردد على النار، فنفت عنها كل كدر، ثم صبرت على تقطيعها دنانير ثم صبرت على ضربها على السكة، فحينئذٍ ظهر عليها رقم النقش "كتب في قلوبهم الإيمان".
كم أحمل في هواك ذلاً وعنـا كم أصبر فيك تحت سقم وضنا
لا تطردني فليس لي عنك غنا هذا نفسي إذا أردت الثمـنـا
من طلب الأنفس، هجر الألذ، من اهتم بالجوهر نسي العرض، يا صفراء يا بيضاء غرى غيري.
من أجل هواكم عشقت العشقا قلبي كلف ودمعتي ما ترقـا
في حبكم يهون ما قد ألـقـى ما يحصل بالنعيم من لا يشقى
يا معشر التائبين "اصبروا وصابروا ورابطوا" مكابدة البادية تهون عند ذكر منى المضحى في بوادي الجوع والمعشى بوادي السهر إلى أن تلوح بوادي القبول، إن ونت في السير ركائبكم. فأقيموا حداة العزم تدلج.
البين يا أيدي المطايا الـبـينـا لا تتشكى شوطك البـطـينـا
يا حادييها من نمـير عـامـر خذا بها عن حاجـر يمـينـا
حلا على وادي الغضى نسوعها وارخيا بـرامة الـوضـينـا
رُدا بها ماء الـعـذيب عـلـه يشفى ويطفي داءها الدفـينـا
واستخبرا بالجزع أنفاس الصبا أين استقل الجيرة الغـادونـا
يا مطروداً عن صحبة الصالحين، امش في أعراض الركب، وناشد حادي القوم، لعله يتوقف لك.
يا حادي العيس اصخ لمدنـف متـيم لـجَّ بـه الـغــرامُ
إذا وقفتَ في ثنيات الـلـوى ولا الـديار والــخـــيامُ
وافترت الرياض عن أزهارها عقيب ما قد رحل الغـمـامُ
وهبت الريح فهب شيحـهـا وانتبه الحـوذان والـثـمـامُ
فقف قليلاً نـتـزود نـظـرة تحيى بها الأرواح والسـلامُ


الفصل السادس
أخواني: انتبهوا من رقدات الأغمار، وانتبهوا لحظات الأعمار، وقاطعوا الكسل فقد قطع الأعذار، واسمعوا زواجر الزمن فما داجي الدجى ولقد بهر النهار، وخذوا بالحزم فقد شقي تلف من رضي بشفا جرف هار.
للشريف الرضي:
تفوز بنا المنون وتسـتـبـد ويأخذنا الـزمـان ولا يَرُد
وانظر ماضياً في أثر ماضٍ لقد أيقنتُ أن الأمـر جـد
رويداً بالفرار من المـنـايا فليس يفوتها الساري المُجِدُّ
فأين ملوكنا الماضون قِدمـاً أعدوا للنوائب واستـعـدوا
أعارهم الزمانُ نعيم عـيش فيا سرعان ما استلبوا وردوا
هم فرطٌ لنا فـي كـل يوم نمدهمُ وإن لم يسـتـمـدوا
العمر يسير وهو يسير، فاقصروا عن التقصير في القصير، أما دراك دراك قبل امتناع الفكاك، حذار حذار قبل قدوم القرار، أما يحرك سوق الرهب سوق الهرب? أما يحث التعليم على الدأب الأدب? أليس الزمان يعير ثم يغير? وهب إنه وهب، أما ضرب الدهر? فاستحال الضرب، مر العمر والغمر مشغول عما ذهب بالذهب، كم فارق من رافق فسلا من سلا بالسلب، أين الفهم? فقد المعنّى المعنى وعج العجب، أين الثمرة? أيتها .. في الغرب، حالت غمايم الهوى، بينكم وبين شمس الهدى، وغدا ما في يومكم ينسيكم غداً حتى كأن الرحيل حديث خرافة، أو كان الزاد يفضل عن المسافة.
أيها الشيوخ: آن الحصاد، أيها الكهول: قرب الجداد، أيها الشباب: كم جرد الزرع جراد.
يا ابن آدم لا تغررك عـافـية عليك شاملة فالعمر مـعـدود
ما أنت إلا كزرع عند خضرته بكل شيء من الأوقات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعهـا فأنت عند كمال الأمر محصود
واعجبا!.. يتأمل الحيوان البهيم العواقب، وأنت لا ترى إلا الحاضر، ما تكاد تهتم بمؤنة الشتاء حتى يقوى البرد، ولا بمؤنة الصيف حتى يشتد الحر، ومن هذه صفته في أمور الدنيا "فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا" هذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت، أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع، أفتراك ما علمت قرب رحيلك إلى القبر? فهلا بعثت لك فراش تقوى "فلأنفسهم يمهدون" هذا اليربوع لا يتخذ بيتاً إلا في موضع طيب مرتفع، ليسلم من سيل أو حافر، ثم لا يجعله إلا عند أكمة أو صخرة، فإذا أتى من باب دفع برأسه مارق وخرج.
اسمع يا من قد ضيق على نفسه الخناق في فعل المعاصي، فما أبقى لعذر موضعاً، يا مقهوراً بغلبة النفس صل عليها بسوط العزم، فإنها إن علمت جدك استأسرت لك، امنعها ملذوذ مباحها ليقع الصلح على ترك الحرام، فإذا ضجت لطلب المباح "فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداء" الدنيا والشيطان خارجيان، خارجان عليك خارجان عنك، فالنفس عدو مباطن، ومن آداب الجهاد "قاتِلوا الذي يَلونكم" ليس من بارز المحاربة كمن كمن، ما دامت النفس حية تسعى، فهي حية تسعى، أقل فعل لها تمزيق العمر بكف التبذير، كالخرقاء وجدت صوفاً، أخل بها في بيت الفكر ساعة، وانظر، هل هي معك أو عليك? نادها بلسان التذكرة، يا نفس ذهب عرش بلقيس، وبلي جمال شيرين، وتمزق فرش بوران، وبقي نسك رابعة، يا نفس صابري عطش الهجير يحصل الصوم، وتحزمي تحزم الأجير فإنما هو يوم:
جد في الجد قد تولى العـمـر كم ذا التفريط قد تدانى المـر
أقبل فعسى يُقبل منك الـعـذر كم تبني وكم تنقض كم ذا الغدر
يا هذا ذرات الوجود تستدعيك إلى الموجد، ورسايل العتاب على انقطاعك متصلة، فما هذا التوقف?
كم كم ذا الهجر وافتراق الأحباب هل بعد البعد للذي غـاب إياب
كم قد خطت إليكم الكف كتـاب خلوا العتب ثم ما جاء جـواب
يا هذا! دبر دينك كما دبرت دنياك، لو علق بثوبك مسمار رجعت إلى وراء لتخلصه، هذا مسمار الإضرار قد تشبث بقلبك، فلو عدت إلى الندم خطوتين تخلصت، هيهات صبي الغفلة كلما حرك نام، يا مجنون الهوى أما مارستان العزلة، وقيد الحمية، ومعالجة سلاسل التقوى، ومرافقة بشر ومعروف، وإلا فمارستان جهنم، في أنكال العقوبة، وصحبة إبليس، لا بد من جرم عزم، يؤخذ بالحزم لينتصر من عايث الشره، سلطان الأزم، من رق لبكاء الطفل لم يقدر على فطامه، كل يوم تحضر المجلس يقف لك الشيطان على الباب، فإذا خرجت كما دخلت قال فديت من لا يفلح، وأسفي كم تطلب الخضر وما ترى إلا اليأس، ويحك اعرف ما ضاع منك، وابك بكاء من يدري قيمة الفايت، وصح في السحر
إن كان عهود وصلكم قد درست فالروح إلى سواكم ما أنسـت
أغصان هواكم بقلبي غرسـت منوا بلقـائكـم وإلا يبـسـت
واستنشقت ريح الأسحار لأفاق قلبك المخمور وتخايلت قرب الأحباب أقمت المآتم على بعدك.
ما أشوقني إلى نسـيم الـرنـد يشفي سقمي إذا أتى من نجـد
والشيح فإنه مـثـير الـوجـد شوقي شوقي له ووجدي وجدي
كان بعض السلف يقول في مناجاته: إلهي! إنما أبكي لما قسمت الأقسام. جعلت التفريط حظي فأنا أبكي على بختي.
قد كنت من قبل النوى مما ألاقي جـزعـا
تركتموني بـعـدكـم أشرب دمعي جرعا
أخواني. تعالوا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا، ونبعث مع قاصدي الحبيب رسالة محصر لعلنا باجر المصاب. إن لم يرجع المفقود، يا أرباب القلوب الضايعة "اذهبوا فتحسَّسوا من يوسف".
هذي معالمهـم ومـا لي منذ بان القوم عهد
واها لعيش بالحمـى لو كان لي يوماً يرد
ويلي أحظِّـي كـلـه من حبكم هجر وصد
الفصل السابع
أخواني: ذهبت الأيام، وكتبت الآثام، وإنما ينفع الملام متيقظاً والسلام.
وعـظـتـنـا بـمـرهــا الأيام وارتـنـا مـصـيرنـا الأرجـامُ
ودعتنا المنون في سنة الـغـفـلة هبـوا واسـتـيقـظـوا يا نـيام
ليت شعري ما يتقي المرء والرامي له الموت والخـطـوب سـهـامُ
منهل واحـد شـرايعـه شـتـى علـيه لـلـواردين ازدحـــامُ
نتحاماه ما استطـعـنـا وتـحـدو نا إلـيه الـشـهـور والأعـوامُ
وإذا راعـنـا فـقـيد نـسـينـاه تناسي مـا راعـهـن الـسـوامُ
أوقوفاً على غـرور وقـد زلـت بمـن كـان قـبـلـنـا الأقـدامُ
ووراء المصير في هـذه الأجـدا ث دار يكون فـيهـا الـمـقـامُ
يا من صحيفته بالذنوب قد خفت، وموازينه لكثرة العيوب قد حفت، يا مستوطناً والمزعجات قد ذفت، لا تغتر بأغصان المنى وإن أورقت ورفت، فكأنك بها قد صوحت وجفت، أما رأيت أكفاً عن مطالبها قد كفت? أما شاهدت عرايس الأجساد إلى الإلحاد زفت? أما عاينت سطور الأجسام في كتب الأرجام قد أدرجت ولفت، أما أبصرت قبور القوم? في رقاع بقاع القاع قد صفت، من عرف تصرف الأيام لم يغفل الاستعداد، إن قرب المنية، ليضحك من بعد الأمنية، ما جرى عبد في عنان أمله إلا عثر في الطريق بأجله.
أخواني خلفنا نتقلب في ستة أسفار، إلى أن يستقر بنا المنزل، السفر الأول، سفر السلالة من الطين، والثاني سفر النطفة من الصلب، والثالث من البطون إلى الدنيا، والرابع، من الدنيا إلى القبور، والخامس من القبور إلى العرض، والسادس إلى منزل الإقامة، فقد قطعنا نصف الطريق، وما بعد أصعب.
أخواني. السنون مراحل، والشهور فراسخ، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والطاعات رؤس أموال، والمعاصي قطاع الطريق، والريح الجنة، والخسران النار، لهذا الخطب شمر المتقون عن سوق الجد في سوق المعاملة، كلما رأوا مراكب الحياة تخطف في بحر العمر شغلهم هول ما هم فيه عن التنزه في عجائب البحر، فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي، فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ربح الدهر.
المهيار:
زمّوا المطايا فدمع العين منطلـق والقلب عان وراء الخوف مأسورُ
فلم يهبهب بأولى الزجر سائقهـم حتى تشابك مهتوك ومسـتـورُ
فغلّسوا من زرود وجه يومـهـم وحطّهم لظلال البان تـهـجـيرُ
وضمنوا الليل سلعاً إذ رأوه وقـد غنت على فتنى سلع العصافـير
أملهم أقصر من فتر، منازلهم أفقر من قبر، نومهم أعز من الوفاء، السهر عندهم أحلى من رقدة الفجر، أخبارهم أرق من نسيم السحر، آماقهم بالدموع دامية، والهموم على الجوانح جوانح، لأنفسهم أنفاس، من مثلها يهيج البهيج، روض رياضتهم مطلول الخمايل، يحدث ريّاً عنهم، فالرايحة رائجة بالخير.
للمهيار:
يا سايق الأظعان إن مع الصَّبا خبراً لو أنك للصبا تتوقـفُ
هبّت بعارفة تسوق من الحمى أرجاً بريّا أهلـه يتـعـرّفُ
خذ حديث القوم جملة واقنع بالعنوان، كواكب هممهم في بروج عزائمهم، سيارة. ليس فيها زحل، ناموا في الدجى على مهاد القلق، فلما جن الليل. جن الحذر، فاستيقظت عين. ما تهنأت بطعم الرقاد.
كفى سائقاً بالشوق بين الأضالع لهيب اشتياق ثم فيض مدامع
فركبوا عيس القصد، وركبوا الجادة، فلما غنت الحداة، رنت الفلاة، فأعربت أبيات الشعر، عن أبيات الشعر، فعصفت رياح الزفرات من قلب المشوق، فانقلع شكر الدمع، فلو رأيت وَكْفَ شؤونهم قلت قد انقطع شريان الغمام، هذا. يعاتب نفسه على التقصير، وهذا يتفكر في هول المصير، وهذا يخاف من ناقد بصير، منازل تعبدهم متناوحة، وفي كل بيت منهم نايحة، تائبهم أبكى من متمم، ومحبهم أتيم من مرقش، ومشتاقهم أقلق من قيس، وكلهم قد بات بليل النابغة التائب يقول أنا المقر على نفسي بالخيانة، أنا الشاهد عليها بالجناية.
اعف عني واقلني عن عثرتي يا عتادي لملمات الـزمـن
لا تعاقبني فقد عـاقـبـنـي ندم أقلق روحي في البـدن
لا تطير وسناً عن مقـلـتـي أنت أهديت لها حلو الوسـن
يا حبيبي بلسان الـعـربـي ولسان الفارسي يا دوست من
والمتعبد يبكي على الفتور بكاء الثكلى بين القبور، ويندب زمان الوصال ويتأسف على تغير الحال.
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم فكدرته يد الأيام حين صفا.
والخائف ينادي ليت شعري ما الذي أسقطني من عينك? قلت: "هذا فراق بيني وبينك"?.
لأية عـــلة ولأي حــــال صرمت حبال وصلك عن حبالي
وعوضت البعاد من الـتـدانـي ومر الهجر من حلو الوصـال
فإن أك قد جنيت علـيك ذنـبـاً ولم أشعر بـقـول أو فـعـال
فعاقبنـي عـلـيه بـأي شـيء أردت سوى الصدود فما أبالـي
وصريع المحبة يستغيث وينادي، حتى أقلق الحاضر والبادي.
تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي وللناس أشجان ولي شجن وحدي
أحبكم ما دمت حـياً وإن أمـت فواكبدي من ذا يحبكم بـعـدي
وقتيل الشوق يتعلق بما يرى، ويتشبث بما يسمع، يرتاح إلى السهر ومقصوده غيره، وإلى الشجر ومغنين طيره.
للمهيار:
أيا بانة الغور عطفاً شُـفـيت وإن كنتُ أكني وأعني سواكِ
أحبكِ من أجل من تعلـمـين لو أني أراه كمـا قـد أراكِ
ذكرت ويا لهفي هل نـسـيتُ لياليَ أسمـرُهـا فـي ذراكِ
كفى الوجد أني إذا ما استرحت إلى اسمك عمّيتُـه بـالأراكِ
إذا الصد أرضاكِ فهو الوصال فإني فعلت فـأهـلاً بـذاكِ
الفصل الثامن
الشهوات تغر وتعر، وتمر عيش العواقب وتمر، وتبكي عين الندم أضعاف ما تسر، ألا يقظ? ألا حذر? ألا حر?
هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركـنـا فجايعه تبقى ولـذاتـه تـفـنـى
إذا أمكنـت فـيه مـسـرة سـاعة تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في المعـاد ومـوقـف نود لديه أننـا لـم نـكـن كـنـا
حصلنا على هـم وإثـم وحـسـرة وفات الذي كنا نـلـذ بـه عـنـا
كأن الذي كنـا نـسـر بـكـونـه إذا حققته النفس لفظ بلا معـنـى
أن المواعظ قد أفصحت وأعربت، غير أن الزخارف للواحظ قد أدهشت وأعجبت، وإنما تقطع مراحل الجد بالعزم والصبر، ونظر اللبيب المجد إلى آخر الأمر، أو ليس الصحيح بعرض عارض الأسقام والأوصاب? أوما المسرور بالعرض كالغرض لسهام المصاب? أو ما يكفي من الزواجر? كف كف الأحداث مبسوط الأمل، أما يشفى من البيان? عيان الأعيان. في الأجداث خالين بالعمل أين من فاق قمم الشرف? فعزل وولى، أما ذاق ألم المنصرف? فنزل وولى أين من نشا، في علي ونهى وندى? سلب ولم يشأ، حلى ولهى وجدى، أين المسرور بشهوات أمسه، حزن، أين المغرور بلذات نفسه غبن:
فيا آملاً أن يخلد الـدهـر كـلـه سل الدهر عن عاد وعن أختها إرم
إذا ما رأت الشيء يبليه عـمـره ويفنيه أن يبقى ففـي دائه عـقـم
يروح ويغدو وهو من موت غبطة وموت فناء بين فكين من جـلـم
تحد لنا أيدي الـزمـان شـفـاره ونرتع في أكلائه رتعة الـنـعـم
نراع إذا ما الموت صاح فنرعوي وإن لم يصح يوماً براتعنا خضـم
ألا إن بالأبصار عن عبرة عـمـى ألا إن بالأسماع عن عظة صمـم
سيكشف عن قلب الغبي غطاؤه إذا حتفه يوماً على صدره جثم
يا معتقداً دار القلعة قلعة، أما تراها تميد بسكانها، والشاهد ما يشاهد عواصف الحوادث تنسف جمال المقتنى، ومعاول الزمان تهدم مشيد المبتنى، وكلما ارتفع كثيب أمل وهال انهال، يا مهلكاً نفسه التي لا قيمة لها لأجل دينا لا وقع لها، إلى كم هذا الحرص? وما تنال غير المقدور، أما رأيت مرزوقاً لا يتعب? ومتعباً لا يرزق. هذا موسى في تقلقل "أرني" وما أري، ومحمد يزعج عن منامه. وما طلب "قضاها لغيري وابتلاني بحبها" واعجباً يطلب موسى التجلي، فيمنع ويرزق الجبل.
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة توسلت حتى قبلتك ثغورهـا
لقد أنضى الحرص مطية عمرك، وما وصلت بلد الأمل، لو قنعت الذبابة بطرف ظرف العسل ما تلفت، لو عرفت قيمة نفسها رخصت أو غلت ما أوغلت، شقايق اللذة. تروق بصر الحس، وسن العواقب تضحك من المغرور، يا دني الهمة أعجبتك خضرة على مزبلة، فكيف لو رأيت فردوس الملك? قنعت بخسايس الحشايش والرياض معشبة بين يديك، تقدم بالرياضة خطوات وقد وصلت.
الغور يا ركابنا الـغـور إذن أن صدق الرايد في هذا الخبر
وإن حننت للحمـى وروضـه فبالغضا ماء وروضات أخـر
الهمم تتفاوت في جميع الحيوانات، العنكبوت من حين يولد ينسج لنفسه بيتاً ولا يقبل منة الأم، والحية تطلب ما حفره غيرها. إذ طبعها الظلم، الغراب يتبع الجيف، والأسد لا يأكل البايت، الكلب ينضنض لترمى له لقمة، والفيل يتملق حتى يأكل، للصيد كلاب، وللمدبغة كلاب، أين الأنفة? النحل يغضب فيترضى من لجاج، والخنفساء تطرد فتعود، الاختبار يظهر جواهر الرجال، بعثت بلقيس إلى سليمان هدية لتسبر بها قدر همته، فإن رأتها قاصرة، علمت أنها لا تصلح للمعاشرة، وإن رأتها عالية تطلب ما هو أعلى، تيقنت أنه يصلح.
يا هذا الدنيا هدية بلقيس فهل تقبلها? أو تطلب ما هو أنفس. ويحك أحسن ما في الدنيا قبيح، لأنه يشغل عما هو أحسن منه، أترى? لو ابتليناك بترك عظيم كيف كنت تفعل? إنما رددناك عن دنس، ومنعناك من كدر، ثم ما علمت أن الثواب على قدر المشقة، ويحك إن الأرباح الكثيرة في الأسفار البعيدة، الصبر والهوى ضرتان فاختر إحدى الضرتين، فما يمكن الجمع من دام به الخمار. في ديار الهوى، لم يفتح عينيه إلا في منازل البلى، من غرق بنهر المعلى طفا تحت البلد، واعجباً، اعدم نظر العقل بمرة? أو بعينه رمد، لو قيل لك ارم ثوبك على هدف مرمى لم تفعل إشفاقاً عليه، وهذا دينك في عرض عرضك، قد تمزق من نبل الهوى، لو قيل: زد في النفقه خفت على المال وقد حفت في إنفاق العمر على معشوق البطالة، رميت يوسف قلبك في جب الهوى، وجئت على قميص الأمانة بدم كذب، ويحك! كلما أوغلت في الهوى زاد التعرقل. ويحك! ما يساوي النصاب المسروق قطع اليد. مجلسنا بحر، والفكر غواص يستخرج الدر، ومراكب القلوب تسير إلى بلد الوصل، وأنت تقف على الساحل "وترى الفلك مواخر فيه" إن قعر جهنم لبعيد، ولكن همتك أسفل منه، خنقنا دخان التخويف، افتحوا للرواح:
إلى كم عتاب يسد الفـضـا سلام عليكم مضى ما مضى
الفصل التاسع
الزمان أنصح المؤدبين، وأفصح المؤذنين، فانتبهوا بإيقاظه، واعتبروا بألفاظه.
فكم هذا التصامم والتعـامـي وكم هذا التغافل والتـوانـي
لو أنا قد فهمنا عـن خـراب الديار مقالها لـم يبـن بـان
ويجني العيش كل أذى ويهوى فيا للعيش يعشق وهو جـان
فلله الأولى درجوا جمـيعـاً وزادهم النجاء من الـهـوان
وما علقوا من الدنيا بـشـيء سوى بلغ بأطراف البـنـان
ولما أن رضوا شعث النواصي تقي وهبوا التصنع للغوانـي
لله در العارفين بزمانهم إذ باعوا ما شانهم بإصلاح شأنهم، ما أقل ما تعبوا وما أيسر ما نصبوا، وما زالوا حتى نالوا ما طلبوه شمروا عن سوق الجد في سوق العزائم، ورأوا مطلوبهم دون غيره ضربة لازم، وجادوا مخلصين فربحوا إذ خسر حاتم، وأصبحوا منزل النجاة وأنت في اللهو نايم، متى تسلك طريقهم، يا ذا المآثم? متى تندب الذنوب? ندب المآتم، يا رجالاً ما بانت رجوليتهم إلا بالعمايم. يا أخوان الأمل قد بقي القليل وتفنى المواسم، أين أنت من القوم? ما قاعد كقائم.
للمهيار:
صحب الله راكبين إلى الـعـز طريقاً من المـخـافة وعـرا
شربوا الموت في الكريهة حلواً خوف أن يشربوا من الضيم مُرّا
أنف القوم من مزاحمة الخلق في سوق الهدى، وقوي كرب شوقهم فلم يحتملوا حصر الدنيا، فخرجوا إلى فضاء العز في صحراء التقوى، وضربوا مخيم الجد في ساحة الهدى، وتخيروا شواطي أنهار الصدق فشرعوا فيها مشارع البكا، وانفردوا بقلقهم فساعدهم ريم الفلا، وترنمت بلابل بلبالهم في ظلام الدجا، فلو رأيت حزينهم لطلب الرضا، على جمر الغضا، فيا محبوساً عنهم في سجن الحرص والمنى، إن خرجت يوماً من سجنك لترويح شجنك. من غم البلوى عرج بذاك الوادي.
للشريف الرضي:
عارضا بي ركب الحجاز أسائله متى عـهـده بـأيام سـلـعِ
واستملاّ حديث من سكن الخيف ولا تكتـبـاه إلا بـدمـعـي
فاتني أن أرى الديار بطرفـي فلعلي أعي الديار بسمـعـي
كلما سُلَّ من فـؤادي سـهـمٌ عاد سهم لهم مضيض الوَقْـعِ
من معبد أيام جمع علـى مـا كان منهـا وأين أيام جـمـع
طالب بالعراق ينشد هـيهـات زماناً أضـلـه بـالـجـزع
يا معوقاً عنهم بكثرة الحوادث، خلص الماء من ضيق الأنابيب، وانظر كيف يسرع? إلى متى تألف عش، الصبا سافر مع الرجال. لو عبرت بطن النجف لاستنشقت ريح الحجاز، حدث نفسك بأرض نجد يهن علينا عبور العقبة، ذكرها قرب منى. وقد درجت المدرج.
للمهيار:
من بمنىً وأين جيران منـىً كانت ثلاثاً لا تكون أربـعـا
سلبتموني كبـداً صـحـيحةً أمس فردّوها عليّ قِطَـعـا
عدمت صبري فجزعت بعدكم ثم ذهلت فعدمت الجـزعـا
ارتجعوا إلى ليلة بـحـاجـرٍ إن تم في الفايت أن يُرتجعـا
وغفلة سرقتها من زمـنـي بلعلع سقى الغمام لعـلـعـا
يا صبيان التوبة، هلالكم خفى، فدوموا على المعاملة يصر بدراً لا بد من ضيف "ولنبلونكم" الطبع يحن إلى المألوف، والولد يطلب ما يشتهي، والزوجة تروم سعة النفقة، والورع يختم كيس التصرف "هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً" أيدي صبيان التوبة في أفواههم بعد طعم الرضاء، بينا ليل زللهم قد عسعس، إذ صبح يوم توبتهم قد تنفس، فكلما احترقت قلوبهم بالخوف، تعرضوا بنسمات الرجاء للعفو.
لا عدا الروح من تهامة أنفا ساً إذا استروحت تمنيت نجدا
يا صبيان التوبة، طبيبكم متلطف، تارة بالتشويق، وتارة بالتخويف. هذه الطير إذا انشق بيضها عن الفراخ علم الأب والأم إن حوصلة الفرخ لا تحتمل الغذاء، فينفخان الريح في حلقه لتتسع الحوصلة، ثم يعلمان أن الحوصلة تفتقر إلى دبغ وتقوية، فيأكلان من صاروج الحيطان وهو شيء فيه ملوحة كالسبخ، ثم يزقانه إياه، فإذا اشتدت الحوصلة زقياه الحب، فإذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع فإذا جاع لقط، فإذا رأياه قد استقل باللقط ضرباه بالأجنحة إذا سألهما الزق.
فتأملوا تدبيري لكم في المواعظ، الطفل لا يصبر عن الرضاع ساعة، فإذا صار رجلاً صبر عن الطعام يومين، إنما تقع الكلفة بقدر الطاقة، لما كان الطاير يحتاج أن يزق فرخه، لم يحمل عليه إلا تدبير بيضتين، ولما كانت الدجاجة تحضن ولا تزق كان بيضها أكثر، ولما كانت الضبة لا تحضن ولا تزق صارت تبيض ستين بيضة، وتحفر لهن وتترك التراب عليهن، وبعد أيام تنبشهن فيخرجن، كلما قوي الحامل زيد في الحمل في أول مقام يقول "يحب التوَّابين" وفي أوسطه بعيني ما يتحمل المتحملون، وفي المقام الأعلى كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني. كان أبو سليمان الداراني يبكي حتى ينبت الريع من عينيه، وكان عطاء السلمي يبكي حتى لا يقدر أن يبكي.
يا منفذاً ماء الجفـون وكنت أنفقه علـيه
إن لم تكن عيني فأنت أعز من نظرت إليه
كانوا إذا ضيق الخوف عليهم الخناق نفسوه بالرجاء، فكان أبو سليمان يقول: إلهي إن طالبتني بذنوبي طالبتك بكرمك، وإن أسكنتني النار بين أعدائك لأخبرنهم أني كنت أحبك، وكان يحيى بن معاذ يقول: إن قال لي يوم القيامة عبدي ما غرك بي، قلت: إلهي برك بي.
تجاسرت فكاشفتـك لما غلب الصـبـر
فإن عنفني الـنـاس ففي وجهك لي عذر
لأن البدر محـتـاج إلى وجهك يا بـدر
الفصل العاشر
أخواني: الدنيا غرارة غدارة، خداعة مكارة، تظن مقيمة وهي سيارة، ومصالحة وقد شنت الغارة.
نح نفساً عن القبيح وصنهـا وتوق الدنيا ولا تأمننـهـا
لا تثق بالدني فما أبقت الدنيا لحى وديعة لم تخـنـهـا
إنما جئتها لتستقبل المـوت وأسكنتها لتخرج عـنـهـا
ستخلى الدنيا ومـا لـك إلا ما تبلغت أو تزودت منهـا
وسيبقى الحديث بعدك فانظر خير أحدوثة تكون فكنهـا
كأنك الموت وقد خطف، ثم عاد إلى الباقي وعطف، تنبه لنفسك يا ابن النطف، فقد حاذى الرامي الهدف، إلى كم تسير في سرف? ليت هذا العزم وقف، تؤخر الصلاة ثم تسيئها كالبرق إذا خطف، أتجمع سوء كيلة مع حشف? الجسد أتى والقلب انصرف، يا من باع الدر واشترى الخزف، أبسط بساط الحزن على رماد الأسف عليك حافظ وصابط، ليس بناس ولا غالط، يكتب الألفاظ السواقط وأنت في ليل الظلام خابط.
يا من شاب إلى كم تغالط? ابك ما مضى ويكفي الفارط، ما للعيون قد أخلفت أنواؤها? وكثر نظرها إلى الحرام فقل بكاؤها، ما للقلوب المريضة? قد عز شفاؤها، سأكتب ضمان الآمال وأين وفاؤها? آه لأمراض نفوس قد يئس طبيبها، ولأصوات مواعظ قد خرس مجيبها، هبت والله دبور الذنوب فتركت الأجسام بلا قلوب، أين الفهم والتأمل? إن لم يكن جميل فليكن تجمل، أخواني قد دنا الترحل، لا بد وشيكاً من التحول.
رقيبكم يا غافلين لا يغفل، أتذكرون الذنوب بلا تململ، يا من يعد بالتوبة كم تمطل? يا ملازماً للهوى كم تعدل? المعاصي سم والقليل منه يقتل.
يا هذا الدنيا وراءك والأخرى أمامك، والطلب لما وراءك هزيمة. إنما يعجب بالدنيا من لا فهم له، كما أن أضغاث الأحلام تسر النائم لعب الخيال يحسبها الطفل حقيقة، فأما العقل فيعلم ما وراء الستر.
رأيت خيال الظل أكبر عبـرة لمن هو في علم الحقيقة راق
شخوص وأشباح تمر وتنقضي جميعاً وتفنى والمحرك باقي
كم أتلفت الدنيا بيد حبها في بيد طلبها، كم ساع إليها سعي الرخ ردته معكوساً رد الفرازين، الدنيا نهر طالوت، والفضائل تنادي: "فمن شرب منه فليس مني" فإذا قامت الفاقة مقام ابن أم مكتوم أبيحت لها رخصة "إلا من اغترف" فأما أهل الغفلة فارتووا، فلما قامت حرب الهوى، ثبطتهم البطنة، فنادوا بألسنة العجز "لا طاقة لنا" وأقبل مضمن الجد فحاز قصب السبق، كل الشر في الشره، واللذة خناق من عسل، من تبصر تصبر، الحزم مطية النجح، الطمع مركب التلف، التواني أبو الفقر، البطالة أم الخسران، التفريط أخو الندم، الكسل ابن عم الحسرة، ما يحصل برد العيش إلا بحر التعب، ما العز إلا تحت ثوب الكد، على قدر الاجتهاد تعلو الرتب، لما صابر النضو مشقة السير معرضاً عن أعرض المطاعم، زين بالجلال يوم العبد، ولما تكاسلت البخاتي ميلاً إلى كثرة العلف وقع ببختها الذبح، سابق الطير مكرم، والديك الحاذق بالصباح مطلق، إذا صب في القنديل ماء ثم صب عليه زيت صعد الزيت فوق الماء، فيقول الماء: أنا ربيت شجرتك فأين الأدب? لم ترتفع علي? فيقول الزيت: أنت في رضراض الأنهار تجري على طريق السلامة، وأنا صبرت على العصر وطحن الرحا وبالصبر يرتفع القدر، فيقول الماء: ألا أني أنا الأصل، فيقول الزيت: استر عيبك فإنك لو قارنت المصباح انطفأ.
يا بعيداً عن المجاهدة قد اقتسم الرعيل الأول النفل، أما ترى أسلاب الهوى كيف يبيعها أربابها في سوق الافتخار بالنض "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب".
يا من قد انحرف عن جادتهم، كم أحركك بسوط الشوق في شوط السوق، سهم عزمك بلا ريش، إنما يقع الرمي بين يديك. يا **** العزيمة أقل ما أبقى في الرقعة البيذق، فلما نهض تفرزن، رأى بعض الحكماء برذونا سيتقي عليه، فقال لو هملج هذا لركب، متى همت أقدام العز بالسلوك اندفع من بين يديها ما يسد القواطع، ومتى هاب الغايص موج البحر لم يطمح له في نيل الدر، يا من عقد عزمه بأنشوطة، والهوى يمدها للحل، إن عزفت من عزيمتك الثبوت في صف المجاهدة، وإلا فاحذر هتكة الهزيمة.
كان ذو البجادين يتيماً، فلما عمه الفقر كفله عمه، فنازعته النفس إلى الإسلام، فهم بالنهوض، فإذا بقية المرض مانعة، فقعد على انتظار العم، فانتهى المرض، فصارت الهمة عزيمة، فنفذ الصبر فناداه صدق الوجد.
للمهيار:
إلى كم حبسها تشكو المضـيقـا إثرها ربما وجـدت طـريقـا
أجلْها تطلب القصوى ودعْـهـا سُدىً يرمي الغروبُ بها الشروقا
أتعقلها وتقـنـع بـالـهـوينـا تكون إذن بذلّتـهـا خـلـيقـا
ولم يشفق على حـسـبٍ غـلام يكون على ركائبـه شـفـيقـا
فقال: يا عم كيف انتظر سلامتك بإسلامك وما أرى زمن زمنك ينشط، فقال: والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك، فصاح لسان الشوق نظرة من محمد أحب إلي من الدنيا وما فيها، هذا مذهب المحبين، إجماعاً من غير خلاف:
ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها تريد أم الدنيا وما في خباياها
لقال تراب من غبار نعالـهـا ألذ إلى نفسي وأشفى لبلواها
فلما تجرد لطلب الثواب، جرده العم من الثياب، فناولته الأم بجاداً فقطعه لسفر الوصل، فائتزر وارتدى، وغدا في هيئة "ربَّ أشعثَ أغبر":
سنة الأحباب واحدة فإذا أحببت فاستنن
فنادى صائح الجهاد في جيش العسرة، فتبع ساقة الأحباب على ساق، والمحب لا يرى طول الطريق إنما يتلمح المقصد:
ألا أبلغ الله الحمى مـن يريده وبلغ أكتاف الحمى من يريدها
فحمل جلدة فوق جلدة، إلى أن نزل منزل التلف، فنزل الرسول في حفرته يمهد له اللحد لمأمور "إذا رأيت لي طالباً، فكن له خادماً" وجعل يقول: اللهم، إني أمسيت راضياً عنه فارض عنه، فصاح ابن مسعود: ليتني كنت صاحب الحفرة:
كذاك الفخر يا همم الرجال تعالَيْ فانظري كيف التعالي
الفصل الحادي عشر
أيتها النفس، أقلعي عن الجناح وتوبي، وراجعي إلى الصلاح وأوبي، أيتها النفس قد شان شاني عيوبي، أيتها الجاهلة تكفيني ذنوبي:
يا ويح نفسي من تتابع حوبـتـي لو قد دعاني للحساب حسـيبـي
فاستيقظي يا نفس ويحك واحذري حذراً يهيج عبرتي ونـحـيبـي
واستدركي ما فات منك وسأبقى سطوات موت للنفوس طلـوب
وابكي بكاء المستغيث واعولـي إعوال عان في الوثاق غـريب
هذا الشباب قد اعتللت بلـهـوه أفليس ذا يا نفس حين مشـيبـي
هذا النهار يكـر ويحـك دائبـاً يجري بصرف حوادث وخطوبِ
هذا رقيب ليس عنـي غـافـلاً يحصي علي ولو غفلت ذنوبـي
أوليس من جهـل بـأنـي نـائم نوم السفيه وما ينـام رقـيبـي
آه لنفسي تركت يقينها وتبعت آمالها، ما لها? جهلت ما عليها وما لها، أما ضربت العبر? بأخذ أمثالها أمثالها، من لها? إذا نازلها الموت فغالها، وأخذ منها ما نالها وقد أنى لها، ليتها تفقدت أمورها، أو شهدت أحوالها، تحضر المجالس بنية، فإذا قامت بدا لها، ويحها لو ترى أجزآءا من مالها لهالها.
لابن المعتز:
وكم دهى المرء من نفسـه فلا تؤكلـن بـأنـيابـهـا
وإن مكنت فرصة في العدو فلا تبدو فعلـك إلا بـهـا
قال أبو زيد: رأيت الحق في المنام، فقلت: يا رب كيف أجدك? قال: فارق نفسك وتعال.
جاء رجل إلى أبي علي الدقاق، فقال: قد قطعت إليك مسافة، فقال: ليس هذا المر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد حصل لك مقصود، لو عرفت منك نفسك التحقيق لسارت معك في أصعب مضيق، لكنها ألفت التفاتك، فلما طلبت قهرها، فاتك، هلا شددت الحيازم، وقمت قيام حازم، وفعلت فعل عازم، وقطعت على أمر جازم، تقصد الخير ولكن ما تلازم:
ويعرف أخلاق الجـبـان جـوادُه فيجهده كـراً ويرهـبـه ذعـرا
ومن كل تطلاب المعالي بصـدره بحد حلو ما يعطاه من غير هامرا
حريم العزم الصادق حرام على المتردد، متى تحزم العزم هزم، لو رأيت صاحب العزم وقد سرى حين رقدت السراحين، بهمة تحل فوق الفرقد فلنفسه نفاسة ولإنفه إنفة، سهم الشهم مفوق عرضة الغرض.
كان الفضيل ميتاً بالذنوب، وابن أدهم مقتولاً بالكبر، والسبتي هالكاً بالملك، والجنيد من جيد الجند، فنفخ في صور المواعظ، فدبت أرواح الهدى في موتى الهوى، فانشقت عنهم قبور الغفلة، وصاح إسرافيل الاعتبار "كذلك يحيي الله الموتى" إنما سمع الفضيل آية، فذلت نفسه لها واستكانت، وهي "كانت" إنما زجر ابن أدهم بكلمة كلمت قلبه فانقلب، هايف عاتبه ولام أخرجه من بلخ إلى الشام كانت عقدة قلوبهم بأنشوطة، ومسد قلبك كله عقد، لاحت للقوم، جادة السلوك "قالوا ربنا الله ثم استقاموا".
هيهات منك غبار ذلك الموكب، ركبوا سفين العزم فهبت لهم رياح العون، فقطعوا بالعلم لجج الجهل، فوصلوا إلى إقليم أرض الفهم فأرسلوا على ساحل بلد الوصل، إذا استصلح القدر أرض قلب قلبها بمحراث الخوف وبذر فيها حب المحبة، وأدار لها دولاب العين، وأقام ناطور المراقبة، فتربى زرع التقى على سوقه، أصفهم عند من? انثر الدر على دمن:
بلغ سلامي بالغوير جيرة قلبي وإن حالوا إليهم تائق
فارقتهم كرهاً وليت أنني للروح من دونهم مفارق
ولست أنساهم وإن تقطعت بالبعد فيما بيننـا عـلايق
يا نفس، عند ذكر الصالحين تبكين، وعند شرح جدهم تأنين، وإذا تصورت طيب عيشهم تحنين، فإذا عرفت قيامهم بالخدمة تنكبين.
للمهيار:
أمن خفوق البرق ترزمينـا حِنِّي فما أمنعك الحنـينـا
سيري يميناً وسراك شـأمةً فضلة ما تتـلـفّـتـينـا
نعم تُشاقين وأشـتـاق لـه ونعلن الوجد وتكتـمـينـا
فأين منا اليوم أو منك الهوى وأين نجد والمـغـوِّرينـا
لما اشتغل القوم بإصلاح قلوبهم أعرضوا عن إصلاح أبدانهم، عري أويس حتى جلس في قوصرة، وقدم بشر من عبادان وهو متشح بحصير.
للسموءل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكـل رداء يرتـديه جـمـــيل
وإن هو ل يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثـنـاء سـبـيل
كان أويس يلتقط النوى فيبيعه بما يفطر عليه، فإذا أصاب حشفة ادخرها لإفطاره، ويجمع الخرق من المزابل فيغسلها في الفرات ويرقعها ليستر عورته، ويفر من الناس فلا يجالسهم، فقالوا مجنون، لا تصح المحبة، حتى يمحي الاسم المعروف، باسم متجدد، فإن اسم قيس نسي، وعرف بالمجنون:
لولا جنوني فـيك مـا قعد العواذل لي وقاموا
أولى يلوم العـاذلـون وليس لي قـلـي يلام
بني أهل أويس له بيتاً على باب دارهم، فكانت تأتي عليه السنون لا يرون له وجهاً، وكان إذا خرج يمشي ضرب الصبيان عقيبه بالحجارة حتى تدمي، وهو ساكت ولسان حاله يقول:
ولقيت في حبيك ما لم يلقـه في حب ليلى قيسها المجنون
لكنني لم أتبع وحش الـفـلا كفعال قيس والجنون فنـون
لقي بعض الجند إبراهيم بن أدهم في البرية، فقال له: أين العمران? فأومى بيده إلى المقابر، فضربه فشج رأسه، فقيل له: هذا ابن أدهم فرجع يعتذر إليه فقال له إبراهيم: الرأس الذي يحتاج إلى اعتذارك تركته ببلخ:
عزى ذلي وصحتي في سقمـي يا قوم رضيت بالهوى سفك دمي
عذالي كفوا فمن ملامي ألـمـي من بات على وعد اللقا لـم ينـم
مر رجل بابن أدهم وهو ينظر كرماً فقال: ناولني من هذا العنب فقال ما أذن لي صاحبه، فقلب السوط وضرب رأسه، فجعل يطأطئ رأسه، ويقول: اضرب رأساً طالما عصى الله:
من أجلك قد جعلت خدي أرضاً للشامت والحسود حتى ترضى
مولاي إلى متى بهذا أحـظـى عمري يفنى وحاجتي ما تقضى
لو قطعني الغـرام إربـاً إربـاً ما ازددت على الملام إلا حبـا
لا زلت بكم أسير وجد صـبـا حتى أقضي على هواكم نحبـا
كان ابن أدهم يستغيث من كرب وجده، ويبول الدم من كثرة خوفه، فطلب يوماً سكوناً من قلقه، فقال: يا رب إن كنت وهبت لأحد من المحبين لك ما يستريح به، فهب لي، فقيل له في نومه: وهل يسكن محب بغير حبيبه?
الجسم يذيبه الأسى والسـهـد والقلب ينوبه الجوى والكمد
هم قد وجدوا وهكذا ما وجدوا ما جن بهم مثل جنوني أحـد
شوق وجوى ونار وجد تقـد مالي جلد ضعفت ما لي جلد
الفصل الثاني عشر
عجباً لذكر الموت كيف يلهو? ولخائف الفوت وهو يسهو، ولمتيقن حلول الليل ثم يزهو، وإذا ذكرت له الآخر مر يلغو.
لأبي العتاهية:
إني أرقت وذكر الموت أرَّقني فقلتُ للدمع: أسعدني فأسعدني
إن لم أبك لنفسي مشعراً حزنـاً قبل الممات ولم آسف لها فمن
يا من يموت ولم تحزنه موتتـه ومن يموت فما أولاه بالحـزن
لمن أثْمِّرُ أموالي وأجمِّـعـهـا لمن أروح لمن أغدو لمن لمن
لمن سيرفع بي نعشي ويتركني في حفرتي ترب الخدين والذقن
يا غافلاً عن الموت وقد لدغه، أخذ قرينه فقتله ودمغه، تأمل صنع الدهر بالرأس إذ صبغه، بأي حديث ترعوي أو بأي لغة? كم رأيت مغروراً قبلك? كم شاهدت منقولاً مثلك? من أباد أقرانك? ومن أهلك أهلك? لقد نادى الموت وقال: أخذتم أماني يا أهل الأماني والآمال، أين من كان في روح وسعة? نقلته إلى مكان ما وسعه، أين من كان يسري آمناً في سربه، أما قيل للتلف? خذه وسر به، أما عاقبة الألفة فرقة? أما آخر جرعة اللذة شرقة? أما ختما الفرح قلق وحرقة? أما زاد ذي المال إلى القبر خرقة? أعِرْ سمعك الأصوات، فهل تسمع إلا فلاناً مات? أجل بصرك في الفلوات فهل ترى إلا القبور الدارسات?
قوض الموت طود عزهم الشا مخ قسراً والدهر ذو حدثـان
واستـرد الـذي أعـار ولـلأ يام ظهراً خـشـونة ولـيان
وإذا صاح صايح الموت في قو م غدوا كل واحد في مـكـان
يا ساكناً مسكن من قد أزعج، يا شارباً فضلة من شرق، تصحو في المجلس ساعة من خمار الهوى، ثم تسليك حميا الكأس، هيهات ليس في البرق اللامع مستمتع لمن يخوض الظلمة، كم أعطف عطفك بلجام العظة إلى عطفة اليقظة، فإذا انقضى المجلس عاد الطبع "ثانيَ عطْفِه" وتأبى الطباع على الناقل يا من قد لجج في لجة الهوى، قارب الساحل في قارب، دنا رحيل الرفقة وما اشتريت للمير قوت ليلة، كلما جد اللعب فتر النشاط في الجد، صحح نقدة عملك فقد انقرضت أيام الأسبوع، جوّد غزل عزمك، فلربما لم تسامح وقت الوزن، صابر غبش العيش فقد دنا فجر الأجر.
انتبه الاغتنام عمرك، فكم يعيش الحيوان? مد بحر القدرة، فجرى بمراكب الصور، فرست على ساحل إقليم الدنيا فعاملت في موسم الحياة مدة الجزر، ثم عاد المد فرد إلى برزخ الترب، فقذف محاسن الأبنية في حفر اللحود، وسيأتي طوفان البعث عن قرب، فاحذر أن تدفع دونك سفينة النجاة، فتستغيث وقت الفوت ولا عاصم كأنك بك في قبرك، على فراش الندم وأنه والله لأخشن من الجندل.
فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك، وادخر من وقت قدرتك لزمان عجزك، واعتبر رحلك قبل رحيلك، مخالفة الفقر في القبر إلى لازم الأخذ "أن تقول نفسٌ يا حسرتا".
يا هذا. مثل لنفسك صرعة الموت، وما قد عزمت أن تفعل حينئذ وقت الأسر، فافعله وقت الإطلاق.
لقيس بن ذريح:
أتبكي على لبنى وأنت تركتهـا فكنت كآت حتفه وهو طـائع
فيا قلب خبرني إذا شطت النوى بلبنى وبانت عنك ما أنت صانع
كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق، وانهزمت جيوش الأمل وإذا بملك الموت قد بارز الروح، يجتذبها بخطاطيف الشدائد من تيار أوتار العروق، وقد أوثق كتاف الذبيح، وحار البصر لشدة الهول وملائكة الرحمة عن اليمين، قد فتحوا أبواب الجنة، وملائكة العذاب عن الشمال قد فتحوا أبواب النار وجميع المخلوقات تستوكف الخبر، والكون كله قد قام على صيحة، إما أن يقال: سعد فلان، أو شقي فلان، فحينئذ تتجلى أبصار "الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري" ويحك تهيأ لتلك الساعة، حصل زاداً قبل العوز.
للصمة القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
وا أسفاه من حياة على غرور، وموت على غفلة، ومنقلب إلى حسرة، ووقوف يوم الحساب بلا حجة.
يا هذا، مثل نفسك في زاوية من زوايا جهنم وأنت تبكي أبداً، وأبوابها مغلقة وسقوفها مطبقة وهي سوداء مظلمة، لا رفيق تأنس به، ولا صديق تشكو إليه، ولا نوم بريح ولا نفس، قال كعب إن أهل النار ليأكلون أيديهم إلى المناكب، من الندامة على تفريطهم، وما يشعرون بذلك. يا مطروداً عن الباب، يا مضروباً بسوط الحجاب، لو وفيت بعهودنا، ما رميناك بصدودنا، لو كاتبتنا بدمع الأسف، لعفونا عن كل ما سلف.
ولو أنهم عند كشف القنـاع وحل العقود ونقض العهودِ
وخلعهم لـعـذار الـحـياء ولبسهم لبـرود الـصـدودِ
أناخوا بأبـوابـنـا سـاعة وأجروا مدامعهم في الخدودِ
لعدنا سراعاً إلى وصلـهـم وقلنا قلوب المحبين عودي
الفصل الثالث عشر
كم أخرج الموت نفساً من دارها لم يدارها، وكم أنزل أجساداً بجارها لم يجارها، وكم نقل ذاتاً ذات أخطاء بأوزارها، وكم أجرى عيوناً كالعيون بعد بعد مزارها.
يا مغرماً بوصال عيشٍ ناعـم ستصد عنه طائعاً أو كارهـا
إن المنية تزعج الأحرار عن أوطانهم والطير عن أوكارها
أخواني: قد حام الحمام حول حماكم، وصاح بكم إذ خلا النادي وناداكم، وأولاكم من النصح حقكم، فما أحقكم بالتدبر وأولاكم، وهو عازم على اقتناصكم، وما المقصود سواكم. كم أخلى الموت داراً فدارا? أما استلب كسرى بن دارا? أدارى لما أخذ داراً? أما ترك العامر قفاراً? أما أذاق الغصص المر مراراً? لقد جال يميناً ويساراً? فما حابى فقراً ولا يساراً.
يا هذا، مطايا العمر قد أعنقت وأنت في مسامرة الأمل، معاول الساعات تهدم حايط الأجل، فرايس المهج في مضابث أسد المنايا، أسنة القنا مشرعة ولا درع، عقارب الخدع دائمة للسع، غير أن خدران الغفلة يمنع الإحساس بسريان السم، آه من مثاقف ما ينتهي عن القتل، الناس في الدنيا ككيزان الدولاب، فالشاب مثل الممتلي، والكهل قد فرغ بعضه، والشيخ لم يبق فيه شيء. الشاب المتقي في مقام "يحبهم" والكهل المنحط في مرتبة "خَلَطوا عملاً صالحاً" والشيخ في حيز "تجدني عند المنكسرة قلوبهم".
يا من قد انطوى برد شبابه، وخبيت خلع تلفه، وبلغت سفينته ساحل سفره، قف على ثنية الوداع، فلم تبق إلا ساعة تتغنم، لو فتحت عين اليقظة لرأيت حيطان العمر قد تهدمت، فبكيت على خراب دار الأجل. صاح ديك الإيقاظ في سحر ليل العبر، فما تيقظت فستنتبه، إذا نعق الغراب البين بين البين.
ومشتت العزمات ينفق عمره حيران لا ظفر ولا أخفـاق
لا في الشباب وافقت، ولا في الكهولة رافقت، ولا في الشيب أفقت، ولا من العتاب أشفقت، فكأنك ما آمنت بالمعاد ولا صدقت.
يا مقيماً على الهوى وليس بمستقيم، يا مبذراً في بضاعة العمر متى يؤنس منك رشد? يا أكمة البصر، لا حيلة فيها لعيسى، يا طويل الرقاد ولا نوم أهل الكهف، كيف يفلح من هو والكسل كندمائي جذيمة?.
الدنيا مضمار سباق، والليل سرى، وطلب الراحة تحنث:
فلا تحسبوا أن المعالي رخـيصة ولا أن إدراك العلى هين سهـل
فما كل من يسعى إلى المجد نالـه ولا كل من يهوى العلا نفسه تعلو
من تذكر حلاوة العاقبة نسي مرارة الصبر، الرجولية بالهمة لا بالصورة، نزول همة الكساح حطه في بئر الأنجاس، قنديل الفكر في محراب قلبك مظلم، فاطلب له زيت خلوة، وفتيلة عزم بينك وبين المتقين حبل الهوى، نزلوا بين يديه ونزلت خلفه، فاطو فضل منزل تلحق، لو علوت نشز الجد، بانت بانة الوادي.
للمهيار:
إن كنت ممن يطلع الوادي فسلْ بين البيوت عن فوادي ما فعلْ
عز هـواكِ فـأذلَّ جَـلَــدي والحب ما رقَّ له الجَلْـد وذلّ
أين ليالينا على الخـيف وهـل يرد عيشاً فائتاً قـولـك هـل
يا مقيداً بقيود الطرد، الق نفسك في الدجى على باب الذل، وقل إلهي، كم لك سواي ومالي سواك، فبفقري إليك وعناك عني، ألا عفوت عني.
أيا منعماً لم يزل محسـنـاً برى جسدي سخطك الدائمُ
إلى النحر مني مضمـومة يداي كما يفعـل الـنـادمُ
يزل الحليم ويكبو الجـواد وينبو عن الضربة الصارمُ
يا هذا، ليس في المياه ما يقلع آثار الذنب من ثوب القلب إلا الدموع، فإن نضبت ولم يزل الأثر فعليك بالاغتراف من بحر الاعتراف.
ودعت قلبي حين ودعتـهـم وقلت يا قلبي عليك السـلامُ
وصحتُ بالنوم انصرف راشداً فإن عيني بعدهـم لا تـنـامُ
أحضر نادي المتهجدين ونادهم طوبى لكم وجدتم قلوبكم فارحموا من لا يجد:
إذا وصلتم إلى وادي العقيق سلوا عن حال منقطع أودى به السهر
وفتشوا عن فؤاد هـائم قـلـق قد ضاع مني فلا عين ولا أثـر
أنجع الوسائل الذل، وأبلغ الأسباب في العفو البكاء، والعي عن ترتيب العذر بلاغة المنكسر.
يا من أشكو إليه ما يعـلـمـه والدمع يذيع كلمـا أكـتـمـه
هذا المسكين من ترى يرحمـه قد هان عليه كلـمـا يؤلـمـه
بالجسم من السقام ما يحرضـه والقلب يذوب من جوى يمرضه
ما قد حكم الإله من ينـقـضـه قد أعوزني الصبر فمن يقرضه
الفصل الرابع عشر
لقد خوفنا الموت بمن أخذ منا، ونعلم هجومه علينا وقد آمنا، ما أذكرتنا المواعظ فما لنا ما لنا:
لا ترقدن لعينك السـهـر وانظر إلى ما تصنع العبرُ
انظر إلى عبر مـصـرفة ما دام يمكن طرفك النظرُ
فإذا جهلت ولم تجد أحـداً فسل الزمان فعنده الخبـرُ
فإذا نظرت تريد معتـبـراً فانظر إليك ففيك معتبـرُ
أنت الذي تنعاه خلـقـتـه ينعاه منه الشعر والبشـرُ
يا من يؤمل أنت منتـظـر أملاً يطول ولست تنتظـرُ
ماذا تقول وأنت في غصصٍ ماذا تقول وذوقك الـمـدرُ
ماذا تقول وقد لحقت بـمـا يجري عليه الريح والمطرُ
كم قد عفتْ عين لهـا أثـر درستْ ويُدرس بعدها الأثرُ
يا من يشيع ببدنه الميت، فأما قلبه ففي البيت، أتخلى بين المودود والدود? وتعود إلى المعاصي حين تعود، هلا أجلت بالبال ذكر البالي? وقلت للنفس الجاهلة: هذا لي، من زار القبور والقلب غافل وسعى بين الأجداث والفكر ذاهل وشغله عن الاعتبار لهو شاغل فهو قتيل قد أسكره القاتل:
وما أعطى الصبابة ما استحقت عليه ولا قضى حق المنـازل
ملاحظها بعين غير عـبـرى وزايرها بجسم غير نـاحـل
شيّع الحسن جنازة فجلس على شفير القبر فقال: إن أمراً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن أمراً هذا أوله، لحقيق أن يخاف آخره.
أخواني، كيف الأمن? وهذا الفاروق يقول: لو أن لي طلاع الأرض ذهباً وفضة لافتديت بها، كيف الأمن? من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر? لما طعن عمر قال لابنه ضع خدي على التراب فوضعه فبكا حتى لصق الطين بعينيه وجعل يقول: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي، ودخل عليه كعب، وكان قد قال له إنك ميت إلى ثلاثة أيام، فلما رآه أنشد
وواعدني كعب ثلاثـاً بـعـدهـا ولا شك أن القول ما قاله كعـب
وما بي حذار الموت إني لـمـيت ولكن حذار الذنب الذي يتبعه الذنب
واعجباً من خوف عمر مع كماله وأمنك مع نقصانك، قيل لابن عباس: أي رجل كان عمر? فقال: كان الطائر الحذر الذي كان له بكل طريق شركاً.
يا مسدود الفهم بكثرة الشواغل أحضر قلبك لحظة للعظة، يا جامداً على وضع طبعه، تحرك إلى قطر التذكرة، يا عبد الطمع طالع ديار الأحرار، ما أطول غشية غفلتك فلمن تحدث? قلبك في غلاف غفلة وفطنتك في غشاوة غباوة، وحبل عزمك الجديد حديد، لو خرج عقلك من سلطان هواك، عادت الدولة عادة، لو صح مزاجك فطرتك طعم النصح في فمك، المفروض عنك مرفوض، وكلام النصيح صوت الريح.
يا تلميذ الهوى اخرج من وصف التبعية، يا مقيد الوجود في فناء الفناء قامت قيام الملامة وما تسمع، لقد ضحل صوت النصيح، ولكن صلخ صماخ السمع مانع.
يا هذا، لو وقف مرضك رجونا لك البرء، ولكن المرض يزيد وقوة العزم تضعف:
متى يلتقي الآلاف والعيس كلما تصعد من واد هبطن إلى واد
يا مقبلاً على المعاصي أدبرت، ويحك إذا أخرجت من يديك فمن يحصل? كم تعد بالتوبة ولا تفي? ويحك إن اللذة بالعقوبة لا تفي، ضمانك عقيم، ووعدك عاقر، إذا أقمت بناء توبة اكتريت ألف نقاض، ويحك لا تفعل، فإنه ما سحب أحد ذيل الهوى إلا وتعثر، اكتب قصة الندم بمداد الدمع، وفي الحال تصل:
سألت ودمع العين سـايل ودعت وداعي البين شاغل
فأجاب دمعي وهـو فـي صفق الأسى سحبان وائل
أعرضت عنك فما تـروم وبنت منك فمن تواصـل
لم يبق من سنن الـهـوى إلا الوقوف على المنازل
يا مشرداً عن الأوطان إلى متى ترضى بالتمردك? للقطاة أفحوص، ولابن آوى مأوى، منذ خمسين سنة تجدف في العبور إلى ساحل التوبة وما تلحق الشط، قوة الأمل عقدة في وجه منشار الجد، الرياء عيب في رئة الإيمان، يسل المرض إلى السل، شدة الحرص على الفاني سدة في كبد اليقين، ومن صبر على مرارة الدواء عوفي:
السقم على الجسم له تـرداد والصبر يقل والهوى يزداد
ما أبعد شقتي وما لـي زاد ما أكثر بهرجي ومالي نفاد
يا أرباب الدنس يا أوساخ الذنوب "هذا مُغْتَسَلٌ بارد وشراب" لا تقنعوا بصب ماء التوبة على الظاهر، بلوا الشعر وانقوا البشرة، ما لم تسبح بدمع ع**** لم تأت بسنة الغسل:
فلو داواك كل طبيب داء بغير كلام ليلى ما شفاكا
أبلغ المراهم لجراح الذنوب الندم، وأوطأ فراش المعتذر القلق، وأسرع الأوقات إجابة السحر، فاطرد عن ع**** لذة النوم، وناد في نادي الأسى مع القوم:
يا من بسهامه لقلبي جرحـا صل مشتاقاً بغيركم ما فرحا
ما ناح له مطوق أو صدحـا إلا شرب الدمع وعاف القدحا
يا نائماً طول الليل ما تحس برد السحر? لقد نم النسيم على الزهر، ودلت أغاريد الحمام، على دنو الفجر، صاح الديك فلم تنتبه، وأعاد فلم تفق، فقوى ضرب الجناحين لطماً على غفلتك.
صفق أما ارتياحه لسنا الفجر وأما على الـدجـا أسـفـا
يا مـطـولاً بـالـقـــيام مسـتـلـذاً بـالـمـنـام
قم فـقـد فــاتـــك يا مغبـون أربـاح الـكـرام
وخلـوا دونـك بـالـمـو لى وفـازوا بـالـمــرام
وكذا تـسـبـقـك الـقـو م إلـى دار الـســـلام
الفصل الخامس عشر
أخواني، الدنيا دار الآفات، الإثم بقي والإلتذاذ فات، بينا نرى فيها الغصن خضراً متمايلاً ذابلاً ذابلي.
يا أيهذا الذي قـد غـره الأمـل ودون ما يأمل التنغيص والأجـل
ألا ترى أنما الدنـيا وزينـتـهـا كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا
حتوفها رصد وعيشـهـا نـكـد وصفوها كدر وملـكـهـا دول
تظل تفزع بالروعات ساكـنـهـا فما يسوغ له عـيش ولا جـذل
كأنه للمنـايا والـردى غـرض تظل فيه سهام الدهر تنتـضـل
والنفس هاربة والموت يتبعـهـا وكل عثرة رجل عندها جـلـل
والمرء يسعى بما يسعى لوارثـه والقبر وارث ما يسعى له الرجل
أخواني، ألبسوا الدنيا جنة الهجر، واسمعوا فيها من مواعظ لزجر، واحبسوها يوماً صممتموه للأجر، وصابروا ليل البلى فما أسرع إتيان الفجر، فلا تبيعوا اليقين بالظن فحرام بيع المجر.
لقد أبصرت عيون الفطن في نهار المشيب سبل الرحيل، وسمعت آذان الفجر بقعقعة الصلب الصلب أذان التخويل، لله در أقوام بادروا أيامهم وحاذروا آثامهم، جعلوا الصوم طعامهم والصمت كلامهم، فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى والقلوب في رياض الملكوت ترعى، قاموا لخوف القيامة بالأوامر، ووقفوا أنفسهم على الخير، ما توقفوا كالموامر، هجروا بالصيام لذيذ الهوى في الهواجر وصمت اللسان كأنه مقطوع في الحناجر بالخناجر، وجرى الدمع واصباً، حتى قد محا المحاجر، متى تطرق طريقهم? قبل طروق الطوارق، هذا ذئب السقام قد عوى للعوائق، يا من أعماله فيما خلا للخلائق، كم داواك الطبيب? وكم رقا بالرقايق? أين من ربا في الربى، ونما بين النمارق، أبرزهم حادي الموت لما حدا من الحدايق، وأمال مستقيمهم فالتوى فهل من هذا التوى أنت واثق? ويحك إن الدنيا سراب مخلف فإن وجد شراب أعطش، أزدهت فدهت على أنها تذم وتضم، كم عقدت لمحبها عقد عهدها? فلما حلت عنده حلت، إنها لعجوز وهي في عينك كالقمر، وقد قمر هواها قلبك فما أبقى منه إلا قلب قمر. للشريف الرضي:
شَرَتِ الفؤادَ رخيصةً أعلاقُهُ ومضى يَعَضُّ بنانه المغبونُ
أفنيت عمرك في طلبها وما حصل بيدك منها إلا ما حصل بيد قيس من ليلى.
صحا كل عذري الغرام عن الهوى وأنت على حكم الصبـابة نـازلُ
ول الدنيا ظهرك تنص الآخرة لك نقابها، تعر عن الدنيا تعز، وخذ قدر البلغة وجز تفز، إلى متى زنبيل حرصك على كاهل همتك وأنت تسعى في مزابل طمعك، تحش وقود الحطام لنار هواك وقد أقمت موقداً من الشره لا يفتر، أما علمت أنه كلما ترقى دخان أتون الهوى في برابخ الحس سود وجه القلب، أنت في جمع الحطام نظير الزبال، وفي فعل الخير غلام الخبال عالم الهمم مختلف الأجناس هذا الشفنين لا يقرب غير زوجته أبداً، فإن ماتت لم يتزوج أبداً وكذلك الأنثى والدجاجة مع أي ديك كان.
كلامي يدور حول ستور سمعك، وموانع الهوى تحجبه أن لا يصل فلو قد وصل إلى القلب أثّر، عضت رجلاً حية فلم يعلم أنها حية فلم يتغير، فلما أخبر أنها حية مات، لأنه حين أخبر انفتحت مسامه. فوصل السم إلى القلب. يا أطروش الهوى صاحب من يسمع، يا عمي البصيرة امش مع من يبصر، تشبه بالصالحين تعد في الجملة، هذا الطاووس يحب البساتين فهو يوافق الأشجار، إذا ألقت ورقها ألقى ريشه، فإذا اكتست اكتسى، لو سرت في حزب المتقين خطوات لعرفوا لك حق الصحبة، يا من كان لهم رفيقاً فأصبح لا يعرف لهم طريقاً، اطلب اليوم أخبارهم واتبع في السلوك آثارهم فإن وقعت ببعضهم حملك إلى أرضهم.
للمصنف:
في شغل عن الرقاد شـاغـل من هاجه البرق بسفح عاقـل
يا صاحبي هذي رياح ربعهـم قد أخبرت شمائل الشـمـائل
نسيمهم سحيري الريح فـمـا تشـبـهـه روايح الأصـائل
ما للصبا مولعة بذي الصـبـا أو الصبا فوق الغرام القاتـل
ما للهوى العذري في ديارنـا أين العذيب من قصور بابـل
لا تطلبوا ثأراً بنا يا قـومـنـا دماؤنا في أذرع الـرواحـل
لله در العيش في ظـلالـهـم ولي وكم أسار في المفاصـل
واطربي إذا رأيت أرضـهـم هذا وفيها دميت مقـاتـلـي
يا طرة الشيح سقيت أدمعـي ولا ابتليت في الهوى بما بلى
ميلك عن زهو وميلي عن أساً ما طرب المخمور مثل الثاكل
يا من قد كثر تردده إلى المجلس ولم تزل قسوة قلبه لا تضجر، فللدوام أثر، جالس البكائين يتعد إليك حزنهم، فتأثير الصحبة لا يخفى، أما ترى دون البقل أخضر? يا من يشاهد ما يجري على الخائفين ولا ينزعج، أقل الأقسام أن يبكي رحمة لهم، إذا رأيت الثكلى تتقلقل فلا بد من رحمة الجنس.
للمهيار:
ولما وقفنا في الديار تشابهت جسومٌ براهنَّ البِلى وطلول
فباكٍ بداءٍ بين جنبيه عارفٌ وباكٍ بما جر الفراقُ جهول

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-13-2009, 04:49 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره


كان العاصي قتيل عشق الدنيا، فكشف له بالمخوفات نقاب المحبوبة فسلا، ثم جليت عليه بالمشوقات محاسن الآخرة فمال الجيد إلى الجيد.
ألفيتها وللحـدا تـغـريد برامة إن ذكرت زرود
ولاح برق بثنيات الحمى تشيمه للأعين الرعـود
فمالت الأعناق منها طرباً كما يميل الناشد المنشود
هيهات يخفي ما به متيم دموعه بوجده شـهـود
أتدرون ما أوجب اصفرار هذا التائب? ومن أي شراب سكر هذا الشارب? وأي كتاب أقدم هذا الغائب?
كلمـا زاد كـربـه في هوى من يحبهُ
طار نحو الحبيب من شدة الشوق قلـبـه
دنف كاد ينقـضـي بيد البين نـحـبـه
خبرونا عن العقـيق متى سار ركـبـه
الفصل السادس عشر
يا من نسبه معرق في الموتى، وقد وعظوه وإن لم يسمع صوتاً، أدرك أمرك فما تأمن فوتاً.
لأبي نواس:
ألا كلُّ حي هالك وابن هالـك وذو نسب في الهالكين عريق
فقل لغريب الدار إنك راحـلُ إلى منزل نأى المحل سحـيق
وما تعدم الدنيا الدنية أهلـهـا شواظ حريق أو دخان حريق
تجرع فيها هالكاً فقد هـالـك وتشجى فريقاً منهم بـفـريق
فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها قراراً فما دنياك غير طـريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثـياب صـديق
عليك بدار لا يزال ظلالـهـا ولا يتأذى أهلها بـمـضـيق
فما يبلغ الراضي رضاه ببلغة ولا ينفع الصادي صداه بريق
يا راقداً وق أوذن بالرحيل، يا مشيد البنيان في مدارج السيول، بادر العمل قبل انقضاء العمر، لا تنس من يعد الأنفاس للقائك
وما هي إلا ليلة ثـم يومـهـا ويوم إلى يوم وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلـى الـبـلـى ويدنين أشلاء الصحيح إلى القـبـر
ويتركن أزواج الـغـيور لـغـيره ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
يا عجباً، أما تعلم ما أمامك? فتهيأ للرحيل وأصلح خيامك، وتأهب للردى واقطع قطع المدى مدامك، واجتهد أن ينشر الإخلاص في المحل الأعلى أعلامك، وأحضر قلبك وسمعك وإن ملا من لامك، وإياك والفتور فإني أرى الدواء دوامك، اطلب ما شئت بالعزم وأنا زعيم لك بالظفر، من عزم على أمر هيأ آلاته، لما كان شغل الغراب الندب على الأحباب لبس السواد قبل النوح.
أنفت شقة المهامة أن تـق طع إلا بالشد والتـرحـال
وأبى المجد أن ينال بغير ال جد فلتنتبه عقول الرجـال
إذا وقعت عزيمة الإنابة في قلب من "سبقت لهم منا الحسنى" قلعت قواعد الهوى من مسناة الأمل، ركب ابن أدهم يوماً للصيد وقد نصب له فخ "يهديهم ربهم" حوله حب "يحبهم" فصيد قبل أن يصيد، سمع هاتفاً يقول ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فكانت تلك العظة شربة نقضت قولنج الهوى يا له من سهم ألقاه عن قربوسه وبوسه، كان راقد الفهم في ليل الغفلة، مشغولاً بأحلام المنى، فصيح به قم فقام، فقيل له سر فاستقام.
للشريف الرضي:
رأى على الغور وميضاً فاشتاق ما أجلب البرق لماء الإمـاق
وعظه خطيب اليقظة فوصلت ملامته إلى سمع الأنفة، فنهضت حمية الرجولية، يا ابن أدهم مبارزة الصيد أول مراتب الشجاعة، أفترضى أن تستأسر لثعلب الهوى? يا ابن أدهم قتلك حب الدنيا فثر لأخذ الثأر، إن كانت لك عزيمة يا ابن أدهم فهذا الكميت وهذا الأدهم فصادف التحريض حريضاً فنهض.
للشريف الرضي:
ذكرتماني طلب الـفـضـائل أيقظتما مني غـير غـافـل
قوما فقد مللت من إقامـتـي والبيض أولى بي من المعاقل
شنا بي الغـارات كـل لـيلة وعوداني طرف العـوامـل
إن كان لا بد من الموت فمت تحت ظلال الأسل الذوابـل
هتف به متقاضي الشوق: يا ابن أدهم دخلت شهور الحج فما قعودك ببلخ? فرحل الراحلة وراح، لاحت له نار الهدى فصاح في جنود الهوى: "إنِّي آنست" فتجلى له أنيس "تجدني" فغاب عن وجوده، فلما أفاق من صعقة وجده وقد دك ظور نفسه، صاح لسان الإنابة "تُبتُ إليك".
رويداً أيها الحـادي سقيت الرايح الغادي
فتلك الدار قد لاحت وهذا الربع والوادي
فلما خرج عن ديار الغفلة، أومأت اليقظة إلى البطالة.
لابن المعتز:
سلام على اللذات واللهو والصبى سلام وداع لا سـلام قـــدوم
يا ابن أدهم لو عدت إلى قصرك فعبدت فيه، قال العزم كلا ليس للمبتوتة نفقة ولا سكنى.
أحن إلى الرمل اليمانـي صـبـابة وهذا لعمري لو رضـيتُ كـئيب
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى وبالريح لم يسمع لهـن هـبـوب
أمرضه التخم فاستلذ طعم الجوع، وحمل جلده على ضعف جلده خشونة الصوف
حملتم جبال الحب فوقـي وإنـنـي لأعجز عن حمل القميص واضعف
لاح له جمال الآخرة فتثبتت في النظر عين اليقين، فتمكن الحب من حبة القلب فقام يسعى في جمع المهر من كسب الفقر، طال عليه انتظار اللقا فصار ناطور البساتين، تقاضته المحبة باقي دينها فسلم الروح في الغربة، هذا ثمن الوصل فتأخر يا مفلس.
دون المعالي مرتقى شاهق فطر إلى ذروتـه أوقـع
من لم يخض غمرتها لم يشد قواعد المجد ولـم يرفـع
كان إبراهيم إسكندري الهمة فاحتقر قصير بلخ في جنب ما أمل، فانتخب سوابق العزم وسار في جند الجد حتى قطع ظلمات الطبع، وبلغ إلى مطلع شمس لا تغرب، شكا إليه صفاء القلب من يأجوج وساوس النفس، فاستغاث بحامي المسكن فقيل له: شد سد العزم، فاستظهر بعد الزبر بالقطر، ثم انفرد من جند جوارحه فوقع بعين الحياة في السر فعاش بالتوفيق أبد الدهر.
أما تقومون كذا أو فاقعـدوا ما كل من رام السماء يصعدُ
نام على الهون الذليل ودرى جفن العزيز لم بات يسهـدُ
أخفهم سعـياً إلـى سـودده أحقهـم بـان يقـال سـيدُ

عن تعب أو رد سـاق أو لا ومسحت غرة سـبـاق يد
لو شرف الإنسان وهو وادع لقطع الصمصام وهو مغمدُ
الفصل السابع عشر
الدنيا دار المحن ودائرة الفتن، ساكنها بلا وطن واللبيب قد فطن.
للمصنف:
من مال إلى الدنيا وصبـا قد أمعن في الفاني طلبـا
خذ ما يبقى كيلا تشـقـى واتبع حقاً ودع اللـعـبـا
وذر الدنيا فلكم قـتـلـتْ مكراً بسهام هوى وصبـا
برت ورعت فإذا اجتمعت خدعت حتى قطعت إربا
يا عاشقها كم قد نصـبـت لهلاكك فاحذرها سبـبـا
يا آمنها كم قد سـلـبـت ولـداً بـراً أمـاً وأبــا
أفأين الجار أما قـد جـار فجارته حـتـى ذهـبـا
أم أين التراب أما تربـت خداه أما سكن الـتـربـا
كم خدت خداً في الأخـدود وقدت قداً منـتـصـبـا
كم ثغر ملتثـم ثـلـمـت قد كان لراشفه ضـربـا
فسقته المر لـدى جـدث وكذاك الدهر إذا ضربـا
وأتت قصراً يحوي نصراً فغدا وقصـاراه خـربـا
ومليكاً في صولة دولـتـه أضحى في الحفرة مغتربا
عرج بأمدار على الآثـار وسل طللاً أمسى شجبـا
ينبيك بـأنـهـم رحـلـوا وثوى من بعدهم الغربـا
بينا الإنسـان يرى رأسـاً فهوى رأساً فغدا ذنـبـا
فتأمـل عـاقـبة الـدنـيا فلعلك تصبح مجتـنـبـا
وتدبر ما صنعت فـلـقـد أبدت بصنايعها عـجـبـا
ينساك الأهل إذا رجعـوا عن قبرك لا تسمع كذبـا
تركوك أسيراً إذ ذهـبـوا بتراب ضريحك محتجبـا
وغدوا فرحين بما أخـذوا وغدوت باتمك محتقـبـا
وترى أعمالك قد حضرت فتنكس رأسك مكـتـئبـا
فكر في الذنب وما احتقبت كفاك عليك وما اكتسـبـا
كم بت على ذنب فـرحـاً وغدوت على ذنب طربـا
وعلمت بـأن الـلـه يرى فأسأت ولم تحسـن أدبـا
فأعد الزاد فمـا سـفـر كالموت ترى فيه نصبـا
وأفق والعمر بـه رمـق فكأن قد فات وقد ذهـبـا
يا كثير الدرن والدنس، يا من كلما قيل أقبل انتكس، يا من أمر بترك ما يفنى لما يبقى فعكس، جاء الأجل وحديث الأمل هوس، يا مؤثراً على الصواب عين الغلط، يا جارياً في أمره على أقبح نمط، يا مضيعاً وقته المغتم الملتقط، أي شيء بقي بعد الشمط? أتنسى ما سلف لك وفرط? وأبوك بزلة واحدة هبط، ما عندك من التوبة خير ولا لها فيك أثر، تنوب من الذنب، فإذا بدا لك بدا لك.
من علم أن عندنا حسن المآب آب، من خاف الجزاء بما في الكتاب تاب، من حذر اليم العذاب ذاب، من سار في طريق الإيجاب انجاب، من ذكر فعل الموت بالأب والجد جد، من تفكر في مرارة الكأس كاس، ويحك دع محبة الدنيا، فعابر السبيل لا يتوطن واعجباً تضيع منك حبة فتبكي وقد ضاع عمرك وأنت تضحك، تستوفي مكيال هواك وتطفف في كيل صلاتك "ألا بُعداً لمدين" تقف ببدنك في المحراب، ووجهك ملتفت للجراب، ما يصلح مثلك في الجرب، أنت تفضح صف الجهاد، ما تحسن الزردية على **** خمسين سنة في مكتب التعليم وما حذقت، أبا جاد غداً توبخ وقت عرض الألواح "ألم نعمركم" بضاعتك أيام عمرك وقد انتهبها قطاع الطريق، ورجعت إلى بيت الأسف بأعدال فارغة، فانظر لعله تخلف فيها شيء تعامل به، فبقية عمر المؤمن لا قيمة له.
سقيا لزماننا الذي كان لـنـا وافقرى أبعد ذا الفقر غنى
مر أسرع ما توقع البين بنا واقرب منيتي وما نلت منى
كان فضالة بن صيفي كثير البكاء، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته ما شأنه? قالت: زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد.
يا هذا الآخرة دار سكانها الأخلاق الجميلة، فصادقوا اليوم سكانها لتنزلوا عليهم يوم القدوم، فإن من قدم إلى بلد لا صديق له به نزل بالعراء، يا هذا فتى العمر في خدمة البدن وحوائج القلب كلها واقفة، انهض إلى التلافي قبل التلف، الكلف يداوى قبل أن يصير بهقاً، والبهق يلاطف قبل أن يعود برصاً، أما سمعت في بداية الزلل "إذا مسَّهم طائف" وفي وسطه "كلا بل ران على قلوبهم" وفي آخره "أم على قلوب أقفالها" أتبكي على معاصيك? والإصرار يضحك، أتخادع التوبة? وإنما تمكر بدينك.
رأيتُ الناس خداعـاً إلى جانب خـداع
يعيشون مع الـذئب ويبكون مع الراعي
ويحك حصل كبريت عزيمة قبل أن تقدح نار توبة وقبل نزول الحرب تملأ الكمائن ويحك، لا تطمع أن تخرج إلى فضاء قلبك حتى تتخلص من ربقات نفسك، كيف لا يفتقر إلى الرياضة لإزالة الكدر? من أول غذائه دم الطمث، ابك على ظلام قلبك يضيء، إذا بكت السحاب إلى الربى تنسمت.
يا هذا، تسمع بالكيمياء وما رأيته صح قط، اجمع عقاقير التوبة في بوتقة العزم، وأوقد تحتها نار الأسى على ما سلف، فإن تصعد منها نفس أسف، صار نحاس نحوسك ذهب سعادة، أترى في بستاننا اليوم أثمر? قد توجه صلاحه، كأني أشم ريح كبد محترقة، أي قلب قد لفحته نار الوجد? ففاح نسيمه، أحسن مظلوم في سلك الاعتذار خرز الذل، أحلى نطق يلج سمع القبول الاستغفار، أطرب كلام يحرك قلب الرحمة التملق.
يا من بصدودهم لقلبي جرحـوا وازداد بي الغرام لما نـزحـوا
ما جدت بهم وهم بهجري سمحوا هذا المطروح كم ترى يطـرحُ
قال عبد الله بن مرزوق لغلامه عند الموت: احملني فاطرحني على تلك المزبلة، لعلي أموت عليها فيرى ذلي فيرحمني.
عودوا وتعطفوا على قلب كئيب لو جيب لبان فيه حزن ووجيب
يدعى للموت في هواكم فيجـيب من أمل مثل فضلكم كيف يخيب
المذنب يأوي إلى الذل والبكا كما يأوي الطفل إلى الأبوين، بكى أبوكم آدم على تفريطه حتى جرت الأودية من دموعه، كان كلما ذكر الجنة قلق، وكلما رأى الملائكة تصعد، يحترق تذكر المعاهد فحن.
والذي بالبين والبـعـدُ بـلانـي ما جرى ذكر الحمى إلا شجاني
حبذا أهل الحمى مـن سـاكـن شفني الشوق إليهم وبـرانـي
كلما رمت سـلـواً عـنـهـم جذب الشوق إليهم بعـنـانـي
أحسد الطير إذا طـارت إلـى أرضهم أو أقلعت للـطـيران
أتمنى أنـنـي أصـحـبـهـا نحوهم لو أنني أعطى الأمانـي
لا تزيدوني غرامـاً بـعـدكـم خل بي من بعدكم ما قد كفاني
ذهب العمر ولم أحـظ بـكـم وتقضي في تمنيكـم زمـانـي
يا خليلي احفظا عهـدي الـذي كنتما قبل النوى عاهدتمـانـي
واذكراني مثل ذكري لـكـمـا فمن الإنصاف أن لا تنسيانـي
وسلا من أنـا أهـواه عـلـى أي جرم صد عني وجفـانـي
الفصل الثامن عشر
أيها المشغول باللذات الفانيات، متى تسعد لملمات الممات? متى تستدرك هفوات الفوات? أتطمع مع حب الوسادات في لحاق السادات? وأنى تجعل مثلهم? أنى، وهيهات.
يا مدمن اللذات ناس غـدرهـا اذكر تهجم هـادمِ الـلـذاتِ
احذر مكايده فهـن كـوامـنٌ في كرك الأنفاس واللحظـات
تمضي حلاوة ما احتبقت وبعده تبقى عليك مرارة التبـعـات
يا حسرة العاصين يوم معادهم ولو أنهم سيقوا إلى الجـنـات
لو لم يكن إلا الحياء من الـذي ستر الذنوب لأكثروا الحسرات
يا عظيم الجرأة يا كثير الانبساط، ما تخاف عواقب هذا الإفراط? يا مؤثر الفاني على الباقي غلطة لا كالأغلاط، ألك صبر يقاوم ألم السياط? ألك قدم يصلح للمشي على الصراط? أيعجبك لباس الصحة? كلا، وثوب البلا يخاط بداء المتون، داء أعيى على بقراط. كم رحل الموت? على غارب اغتراب، كم ألحق ترباً بالأتراب في سفر التراب، إنما الموت مخرنبق ليقول، ومجرمز ليغول.
وكم من فتى يمسي ويصبح آمناً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
يا شدة الوجل عند حضور الأجل، يا حسرة الفوت عند حضور الموت، يا خجلة العاصين يا أسف المقصرين.
للحجاج:
إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي
فما انفـك مـن نـدم وهان دمي فها ندمي
استلب زمانك يا مسلوب! وغالب الهوى يا مغلوب! وحاسب نفسك فالعمر محسوب، وامسح قبيحك فالقبيح مكتوب، واعجباً لنائم وهو مطلوب، ولضاحك وعليه ذنوب.
ألا ذكِّراني قبل أن يأتي الـمـوتُ وبيني لجثماني بدار البلـى بـيتُ
وعرفني ربي طريق سـلامـتـي وبصَّرني لكنني قـد تـعـامـيتُ
وقالوا مشيب الرأس يحدو إلى البلى فقلت أراني قد قربـت فـأدنـيت
أين الدموع السواجم? قبل المنايا الهواجم، أين القلق الدائم? للذنوب القدايم، أترى آثرت الملاوم? في هذه الأقاوم، أيها القاعد والموت قائم أنائم أنت عن حديثنا أم متناوم? لا بد والله من ضربة لازم، تقرع لها سن نادم، لا بد من موج هول متلاطم، ينادي فيه نوح الأسى لا عاصم، لا بد من سقم السالم ينسى فيه يا أم سالم.
يا من سينأى عن بنيه كما نأى عنه أبـوه
مثل لنفسك قولهـم جاء اليقين فوجهوه
وتحللوا من ظلمـه قبل الممات وحللوه
يا مؤخراً توبته بمطل التسويف "لأي يومٍ أُجِّلتْ" كنت تقول إذا شئت تبت فهذي شهور الصيف عناقد انقضت، قدر أن الموت لا يأتي إلا بغتة! أليس مرض الموت يبغت? ويحك قد نفذ السليط، فاستدرك ذبالة المصباح، في كل يوم تضع قاعدة إنابة، ولكن على شفا جرف هار، كم تعزم على طاعة وتوبة، يا ليلى الهوى ما تبصر توبة، تبيت من العزم في شعار أويس، فإذا أصبحت أخذت طريق قيس تنقض عرى العزايم عروة عروة، كل صريع في الهوى رفيق عروة، كم تدفن كثيراً من الأعزة? وما يرجع كثير عن حب عزة.
جنونك مجنون ولست بواجد طبيباً يداوي من جنون جنون
خلق قلبك صافياً في الأصل، وإنما كدرته الخطايا، وفي الخلوة يركد الكدر، تلمح سبب هذا التكدير، فما يخفى الحال على متلمح، كنت مقيماً في دار الإنابة نظيفاً، فسافرت في الهوى فعلاك وسخ، أفلا تحن إلى النظافة? ألا يحرك البدوي ذكر نجد? طال مرضك واليوم بحران، أتدري ما البحران? تجتمع القوة والمرض فيختصمان، فإن تحلبته جاءت العافية، وإن تحلبها فالهلاك، هذه ساعة بحرانك، والعقل يقاوم الهوى، فانظر من يغلب? واعجباً كيف يستأسر أسد لثعلب? يا مستهاناً في خدمة النفس، اخرج إلى ديار القلب تعز، الفيلة في الهند عوامل تنقل رجال القوم وتخدمهم، فإذا خرجت إلى من يعرف قدرها. أكرمت، العود في بلاده خشب، فإذا سوفر به إلى طالب الطيب أعز، تفاح أصبهان في بلده فاكهة، فإذا جيء به إلى العراق، دل على الطباع اللطيفة بريحه. الفهد في الصحراء بهيمة، فإذا وقع بيد من يعرفه، غضب فيترضى، البازي في البرية طائر، فإذا صيد فسريره كف الملك.
يا مختار الكون وما يعرف قدر نفسه، أما أسجدت الملائكة بالأمس لك? وجعلتهم اليوم في خدمتك، لما تكبر عليك إبليس، وقد عبدني سنين طردته، أفتصافيه على خلافي? "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني" أنا القائل قبل وجود أبيك للملائكة "إني جاعلٌ في الأرض خليفة" اطلعوا من خوخات تعبدكم، فانظروا ما أصنع? أخذت قبضة من تراب، فصببت عليها قطرات من ماء "مرج البحرين يلتقيان" قال التراب والماء: وأي قدر لنا? فنزل دار تواضعهما عزيز "ونفخت فيه من روحي" فانضم صدف بحر البدن على در القلب، فانعقد فصار عرشاً لصفة "ويسعني".
خلا المثقف بالطفل داخل البيت، فسطر في لوح سره العلم "كتب في قلوبهم الإيمان" وأخرجه يوم التخيير وقد حذق المكتوب "فقال أنبئهم بأسمائهم" ثم قيل له، لا يحتمل موضع الخلع، وجوده ذر البذر، فاخرج إلى عالم الطبع، أكلت يا دودة القز، فاذهبي إلى الغزل، وتشاغلي بالنسج، فنزل إلى دار المجاهدة، فظهر من ثمرة شجرته، صبر الخليل، وثبوت الذبيح، وجهاد يوسف، وكمال محمد صلى الله عليه وسلم، ثم جاء أولياء في هذه الدولة، فخجلت عند زهدهم الرهبة، لا بل سبقوا تعبد الملائكة، قال سري: ما فاتني ورد قط فقدرت على إعادته، وذاك أن الزمان الذي مضى فيه وظيفة أخرى.
ما لي شغل سواه ما لي شغـل ما يصرف عن هواه قلبي عذل
ما أصنع إن جفا وخاب الأمـل مني بدل ومنه مـا لـي بـدل
كانت رابعة العابدة، تقوم من أول الليل، وتقول:
قام المحب إلى المؤمل قومه كاد الفؤاد من السرور يطير
فإذا انقضى الليل، صاحت: واحرباه، واسلباه.
ذهب الظلام بأنسه وبألفه ليت الظلام بأنسه يتجدد
دخلوا على زجلة العابدة، فكلموها في الرفق بنفسها، فقالت: والله لأصلين لله ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي. ولأبكين ما حملت الماء عيناي.
لا أقبل نصحكم فخلوا عـذلـي ما أعذب في الغرام طعم القتل
إن طل دمي فكم محب مثلـي قد ضرج باللحاظ لا بالنـبـل
أين أنت والأحباب? كم بين القشور واللباب? لصردر:
هل مدلج عنده من مبكر خبر وكيف يعلم حال الرائح الغادي
يا معجباً بتعبده، تأمل فضائل السابقين، وقد هدرت شقاشق كبرك النظر في سيرهم قرظ يجفف عفن الرعونة، مضى والله هل المعاني، وتخلف أرباب الدعاوي.
هاتيك ربوعهم وفيها كانوا بانوا عنها فليتهم ما بانوا
ناديت وفي حشاشتي نيران يا قوم متى تحول السكان
الفصل التاسع عشر
عجباً لراحل مات وما تزود للرحلة، ولمسافر ماج وما جمع للسفر رحلة، ولمنتقل إلى قبره لم يتأهب للنقلة، ولمفرط في أمره لم يستشر عقله.
لصردر:
لا مرية في الردى ولا جـدلُ العمر دين قضـاؤه الأجـلُ
للمرء في حتف أنفه شـغـل فما تريد السـيوف والأسـلُ
يفرى الدجى والضحى بأسلحة سيان فيها الدروع والحـلـلُ
كأس أديرت على لـذاذتـهـا عُدّل فيها الزعاف والعسـلُ
كل إلـى غـاية يصـير ولا تمييز إلا الإسراع والمَـهَـلُ
والناس ركب يهوون حثـهـم ولا يُسـرُّون أنـهـم نـزلُ
وسوف تطوى مسافة ذملـت بقاطعـيهـا ركـائب ذلـلُ
كيف يعد الدنيا لـه وطـنـاً من هو عنها ينأى وينتـقـلُ
نسخو بأعمارنا ونبـخـل بـا لمال فتبَّ السخاء والبـخـلُ
أضاع راقي الداء العضال كما ضيع في سمع عاشق عـدَلُ
ولو نجا الهائب الجبـان مـن الموت نجا في أقدامه البطلُ
ما أسلموا هذه النفـوس إلـى الأجداث إلا إذا ضاقت الحيلُ
ضرورة ذلت القـروم لـهـا وقد تقود المصاعب الجـدلُ
ومن حذار تبوأ الكدية الضب وأوفى الشواهـق الـوعـل
يقاد في عزه الخبعثنة الضـا ري ويدهي في ذله الجُعَـلُ
وهل يردُّ الأحباب أن ظعنـوا على محب أن يندب الطلـلُ
أخواني، مر الأقران على مدرجة، وخيول الرحيل للباقين مسرجة سار القوم إلى القبور هملجة وباتت أرواح من الأشباح مستخرجة، إلى كم هذا التسويف والمجمجة? بضائعكم كلها بهرجة، وطريقكم صعبة عوسجة، وستعرفون الخبر وقت الحشرجة.
يا من قد ساخ في أوساخ، إلى كم تملى? تعبت النساخ، يا من ضيع الشباب، وما يسمع العتاب وقد شاخ، بادر صبابة القوى، فاستدرك باقي الطباخ، وتأهب للرحيل فما هذه الدنيا بمناخ، كم بات مزمار في بيت فأصبح فيه الصراخ، أين من حصن الحصون واحترس وعمر الحدائق واحترس، ونصب سرير الكبر وجلس، وظن بقاء للنفس فخاب الظن في نفس، نازله الموت، وتركه في ظلام ظلمة بين العيب والدنس، فالعاقل من بادر الندامة، فإن السلامة خلس.
لابن المعتز:
ألا من لقلب في الهوى غير منـتـه وفي الغي مطواع وفي الرشد مكره
أشـاوره فـي تـوبة فـيقــول لا فإن قلت تأتي فتنة قال: أين هـي?
سابقة القدر قضت لقوم بدليل "سبقت لهم" وعلى قوم بدليل "غلبتْ علينا" تلقيح "سبقت" نور قلوب الجن "فقالوا سمعنا قرآناً عجبا" وخذلان "غلبت" أعمى بصائر قريش "فقالوا أساطير الأولين" إذا هزت صوارم القدر، تقلقلت رقاب المقربين غضب على قوم فلم تنفعهم الحسنات، ورضي عن قوم فلم تضرهم السيئات، ما نفعت عبادة إبليس، ولا ضر عناد السحرة.
هبت عواصف الأقدار في بيداء الأكوان، فنقلت الوجود وعم الخبر، فلما ركدت الريح، إذا أبو طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه، وصهيب قد قدم بقافلة الروم، وأبو جهل في رقدة المخالفة، وبلال ينادي الصلاة خير من النوم، لما قضيت في القدم سلامة سلمان، أقبل يناظر أباه في دين قد أباه، فلم يعرف أبوه جواباً إلا القيد، وهذا الجواب المرذول قديم من يوم "حرقوه" فنزل به ضيف "ولنبلونكم" فنال بإكرامه مرتبة "سلمان منا" سمع أن ركباً على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه، ولا قطع، فوقف نفسه على خدمة الأدلاء وقرف الأذلاء، فلما أحس الرهبان بانقطاع دولتهم، سلموا إليه أعلام الأعلام على علامات نبينا، وقالوا أن زمنه قد أظل فاحذر أن تضل، وأنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين، فلو رأيتموه قد فلى الفلا والدليل شوقه، وخلى الوطن خلاء يزعجه توقه.
لأبي العلاء المعري:
وأبغضت فيك النخل والنخل يانـع وأعجبني من حبك الطلح والضال
وأهوى لجراك السماوة والغضـا ولو أن ضيفـيه وشـاة وعـذال
رحل مع رفقة لم يرفقوا "فشروه بثمن بخس" فابتاعه يهودي بالمدينة، فلما رأى الحرتين توقد خَرُشَوْقه، وما علم المنزل بوجد النازل.
للمتنبي:
أيدري الرَّبع أيّ دم أراقـا? وأيَّ قلوب هذا الركب شاقى
لنا ولأهلـه أبـداً قـلـوب تلاقي في جسومٍ ما تلاقـى
فبينا هو يكابد ساعات الانتظار، قدم البشير بقدوم البشير وسلمان في رأس نخلة، فكاد القلق يلقيه، لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم "أن كادت لتبدي به" ثم عجل النزول، ليلقى ركب السيارة.
خليلي من نجد قفا بي على الربى فقد هب من تلك الرسوم نسـيم
فصاح به المالك: مالك ولهذا? انصرف إلى شغلك، فأجاب لسان وجده، كيف انصرافي ولي في داركم شغل فاخذ يضربه، فأخذ لسان حاله يترنم، لو سمع الأطروش.
خليلي لا والله ما أنا منكما إذا علم من آل ليلى بداليا
فلما لقي الرسول عرض نسخة الرهبان بكتاب الأصل، فوافق ووافق، يا محمد أنت تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان، أبو طالب إذا سئل عن اسمه، قال عبد مناف، وإذا انتسب افتخر بالآباء، إذا ذكرت الأموال عد الإبل، وسلمان، إذا سئل عن اسمه قال عبد الله وعن نسبه، قال ابن الإسلام، وعن لباسه قال التواضع، وعن طعامه قال الجوع، وعن شرابه قال الدموع، وعن وساده قال السهر، وعن فخره قال "سلمان منا" وعن قصده، قال: "يريدون وجهه".
للشبلي:
إن بيتاً أنت سـاكـنـه غير محتاج إلى السرج
وعـلـيلاً أنـت زائره قد آتاه الله بـالـفـرج
وجهك المأمول حجتنـا يوم يأتي الناس بالحجج
الفصل العشرون
يا من يمشي على ظهور الحفر، ويرى السابقين إلى بيوت المدر، لو أصغى سمع التدبير، سمع العبر، كفى بالموت واعظاً يا عمر.
لأبي العتاهية:
وعظتْكَ أجداثٌ ضمت ونعتك أزمنة خـفـت
وتكلمتْ عن أعـظـم تبلى وعن صور شتت
وارتك قبرك في القبور وأنت حيٌّ لم تـمـتْ
يا سادراً في سكر سروره، يا سادلاً ثوب غروره، كأنك بك قد اقتعدت غارب الغربة، واستبدلت بالأثواب التربة، سيقسم مالك من لا يحمدك، وستقدم على من لا يعذرك، غداً يرجع الحبيبان عنك، حبيبك من أهلك يقسم حبيبك من مالك، وأنت في قفر الفقر إلى ما أسلفت، تبكي على ما خلفت، بين أناس كلهم أسير الفرق، وجميعهم على مهاد القلق.
محلة سفر كـان آخـر زادهـم إليه متاع من حنوط ومن خرق
إلى منزل سوى البلى بين أهلـه فلم تستبن فيه الملوك من السوق
إلى متى تبقى بدائك? أهذا الذي تفعله برائك? لقد حل فناؤك بفنائك، وأخبر انتقاض بنائك بنمائك، وأن وراءك طالباً لا تفوته، وقد نصب لك علم لا تجوز، فما أسرع ما يدركك الطالب، وما أعجل ما تبلغ العلم، أخواني، هذا الموت غداً، يقول للرحيل غد، كيف بكم إذا صاح إسرافيل? في الصور بالصور، فأسمع العظام البالية تحت المدر، فاجتمعت من بطون السباع، وحواصل الطير، فقامت تبكي على فوات الخير، وسار الخلائق كلهم حفاة عراة، كل منهم مشغول بما عراه، وقد رجت الأرض وبست الجبال، وذهلت العقول وشاب الأطفال.
أيا نفس حقك أن تجزعـي ويا عين إياك أن تهجعـي
ويا أذن إن دعاك الـهـوى فإياك إياك أن تسمـعـي
وبالله يا جفن عيني القـريح ضرج بفيض الدما أدمعي
ويا كل جارحة لي علـيك حفيظ فابكي ونوحي معيد
يسير بنا الدهر من موضع ترحل عنه إلى مـوضـع
إلى حيث لا العين فيه ترى ولا الأذن إن خاطبوها تعي
فيا ويلنا من طريق هنـاك طويل بعيد المدى مسبـع
يا أهل الذنوب والخطايا ألكم صبر على العقوبة? "كلا إنها لظى" إذا شاهدت من اشترى لذة ساعة بعذاب سنين "تكاد تميَّز من الغيظ" من أراد أن ينجو منها فليتب "من قبل أن يتماسا" كيف أمن العصاة? "وإن منكم إلا واردها" كيف نسوا غب الزلل? "ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".
أخواني، مثلوا أهل الجنة "يوم نحشر المتقين" "ونورهم يسعى بين أيديهم" ومعهم توقيع "لا خوفٌ عليهم" فلما وصلوا إلى الجنان "وفُتحت أبوابها" وبدأهم الخزنة "سلام عليكم طبتم" وبشروهم بالبقاء الدائم "فادخلوها خالدين" وقرأت الأملاك من سجل الأملاك مبلغ الثمن "بما صبرتم" وجميع المرادات داخلة في إقطاع "ما تشتهي أنفسكم" وقد استرجح في الميزان "ولدينا مزيد" وأتم التمام "وما هم منها بمخرجين".
وهذا السرور بتلك الكرب وهذا النعيم بذاك التعـب
ويحك ميز بعقلك وحسك بين الدارين، وأحضر الذنب والعقاب والمح العاقبتين، هذا الحيوان البهيمي ينظر في العواقب، الإبل يأكل الحيات فيشتد عطشه فيحوم حول الماء ولا يشرب لعلمه أن الماء ينفد السموم إلى أماكن لا يبلغها الطعام، ومن عادته أن يسقط قرنه كل سنة وهو سلاحه فيختفي إلى أن ينبت، هذه الحية، تختفي طول الشتاء بالأرض، فتخرج وقد عشى بصرها، فتحكه بأصول الرازايانج لأنه يزيل العشا، هذا الفهد إذا سمن علم أنه مطلوب وشحمه يمنعه من الهرب فهو يستر نفسه إلى أن ينحل الشحم، هذه النملة تدخر في الصيف للشتاء، فإذا خافت عفن الحب أخرجته إلى الهواء فإذا حذرت أن ينبت نقرت موضع القطمير.
أسمعت يا مقطوع الحيلة? متى تدخر من صيف قوتك إلى شتاء عجزك? هذه السمكة إذا حبستها الشبكة جمزت بكل قوتها لتقطع الحابس، لو نهضت بقوة العزم لانخرقت شبكة الهوى، إذا مد النهر اغتنمت ذلك المد الزنابير، فبنت منه بيوتاً لأنه لا يصلح لها غيره، مد بحر الشباب وما بنيت بيت جد، فحدثني ما الذي تصنع في القحل? إن فاتك زمن المد، فمد اليد للسؤال حيلة المفلس.
يا محصراً عن الوصول لا يجزيه الهدى، يا منقطعاً في الطريق عن جملة الوفد، تحامل إلى بعض خيم أهل الوصل، واشهد على وصيتك ذوي عدل، وناد في النادي بصوت الذل.
إذا ما وصلتم سالمين فبـلِّـغـوا تحيةً من قد ظن أن لا يرى نجداً
وابسط في الدجى يد الطلب، فأطيب ما أكل الرجل، من كسب يده، وقل بلسان التملق:
أحبابنا أنا ذاكم العبـد الـذي راعيتموه نـاشـئاً وولـيداً
حالت به الأحوال بعد فراقكم فرمى بأسرته وجاء فـريدا
إذا جلست في ظلام الليل بيد يدي سيدك فاستعمل أخلاق الأطفال، فإن الطفل إذا طلب من أبيه شيئاً فلم يعطه يكن عليه.
بلغ المنى من حل في وادي منى غيري فإني ما بلغت مـرادي
وبكيت من ألم الفراق وشقوتـي فبكى الحجيج بأسره والـوادي
يا من قد نزلت به بلية الطرد، تروح إلى حديث المناجاة وإن لم تسمع منك، وابعث رسائل الأحزان مع رياح الأسحار ولو لم تصل.
يا نسيم الشمال بلـغ خـطـابـي واشف مني الجوى بحمل الجواب
طفت بساحات ذلك الربع واحمل ذرة من تراب ذاك الجـنـاب
قل لمولاي يا منى الروح والقلب ومن فيه ذلتي وانـتـحـابـي
كنت أخشى الوشاة فيك ولـكـن جفوة الحب لم تكن في حسابي
الفصل الحادي والعشرون
يا ساعياً لنفسه في المهالك، دنا الرحيل ونضو النقلة بارك، متى تذكر وحشتك بعد إيناسك? متى تقتدي من ناسك بناسك? كأنك بك قد خرجت عن أهلك وولدك، وانفردت عن عددك وعددك، وقتلك بسيف الندم ولم يدك، ورحلت ولم يحصل بيدك إلا عض يدك.
كأنك لم تسمع بأخبار من مـضـى ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر
فإن كنت لا تدري فتلـك ديارهـم محاها مجال الريح بعدك والقطر
على ذاك مروا أجمعون وهـكـذا يمرون حتى يستردهم الـحـشـر
فحتام لا تصحو وقد قرب المـدى وحتام لا ينجاب عن قلبك السكـر
بل سوف تصحو حين ينكشف الغطا وتذكر قولي حين لا ينفع الذكـر
يا من يذنب ولا يتوب، كم قد كتبت عليك ذنوب? خل الأمل الكذوب، فرب شروق بلا غروب، وا آسفي أين القلوب? تفرقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك ولا تؤوب، واعجباً الناس ضروب، متى تنته لخلاصك أيها الناعس? متى تطلب الأخرى يا من على الدنيا ينافس? متى تذكر وحدتك إذ انفردت عن موانس? يا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس، يا من تحدثه الأماني دع هذه الوساوس.
أين الجبابرة الأكاسرة الشجعان الفوارس، أين الأسد الضواري والظباء الكوانس، أين من اعتاد سعة القصور حبس من القبور في أضيق المحابس، أين الرافل في أثوابه عري في ترابه عن الملابس، أين الغافل في أمله عن أجله سلبه كف المخالس، أين حارس المال، أخذ المحروس وقتل الحارس.
يا مضمراً حب الدنيا إضمار الجمل الحقود، نبعث منقاش اللوم وما يصل إلى شظايا المحبة، الدنيا جيفة قد أراحت ومزكوم الغفلة ما يدري، سوق فيها ضجيج الهوى، فمن يسمع المواعظ.
علمتني بهجرها الصبر عنها فهي مشكورة على التقبيح
إذا أردت دواء حبها فما قل في الشربة صبر، انفرد في صومعة الزهد، واحفر خندق الحذر، وأقم حارس الورع، ولا تطلع من خوخة مسامحة فإن البغي في الفتى صناع.
لصردر:
النجاء النجاء من أرض نجد قبل أن يعلق الفؤاد بوجـد
كم خلى غدا إليه وأمسـى وهو يهوي بعلوة وبهـنـد
حصّن حصن التقى بسور القناعة، فإن لص الحرص يطلب ثمة، غريم الطبع متقاض ملح، والشره شرك، وخمار المنى داء قاتل، بينا الحرص يمد وتر الأمل انقطع، هل العيش إلا كأس مشوبة بالكدر ثم رسوتها الموت "فابتغوا عند الله الرزق".
قال محمد بن واسع لو رأيتم رجلاً في الجنة يبكي، أما كنتم تعجبون? قالوا بلى، قال: فأعجب منه في الدنيا رجل يضحك ولا يدري إلى ما يصير? ضحك بعض الصالحين يوماً ثم انتبه لنفسه فقال: تضحكين? وما جزت العقبة، والله لا ضحكت بعدها، حتى أعلم بماذا تقع الواقعة?
يا نسيم الشمال بالله بلغ ما يقول المتيم المستهام
قل لأحبابنا فداكم محب ليس يسلو ومقلة لا تنام
كل عيش ولذة وسرور قبل لقياكم علي حرام
فرغ القوم قلوبهم من الشواغل، فضربت فيها سرادقات المحبوب، فأقاموا العيون تحرس تارة، وترش الأرض تارة، هيهات هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بسمع الملك.
لابن المعتز:
أيها الملك الذي سهـري فـيه كطعم الرقاد بل هو أحـلـى
غرضي ما يريده بي حبـيبـي لو سقاني مهلاً لما قلت مهلا
لست أدري أطال لـيلـي أم لا كيف يدري بذاك من يتقـلـى
إن العاشقين في قصر الـلـيل وفي طوله عن النوم شـغـلا
لو تفرغت لاستطـالة لـيلـي أو لرعي النجوم كنت مخـلا
وغرام الفؤاد مذ غبت عـنـه لم يحل عن هواك حاشى وكلا
قلوب العارفين، مملوءة بذكر الحبيب، ليس فيها سعة لغيره.
قد صيغ قلبي على مقدار حبهم فما لحب سواهم فيه متسـع
إن نطقوا فبذكره، وإن تحركوا فبأمره، وإن فرحوا فلقربه، وإن ترحوا فلعتبه.
والله ما طلعت شمس ولا غربـت إلا وأنت مني قلبي ووسـواسـي
ولا جلست إلى قـوم أحـدثـهـم إلا وأنت حديثي بـين جـلاسـي
ولا هممت بشرب الماء من عطش إلا رأيت خيالاً منك في الكـاس
أقواتهم ذكرى الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة.
حياتي منك في روح الوصـال وصبري عنك من سلب المحال
وكيف الصبر عنك وأي صبـر لعطشان عن المـاء الـزلال
إذا لعب الرجال بكـل شـيء رأيت الحب يلعب بالـرجـال
كم تدرس أخبارهم وما تدرس، لئن طواهم الفناء لقد نشرهم الثناء، لو سمعتهم في الدجا يعجون، لو رأيتهم في الأسحار يضجون، لولا نسايم الرجاء كانوا ينضجون.
ما لي عن وصلك اصطبار إليك من هجرك الفـرارُ
أصبحتُ ظمآن ذا جفـون مياه أخلافـهـا غـزارُ
أرومُ كتمـان مـا ألاقـي وبالأماقي له اشـتـهـارُ
ومن نسيم الصبـا إذا مـا هبت على أرضكم أغـار
آه لذكرى ديار سـلـمـى لا أجدبت تلـكـم الـديار
لهفي لعيش بهـا تـولـي نظير أيامه الـنـضـارُ
إذ أعين الدهـر راقـدات وفي غضون الهوى ثمارُ
الفصل الثاني والعشرون
أيها الحاطب على أزره، وزراً وآثاماً، تنبه ترى الدنيا أحلى ما كانت أحلاماً، كم نكس الموت فيها أعلاماً أعلى ما، كم أذل بقهره أقواماً أقوى ما، لا كان مفتاح أمسى له الموت ختاماً.
مَن على هذه الـديار أقـامـا أو صفا ملبس علـيه فـدامـا
عج بنا ننـدب الـذين تـولـوا باقتياد المنون عاماً فـعـامـا
تركوا كـل ذروة مـن أشـم يحسر الطرف ثم حلوا الرغاما
يا لحا الله مهملاً حسب الدهـر نؤوم الجفون عنـه فـنـامـا
هل لنا بالـغـين كـل مـراد غير ما يملأ الضلوع طعامـا
وإذا أعوز الحلال فشل الـلـه كفا جرت إلـيهـا حـرامـا
التبعات تبقى واللذات تمر، وغب الأرى وإن حلا فهو مر، وكأن قد عوى في دار العوافي ذئب الضر، وما يلهي شيء من الدنيا ويسر إلا يؤذي ويضر، وقد بانت عيوبها، فليس فيها ما يغر وإنما يعشقها الجهول ويأنف منها الحر.
تذل الرجال لأطماعها كذل العبيد لأربابهـا
ولا تجنين ثمار المنى فتجنى الهوان بأعقابها
أخواني، ربما أورد الطمع ولم يصدر، كم شارب شرق قبل الري? من أخطأته سهام المنية قيده عقال الهرم، ألا يتيقظ العاقل بأضرابه، ألا يتنبه الغافل بأوصابه، أيسلم والرامي تحت ثيابه? يا مريضاً أتعب الأطباء ما به، كأنك بالدنيا التي تقول مرحباً قد حلت الحبى وتفرقت أيدي سبا.
ويحك أخوك من عذلك لا من عذرك، صديقك من صدقك لا من صدّقك، ويحك من يطربك يطغيك، ومالا يعنبك يعنيك، تتوب صباحاً فإذا أمسيت تحول وتعول وتقول غير أنك تنقض ما تقول، وتتلون دائماً كما تتلون الغول.
يا عبد الهوى، إن دعا أمّنت وإن ادعى آمنت، كم قال لك الهوى وما سمعت، أنا مكار وتبعت، والله لقد أفتك أضعاف ما أفدتك، ولقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر، لما رأى المتيقظون سطوة الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابها لجأوا إلى حصن الزهد، كما يأوي الصيد المذعور إلى الحرم، لاح لهم حب المشتهي، فلما مدوا إليه أيدي التناول بان لأبصار البصائر، خيط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر، وصوتوا إلى الرعيل الثاني "يا ليتَ قومي يعلمون" جمعوا الرحل قبل الرحيل، وشمروا في سواء السبيل، فالناس في الغفلات وهم في قطع الفلاة "تلك أمة قد خلتْ" لو رأيت مطايا أجسامهم، وقد أذا بها السرى فهي تحن مما تجن فتبكي الحداد.
للمصنف:
حنتْ فأذكتْ لوعـتـي حـنـينـا أشكو من البين وتشكـو الـبـينـا
قد عاث في أشخاصها طولُ السرى بقدر ما عـاث الـفـراق فـينـا
فخلها تمشي الهـوينـا طـال مـا أضحت تباري الريح في البرينـا
وكيف لا نأوي لها وهـي الـتـي بها قطعنا السهـل والـحـزونـا
إن كن لم يفصحن بالشكوى لنا فهن بالأرزام يشـتـكـينـا
قد أقرحت بما تحن كـبـدي إن الحزين يسعد الحـزينـا
وقد تياسرت بـهـن جـائراً عن الحمى فاعدل بها يمينـا
يقول صاحبي أترى آثارهـم نعم ولكن لا أرى القطـينـا
لو لم تجد ربوعهم كوجـدنـا للبين لم تبل كمـا بـلـينـا
أكلما لاح لـعـينـي بـارق بكت فأبدت سرى المصونـا
لا تأخذوا قلبي بذنب مقلتـي وعذبوا الخـائن لا الأمـينـا
دارت قلوب القوم في دائرة الخوف، دوران الكرة تحت الصولجان فهاموا في فلوات القلق، فمن خايف مستجير، ومن واحد يقول، ومن سكران يبث.
إذا لعب الرجال بكل شيء رأيت الحب يلعب بالرجال
طالت عليهم بادية الرياضة، ثم بدت بعدها الرياض، استوطنوا فردوس الأنس في قلة طور الطلب.
شقينا في الهوى زمناً فلمـا تلاقينا كأنا مـا شـقـينـا
سخطنا عندما جنت الليالـي فما زالت بنا حتى رضينـا
فمن لم يحيى بعد الموت يوماً فإنا بعد ما متـنـا حـيينـا
وقفت على قبر بعض الصالحين فقلت: يا فلان، بماذا نلت تردد الأقدام إليك? فقال: أقدمت على رد الهوى بلا تردد، فترددت إلي الأقدام، كان عطر إخلاصي خالصاً فعبق نشره بالأرواح.
للمهيار:
جرتْ مع الرسم لي محاورةٌ فهمتُ منها ما قاله الرسـمُ
هل لك بالنازلين أرض منى يا علَمَ الشوقِ بعدنا عِـلـمُ
أدلج القوم طول الليل في السرى، وخافوا عوز الماء فتمموا المزاد بالبكاء.
سلو غير طرفي إن سألتم عن الكرى فما لجفون العـاشـقـين مـنـام
سكن الخوف قلوبهم فإذا بها، فإذا بها في محلة الأمن، نحلوا المعرفة فتحلوا فعمر قصر القلب للملك، وقنعت الحواشي في القاع بالخيم.
وكم ناحل بين تلك الخيام تحسبه بعض أطنابهـا
يا هذا، سرادق المحبة لا يضرب إلا في قاع فارغ نزه "فرِّغ قلبك من غيري ،أسكنه".
للشريف الرضي:
تركوا الدار فـلـمـا نزلوا القلب أقامـوا
يا خليلي اسـقـيانـي زمن الوجـد مـدامُ
وصِفا لي قلعة الركب ولـلـيلِ مُـقــامُ
ومِـنـىً أين مـنـىً مِنِّي لقد شط المَـرامُ
هل على جمع نزول وعلى الخيف خـيام
بحق لا بد أن المحبين تذوب، ولسماء أعينهم تهمي وتصوب، لو حملوا جبال الأرض مع كر الكروب، كان ذلك قليلاً في حب المحبوب.
لابن المعتز:
رأى خضوعي فصدَّ عني فازددت ذلاً فزادتـيهـا
قلت له خالـياً وعـينـي قد أحرق الدمع ما يليهـا
هل لي في الحب من شبيه قال: وأبصرت لي شبيها
الفصل الثالث والعشرون
أخواني، شمروا عن سوق الدأب في سوق الأدب، واعتبروا بالراحلين وسلوا السلب قبل أن يفوت الغرض بالمرض إن عرض، فكأنكم بمبسوط الأمل قد انقبض، وبمشيد المنى قد انتقض.
يا ساكن الدنيا تأهّـب وانتظر يوم الفـراق
وأعد زاداً للـرحـيل فسوف يحدى بالرفاق
وابك الذنوب يا دمـع تنهل من سحب المآق
يا من أضاع زمانـه أرضيت ما يفنى بباق
أين عزائم الرجال? أين صرائم الأبطال? تدعي وتتوانى، هذا محال.
أشتاقكم ويحول العزم دونـكـم فأدعي بعدكم عنـي وأعـتـذر
وأشتكي خطراً بيني وبـينـكـم وآية الشوق أن يستصغر الخطر
إن هممت فبادر، وإن عزمت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر. قال عمر بن عبد العزيز: خلقت لي نفس تواقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة.
لأبي فراس:
بدوت وأهلي حاضرون لأنـنـي أرى أن داراً لست من أهلها قفر
وما حاجتي في المال أبغي وفوره إذا لم يفر عرضي فلا وفر الوفر
وقال أصيحابي الفرار أو الـردى فقلت هما أمران أحلاهمـا مـر
سيذكرني قومي إذ جـد جـدهـم وفي الليلة الظلماء يفتقد الـبـدر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به وما كان يغلو التبر لو نفق الصبر
ونحن أناس لا توسـط عـنـدنـا لنا الصدر دون العالمين أو القبـر
تهون علينا في المعالي نفوسـنـا ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
ابتليت الهمم العالية بعشق الفضائل، شجر المكاره يثمر المكارم، متى لاحت الفريسة قذفت الغابة السبع، إذا استقام للجواد الشوط لم يحوج راكبه إلى سوط، من ضرب يوم الوغى وجه الهوى بسهم، ضرب مع الشجعان يوم القسمة بسهم، من اشتغل بالعمارة استغل الخراج، إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة ثم ردفه قمر العزيمة "أشرقت الأرض بنور ربها" يا طالباً للبدعة أخطأت الطريق، علة الراحة التعب، إن لم تكن أسداً في العزم ولا غزالاً في السبق فلا تتثعلب، يا هذا الجد جناح النجاة وكسلك مزمن، من كد كد العبيد تنعم تنعم الأحرار، من امتطى راحلة الشوق لم يشق عليه بعد السفر.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
يا هذا ركائب الرحيل قد أنيخت بالجناب ولم تتحرج، وناقد البايع قائم على الباب ونقدك بهرج، كيف يلحق السابقين كسلان أعرج? لو تنقلت على عيطموس العزم وهوجاء الطلب وبميسجور القصد، وجعلباة السير، ومشمعلة الجد، ووصلت الديجور بالضحى لانقطعت الديمومة القذف، ولكنك استوطأت مهاد الكسل وإبر النحل دون العسل.
قيل لبعض أهل الرياضة: كيف غلبت نفسك? فقال: قمت في صف حربها بسلاح الجد، فخرج مرحب الهوى بدافع، فعلاه على العزم بصارم الحزم، فلم تمض ساعة حتى ملكت خيبر

، وقيل لآخر: كيف قدرت على هواك? فقال: خدعته حتى أسرته واستلبت عوده فكسرته وقيدته بقيد العزلة، وحفرت له مطمور الخمول في بيت التواضع، وضربته بسياط الجوع، فلان يا فلان، ألك? في مجاهدة النفس نية أم النية نية? أتعبتني وأنت أنت، يا خنشليلا في كل دردبيس، إلى متى تجول في طلب هجول? ما نفشت غنم العيون النواظر في زروع الوجوه النواضر إلا وأغير على السرح، من تعرض للعنقفير لقي الأمرين، المتعرض للنبلة أبله، ما عزَّ يوسف إلا بترك ما ذل به ماعز، لو ركد كدر دهن الذهن سمت ذبالة المصباح.
أخواني إلى متى سكر عن المقصود? ألا صحو ساعة? أريقوا قرقف الهوى قبل هجوم صاحب الشرطة، اكسروا الظروف ظرفاً ليعلم حسن قصدكم للتوبة، وليشغلكم ذكر صوت الناي عن صوت الناي، والفكر في خراب المغاني عن لغات الأغاني، فكم من شاب ما شاب، وكم من راج راج له أن خاب، ما أسرع افتراق الصاحبين إذا صاح بين، "فمفترق جاران داراهما عمر".
مثل أهل الدنيا في غفلتهم وطول آمالهم كمثل الحاج، نزلوا منزلاً فقام أقوام يقطعون الصخور ويبنون البيوت، فقال المتيقظون: ويحكم ما هذا البله? الرحيل بعد ساعة، لو علم الورد قصر عمره ما تبسم، بينما هو ينشر بز ريحه، في شمال البكور بزه الناطور فإذا به في زجاجة الزور، فانتبه أنت ولا تغتر بزور نسيم الدجى يفتح مستغلق الجبند، وخوف سموم النهار يعيد اللينوفر إلى الماء، اسمع يا من لا يحركه تشويق، ولا يزعجه تخويف.
إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة
تزوج صلة بن أشيم فأدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخل إلى المرأة وقد طيب فقام يصلي فمد الصلاة إلى الفجر، فعاتبه ابن أخيه فقال: إنك أدخلتني أمس بيتاً ذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتاً ذكرتني به الجنة، فما زال فكري فيهما حتى أصبحت.
كفى حزنـاً أن لا أعـاين بـقـعة من الأرض إلا ازددت شوقاً إليكم
وإني متى ما طاب لي خفض عيشة تذكرت أياماً مضت لـي لـديكـم
مر بعض الفقراء بامرأة فأعجبته فتزوجها، فلما دخل البيت نزعوا خلقانه وألبسوه ثياباً جدداً، فلما جن عليه الليل طلب قلبه فلم يجده فصاح: خلقاني خلقاني، فأخذها ورجع.
للشريف الرضي:
ما ساعفتني الليالي بعد بعـدهـم إلا ذكرت ليالينـا بـذي سـلـم
ولا استجد فؤادي في الزمان هوى إلا ذكرت هوى أيامنـا الـقـدم
لا تطلبن لي الأبدال بعدهـم فإن قلبي لا يرضى بغيرهم
الفصل الرابع والعشرون
يا طويل الأمل في قصير الأجل، أما رأيت مستلباً وما كمل? أتؤخر الإنابة وتعجل الزلل.
يا من يعد غداً لتوبـتـه أعلى يقين من بلوغ غد
المرء في زلل على أمل ومنية الإنسان بالرصـد
أيام عمرك كلهـا عـدد ولعل يومك آخر العدد
يا أخي التوبة التوبة قبل أن تصل إليك النوبة، الإنابة الإنابة قبل أن يغلق باب الإجابة، الإفاقة الإفاقة فيا قرب وقت الفاقة، إنما الدنيا سوق للتجر، ومجلس وعظ للزجر، وليل صيف قريب الفجر، المكنة مزنة صيف، الفرصة زورة طيف، الصحة رقدة ضيف، الغرة نقدة زيف، الدنيا معشوقة وكيف، البدار البدار فالوقت سيف.
يا غافلاً عن مصيره، يا واقفاً في تقصيره سبقك أهل العزائم وأنت في اليقظة نائم، قف على الباب وقوف نادم، ونكس رأس الذل وقل أنا ظالم، وناد في الأسحار مذنب وواجم، وتشبه بالقوم وإن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح الزفرات سحاب دمع ساجم، قم في الدجا نادبا، وقف على الباب تائبا، واستدرك من الغمر ذاهباً، ودع اللهو والهوى جانباً، وإذ لاح الغرور رأى راهباً، وطلق الدنيا إن كنت للأخرى طالباً ولكن بلا قلب إلى أين أذهب.
يا من قد ضاع قلبه اطلبه في مظان إنشاد الضلال، الضايع إنما ينشد في المجامع، فاطلب قلبك في مجالس الذكر، أو بين أهل المقابر، وربما دخلت بيت الفكر فرأيته فأي موضع غلب على ظنك وجوده فلا تقصر في البحث عنه، هذه النسور والرخم على كثافة طبعها إذا رأت جيشاً تبعته لما ترجو من قتال يوجب قتلى وأخداج حامل، أفما ترجو أنت في المجلس إجابة دعوة أو حضور قلب? يا نائماً طول الليل، سارت الرفقة، رحل القوم كلهم وما انتبهت من الرقدة، ويحك أتدري ما صنعت بنفسك? دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك، كنت أمس قلب أمس فتراك في تصحيف ترى، لاحت لك العاجلة، فهمت كأنك ما فهمت فلما تبدلت تبلدت أخبرني عن تخليطك فالطبيب لا يكذب، سجيتك تعلمني فاسمع أحدثك، استكثرت من برودات الغفلة فقعد نشاط العزم، فلو قاومتها بحرارات الحذر لقام المقعد، أما تعلم أن مطاعم المطامع تولد سدداً في كبد الجد، المحنة العظمى موافقة الهوى من غير تدبر، أنت ترى ما تشتهي فتضرب الحد.
يا أسيراً في قبضة الغفلة، يا صريعاً في سكرة المهلة، أما يخطر بقلبك خطر أمرك، ويحك قد وهن العظم العظيم وما شابت همة الأمل، اخلق برد الحياة وما انكفت كف البطالة، قربت نوق الرحيل وما في المزاد زاد قدمت معابر العبور وأنت تلهو على الساحل، أكثر العمر قد مر، وأنت تتغلغل في تضييع الغابر، أترجح الفاني على الباقي? تثبت، ففي الميزان عين، إن حركك حظ من حظ فالحظ الحظ الأحظ، والله لو شغلك نيل الجنة عن الحق لحظة كان في تدبيرك وكس، ويحك أنا بدك اللازم فالزم بدك، خاصمت عنك قبل وجودك "إني أعلم" واعتذرت عنك في زلل "فدلاهما" ولقنتك العذر "ما غرك بربك" وواصلتك برسائل "هل من سائل".
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل فريح الصبا مني إليك رسول
كان بعض الأغنياء كثير الشكر، فطال عليه الأمد فبطر وعصى فما زالت نعمته ولا تغيرت حالته، فقال: يا رب تبدلت طاعتي، وما تغيرت نعمتي، فهتف به هاتف: يا هذا لأيام الوصال عندنا حرمة حفظناها وضيعتها.
للمهيار:
سَلْ بـسـلـعٍ كـان وكـنـا ليت شعري ما الذي ألهاك عنّا
أهوىً أحدّثْـتَـه أم كـاشـحٌ دبَّ أم ذنبٌ سرى أم تتجنّـى
تاب رجل ممن كان قبلكم ثم نقض، فهتف به هاتف في الليل:
سأترك ما بيني وبينك واقفاً فإن عدت عدنا والوداد سليم
تواصل قوماً لا وفاء لعهدهم وتترك مثلي والحفاظ قديم
يا ناقضي العهود انظروا لمن عاهدتم، تلافوا خرق الخطاء قبل أن يتسع.
عودوا إلى العهد عودوا فالهجر صعب شـديد
تذكرونا فمـا عـهـد نا لـديكـم بـعــيد
هل يرجع البان يومـاً وهل تـعـود زرود
يا هذا أقبل علينا، تر من إقبالنا عليك العجب، احفظ الله يحفظك، اطلب الله تجده أمامك، من كان لنا عينا على قلبه، أجرينا له جامكية أمين.
أنت على البعد همومي إذا غبت أشجاني على القرب
لا أتبع القلب إلى غيركـم عيني لكم عين وعلى قلبي
يا هذا حفر النهر إليك وإجراء الماء ليس عليك، احفر ساقية "فاذكروني" إلى جنب بحر "أذكركم" فإذا بالغ فيها معول الكد، فاضت عليك مياه البحر، "فبي يسمع وبي يبصر" الق بذر الفكر في أرض الخلوة وسق إلى ساقية من ماء الفكر، لعلها تنبت لك شجرة "أنا جليس من ذكرني".
للشريف الرضي:
يُرَنِّحُني إليكَ الشوق حتـى أميل من اليمين إلى الشمالِ
كما مال المُعاقِر عـاودَتْـه حُمَيّا الكأس حالاً بعد حالِ
ويأخذني لذكـراك ارتـياحٌ كما نشط الأسير من العِقالِ
وأيسرُ ما ألاقي أن هـمّـا يُغَصِّصُني بذا الماءِ الزلالِ
هبت رياح الخوف فقلقلت قلوب الخائفين فلم تترك ثمرة دمع في فنن جفن، إذا نزل آب في القلب، سكن أذار في العين.
تبلني بجفـاً يزيد خـضـوعـي يكفيك أن النار بين ضلـوعـي
وحياة سقمي في هـواك فـإنـه قسم الهوى ووحق فيض دموعي
لأوكلن عليك عيني بـالـبـكـاء ولأعشقن عليك طول هلوعـي
كانت مع هشام بن حسان جارية في الدار فكانت تقول: أي ذنب عمل هذا? من قتل هذا? فتراه الليل كله يبكي.
تركت الفؤاد علـيلاً يعـاد وشردت نومي فما لي رقاد
كان فتح الموصلي يبكي الدموع ثم يبكي الدم، فقيل له: على ماذا بكيت الدم? فقال: خوفاً على الدموع أن تكون ما صحت لي.
يا من لفؤاد وامق ما يصحـو قد طال لعظم ما عناه الشرح
والعين لها دم ودمع سـمـح ذا يكتب شجوه وهذا يمحـو
الفصل الخامس والعشرون
يا من يعظه الدهر ولا يقبل، وينذره القهر بمن يرحل، ويضم العيب إلى الشيب وبئس ما يفعل، كن كيف شئت فإنما تجازى بما تعمل:
دعني فإن غريم العقل لازمـنـي وذا زمانك فامرح فيه لازمنـي
ولّى الشباب بما أحببت من مـنـح والشيب جاء بما أبغضت من محن
فما كرهت ثوى عندي وعنفـنـي وما حرصت عليه حين عن فنـي
يا جايراً، كلما قيل أقسط قسط، يا نازلاً، فسطاط الهوى، على شاطئ الشطط، يا ممهلاً لا مهملاً ما عند الموت غلط، كم سلب وضيعاً وشريفاً سلباً عنيفاً وخبط، أما مضغ الأرواح? فلما طال المضغ استرط، أما يكفي نذيرهم? بلى قد خوف الفرط، تالله ما يبالي حمام الحمام أي حب لقط? أما خط الشيب خط النهي عن الخطآء لما وخط، أما آذن الشباب بالذهاب فماذا بعد الشمط?
ما أن يطيب لذي الرعاية للأ يام لا لـعـب ولا لـهـو
إذ كان يطرب في مسرتـه فيموت من أجزائه جـزو
يا مدعواً إلى نجاته وهو يتوانى، ما هذا الفتور? والرحيل قد تدانى، يا مقبلاً على هفواته لا يألو بهتاناً، كأنك بالدمع يجري عند الموت تهتاناً، وشغل التلف قد أوقد من شعل الأسف نيرانا، وأنت تبكي تفريطك حتى لقد أقرحت أجفانا، والعمل الصالح ينادي من كان أجفانا، احذر زلل قدمك، وخف حلول ندمك، واغتنم وجودك قبل عدمك، واقبل نصحي ولا تخاطر بدمك.
إذا ما نهاك امرؤٌ نـاصـحٌ عن الفاحشات انزجر وانتهِ
وإما علـوت إلـى رتـبة فكن حذراً بعدها أن تهـي
وإما ترى مهجة في الثرى فلا تغترر بالمنى أنت هي
خاصم نفسك عند حاكم عقلك لا عند قاضي هواك، فحاكم العقل يدين وقاضي الهوى يجور، كان أحد السلف إذا قهر نفسه بترك شهوة أقبل يهتز اهتزاز الرامي إذا قرطس، لما عرف القوم قدر الحياة، أماتوا فيها الهوى فعاشوا، انتبهوا بأكف الجد من الزمن ما نثره زمن البطالة.
وركب سروا والليل ملق رواقـه على كل مغبر الطوالـع قـاتـم
حدوا عزمات ضاقت الأرض بينها فصار سراهم في ظهور العزائم
تريهم نجوم الليل ما يبتـغـونـه على عاتق الشعري وهام النعـائم
إذا طردوا في معرك الجد قصفوا رماح العطايا في صدور المكارم
هان عليهم طول الطريق لعلمهم أين المقصد، وحلت لهم مرارات البلا حباً لعواقب السلامة، فيا بشراهم يوم "هذا يومكم".
قف بالديار فـهـذه آثـارهـم نبكي الأحبة حسرة وشـوقـا
كم قد وقفت بها أسائل مخبـراً عن أهلها أو صادقاً أو مشفقـا
فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى
يا ربوع الأحباب أين سكانك? يا مواطن الألباب أين قطانك? يا جواهر الآداب أين خزانك? للمهيار:
يطربني للمنازل الـيوم مـا أسأر عندي أيامُهـا الـقُـدُمُ
وتطيبني على فصاحة شكواي إليها ربوعُـهـا الـعُـجُـمُ
علي يا دار جهدُ عيني ومـا عليَّ عارٌ أن تبخـل الـدِّيَمُ
لك الرضا من جِمام أدمعهـا أو دمها إن سقى ثـراك دمُ
أما وعهد الغادين عنـكِ وأش جانٍ بواقٍ لي فيكِ بعـدهُـمُ
وما أطال المنى وأعرض من عيشٍ كأن اختلاسه حُـلْـمُ
هل هو إلا أن قيل: جُن بهـم نعم! على كل حـالة نَـعَـمُ
بتـنـا وأطـواقـنـا يد ويد ورسل أشواقنـا فـم وفـم
يا هذا تنزه في أخبار المحبين إن لم تكن منهم، إن أهل الكوفة يخرجون للتفرج على الحاج، اقعد على جانب وادي السحر لعل إبل القوم تمر بك.
خذي على قطن يمينـا فعسى أريك به القطينا
مني تعلمت الحـمـام النوح والإبل الحنينـا
وآسف المتقاعد عنهم، واحسرة البعيد منهم
سلو عن فؤادي ساكني ذلك الـوادي فقد مر مجتازاً على يمـنة الـوادي
مضى يطلب الأحباب والقوم قد سروا فضل ومروا مسرعين مع الحـادي
فها أنا أبكيهم وأبـكـيه بـعـدهـم وتطلبهم عيني مع الرائح الـغـادي
وا حاجتنا إلى رؤية القوم، ويا شدة إيثارهم البعد عنا، إن رأينا شخصاً فأعلمتنا الفراسة أنه منهم كانت همته الهرب منا، وما ذاك إلا للتباين بين أفعالنا وأعمالهم فلنبك على هذه الحال.
عجبت لمـا رأتـنـي أندب الربع المحـيلا
واقفاً في الدار أبكـي لا أرى إلا الطـلـولا
كيف نبـكـي لأنـاس لا يملـون الـذمـيلا
كلما قلت اطمـأنـت دارهم صاحوا الرحيلا
كان بعض الصالحين يتستر بإظهار الجنون فتبعه مريد فقال له: والله ما أبرح حتى تكلمني بشيء ينفعني، فإني قد عرفت تسترك، فسجد وجعل يقول في سجوده: اللهم سترك، فمات.
أسميك سعدى في نسيبي تـارة وآونة اسمـا وآونة لـبـنـى
حذاراً من الواشين أن يسمعوا بنا وإلا فمن سعدى لديك ومن لبنا
?الفصل السادس والعشرون
يا مخدوعاً قد فتن، يا مغروراً قد غبن، من لك إذا سوى عليك اللبن? في بيت قط ما سكن، سلب الرفيق نذير والعاقل فطن.
أنت في دار شتات فتأهب لشتـاتـك
واجعل الدنيا كـيومٍ صمته عن شهواتك
وليكن فطرك عنـد الله في يوم وفاتك
إياك والدنيا فإن حب الدنيا مبتوت، واقنع منها باليسير فما يعز القوت، يا قوت الندم يغني عن الياقوت، احذر منها فإنها أسحر من هاروت وماروت، ليس للماء في قبضة ممسك ثبوت "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت" أين من جمع المال وملأ التخوت، تساوى تحت اللحود السادات والتحوت، ما نفعه إن جال في البأس جالوت ولا رد عنه إن طال القوم طالوت، ولا منع أصحابه حلول التابوت، لقد أخرج الموت من قعر اليم الحوت، قل للذين تديروا تدبروا، أين البيوت? جوزوا على الذين جوزوا، فقد وعظ الخفوت، كم مسئول عن عذره في قبره مبهوت، لقد أنطق الوعظ الصخور الصموت، أما يكفي زجراً أنك تموت، بادر عمراً في كل يوم يفوت، قل أنا تائب إلى كم سكوت? قد تعودت منك النفس في المجلس، النطق بالتوبة فهي تسخو بالكلام لعلمها أنه على غير أصل، ولو تيقنت صدق عزمك لتوقفت عن القول، هذا العصفور إذا كان على حائط فصحت به لم يبرح فإذا أهويت إلى الأرض كأنك تناول حجراً يلمح يدك فارغة فلم ينفر، فإذا وضعت يدك على حجر رأى الجد ففر، يا هذا، قولك أنا تائب من غير عزم، نفخ في غير ضرم، بيض التراب لا يخرج منه فرخ.
أخواني، العمر أنفاس تسير بل تطير، الأمل منام لا ترى فيه إلا الأحلام، هذا سيف الموت قد دنا، فإن ضرب قدنا، هذا الرحيل ولا زاد عندنا، انتبهوا من رقاد الغفلة، تيقظوا من نوم العطلة، عرجوا عن طريق البطالة، ابعدوا عن ديار الوحشة، الفترة حيض الطباع، ووقوع العزيمة، رؤية النقا فحينئذٍ يتوجه الخطاب بالتوجه إلى محراب الجد، أول منازل الآخرة القبر، فمن مات فقد حط رحل السفر، وسائر الورى سائر، من كان في سجن التقى فالموت يطلقه، ومن كان هائماً في بوادي الهوى فالموت له حبس يوثقه، موت المتعبدين عتق لهم من استرقاق الكد ورفق بهم من تعب المجاهدة، وموت العصاة سباء يرقون به لطول العذاب، من كان واثقاً بالسلامة من جناية فرح يفك باب السجن، لما توعد فرعون السحرة بالصلب أنساهم أمل لقاء الحبيب مرارة الوعيد "إنّا إلى ربنا منقلبون" يا فرعون غاية ما تفعل أن تحرق الجسم، والركب قد سرى "لا ضير" من لاحت له منى، نسي تعب المدرج.
للمهيار:
متى رُفعت لها بالغور نار وقرّ بذي الأراك لها قرارُ
فكلُّ دمٍ أراق السير منهـا بحكم الشوق مطلولٌ جُبارُ
لا بد للمحبوب من اختبار المحب "ولنبلونكم" أسلم أبو جندل بن سهيل فقيده أبوه، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية خرج أبو جندل يرسف في قيده، فدخل في الصحابة، فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فاستغاث أبو جندل: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين، فيفتنوني عن ديني، فقال الرسول: لا بد من الوفاء فرد إليهم، فقدمه يسعى نحوهم وقلبه يجهز جيوش الحيل في الخلاص.
للمهيار:
أنذرتني أم سعدٍ أن سـعـدا دونها ينهد لي بالشر نَهْـدا
وعلى ما صفحوا أو نقمـوا ما أرى لي منك يا ظبية بُدّا
لما أسلم مصعب بن عمير حبسه أهله، فأفلت إلى الحبشة، ثم قدم مكة، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه أمه، يا عاق أتدخل بلداً أنا فيه ولا تبدأ بي? فقال: ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرادت حبسه، فقال: والله لئن حبستني لأحرصن على قتل من يتعرض لي، فتركته.
وعاذلين لحوبـي فـي مـودتـكـم يا ليتهم وجدوا مـثـل الـذي أجـد
لما أطالوا عتابي فيك قلـت لـهـم لا تفرطوا بعض هذا اللوم واقتصدوا
جمع حبس التعذيب بين بلال وعمار، مصادرين على بذل الدين فزوروا نطق عمار على خط قلبه، فلم يغرفوا التزوير، وأصر بلال على دعوى الإفلاس فسلموه إلى صبيانهم في حديدة يصهرونه في حر مكة، ويضعون على صدره وقت الرمضاء صخرة ولسان محبته يقول:
بع**** ما يلقى الفؤاد وما لقـي وللشوق ما لم يبق مني وما بقى
وا عجباً، إيلام ذو حس على عشق يوسف? قدم الطفيل بن عمر والدوسي مكة فقالت له قريش: لا تدن من محمد فإنا نخاف أن يفتنك، فسد أذنيه بقطنتين ثم تفكر، فقال: والله ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فانطلق فسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق
قطعت قريش لحم خبيب، ثم حملوه إلى الجذع ليصلب، فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك? فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة، ثم نادى وا محمداه.
إن في الأسر لصبـا دمعه في الخد صب
هو بالـروم مـقـيم وله بالشام قـلـب
لما بعث معاذ إلى اليمن، خرج الرسول يودعه، ودموع معاذ ترش طريق الوداع.
ولما تزايلنا من الجزع وانـتـأى مشرق ركب مصعد عن مغرب
تبينت أن لا دار من بعد عـالـج تسر وأن لا خلة بـعـد زينـب
كانت الدنيا بمثلهم عسلاً فتعلقمت بمثلكم، خلت الديار من الأحباب فلما فرغت ردم الباب.
للنابغة:
وقفتُ فيها أصيلاً كي أسـائلـهـا أعيت جواباً وما بالربع مـن أحـدِ
أضحت قفاراً وأضحى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لُـبَـدِ
حن ببعض أنديتهم ونادبها، وابك فقد الأحباب ونادبها.
للبحتري:
إذا جزت بالغور اليماني مغربـا وحاذتك صحراء الشواجر يا سعد
فناد ديار العامـرية بـالـلـوى سقت ربعك الأنواء ما فعلت هند
الفصل السابع والعشرون
إن الدنيا مذ أبانت محبها أبانت حالها، لقد روت وما روت، فأرت مآلها، لقد عرف إدبارها من قد ألف إقبالها، وما اطمأنت أرضها، إلا زلزلت زلزالها.
قل لمن فاخر بالـدنـيا وحـامـى قتلت قبلك سـامـاً ثـم حـامـا
ندفن الخِـلَّ ومـا فـي دفـنـنـا بعده شك ولـكـن نـتـعـامـى
إن قـدامـك يومـاً لـو بـــه هددت شمس الضحى عادت ظلاما
فانتبه من رقـدة الـلـهـو وقـم وانف عن عين تماديك المـنـامـا
صاح صح بالقبر يخبـرك بـمـا قد حوى واقرأ على القوم السلاما
فالعظيم القـدر لـو شـاهـدتـه لم تجد في قبره إلا الـعـظـامـا
تالله لقد ركض الموت فأسرع في الركض، بث الجنود وطبق الأرض، ما حمل على كتيبة إلا وفض، ولا صاح بجيش إلا جاش وارفض، ولا لوح إلى طائر في البرج إلا انقض، إذا تكلمت قوسه بالنبض أسكنت النبض، بينا الحياة تعرب بالرفع جعل الشكل الخفض، أين مصون الحصون? أزعج عنها، أين مقصور القصور? أخرج منها، نقله هادم اللذات نقلاً سريعاً، ومقله في بحار الآفات مقلاً فظيعاً، وفرق بينه وبين بنيه، وطرقه بطارق النقض فأنقض ما كان يبنيه، لقد ولى ولاء ذي ود ينفعه، وبان فبان لباني الدنيا مصرعه، هجره والله من هاجر إليه، ونسيه نسيبه وقد كان يحنو عليه، فلا صديقه صدقه في مودته، ولا رفيقه أرفقه في شدته، حلوا والله بالبلاء في البلى، وودعهم من أودعهم ثم قلى، وانفردوا في الأخدود بين وحش الفلا، وسألوا الإقالة فقيل: أما هذا فلا، لو نطق الموتى بعد دفنهم لندموا على غيهم وافتهم، ولقالوا: رحلنا عن ظلم شرورنا إلى ظلم قبورنا، وخلونا عن الأخلاء بترابنا في آفات لا ترى بنا، أفترى محبنا إذ ظعنا، بمن اعتاض عنا? وهذا مصيرك بعد قليل، فتأهب يا مقيم للتحويل، يا سليماً يظن أنه سليم، جوارحك جوارحك، سور تقواك كثير الثلم، وأعداؤك قد أحاطوا بالبلد، ويحك، قبل الرمي تراش السهام، وبين العجز والتواني ينتج التوى، يا قالي القائل للنصايح إداؤك داؤك، كيف تجتمع همتك مع غوغاء المنى وضوضاء الشهوات، كيف تتصرف في مصالحك والشواغل للشوي غل، كم صادفت الهوى فصدفت? لقد خدع قلبك الهوى فاسترق فاسترق، أضرّ ما عليك سوء تدبيرك، آه للابس شعار الطرد وما يشعر به وأسفاً، لمضروب ما يحس صوت الشوط، عجباً لمن أصيب بعقله وعقله معه، يا معثر الأقدام مع إشراق الشمس، يا فارغ البيت من القوت في أيام الحصاد.
أملي من أملي ما ينقـضـي وغرامي من غرامي قاتلـي
كلما أفنيتُ عـامـاً فـاسـداً جاء عامٌ مثله مـن قـابـل
كلما أملت يوماً صـالـحـاً عرض المقدور لي في أملي
وأرى الأيام لا تُدنـي الـذي أرتجي منك وتدني أجـلـي
يا جرحى الذنوب قد عرفتم المراهم، اخرجوا من قصر مصر الهوى وقد لاحت مدينة مدين، اطلبوا بئر الشرب وإن صد الرعاء فلعل حضور موسى يتفق، متى استقامت لكم جادة البكاء فلا تعرجوا عنها، كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم.
قولوا لسكان الحـي تبدل الدمـع دمـا
وكل شهد بعـدكـم قد صار مراً علقما
إذا تكاثفت كثبان الذنوب في بوادي القلوب، نسفها نسف أسف في نفس، يا أهل الزلل قوموا نفس أنفسكم فقد جمع قسر القهر، بين الناقص والتام، لقد تاب الله على المؤمنين "وعلى الثلاثة الذي خُلِّفوا".
لست وإن أعرضتـم أيأس من أن تعطفوا
فلا برى وجدي بكم ولا أفاق الشغـف
وصبر يعقوب معي حتـى يرد يوسـف
يا من كان له وقت طيب وقلب حسن، فاستحال خله خمراً، ابكِ على ما فقدت في بيت الأسف.
لعل انحدار الدمع يعقـب راحة من الوجدان يطفي نجى البلابل
ما أحسن ما كنتَ فتغيرت، ما أجود جادتك فكيف تعثرت.
وكنا جميعاً قبل أن يظهر الورى بأنعم حالي غبـطة وسـرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا بطون الهوى مقلوبة لظهـور
البكاء على الفايت معول الحزين.
لأبي تمام:
وانجدتم من بعد اتـهـام داركـم فيا دمع انجدني على ساكني نجد
لعمري قد أخلفتم جدة الـبـكـا عليّ وجددتم به خلق الـوجـد
يا معاشر المطرودين عن صحبة أهل الدين.
تعالوا نقم مأتماً للفراق ونندب إخواننا الظاعنينا
هلموا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا، ونبعث مع الواصين رسالة محضر لعلنا نحظى بأجر المصيبة، أنجع المراهم لجراحات الذنوب البكاء، هتكة الدمع ستر على الذنب.
قد كنت أصون دمعتي فـي الأمـاق ستراً للحب وهو مـا لـيس يطـاق
حتى صاح الوجد عن صحيح الأشواق ما حيلة من بلى بمهـجـر وفـراق
كان محمد ابن المنكدر كثير البكاء فسئل عن ذلك فقال: آية من القرآن أبكتني "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" كيف لا تذهب العيون من البكاء? وما تدري ما قد أعد لها.
سبقت السعادة لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل كونه، ومضت الشقاوة لأبي جهل قبل وجوده، وخوف العارفين من سوابق الأقدار قلقل الأرواح هيبة "لا يُسئل" مع تحكم "ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هداها" قوي قلق العلماء.
أترى سألوا لما رحـلـوا ماذا فعلوا أم من قتـلـوا
أحليف النوم أقل الـلـوم فعندي اليوم بهم شـغـل
أدنى جزعي لم يبق معـي قلب فيعي منذ احتمـلـوا
جلدي سلبوا جسدي نهبـوا كمدي وهبوا كبدي تبلـوا
لما ذرفت عيني وقـفـت أترى عرفت ما بي الإبل
ولحا اللاحي وهو الصاحي وهو راحي وأنا الثـمـل
الفصل الثامن والعشرون
تيقظ لنفسك يا هذا وانتبه، وأحضر عقلك وميز ما تشتبه، أما هذا منزلك اليوم? وغداً لست به.
إذا ما انجلى الرأي فاحكم به ولا تحكمن بما يشـتـبـه
ونبّه فـؤادك مـن رقـدة فإن الموفق من ينـتـبـه
وإن كنتُ لم أنتبه بـالـذي وعظت به فانتبه أنت بـه
لقد أمكنت الفرصة أيها العاجز، ولقد زال القاطع وارتفع الحاجز، أين الهمم العالية وأين النجايز? أما تخاف هادم اللذات والمنى الناجز? أما اعوجاج القناة دليل على الغامز? أما الطريق طويلة وفيها المفاوز، أما القبور قنطرة العبور فمن المجاوز، أما يكفي في التنغيص حمل الجنايز? أما العدو محارب فهل من مبارز? أما الأمن بعيد والهلك ناشز، والقنا مشرع والطعن واخز، تالله تطلب الشجاعة من بين العجايز، وتروم إصلاح فارك وتقويم ناشز، إن لم يكن سبق التصديق فلتكن توبة ماعز، ما هذه الغفلة والبلى مصيرك! وكم هذا التواني فلقد أودى تقصيرك، أما صاح بك في سلب نذيرك، أفلا تتأهب لقدساء تدبيرك.
إبْ يا شارد الطبع من سفر الهوى، وأذب جامد الدمع بنيران الأسى، لعل شفيع الاعتراف يسئل في أسير الاقتراف، نق ع**** من عيوبك، وخلص ذنوبك من بحر ذنوبك، وصن صندوق فمك بقفل صمتك، واطو طيلسان لسانك عن بذلة نطقك، وأغمض عينك عن عيبك حفظاً لدينك، واكفف كفك مكتفياً بما كفك، وابن منبر التذكير لواعظ القلب في ساحة الصدر، وناد في شجعان العزائم ورهبان الفكر، هلموا إلى عقد مجلس الذكر، واحذر عين العدو أن يوقع تشتيت الهم في جمع العزم، فإن رماك القدر بسهم الفتور عن قوس الحكمة من يد لكل عامل فترة فاتق بجنة الاعتذار، فإن ألقى كرة قلبك إلى صولجان التقليب في بيداء المؤمن مفتن فجل في ميدان الدل فإن دب ذئب الهوى فعاث في مزرعة التقى فأقم ناطور القلق، فإن أفلت دجال الطبع فأقام صليب الزلل وأطلق خنزير الشره فألجأ إلى حرم التوبة واستغث بعيسى العون لعله ينزل من سماء الألطاف فيهلك الدجال ويقتل الخنزير ويكسر الصليب، اجلس ليلة على مائدة السحر وذق طعام المناجاة تنسيك كل لذة، أرواح الأسحار لا يستنشقها من كوم غفلة، إنها لتأتي بألطاف الحبيب ثم تعود فيحاء تطلب رسالة، فمن لم يكتب كتاباً فماذا يبعث? لو وقفت على جادة التهجد ليلة لرأيت ركب الأحباب لو سرت في أعراض القوم لحرك قلبك صوت الحداة، أقبلت رياح الأسحار فاحتشمت تقبيل أقدامهم، وذكت أذيال أثوابهم.
للشريف الرضي:
وأمستِ الريحُ كالغيرى تجاذبنـا على الكئيب فضول الرَّيط واللَّمم
يشي بنا الطـيبُ أحـيانـاً وآونةً يُضيئنا البرقُ مجتازاً على أَضَم
يُولّع الطلُّ بُرْدَيْنا وقد نسـمـت رويحة الفجر بين الضال والسلم
حديث القوم مع الدجى يطول، يسيحون في فلوات خلواته، يندبون أطلال الحب ويرتاحون إلى تنسمه لشدة الطرب.
وإني لأستنشي الـشـمـال إذا جـرت حنينا إلى آلاف قلـبـي وأحـبـابـي
وأهدي مع الريح الجـنـوب إلـيهـم سلامي وشكوى طول حزني وأوصابي
واعجباً الرسايل تحمل في الأسحار، لا يدري بها الفلك، والأجوبة ترد إلى الأسرار لا يعلمها الملك.
يا حبذا رند العقـيق وبـأنـه سقى العقيق وأهله وزمانـه
راقت خمايله ورق نسـيمـه وصفت على عصبائه غدرانه
وشكت تباريح الصبابة ورقـه وتمايلت بيد الصبا أفـنـانـه
يا مفرداً في حسنه صل مفرداً في حزنه لعبت به أشجانـه
صباً إذا ذكر العقيق وأهـلـه صابت مدامعه وجن جنانـه
اجتمع المحبون في مساجد التعبد أول الليل، فرماهم الوجد في آخره على قوارع الطرق.
مشوا إلى الراح مشى الرخ فانصرفوا والراح تهشي بهم مشي الـفـرازين
أرواح أزعجها الحب، وأقلقها الخوف، سبحان من أمسكها باللطف.
قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا ماتوا وإن عاد من يهوونه بعثـوا
ترعى المحبين صرعن في ديارهم كفتية الكهف يدرون لا كم لبثـوا
والله لو حلف العـشـاق أنـهـم موتى من الحب أو قتلى لما حنثوا
مجلسنا بحر، يرده الفيل والعصفور كل أناس مشربهم أطيار صناعتها في الجو بالقلب.
فأين الطروب، سحائب التفهيم قد هطلت بودق البيان، أفتراها أخضرت رياض الأذهان? نحن في روضة طعامنا فيها الخشوع وشرابنا فيها الدموع ونقلنا هذا الكلام المطبوع، نداوي أمراضاً أعجزت بختيشوع، ونرقى الهاوي ونرقى الملسوع، فليته كان كل يوم لا كل أسبوع.
لصردر:
يا صحابي وأين منِّي صحـبـي فتنتهم عـيون ذاك الـسـربِ
كلمات أسماؤهن اسـتـعـارات وما هن غير طعـن وضـربِ
أرني ميتة تطيب بها الـنـفـس وقـتـلا يلـذُّ غـير الـحـبِّ
لا تزل بي عن العقـيق فـفـيه وطري إن قضيته أو نحـبـي
لا رعيتُ السوامَ إن قلتُ للصحبة خفّي عني وللعـيس: هـبِّـي
وحدي أتكلم، وجدي يتألم، ألا مريد يتعلم? ألا دموع تتسلم? لابن المعلم:
هو الحمى ومغانيه معانـيه فاحبس وعان بليلى ما تعانيه

ما في الصحاب أخو وجد تطارحه حديث نجد ولا صب تـجـاريه
إليك عن كل قلب في أمـاكـنـه ساه وعن كل دمع في مـآقـيه
يوهي قوى جلدي من لا أبوح به ويستبيح دمي مـن لا أسـمـيه
يبلى فما في لساني ما يعـاتـبـه ضعفا بلى في فؤادي مـا يداريه
الفصل التاسع والعشرون
أخواني تفكروا في مصارع الذين سبقوا، وتدبروا مصيرهم أين انطلقوا? واعلموا أن القوم انقسموا وافترقوا، قوم منهم سعدوا ومنهم قوم شقوا
والمرء مثل هلالٍ عند طلـعـتـه يبدو ضئيلاً لطيفـاً ثـم يتـسـق
يزداد حتى إذا ما تـم أعـقـبـه كر الجديدين نقصا ثم ينـمـحـق
كان الشباب رداءً قد بهجـت بـه فقد تطاير منه للـبـلـى خـرق
وبات منشمراً يحدو المشـيب بـه كالليل ينهض في أعجازه الفلـق
عجبتُ والدهر لا تفنى عجـائبـه للراكنين إلى الدنيا وقد صـدقـوا
وطال ما نغصوا بالفجع ضاحـية وطال بالفجع والتنغيص ما طرقوا
دار تغر بها الآمـال مـهـلـكة وذو التجارب فيها خـائف فـرق
يا للرجال لمخدوع بزخـرفـهـا بعد البيان ومغرور بـهـا يثـق
أقول والنفس تدعوني لباطـلـهـا أين الملوك ملوك الناس والسـوق
أين الذين إلى لذاتـهـا ركـنـوا قد كان فيها لهم عيش ومرتـفـق
أمست مساكنهم قفراً مـعـطـلة كأنهم لم يكونوا قبلهـا خـلـقـوا
يا أهل لذات دار لا بـقـاء لـهـا إن اغتراراً بظـل زايل حـمـق
أين من كان في سرور وغبطة? أين من بسط اليد في بسيط البسطة? لقد أوقعهم الموت في أصعب خطة، جسروا على المعاصي فانقلبت على الجيم النقطة، بيناهم في الخطأ خطا إليهم صاحب الشرطة، هذا دأب الزمان فإن صفا فغلطة، كم تخون الموت منا أخوانا، وكم قرن في الأجداث أقرانا، كم مترف أبدله الموت ديدانا، وهذا أمر إلينا قد تدانى، كم معد عوداً لعيده? صارت ثيابه أكفانا، وما شاهدنا مصرعها وما كفانا، كم مسرور بقصره عوض من قبره أعطانا، افتراناً، هذا الأمن، من أعطانا?
لنمنا وصرف الدهر ليس بنائم خزمنا له قسراً بغير خزائم
من سعى إلى شهواته مستعجلاً تعثر بحسك الأسف، تلمح العواقب قبل الفعل أمان من الندم، قد عرفتم عقابيل قابيل وعلمتم حسن سرابيل هابيل:
الشرى يوجد في أعقابه ضرب خير من الأرى في أعقابه لسع
الهوى مطمورة ضيقة في حبس وعر ومذ خلق الهوى خلق الهوان، لا يتصرف الهوى إلا بربع قلب فارغ من العلم، الجهل خندق يحول بين الطالب والمطلوب والعلم يدل على القنطرة، كتابة العلم في ليل الجهل تفتقر إلى مصباح فطنة ودهن الذهن غال، ما قدر لص قط على فطن، ومتى نام حارس الفكر انتبه لص الهوى، من ثبت قلبه في حرب الشهوات لم يتزلزل قدمه، أول ما ينهزم من المهزوم عقله، ما دمتَ في حرب العدو فلا تبال بالجراح، فإنه قد يصاب الشجاع، إنما المهادنة دليل الذل، تأثيرات الذنوب على مقاديرها، وقعت غلطة من يوسف فقُدَّ القميص وقويت زلة آدم، فخرج عرياناً من الثياب، أين عزيمة توبة ماعز? لا عزيمة توبة، أين هم أويس لا غم قيس، ما لم يكن لك محرِّك من باطنك فالخلق تضرب في حديد بارد.
لصردر:
ظللت أكر عليه الرقي وتأبى عريكته أن تلينا
ويحك، من زم جوارحه ولازم الباب كان على رجاء الوصول، فكيف بمن لازم ولا لازم، طوبى للزهاد لقد مروا في المطلق، من يرافقني إلى ديار القوم? ما أجوز على البلدان إنما أمضى على السماوة، وهذه خيام ليلى فأين ابن الملوح:
هذي منازلهم ومالي بعد بعد القوم خبـر
ويلي أحظى كـلـه من دونه صد وهجر
كان سري يدافع أول الليل فإذا جن أخذ في البكاء إلى الفجر:
أقطع ليلى وجيش وجـدي من عن شمالي وعن يميني
تالله لو عـادنـي رسـول لعاد عن مدنـف حـزين
ما حيلتي فيك غـير أنـي أسرق من زفرتي أنينـي
ذلوا له ليرضى، فإذا رأيتهم قلت مرضى.
لصردر:
مرض بقلب ما يعاد وقتيل حب ما يقـاد
يا آخر العشـاق مـا أبصرت أولهـم يذاد
يقضي المتيم منهـم نحباً ولو ردوا لعادوا
يأنسون في الدجى بالظلام، ويطربون بنوح الحمام، مرضى الأبدان من طول الغرام، أصحاء القلوب مع السقام، إذا ذكرت حبيبهم رأيت المستهام قد هام.
للمهيار:
وأنتَ إن كنتَ رفيقاً فـأعِـد ذكر الحمى أطيب ما غُنّـيا
أعِدْ فمن آية سكان الحـمـى وذكرهم أن يذهب الشجونـا
شجواً كشجوى يا حمام ساعدي إن الحزين يسعد الحـزينـا
كم من دموع ردها صوب دم تخلج البرق علـى يبـرينـا
قال الشبلي: لقيت جارية حبشية، فقلت: من أين? فقالت: من عند الحبيب، قلت: وإلى أين? قالت: إلى الحبيب، قلت: ما الذي تريدين من الحبيب? قالت: الحبيب. قلت: فكم تذكرين الحبيب? فقالت: ما يسكن لساني عن ذكراه حتى ألقاه:
وحرمة الورد ما لي عنكم عوض وليس لي في سواكم بعدكم غرض
ومن حديثي بكم قالوا بـه مـرض فقلت لا زال عني ذلك المـرض
رأى معروف في المنام كأنه تحت العرش، فقال الله عز وجل: ملائكتي من هذا? فقالوا: أنت أعلم، هذا معروف قد سكن من حبك، فلا يفيق إلا بلقائك:
فداو سقماً بجسم أنـت مـتـلـفـه وابرد غراماً بقلب أنت مضـرمـه
ولا تكلني على بـعـد الـديار إلـى صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه
تلق قلبي فقـد أرسـلـتـه فـرقـا إلى لقـائك والأشـواق تـقـدمـه
الفصل الثلاثون
أخواني البدار البدار، والجد الجد، فالخصم معد، والقصم مجد:
مكرُ الزمان علينـا غـيرُ مـأمـون فلا تظنن أمراً غـيرَ مـظـنـون
بل المخوف علينا مكرَ أنـفـسـنـا ذات المنى دون مكر البيض والجون
إن الليالـي والأيام قـد كـشـفـت من مكرها كل مستور ومـكـنـون
وحدثتنـا بـأنـا مـن فـرائسـهـا نواطقاً بفصـيح غـير مـلـحـون
واستشهدت من مضي منا فأنـبـأنـا عن ذاك كل لقي مـنـا ومـدفـون
وأم سـوء إذا مـا رام مـرتـضـع أخلافها صد عنها صـد مـزبـون
ونحن في ذاك نصيفهـا مـودتـنـا تباً لكل سفـيه الـرأي مـغـبـون
نشكو إلى الله جهلاً قد أضـر بـنـا بل ليس جهلاً ولكن علم مـفـتـون
أغوى الهوى كل ذي عقل فلست ترى إلا صحيحاً له أفعـال مـجـنـون
حتى متى نشـتـري دنـيا بـآخـرة سفاهة ونبـيع الـفـوق بـالـدون
نبني المعـاقـل والأعـداء كـامـنة فيها بكل طرير الحـد مـسـنـون
ونجمع المال نرجـو أن يخـلـدنـا وقد أبى قبلنـا تـخـلـيد قـارون
نظل نستنـفـق الأعـمـار طـيبة عنها النفوس ولا نسخر بمـا عـون
ومـا تـأخـر حـي بـعـد مـيتة ألا تأخر نـقـد بـعـد عـربـون

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-13-2009, 04:53 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

يا من دعى إلى نفعه نبا ونشز، يا جامعاً لغيره ما جمع وكنز، يا متثبطاً في الخير فإذا لاح الشر جمز، كأنك بالألم وقد ألم، فنكى ونكز، وكد التبار الروح بالتباريح، واشتد العلز، وأخذ النفس النفس فاضطرها وحفز، ودارت في فلك الفوت فإذا ملك الموت قد برز، فسماك بالمقبور وبالمثبور قد نبز، فتأهب فالسعيد منا من تأهب للخير وانتهز، لقد علت سنك وانتهيت. وما انتبهت ولا انتهيت. أتعبت ألف رايض ولم تؤد الفرايض.
كم ضيعت عمراً طويلاً حملت فيه وزراً ثقيلاً. كم نصب لك الموت دليلاً إذ ساق العزيز ذليلاً، لقد حمل إلى القبور جيلاً جيلاً، ونادى في الباقين رحيلاً رحيلا، لكن الهوى أعاد الطرف كليلا، وما كان الذي رأيت قليلا، يا مرضاً عجيباً كم أتعبت طبيبا، لقد تنوع ضروبا فأخذ كل عضو نصيباً، إلام يبقى الغصن رطيباً? من يرد برد الصبي قشيباً، لقد أمسى الموت قريباً، وستبصر يوماً غريباً.
عجباً لك، لا الدهر يعظك، ولا الحوادث تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس تعد منك، وأحب أمريك إليك، أعودهما بالضرر عليك.
يا هذا، من جلا بصيرته من قذى الهوى جلّى على بصره عرائس الهدى. الصور تزاحم المعاني فمن حلها حلى بمغنى المعنى فتعلم حلها بالتدريج. كل ذرة من الكون تخبر بلغة بليغة عن حكمة الفاطر، غير أنه لا يفهم نطق الجوامد إلا العقل نظر الأبصار اليوم إلى الصانع بواسطة المصنوع تدريج إلى رفع الوسايط غداً، يا محبوساً في سجن غفلته أخرج من ديار أدبارك واعبر في معبر اعتبارك، قف على بعض بقاع قاع ترى كيف نمت خضرة حضرته بأسرار الخالق إذ تمت. تلمح أصناف النبات في ثياب الثبات قد برزت في عيد الربيع تميس طرباً بالري، تأمل مختلف الألوان في الغصن الواحد، فإن صباغ القدرة صناع. اسمع غناء الورق، على عيدان العيدان. لعل مقاطع السجوع توجب رجوع المقاطع:
ولقد تشكو فما أفهـمـهـا ولقد أشكو فما تفهمـنـي
غير أني بالجوى أعرفهـا وهي أيضاً بالجوى تعرفني
الحمائم نواح المشتاقين قد رضيت من خلعهم بجريان الدموع:
ناحت سحراً حمامة في غصن قد جرعها الفراق كأس الحزن
تبكي شجناً تلـقـتـه مـنـي ما يبكي باك إلا ويروي عنـي
واعجباً، متى يثمر لك وجود الثمر معرفة النعم. كم تنضج الثمار وتتناولها وثمرة عرفانك بعد فجة. ليس حظك من النبات إلا الأكل. أين التدبير لعجيب الصنعة والصنع. يا مؤثراً ضنك الحس، على فضاء العقل. كيف تبيع صفاء للتأمل بكدر الإهمال? من العجب أن ندعوك إلى تلمح العبر في الغير وأنت ما تبصر نفسك، تدبر قطرة قطرة من ماء. صبت على إيقاد نار الشهوة. كيف ظهرت فيها عن حركات اللذة? رقوم نقوش عقدتها يد القدرة. كما تظهر الصورة في ثوب السقلاطوني عن حركات الشد.
تأمل نطفة مغموسة في دم الحيض، ونقاش القدرة يشق سمعها وبصرها من غير مساس. كيف تربى في حرر مصون عن مشعب، بينا هي ترفل في ثوب نطفة اكتست رداء علقة. ثم اكتست صفة مضغة، ثم انقسمت إلى عظم ولحم. فاستترت من يد الأذى بوقاية جلد. ثم خرجت في سربال الكمال تسحب مطارف الطرائف. فبينا هي في صورة طفل درجت درجة الصبي. فتدرجت إلى النطق وتشبثت بذيل الفهم. فكم من صوت بين أرجل النقل من تحريك جلاجل العبر. في خلاخل الفكر، كلما رنت غنت ألسن الهدى في مغاني المعاني. وكيف يسمع أطروش الغفلة? هذا بعض وصف الظاهر، فكيف لو فهمت معنى الباطن? الآدمي كتاب مسطور. وشخصه رق منشور. قلبه بيت معمور. همه سقف مرفوع. علمه بحر مسجور. من ينتفع بأسماعكم بعدي? وما تحسن الأيام تكتب ما أملى.
الفصل الحادي والثلاثون
يا جامعاً المال لغيره، تاركاً للتزود في سيره، أتحظى بشر كسبك، ويحصل سواك بخيره:
سابق إلى مـالـك وراثـه ما المرء في الدنيا بلبـاث
كم صامت يخنق أكـياسـه قد صلح في ميزان ميراث
أين جامع الدنيا? طرحها واطرح، أين اللاهي بها? حزن بعد أن فرح، جال في وصف الحرب عنها فاغتيل وجرح، وظن الأمر سهلاً فإذا الرجل قد ذبح، بينا هو في لذاته يغتبق ويصطبح برح به أمر مرحل، فما برح نزل والله لحداً ضيقاً فما ينفسح، وصمت تحت الثرى فكأنه لم ينطق ولم يصح، وكتب على قبره ما أخّر خسر، وما قدم ربح، وعدل إلى قصره بعد الدفن فافتتح، وأصبحت سهام الوارث في ماله تنتطح، يا معرضاً عن الهدى والأمى متضح، أو ما حالك كهذا الحال? الذي شرح، كأنك بك في ضيق خناقك تبكي على قبيح أخلاقك، وحبل الدموع تجري في حلبات آماقك، وقد تحيرت عند التفاف ساقك بساقك، وأسرت لا بقيد عن حركات إطلاقك، وناداك تفريطك: هذا بعض استحقاقك.
لا تكـذبـن فـإنـنـي لك ناصح لا تكذبـنـه
فاعمل لنفسك ما استطع ت فإنها نـار وجـنة
أخواني، كم من حريص قد جمع المال جمع الثريا? فرقته الأقدار تفريق بنات نعش، يا ذا اللب، حدثني عنك، أتنفق العمر الشريف في طلب الفاني الرذيل? ويحك، إن الهوى مرعاد مبراق بلا مطر، الدنيا لا تساوي نقل أقدامك في طلبها، أرأيت غزالاً يغدو خلف كلب، الدنيا مجاز والأخرى وطن، والأوطار في الأوطان أطوار، إيثار ما يفنى على ما يبقى برسام حاد.
ا أبناء الدنيا إنها مذمومة في كل شريعة، والولد عند الفقهاء يتبع الأم، يا من هو في حديثها أنطق من سبحان، وفي انتقاد الدنانير أنسب من أغفل، فإذا ذكرت الآخرة فأبله من باقل، حيلتك في تحصيلها أدق من الشعر، وأنت في تدبيرها أصنع من النحل، وعين حرصك عليها أبصر من العقاب، وبطن أملك أعطش من الرمل، وفم شرهك أشرب من الهيم، تجمع فيها الدر جمع الذر، يا رفيقاً في البله لدود القز، ما انتفعت بموهبة العقل:
كدود كدود القز ينسـج دائمـاً ويهلك غماً وسط ما هو ناسجه
ويحك، إن سرورها أقتل من السم، وإن شرورها أكثر من النمل، إنها في قلبك أعز من النفس، وسنصير عند الموت أهون من الأرض، حرصك بعد الشيب أحر من الجمر، أبقي عمر? يا أبرد من الثلج، يا من هو عن نجاته أنوم من فهد، ضيعت عمراً أنفس من الدر، أنت في الشر أجرى من جواد، وفي الخير أبطأ من أعرج، تسعى إلى العاجل سعي رث، ويمشي في الأجل مشي فرزان، الزكاة عليك أثقل من أحُد، والصلاة عندك كنقل صخر على ظهر، وطريق المسجد في حسبان كسلك كفرسخي دير كعب، صدرك عن حديث الدنيا أوسع من البحر، ووقت العبادة أضيق من تسعين، معاصيك أشهر من الشمس، وتوبتك أخفى من السهي، إن عرضت خطيئة وثبت وثوب النمر، فإذا لاحت طاعة رغت روغان الثعلب، تقدم على الظلم أقدام السبع، وتخطف الأمانة اختطاف الحدأة، يا أظلم من الجلندي ما تأمنك غزلان الحرم، يا كنعان الأمل، يا نمرود الحيل، يا نعمان الزلل، أنت في حب المال شبه الحباحب، وفي تبذير العمر رفيق حاتم، تمشي في الأمل على طريق أشعب، وستندم ندامة الكسعي، يا عذري الهوى في حب الدنيا، يا كوفي الفقه في تحصيلها، يا بصري الزهد في طلب الآخرة، إنما يتعب في تعليم البازي ليصيد ماله قدر، ولما تعلم بازي فكرك، أرسلته على الجيف.
ويحك تفكر قبل سلوك طريق الهوى، في كثرة المعاثر والصدمات أوما المكروهات في طي المحبوبات كوامن? يا مطلقاً نفسه في محظور شهواتها، اذكر الغمس في الرمس، يا ذا البال الناعم فوق الأرض، اذكر الناعم البالي تحتها، أتلفق? والزمان يفرق، أتؤلف? والحدثان يمزق، أتصفي? والدهر يرنق، أتؤمل? والموت معوق، ويحك إن القاصد قاصم، وما للعاصي عاصم، أنت في أرباب الذنوب غريق، وفي روم الهوى بطريق، فاحذر عقاب الأكابر، يا قليل الخبرة بالطريق اطلب رفقة، إذا لم تعرف القبلة بالعلامات، ففي المساجد محاريب، إذا رأيت قطار التائبين متصلاً فعلق عليه.
أهل الغرام تجمعوا فاليوم يوم عتابنـا
نعق الغراب ببيننا فغرابنا أغرى بنا
إن الذين نحبـهـم قد وكلوا بعذابنـا
قوموا بنا بحياتكـم نمضي إلى أحبابنا
قوم إذا ظفروا بنا جادوا بعتق رقابنا
من مشى إليَّ هرولتُ إليه، دعوناك بالوسائط فلم تحضر، فأتى المرسل ينزل إلى السماء، النظر متشابه والذوق محكم.
ولما رأيت الحب قد مد جـسـره ونودي بالعشاق قوموا بنا فاسروا
خرجتُ مع الأحباب كيما أحـوزه فصادفني الحرمان وانقطع الجسر
ومالت بنا الأمواج من كل جانـبٍ ونادى مناد الحب قد غرق الصبر
الفصل الثاني والثلاثون
يا هذا. لو عاينت قصر أجلك لزهدت في طول أملك، وليقتلنك ندمك إن زلت بك قدمك.
للمتنبئ:
إلى كم ذا التواني في التواني? وكم هذا التمادي في التمادي?
وما ماضي الشباب بمسـتـردٍّ ولا يومٌ يمر بمـسـتـعـار
متى لحظتْ بياض الشيب عيني فقد وجدته منها في الـسـواد
متى ما ازددت من بعد التناهي فقد وقع انتفاضي فـي ازدياد
إلى متى تحرص على الدنيا وتنسى القدر? من الذي طلب ما لم يقدر فقدر? لقد أذاك إذ ذاك النصب، وأوقعك الحرص في شرك الشرك إذ نصب، أتحمل على نفسك فوق الجسد? ولو قنعت أراحك الزهد فلماذا تحمل ما آذى ولمن? ومن ينفعك إن قتلت نفسك يا هذا، ومن? تحمل على الهم الهم، لأمر لو قضى تم، أحرصاً على الدنيا. لا كانت، أم شكاً في عيوبها? فقد بانت.
رأيت ظنوني بها كالسراب فأيقنت أن سرابي سرابي
كم غرت الدنيا فرخها? فعرت، ثم ذبحته بمدية ما مرت، إنها لتقتل صيادها، وتقتل أولادها.
عزيز على مهجتي غرني وسلم لي الوصل واستسلما
فلما تملكنـي واحـتـوى على مهجتي سل ما سلما
والله لو كنت من رياشها أكسى من الكعبة، لم تخرج منها إلا أعرى من الحجر الأسود.
قيل لراهب: ما الذي حبب إليك الخلوة وطرد عنك الفترة? قال: وثبة الأكياس من فخ الدنيا.
وقيل لآخر: لم تخليت عن الدنيا? فقال: خوفاً والله من الآخرة أن تتخلى عني.
من غرس في نفسه شرف الهمة فنبت، نبت عن الأقذار، ومن استقر ركن عزيمته وثبت، وثبت نفسه عن الأكدار.
قد انقضى العمر وأنت في شـغـل فاجسر على الأهوال إن كنت رجل
يا زمن الهمة، يا مقعد العزيمة، يا عليل الفهم، يا بعيد الذهن.
أما اشتقت مغنى الهوى حين طاب ومنبت غصن الصبي حين مـالا
أمـا آن مـن نـازح أن يحــن وللوصل مـن هـاجـر أن يدالا
سار المجدون وتركوك، ونجا المخفون وخلفوك، نادهم إن سمعوك، واستغث بهم إن رحموك.
أيها الراحلون من بـطـن خـيف وركاب النوى بهـم تـتـرامـى
إن أتيتـم وادي الأراك فـاهـدوا لحبيبي تـحـيتـي والـسـلامـا
وردوا ماء ناظري عوض الغـدر ان وارعوا بين الحشى لا الخزامى
واطلبوا إلى قـلـبـي وآيتـه أن تجدوا فيه من هواهم سـهـامـا
يا من أبعدته الخطايا عنهم، أدرج مرحلة الهوى وقد وصلت أنت تتعلل للكسل بالقدر فتقول: لو وفقني، ولكسب الشهوات بالندب إلى الحركة "فامشوا في مناكبها" أنت في طلب الدنيا قدري، وفي طلب الدين جبري، أي مذهب وافق غرضك تمذهبت به، أوليس في الإجماع "من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها" جسدك عندنا وقلبك في البيت، نحن في واد وأنت في واد.
بكرت صبحاً عواذلـه ورسيس الحب قاتله
هوى في واد ولسن به والهوى عنهن شاغله
يتمنين السـلـو لـه ومناه من يواصـلـه
لا بد والله من قلق وحرقة أما في زاوية التعبد أو في هاوية الطرد، إما أن تحرق قلبك بنار الندم على التقصير والشوق إلى لقاء الحبيب، وإلا فنار جهنم أشد حراً:
شجاك الفراق فما تصنع أتصبر للبين أم تجـزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة فما ذا تقول إذا ودعوا
القلق القلق يا من سلب قلبه، والبكاء البكاء يا من عظم ذنبه.
كان الشبلي يقول في مناجاته: ليت شعري ما اسمي عندك يا علام الغيوب، وما أنت صانع في ذنوبي يا غفار الذنوب، وبم تختم عملي يا مقلب القلوب? وكان يصيح في جوف الليل: قرة عيني، وسرور قلبي ما الذي أسقطني من عينك? أقلت هذا فراق بيني وبينك?
هجرانك قاتلي سـريعـا والهجر من الحبيب قاتـل
إن كنت نسيتني فعـنـدي شغل بك لا يزال شاغـل
قلبي يهواك ليت شعـري ما أنت بذا المحب فاعـل
حقاً قد قلت يا حـبـيبـي قام على قولـي الـدلائل
شوق وجوى ونـار وجـد تذكي بعظائم الـبـلابـل
سائل دمعي فجفن عـنـي لا يبرح بالبكـاء سـائل
إن جن لي الليل يا حبيبـي فجنة القلب في الرسـائل
أبكي ما كان من وصـال والحزن تهيجه المنـازل
هذا خدي علـى ثـراكـم لا أبـرحــه ولا أزايل
إن أنت طردتني فـويلـي بعد الإعراض من أواصل
كلا والجود لـي شـفـيع والجود مقدم الـوسـائل
الفصل الثالث والثلاثون
يا من بين يديه الأهوال والعجائب، وقدماً نوى له الدهر النوائب، أما سهم المصائب كل يوم صائب، أحاضر فتحمل من عتبنا? كلا بل أنت غائب.
وكيف قرّت لأهل العلم أعينهـم أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا
والموت ينذرهم جهراً علانـية لو كان للقوم أسماعٌ لقد سمعوا
والنار ضاحية لا بد مـوردهـم وليس يدرون من ينجو ومن يقع
قد أمست الطير والأنـعـام آمـنة والنون في البحر لن يغتالها فـزع
والآدمي بهذا الكسـب مـرتـهـن له رقيب على الأسـرار يطـلـع
حتى يوافيه يوم الجمع مـنـفـرداً وخصمه الجلد والأبصار والسمـع
إذ الـنـبـيون والأشـهـاد قـائمة والجن والإنس والأملاك قد خشعوا
وطارت الـصـحـف فـي الأيدي منشرة فيها السرائر والأخبار تطلع
فكيف سهـوك والأنـبـاء واقـعة عما قليل ولا تـدري مـمـا يقـع
أفي الجنان وفوز لا انقـطـاع لـه أم الجحيم فلا تـبـقـي ولا تـدع
تهوي بساكنها طوراً وترفـعـهـم إذا رجوا مخرجاً من غمها قمعـوا
طال البكاء فلم يرحم تضـرعـهـم هيهات لا رقة تغنـي ولا جـزع
لينفع لعلم قبل المـوت عـالـمـه قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا
يا من عمره يقد بالساعات ويعد بالأنفاس، يا خل الأمل خل أحاديث الوسواس، يا طويل الرقاد إلى كم ذا النعاس?، قد بقي القليل لا ريب وهذا الشيب يقلع الأغراس، إن في المقابر عبراً، وما أدراك ما الأدراس?، تالله لو سكن اليقين القلب، لضربت أخماساً في أسداس، هل تجد لماضي العمر لذة? والباقي على القياس، ماذا التهول في البوار، وجر الأذيال في الخسار، كأنك لم تسمع بجنة ولا نار، لهيب حرصك ما يطفي، وشر شرهك ما يخفى، أترى هذا ? على ماذا، أليس لما إذا? قيل آذى.
أنت في طلب الدنيا أحير من صَب، تبيت في عشقها أسهر من صب، أين ما حلا في الفم وحلى في العين، ذهب الكل وأنت تدري إلى أين، ما أصعب السباحة في غدير التمساح، ما أشق السير في الأرض المسبعة، إن المفروح به هو المحزون عليه، غير أن عين الهوى عميا، طاير الطبع يرى الحبة لا الشرك، ضيعت سهادك بسعادك، رمَتْكَ إلى الهند هند، صَيرتَ نهارك ليلا ليلى، ويحك ربات الظلم ظلم، كم أراق الهوى دماً في دمن، ويحك دع سلمى وسل ما ينفعك، دعة لمثلك ترك دعد للنوى، وسعادة لك هجرة لسعاد، قطع الطمع من خضر الدنيا بموسى الياس، تجمع للقلب عزم الخضر وموسى وإلياس.
يا معشر الفقراء الصادقين قد لبستم حلة الفقر، فتجملوا بحلية الكتمان ، اصبروا على عطش الزهد، ولا تشربوا من مشربة من، فالحرة تجوع ولا تأكل بثدييها، لا تسألوا سوى مولاكم فسؤال الغير غير سيده تشنيع عليه، إن الفقير ترك الدنيا إنفة رآها قاطعاً فقاطع، جاز على جيفة مستحيلة فسد منخر الظرف وأسرع، الأنف الأشم لا يشم رذيلة بينا هو في قطع فيافي القناعة، وقع بكنز ما وجده الإسكندر، فقلبه أغنى من قارون، وبيته أفرغ من فؤاد أم موسى. كان إبراهيم بن أدهم يعطي عطاء الأغنياء وهو فقير، ويستدين عليه ثم يؤثر به.
للشريف الرضي :
وهم ينفذون المالَ في أول الغـنـى ويستأنفون الصبرَ في آخر الصبـر
مغاوير في الجُليّ مغاييرُ في الحمى مفاريج للغُمّي مـداريكُ لـلـوِتْـر
وتأخذهم في ساعة الـجـود هِـزّةٌ كما خايل المطرابُ عن نزوةِ الخمرِ
فتحسبهم فيها نشاوى من الـغـنـى وهم في جلابيب الخَصاصة بلا وفر
عظيمٌ علـيهـم أن يمـنّـوا بـلا يدٍ وهَيْنٌ عليهم أن يبيتـوا بـلا وفـر
إذا نزل الحيّ الغريبُ تـقـارعـوا عليه فلم يدرِ المُقل من المـثـري
يميلون في شِق الوفاء مـع الـردى إذا كان محبوب البقاء مع الـغـدر
أحكم القوم العلم فحكم عليهم بالعمل، فقاطعوا التسويف الذي يقطع أعمار الأغمار، وانتبهوا فانتبهوا الليل والنهار، أخرجوا قوى العزائم إلى الأفعال، فلما قضوا ديون الجد قضت علومهم بالحذر من الرد، أقدامهم على أرض التعبد قد ألفت الصفون تعتمد على سنابك الحذر، فإذا أثر عندها النصب، راوحت بين أرجل الرجاء قلوب كالذهب ذهب غشه، أنفاسهم لا تخفى، نفوسهم تكاد تطفى، لون المحب غماز، دمع المشوق نمام.
أخفي كمدي ودمع عينـي في الخد على هواك شاهد
فالجفن بلوعتـي مـقـر للعاذل واللسان جـاحـد
اشتد الخوف يوماً بإبراهيم بن أدهم، فسأل الراحة فعوتب.
لو شئت داويت قلباً أنت سقمه وفي يديك من البلوى سلامته
علامة كتبت في خد عارفكـم من كان مثلي فقد قامت قيامته
ضجت الناقة لثقل الحمل، رأت عظامها قد فرغت ففغرت فم الشكوى فرغت.
يا حادي العيس قد براها حمل هموم لها عظـام
رفقاً بها إنهـا جـلـود ملصقات على عظـام
أشواقها خلفها وشوقـي خلاف أشواقها أمامي
تمادى في قلب العارف جبل الخوف وجبل الحزن، فلما وصل اسكندر الفكر عبى زبر الهموم، حتى إذا ساوى بين الصدفين صاح بجنود الفهم، انفخوا، فاستغاث الواجد لتراكم الكرب.
أيا جبلي نعمان بـالـلـه خـلّـيا نسيم الصبا يخلص إلى نسيمـهـا
أجد روحها أو تشف مني حـرارة على كبد لم يبق إلا صمـيمـهـا
لأن الصبا ريح إذا ما تنـسـمـت على نفس مكروب تجلت همومها
الفصل الرابع والثلاثون
إخواني، رحيل من رحل عنا نذير لنا عنا، وما جرى على من تقدمنا وعظ لنا.
للشريف الرضي:
ما أسرعَ الأيامَ في طـيّنـا تمضي علينا ثم تمضي بنا
في كل يوم أملٌ قـد نـأى مرامُهُ عن أجل قـد دنـا
أنذرنا الدهرُ وما نرعـوي كأنما الدهر سوانا عـنـا
تعاشياً والموت فـي جـده ما أوضح الأمرَ وما أبَيْنـا
والناسُ كالأجمالِ قد قُرِّبتْ تنتظر الحيَّ لأن يظعـنـا
تدنو إلى العشب ومن خلفها مقامرٌ يطردها بالـقـنـا
أين الأُولى شادوا مبانيهـم تهدّموا قبل انهدامِ البـنـا
لا مُعدِمٌ يحميه إعـدامُـه ولا يقي نفسَ الغنيِّ الغِنى
كيف دفاعُ المرء أحداثهـا فرداً وأقرانُ الليالي ثِنـى
حط رجالٌ وركبنا الـذُّرى وعُقبةُ السير لمن بعـدنـا
والحازم الرأي الذي يَغتَذي مُستقلعاً ينذرُ مستوطـنـا
لا يأمنُ الدهرَ على غِـرَّةٍ وعزّ ليث الغاب أن يؤمنا
كم غارسٍ أمّل في غرسه فاعجل المقدار أن يُجتنى
ما هذا التقصير في العمر القصير، ما هذا الزهو يا من إلى البلى يصير، كم فرق الموت أميرة أمير?، كم أزار الألحاد من وزير?، وسوى في القبور بين من هجر وزير، أين الأبطال الذين خاطرهم خطير، طال ما اقتتلوا، حتى كسروا القنا على القناطير، تالله لقد أمسوا حتى أصبحت خيل الموت تعثي وتغير، ونزلوا لحداً كبيراً غير كبير، ورأوا كل منكر من منكر وكل نكير من نكير، فهم مفترقون في القبور، فإذا اجتمعوا بنفخة الصور، عاد شراب الفراق قد أدير "فريقٌ في الجنّةِ وفريقٌ في السّعير".
يا غافلاً والموت يسعى في طلبه، يا مشغولاً بلهوه مفتوناً بلعبه، يا مشترياً راحة تفنى بطول تعبه، أما عللت مريضاً ورأيت كرب كربه، أما شيعت ملكاً فرجعت إلى سلبه، أما تخلى عن ماله وتخلى بمكتسبه، أنفعه غلوّ عزّه أو علوّ نسبه، لقد ناجاك قبره وناداك أمره، فانتبه، ولقد ضرّه هواه، فلا تلهج أنت به، لا تغرنك السلامة فمع الخواطي سهم صائب.
نظر شاب إلى شيخ ضعيف الحركة فقال: يا شيخ، من قيدك? فقال: الذي خلفته يفتل قيدك.
من أخطأته سهام المـوت قـيده طول السنين فلا لهو ولا غـزل
وضاق من نفسه ما كان متسعـاً حتى الرجاء وحتى العزم والأمل
الشباب باكورة الحياة، والشيب رداء الردى، إذا قرع المرء باب الكهولة فقد استأذن على البلا، يا رهين الإثم على العقوبة، ليس لك من يستفكك إلا التوبة، المنطع في قيد يتلقى الحاج منكس الرأس، رب خجلة تمت الناقص، كان بعض الأشياخ يقول: إلهي، من عادة الملوك، أنهم إذا كبر لهم مملوك أعتقوه، وقد كبرت فأعتقني. وقف أعجمي عند الكعبة، والناس يدعون وهو ساكت، ثم اخذ بلحيته فرفعها، وقال: يا خداه شيخ كبير.
لما أتونا والشيب شافعهـم وقد توالى عليهم الخجـل
قلنا لتلك الصحائف انقلبـي بيضاً فإن الشيوخ قد عقلوا
يا معاشر الشباب انتبهوا، القوى في التقوى، فلو قد حل المشيب حل التركيب، إذا هلك أمير الشباب وقع الشتات في العسكر، الشباب رياض والشيب قاع قفر، فاستصحبوا الزاد قبل دخول الفلاة.
يا قومنا، الفوائد فوايت، كف من تبذير يؤذي، فكيف ببيذر من رعونة?، إذا كانت القلوب عقماً عن الفكر، واتفقت عنة الفهم فلا وجه لنسل الفضائل، الخوف ذكر والرجاء أنثى و**** البطالة إلى الإناث أميل. من زرع بذر العمل في أرجاء الرجا ولم تقع عليه شمس الحذر جاءت ثماره فجة. الجاهل ينام على فراش الأمن فيثقل نومه، فتكثر أحلام أمانيه، والعالم يضطجع على مهاد الخوف وحارس اليقظة يوقظه، من فهم معنى الوجود علم عزة النجاة. النفس طائر قد أرسل من عبادان التعبد محملاً كتاب الأمانة إلى دار الملك والعدو قد نصب له صنوف الأشراك، يلوح في ضمنها الحب المحبوب، فإن تم كيده فهو صيده، وإن خبر الخبر عبر، يا أطيار الفهوم احذري مراعي الهموم فثم عقبان التلف، ومن نجا منها بعد المحاربة أفلت مكسور الجناح، واعجباً لبلبل الفطنة كيف اغتر بفخ الفتنة.
للشريف الرضي:
يا قلب كيف علقت في أشراكهم ولقد عهدتك تُفلِتُ الأشـراكـا
لا تشكونَ إليّ وَجداً بـعـدهـا هذا الذي جرَّتْ علـيكَ يداكـا
من حدق بصره إلى طرف الدنيا طرفت عينه. من أصغى إلى حديث الهوى أورثه الصمم عن النصائح. خست همة فرعون فاستعظم الحقير "أليسَ لي مُلكُ مِصر" يا دني النفس حمارك ينهق من كف شعير يراه، الدنيا كلها كجناح بعوضة فما نسبة مصر إليها. صبي الفهم يشغله لون الصدفة والمتيقظ يرى الدرة. يا هذا، إذا لاحت لك شهوة فقف متدبراً عواقبها وقد بردت حرارة الهوى فبين النجاة والهلاك فواق. واعجباً أنفقت المال المسروق وبقي القطع:
أبكي زللي وأشتكـي آثـامـي في سفك دمي تقدمت أقدامـي
ما أبصرت إلا والبلى قـدامـي ما أسرع ما أصاب قلبي الرامي
ضر والله التخليط آدم، ونفعت الحمية يوسف، ملك هواه فملك زليخا، أمرضها حبه فأرادت تناول مقصودها في زمان الحمية فصاح لسان طبه "معاذ الله" فخلطت في بحران المرض "ما جزاء من أرادَ بأهلكَ سوءاً إلاّ أن يُسْجَنَ" فلما صح الذهن قالت: "الآنَ حصحصَ الحَقُّ". لما نظر يوسف في عواقب الذنب ونهاية الصبر فكف الكف اطلع بتعليم التأويل على عواقب الرؤيا. دخل اليوم موسى وعظى إلى مدينة مدين قلبك فوجد فيها رجلين يقتتلان، القلب والهوى، فاستغاثه الذي من شيعته وهو القلب على الذي من عدوه وهو الهوى، فوكزه موسى فقضى عليه، فكان قتل الهوى سبباً للخروج من قصر مصر الغفلة إلى شعب شعيب اليقظة، فالآن يناديك لسان المعاملة، هل لك في بلوغ عرضك على أن تأجرني، فإن وفيت انقلبت إلى لذاتك مسروراً، واسترجع لك التكليم على طور الجنة، فإن صحبت فرعون الهوى غرقت بعبورك يوم اليم.
الفصل الخامس والثلاثون
يا هذا، إنما خلقت الدنيا لتجوزها لا لتحوزها، ولتعبرها لا لتعمرها، فاقتل هواك المايل إليها، واقبل نصحي لا تعول عليها.
لورقة بن نوفل:
لاشيء فيما ترى تبقى بشاشتـه يبقى الإله ويؤدي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه والخلد قد حاولتْ عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنس والجنّ فيما بينها تـردُ
أين الملوك التي كانت نوافلهـا من كل أوب إليها وافـدٌ يفـد
حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كـذبٍ لا بدّ من رده يوماً كمـا وردوا
الدنيا مزرعة النوائب ومشرعة المصائب، ومفرقة المجامع ومجرية المدامع. كم سلبت أقواماً أقوى ما كانوا، وبانت أحلى ما كانت أحلاماً فبانوا، ففكر في أهل القصور والممالك، كيف مزقوا بكف المهالك ثم عد بالنظر في حالك، لعله يتجلى القلب الحالك. إن لذات الدنيا لفوارك، وإن موج بلائها لمتدارك، كم حج كعبتها قاصد فقتلته قبل المناسك، كم علا ذروتها مغرور فإذا به تحت السنابك، كم غرت غراً فما استقر، حتى صيد باشك، خلها واطلب خلة ذات سرور وسرر وأرائك، تالله ما طيب العيش إلا هنالك. أخواني ، ما قعودنا وقد سار الركب، ما أرى النية الآنية، يا مسافرين من عزم تزود، يا راحلين بلا رواحل وطنوا على الانقطاع، ليت المحترز نجا فكيف المهمل?، يا أقدام الصبر تحملي فقد بقي القليل، تذكري حلاوة الدعة يهن عليك مر السرى، قد علمت أين المنزل، فاحدلها تسير .
للمهيار:
تغنَّ بالجـرعـاء يا سـائقـهـا فإن ونت شيئاً فزدها الأبـرقـا
واغنَ عن السياطِ في أرجـوزة بحاجرٍ ترَ السهـامَ الـمُـرقـا
واستقبال الريح الصبا بخُطمهـا تجدْ سُرى ما وجدتْ منتسـقـا
إن لها عند الحـمـى وأهـلـهِ تعلقاً من حـبـهـا وعـلـقـا
وكل ما تـزجـره حـداتُـهـا رعى الحمى ربُّ الغمام وسقى
حواملا منها همومـاً ثـقُـلـتْ وانفساً لـم تـبـق إلا رمَـقـا
تحملنـا وإن عـرين قـصَـبـاً وإن دمـين أذرعـاً وأسـوقـا
دام عليها الليلُ حتى أصبـحـت تحسب فجرَ ذاتِ عرقٍ شفقـا
عرِّجْ على الوادي فقل عن كبدي ما شئت للبان الجوى والحُرَقـا
الجنة ترضى منك بالزهد، والنار تندفع عنك بترك الذنب، والمحبة لا تقع إلا بالروح.
إنّ سلطان حبـه قال لا أقبل الرشا
ما سلك الخليل طريقاً أطيب من الفلاة التي دخلها، لما خرج من كفه المنجنيق، زيارة تسعى، فيها أقدام الرضا على أرض الشوق، شابهت ليلة "فزجني في النور، وقال ها أنت وربك".
زرناك شوقاً ولو أن النوى بسطت فرش للفلا بيننا جمراً لزرنـاك
رآه جبريل وقد ودع بلد العادة، فظن ضعف أقدام المتوكل فعرض عليه زاد "ألك حاجة" فرده بأنفة "أما إليك فلا" قال فسل مولاك، قال: علمه بحالي يغنيني عن سؤالي.
تملكوا واحتكـمـوا وصار قلبي لـهـم
تصرفوا في ملكهـم فلا يقال ظلـمـوا
إن وصلوا محبـهـم أو قطعوا لهم هـم
يا أرض سلع أخبري وحدثيني عـنـهـم
تبكيهم أرضى منـى وتشتكيهـم زمـزم
يا ليت شعري إذ غوا أأنجدوا أم اتهـمـوا
ما ضرهم حين سروا لو وقفوا فسلّـمـوا
أبدان المحبين عندكم وقلوبهم عند الحبيب، طرق طارق باب أبي يزيد فقال: ها هنا أبو يزيد? فصاح من داخل الدار: أبو يزيد يطلب أبا يزيد فما يجده.
للمهيار:
وبجرعاءِ الحمى قلبـي فـعـج بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترجّـلْ وتـحـدّثْ عـجَـبـاً أن قلباً سار عن جسمٍ أقـامـا
قل لجيران الغضـا آهٍ عـلـى طيب عيشٍ بالغضا لو كان داما
حملوا ريحَ الصبـا نـشـركُـمُ قبلَ أن تحملَ شيحاً وتـمـامـا
وابعثوا لي بالكرى طـيفـكـم إن أذنتم لعيونـي أن تـنـامـا
بلغت بالقوم المحبة إلى استحلاء البلى، فوجدوا في التعذيب عذوبة لعلمهم أنه مراد الحبيب.
إرضاء أسخط أو أرضي تلونه وكل ما يفعل المحبوب محبوب
ضنى سويد بن مثعبة، على فراشه، فكان يقول: والله ما أحب أن الله نقصني منه قلامة ظفر.
تعجبوا من تمني القلب مؤلمه وما دروا أنه خلوٌ من الألـم
أمر الحجاج بصلب ما هان العابد، فرفع على خشبة وهو يسبح ويهلل ويعقد بيده حتى بلغ تسعاً وعشرين فبقي شهراً بعد موته، ويده على ذلك العقد مضمومة.
لتحشرن عظامي بعد ما بليت يوم الحساب وفيها حبكم علق
مروا على مجذوم قد مزقه الجذام، فقالوا له: لو تداويت، فقال: لو قطعني إرباً إرباً ما ازددت له إلا حباً.
إن كان جيرانُ الغضـى رضوا بقتلي فـرضـا
والله لا كـنـت لـمـا يهوى الحبيب مبغضـا
صرت لهم عبـداً ومـا للعبـد أن يعـتـرضـا
هم قلّبوا قـلـبـي مـن الشوق على جمر الغضا
يا لـيت أيام الـحـمـى يعود منها ما مـضـى
من لـمـريض لا يرى إلا الطبيب الممـرضـا
كان الشبلي يقول: أحبك الناس لنعمائك وأنا أحبك لبلائك.
من لقتيل الحب لـو ردّ عليه القـاتـلُ
يجرحه النّبلُ ويهوى أن يعود النـابـل
قلبهم الزهد في قفر الفقر على أكف الصبر فقلع أوداج أغراضهم بسكين المسكنة، والبلاء ينادي أتصبرون? والعزم يجيب: لا ضير، سقاهم رحيق القرب فأورثهم حريق الحب فغابوا بالسكر عن روية النفس فعربدوا على رسم الجسم وهاموا في فلوات الوجد يستأنسون بالحمام والوحش.
يا منية القلب ما جيدي بمنعطـف إلى سواكم ولا حبلي بمـنـقـاد
لولا المحبة ما استعملـت بـارقة ولا سألت حمام الدوح إسـعـادي
ولا وقفت على الـوادي أسـائلـه بالدمع حتى رثى لي ساكن الوادي
الفصل السادس والثلاثون
أيها المغتر كم خدعت، ما واصل وصلها محب إلا قطعت، ولا ناولت نوالاً إلا ارتجفت، اختبأت مريرها فلما اعتقلت أسيرها جرعت، متى رأيتها قد توطنت فاعلم أنها قد أزمعت.
يا محب الدنيا الغرور اغـتـرارا راكباً في طلابهـا الأخـطـارا
يبتغي وصلها فـتـأبـى عـلـيه وترى أنسه فـتـبـدي نـفـارا
خابَ من يبتغي الوصال لـديهـا جارةٌ لم تزل تسـيء الـجـوارا
كم محبٍّ أرته أنـسـاً فـلـمـا حاول الزور صـيرتـه ازورارا
شيب حلو اللذات منـهـا بـمـر إن حلت مـرة أمـرت مـرارا
في اكتساب الحلال منها حسـاب واكتساب الحرام يصلي الـنـارا
ولباغي الأوطار منـهـا عـنـاءٌ سوف يقضي وما قضى الأوطارا
كل لذاتها مـنـغـصة الـعـيش وأرباحـهـا تـعـود خـسـارا
وليالي الهـمـوم فـيهـا طـوال وليالي السرور تمضي قصـارا
وكفى أنهـا تـظـن وإن جـادت بنزر أفـنـت بـه الأعـمـارا
وإذا ما سقت خمـور الأمـانـي صيرت بعدها المنـايا خـمـارا
كم ملـيك مـسـلـط ذلـلـتـه بعد عز فما أطاق انـتـصـارا
ونعيم قد أعـقـبـتـه بـبـوس ومغان قد غادرتـهـا قـفـارا
أيها المستعير منـهـا مـتـاعـاً عن قليل تسترجع المسـتـعـارا
عد عن وصل مـن يعـيرك مـا يفنى ويبقى إثماً ويكسـب عـارا
قد أرتك الأمثال في سالـف الـد هر وما قدراتك فيك اعتـبـارا
وجدير بـالـعـذر مـن قـدم الأ عذار فيمـا جـنـاه والإنـذارا
فتعوض منهـا بـخـلة صـدق والتمس غـير هـذه الـدار دارا
والبدار البدار بالعـمـل الـصـا لح ما دمت تستطـيع الـبـدارا
إلى متى في طلبها?، إلى كم الاغترار بها?، تدور البلاد منشداً ضالة المنى، وتلك ضالة لا توجد أبداً، فسيقتلك الحرص غريباً ولكن لا في فيافي "فيا طوبى للغرباء".
أظن هواها تاركي بـمـضـلة من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أفضى إلـيه وصـيتـي ولا وارث إلا المطية والرحـل
أيها المتعب نفسه في جمع المال، عقاب الوارث على مرقب الانتظار، أفهمت أم أشرح لك?، العقاب لا تعاني الصيد وإنما تكون على موضع عال، فأي طائر صاد صيداً انقضت عليه فإذا رآها هرب وترك الصيد، ومالك تجمع مالك? ومالك منه إلا ما تخلف، والزمان يشتك للذهاب وأنت للإذهاب تؤلف، المال إذا وصل إلى الكرام عابر سبيل وإكرام عابر السبيل تجهيزه للرحيل، جسم البخيل كله يعرق إلا اليد كفه مكفوفة ما ينفق منها خرزة.
تحلى بأسماء الشهور فـكـفـه جمادى وما ضمت عليه المحرم
يا فرعوني الكبر تفرح بمال سيسلب منك، فتستعير كلمة "أليس لي" يا نمروذي الجهل، تشد أطناب الحيل على الدنيا في أرجل نسور الأمل ثم ترمي نشاب الأغراض، إن وقف لك غرض فتستغيث الأكوان من يدك "وإن كان مكرهم" من فهم علم التوحيد، تجرد للواحد بقطع العلائق، أما ترى كلمتي الشهادة مجردة عن نقط. إذا أعرضت عن الدنيا أقبلت إليك الآخرة، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، عقر سليمان الخيل " فسخّرنا لهُ الريحَ"، لما عقدت الخنصر على التوحيد ميزت على باقي الأصابع بالخاتم.
يا أطفال التوبة ما أنكر حنينكم إلى الرضاع، ولكن ذوقوا مطاعم الرجال وقد نسيتم شرب اللبن، إذا تحصن الهوى بقلعة الطبع فانصبوا مجانيق العزائم وقد انهدم السور، أنتم تخرجون لقتل سبع ما أذاكم. ليقال عن أحدكم ما أجلده، فكيف تتركون سبع الهوى وقد أغار على سرح القلوب? إنما تتحف الملوك بالباكورة. فافهموا يا صبيان التوبة إذا أهديتم فالرطب لا الحشف. يا أطيار الشباب، إما عبادان التعبد وإلا استفراخ العلم وإلا فالذبح، تريدون نيل الشهوات وحصول المراتب، والجمع بين الأضداد لا يمكن.
هواك نجد وهواي الشام وذا وذا يا مي لا يلتام.
ما زلت أعالج مسمار الهوى. في قلب العاصي، أميل به تارة إلى جانب التخويف، وتارة إلى ناحية التشويق، فلما ضعف الماسك بإزعاجي له، اتسع عليه المجال فجذبته، أنفت لصبي اللعب من بيع جوهر العمر النفيس بصدف الهوى، فشددت عليه في الحجر ليعلم بعد البلوغ "أنِّي لمْ أَخُنْهُ بالغيب".
الفصل السابع والثلاثون
أخواني! جدوا فقد سبقتكم، واستعدوا فقد لحقتم، وانظروا بماذا من الهوى علقتم?، ولا تغفلوا عما له خلقتم، ذهبت الأيام وما أطعتم، وكتبت الآثام وما أصغيتم، وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم، أهذا التوبيخ لغيركم أو ما قد سمعتم? لصردر:
ما ضاع من أيامنا هـل يُغـرمُ هيهات والأزمان كيف تـقـوم
يومٌ بأرواحٍ يبـاع ويشـتـرى وأخوه ليس يُسامُ فـيه درهـمُ
لي وقفة في الدار لا رجعت بما أهوى ولا يأسي عليهـا يُقـدِمُ
وكفاك أني للنـوائب عـاتـبٌ ولصُمِّ أحجار الـديار أكـلـم
ومن البلادة في الصبابة أننـي مستخبرٌ عنهن من لا يفـهـم
وإذا البليغ شـكـا إلـيه بـثـه عبثاً فما بال المـطـايا تُـرزِمُ
كل كنى عن شوقه بلـغـاتـه ولربما أبكى الفصيحَ الأعجـمُ
نرجو سلوكاً في رسومٍ بينـهـا الأغصان سكر، والحمام متـيمُ
هذي تميل إذا تنسمت الصـبـا والوُرق تذكر إلفَها فـتـرَنَّـمُ
آهٍ على زمانٍ فاتن وعلى قلب حي مات، كيف الطمع فيما مضى? هيهات، رداً على ليالي التي سلفت أين الزمان الذي بان? أتراه بان، أين القلب الصافي? كان وكان.
سقياً لمنزلة الحمى وكثيبهـا إذ لا أرى زمناً كأزماني بها
ما أعرف اللذات إلا ذاكـراً هيهات قد خلفت أوقاتي بها
يا من كان له قلب فانقلب، قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك.
أين أيامك والـدهـر ربـيع والنوى معزولة والقرب وال
يا من كان قريباً فطرد، يا من كان مشاهداً فحجب، يا عزيزي ما ألفت الشقاء، فكيف تصبر? أصعب الفقر ما كان بعد الغنى. وأوحش الذل ما كان بعد العز وأشدهما على الكبر. يا هذا بت بيت الأحزان من قبل البيات، وثب إلى المثيب وثبة ثبات، ولا تجاوز الجناب ودر حول الدار، واستقبل قبلة التضرع وقل في الأسحار:
قد قلق الحب وطال الـكـرى وأظلم الجو وضاق الفـضـا
لا يعطش الزرع الذي نبـتـه بصوت أنعامك قـد روّضـا
إن كان لي ذنب تجـرمـتـه فاستأنف العفو وهب ما مضى
لا تبر عـوداً أنـت ريشـتـه حاشى لباني المجد أن ينقضـا
كيف لا أبكي لأعـراض مـن أعرض عني الدهر إذ عرضا
قد كنت أرجوه لنيل المـنـى فاليوم لا أطلب إلا الـرضـا
يا من فقد قلبه وعدم التحيل في طلبه، تنفس من كرب الوجد فبريد اللطف يحمل الملطفات، ريح الأسحار ركابي الرسائل، ونسيم الفجر ترجمان الجواب.
للمهيار:
فيا ريح الصبا اقترحي على الأحشاء واحتكمي
أراك نسمتِ تختبـرين ما عهدي وما ذممـي
فهذي في يدي كـبـدي وذا في وجنتي دمـي
سلامٌ كلـمـا ذُكـرتْ ليالينـا بـذي سـلَـم
أخواني، صعداء الأنفاس واصل لا يمنع، لسان الدمع أفصح من لسان الشكوى، شجو التائب يطرب سمع الرضا، حزن النادم يسر قلب التعبد، قلق المسكين محبوب الرحمة، آسى من أسا فرح العفو، بكاء المفرط يضحك سن القبول، دمع المحزون مخزون لخزانة الخاص، ريح نفس آسف أطيب من ند ند، قطرة من الدمع على الخد أنفع من ألف مطرة على الأرض:
ضمنت حالي للقصة ورفعتها فآتاني التوقيع يشرح حالـه
فأتيت ديوان الهوى فلكثـرة العشاق لم ينهي لي إيصاله
حتى إذا أوصلتها نظروا إلى شخص تبقى للعيون خيالـه
قلت ارحموا هذا الفقير فإنه من حين هجركم تمزق حاله
يا دائرة الشقاء أين أوّلك? يا أرض التيه متى آخرك? يا أيوب البلاء إلى كم على الكناسة? متى ينسخ الزمن? زمن "اركض":
سمعت حمامة هتفت بليل وقد حنّتْ إلى ألف بعـيد
فأزعجت القلوب وأقلقتها فما زلنا نقول لها أعيدي
أرى ماءً وبي عطشٌ شديد ولكن لا سبيل إلى الورود
تعلق بالليل فهو شفيع مشفع، تمسك بالبكاء فهو رفيق صالح، ادخل في زمرة المتهجدين على وجه التطفل في فلوات الخلوات بلسان التذلل:
يا راحم عبرة المسيء المحـزون دمعي مبذول وحزن قلبي مخزون
شوقي يسعى إليك والصبر حرون من تهجره أنت ترى كيف يكـون
أبواب الملوك لا تطرق بالأيدي ولا بالحجارة بل بنفس محتاج: للمهيار:
آه والشوق ما تأوهت مـنـه لليالٍ بالسفح لو عُدْنَ أخـرى
قلِّبوا ذلك الرماد تُـصـيبـوا فيه قلبي إن لم تصيبوا الجمرا
يا هذا، إذا رأيت نفسك متخيلة لا مع المحبين ولا مع التائبين فابسط رماد الأسف واجلس مع رفيق اللهف وابعث رسالة القلق مع بريد الصعداء لعله يأتي بالجواب بكشف الجوى:
ولي زفرات لو ظهرنَ قتـلـتـنـي لشوق لييلاتي التـي قـد تـولـت
إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضـت فمن لي بأخرى مثل تيك أظلـمـت
حلفت لهـم بـالـلـه مـا أم واحـد إذا ذكـرتـه آخـر الـلـيل أنـت
وما وجدا عرابية قـد. فـت بـهـا صروف النوى من حيث لم تك ظنت
تمنت أحـالـيب الـرعـاء وخـيمة بنجد فلم يقدر لهـا مـا تـمـنـت
إذا ذكرت ماء الـعـذيب وطـيبـه وبرد حصاه آخر الـلـيل حـنـت
لهـا أنة وقـت الـعـشــاء وأنة سحيراً فلو لا انتـاهـا لـجـنـت
بأكثر منـي لـوعة غـير أنـنـي أجمجم أحشائي على مـا أجـنـت
نيران الخوف في قلوب التائبين ما تخبو، وقلق المذنبين مما جنوا لا يسكن، وضجيج المحبين في جيوش الشوق ما يفتر:
واهاً لزماننا الذي كـان صـفـا أبكي مرضي وليس لي منه شفا
ذابت روحي وما أرى غير جفا هذا رمقي تسلـمـوه بـوفـا
الفصل الثامن والثلاثون
ألا يعتبر المقيم منكم بمن رحل? ألا يندم من يعلم عواقب الكسل? آه لغافل كلما جد الموت هزل، ولعاقل كلما صعد العمر نزل.
أعد على فكرك أسـلاف الأمـم وقفْ على ما في القبور من رمم
وناديهم أين الـقـوي مـنـكـم القاهر أم أين الضعيف المهتضم
تفاصلت أوصالهم فوق الـثـرى ثم تساوت تـحـتـه كـلُّ قـدم
قبرُ البـخـيل والـكـريم واحـدٌ ما نفع البخل ولا ضر الـكـرم
واعجـبـاً لـغـافـل أمـامـه هجوم ما لا يتـقـي إذا هـجـم
إذا تخطاه على عهد الـصـبـي أو الشباب لم يفته فـي الـهـرم
أما كفى الإنسان موتُ بعـضـه وهو المشيب المستطير في اللمم
أي خـلـيلـين أقـامـا أبــداً ما افترقا وأي حبل ما انـصـرم
إن الـنـجـوم الـدائرات أبـداً تضحك من مبتسم إذا ابـتـسـم
أخواني، بادروا آجالكم، وحاذروا آمالكم، آمالكم عبرة فيمن مضى? آمالكم، ما هذا الغرور الذي قد أمالكم? ستتركون على رغم آمالكم مالكم.
أخواني، صدقتم الأمل فكذبكم، وأطعتم الهوى فعذبكم، أما أنذركم السقم بعد الصحة، والترحة بعد الفرحة، في كل يوم يموت من أشباحكم ما يكفي في نعي أرواحكم، ويحل بعقوقكم وفنائكم ما يخبركم عن شتاتكم وفنائكم، فخذوا حذركم قبل النوائب، فقد أتيتم من كل جانب، وتذكروا سهر أهل النار في النار، واحذروا فوت دار الأبرار، وتخوفوا يوم الفصل بين الفريقين أن يصيبكم من البين البين.
أخواني، أبصاركم قوية وبصائركم ضعيفة، ومن ترائى هواه توارى عنه عقله، سحبان من ظهر لخلقه بخلقه، غير أن عالم الحس لا يرونه، أما قلبك من نطفة إلى علقة وأنت كالجماد، كلما نفخ فيك الروح بعث الزاد بساق إليك من دم الأم فتتناوله باجتذاب السرة، إذ لو طرق الحلقوم تلفت، فلما خرجت إلى فلاة الدنيا رأيت أدواتي الثديين معلقتين لشربك، وكانت عمور الأسنان تكفي في اجتذاب المشروب، فكلما اعتصرته خرج مغربلاً لئلا يقع شرق، فلما قويت المعا وافتقرت إلى غذاء فيه صلابة أنبت الأسنان لتقطع والأضراس لتطحن ومن العجائب، أنه أخرجت غبياً لا تعلم شيئاً، فلو أخرجك عاقلاً لرأيت من أطم المصائب تقلبك في الخرق والمصائب، ثم جعل بكاءك حينئذٍ متقاضياً بالمصالح وبث القوى في باطنك فقوة تطلب الغذاء وثانية تجتذبه إلى الكبد وثالثة تمسكه لها حتى تطبخه فيصير دماً، ورابعة تهضمه، وخامسة تفرق بين صفوه وكدره وسادسة تتولى قسمته، فلو بعثت إلى الخد، ما تبعث إلى الكخذ صار بمقداره، وسابعة تدفع ثقله.
أفيحسن بعد تفرقة الجامكية على العسكر، أن يثبوا في المخالفة للمنعم? ثم انظر إلى هذا الهواء الذي قد ملئ به الفضاء كيف تنتصب منه النفس إلى النفس? ثم هو للأصوات من حيث المعنى كالقرطاس، يرقم فيه الحوائج ثم يمتحي فيعود نقياً، فأقوام يرقمون فيه الذكر والتسبيح، وآخرون يرقمون كل قبيح، وكم بين من يرقم تلاوة القرآن، وبين من يرقم أصوات العيدان? ثم تأمل آلات الأصوات، ترى الرئة كالرق، والحنجرة كالأنبوب، فإذا ظهر الصفر أخذ اللسان والشفتان في صناعته ألحاناً، فهو كالأصابع المختلفة على فم المزمار.
ثم تأمل الأرض، كيف مدها بساطاً وأمسكها عن الاضطراب لتصح للسكنى، ثم يزلزلها في وقت ليفطن الساكن بقدرة المزعج، وجعل فيها نوع رخاوة ليقبل الحفر والزرع، ورفع جانب السماء لينحدر الماء، وفرق المياه بين الجزائر ليرطب الهواء، وأودع المعادن كما تودع الحاجات في الخزائن، ولما بث الطير صان عنها السنبل، لأنه قوتك بقشور صلبة قايمات كالإبر لئلا تستفه فتموت بشماء، فيفوت الحظان، ثم تأمل الرماية كيف حشيت بالشحم بين الحب، ليكون غذاءاً لها إلى وقت عود المثل، ثم جعل كل حشوتين لفافة لئلا يتصاك فيجري الماء، ثم جاء بالشمس سراجاً ومنضجاً للثمر تجري لتعمر الأماكن ثم تغيب ليسكن الحيوان، ولما كانت الحوائج قد تعرض بالليل جعل في القمر خلفاً ولم يجعل طلوعه في الليل دائماً، لئلا تنبسط الناس في أعمالهم كانبساطهم بالنهار، فيؤذي الحريص كلاله، ولما قدر غيبة القمر في بعض الليل جعل أنوار الكواكب كشعل النار في أيدي المقتبسين، ولما كانت حاجة الخلق إلى النار ضرورية أنشأها وجعلها كالمخزون، تستنهض وقت الحاجة فتمسك بالمادة، قدر مراد الممسك، ثم انظر إلى الطائر، لما كان يختلس قوته خوف اصطياده، صلب منقاره لئلا ينسحج من الالتقاط لأن زامن الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعل له حوصلة يجمع فيها الحب ثم ينقله إلى القانصة في زمان الأمن، فإن كانت له أفراخ أسهمهم من الحاصل في الحوصلة قبل النقل، فإن لم يكن له حنة على أفراخه أغنوا عنه باستقلالهم من حين انشقاق البيضة كالفراريج.
واعجباً كيف يُعصى من هذه نعمه، وكيف لا تموت النفس حباً لمن هذه حكمه، إن دنت همتك فخف من عقوبته، وإن علت قليلاً فارغب في معاملته، وإن تناهت فتعلق بمحبته، على قدر أهل العزم تأتي العزائم، إن قصرت همتك فآثرت قطع الشوك صحبك حمار، وإن رضيت سياسة الدواب رفقك بغل، وإن سددت بعض الثغور أعطيت فرساً، فإن كنت تحسن السباق كان عربياً، فإن عزمت على الحج ركبت جملاً، وإن شمخت همتك إلى الملك فالفيل مركب الملوك.
رأيت عليات الأمور منـوطة بمستودعات في بطون الأساود
ليس كل الخيل للسباق ولا كل الطيور تحمل الكتب، من الناس من تشغله في الدنيا سوداء، ومنهم من لا يلهيه في الجنة قصر، ولا يسليه عن حبيبه نهر، قوته في الدنيا الذكر وفي الآخرة النظر.
يقول أناس لو تناسى وصالهـا وواصل أخرى غيرها لسلاها
فلا نظرت عين تلذ بغـيرهـا ولا بقيت نفس تحب سواهـا
الفصل التاسع والثلاثون
أيها الغافل في إقامته عن نقلته، الجاهل وقد ملأ بما يملي بطن صحيفته، ألك زاد لسفرك على طول مسافته?
خف الله وانظر في صحيفتك التي حوت كلما قدمته من فعالـكـا
فقد خط فيها الكاتبان فأكـثـروا ولم يبق إلا أن يقولا فـذالـكـا
والله ما تدري إذا ما لـقـيتـهـا أتوضع في يمناك أو في شمالكا
فلا تحسبن المرء يبقى مخـلـداً فما الناس إلا هالك فابك هالكـا
يا من تحصى عليه اللفظة والنظرة، مزق بيد الجد أثواب الفترة، وتأهب فما تدري السير عشاء أو بكرة، واعتبر بالقرباء فالعبرة تبعث العبرة، وتزود لسفرة ما مثلها سفرة، واقنع باليسير فالحساب عسير على الذرة، وإياك والحرام وانظر من أين الكسرة? قبل أن تلقى ساعة حسرة وتلقى بعدها في ظلمة حفرة.
لا يغرنـك الـزمـان بـيسـر وسرور ولا يرعك بـعـسـره
إن مر الزمان يمحق عسر المرء في لحـظة ويذهـب بـسـره
وسواء إذا انقضى يوم كـسـرى في نعيم ويوم صاحب كـسـره
أترى في عين العبرة رمد? أما تبصر انسلاخ الأمد? يا دائم المعاصي ما غيره الأبد، تصلي ولو التعود لم تكد، القلب غايب إنما جاء الجسد، الفكر يجول في طلب الدنيا من بلد إلى بلد، يا معرضاً عن بحر برناء لا تقنع بالثمد، يا مقتول الهوى ولكن بلا قود. بين الهوى والمنى، ضاع الجلد، أما يجول ذكر الموت في الخلد? أرأيت أحداً من قبلك خلد? رب يوم معدود وليس في العدد، إنما الروح عارية في هذا الجسد، هذا بحر الغرور يقذف بالزبد، كم ركبه جاهل فغرق قبل البلد، هذا سهم المنون يفري حلق الزرد، أخواني دنا الصباح فقولوا لمن رقد: أين الوجوه الصباح? مرت على جدد، أين الظباء الملاح? اغتالها الأسد، هذا هو المصير. أما يرعوي أحد? قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني، فقال: اضطجع. ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجد فيه الآن وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.
أيها الطالب للدنيا وما يجد، كيف تجد الآخرة وما تطلب? ما مضى من الدنيا فحلم، وما بقي فأماني، سبعة يظلهم الله في ظله، منهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخشى الله.
اسمع يا من أجاب عجوزاً على مزبلة، ويحك إنها سوداء، ولكن قد غلبت عليك، عرضت على نبيينا صلى الله عليه وسلم بطحاء مكة ذهباً فأبى، يا محمد ممن تعلمت هذه القناعة? قال لسان حاله: من عجلة أبي، الحريص دائم السرى وما يحمد الصباح، من لا همة له سوى جمع الحطام معدود في الحشرات.
يا أطيار القلوب إلى كم في مزبلة الحبس? اكسري بالعزم قفص الحصر، واخرجي إلى فضاء صحراء القدس، روحي خماصاً من الهوى، تعودي بطاناً من الهدى، بين أبي الحركة وأم القصد ينتج ولد الظفر، لا ينال الجسيم بالهوينا، حمل النفس على حمل المشاق مدرجة إلى الشرف، واعجباً من توقف الكالى والدر ينثر، أشهود كغياب? أكانون في آب?، الحرب خصام قائم وأنت غلام نائم، ادخل بسلامتك لابس لامتك، ليس في سلاح المحارب أحدّ من نبلة عوم، أجرأ الليوث أجرها للصيود.
ليس عزماً ما مرض العزم فيه ليس هما ما عاق عنه الظلام
طر بجناح الجد من وكر الكسل، تابعاً آثار الأحباب تصل.
للشريف الرضي:
تلفّت حتى لم يبِـن مـن ديارهـم جناب ولا من نـارهـن وقـود
وإن التفات القلب من بعد طَرْفـه طَوال الليالي نحـوهـم لـيزيد
ولو قال لي الغادون: ما أنت مُشْتَهٍ غداةَ جزعنا الرمل قلت: أعـود
أأصبر والوَعساءُ بيني وبـينـهـم وأعلام خَبتٍ? إننـي لـجـلـيد
يا **** العزم أين أنت والطريق? سبيل نصب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار إبراهيم الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بدراهم، وذهبت من البكاء عين يعقوب، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح الحصور يحيى، وضنى بالبلاء أيوب، وزاد على المقدار موسى، وهام مع الوحوش عيسى، وعالج الفقر محمد صلى الله عليه وسلم.
فيا دارهم بالحزن أن مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال
أول قدم في الطريق بذل الروح، هذه الجادة فأين السالك? هذا قميص يوسف فأين يعقوب? هذا طور سينا فأين موسى? يا جنيد احضر، يا شبلي اسمع.
بدم المحب يباع وصلهم فمن الذي يبتاع بالسعر
??الفصل الأربعون
أخواني، اعتبروا بالذين قطنوا وخزنوا، كيف ظعنوا وحزنوا? وانظروا إلى آثارهم تعلموا أنهم قد غبنوا، لاحت لهم لذات الدنيا فاغتروا وفتنوا، فما انقشعت سحاب المنى حتى ماتوا ودفنوا.
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا وبنوا مساكنهم فما سكنـوا
فكأنهم كانوا بها ظـعـنـاً لما استراحوا ساعة ظعنوا
يا من قد امتطى بجهله مطا المطامع، لقد ملا الوعظ، في الصباح والمساء المسامع، أين الذين بلغوا آمالهم? فما لهم في المنى منازع.
ما زال الموت يدور على بدور الدور حتى طوى الطوالع، صار الجندل فراشهم بعد أن كان الحرير فيما مضى المضاجع، ولقوا والله البلا في تلك البلاقل، قال شداد بن أوس: لو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش ولا التذوا بنوم.
وقال وهب ابن منبه: لو أن لأم عرق من عروق الميت قسم على أهل الأرض لوسعهم ألماً.
وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء كل ليلة فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون، حتى كأن بين أيديهم جنازة.
وقال يحيى بن معاذ: لو ضربت السماء والأرض بالسياط التي ضرب بها ابن آدم لانقادت خاشعة للموت والحساب والنار.
يا هذا الشيب أذان والموت إقامة ولست على طهارة، العمر صلاة والشيب تسليم، يا من قد خيم حب الهوى في صحراء قلبه أقلع الأطناب فقد ضرب بوق الرحيل، أما تسمع صوت السوط في ظهور الإبل? أما ترى عجلة السلب وقصر العمر? شارف الركب بلد الإقامة فاستحث المطى، يا مشاهدة ما تمت بغيتها حتى وقع النهب فيها، استلب منك لك قبل أن تستلب الجملة، الأيام تسرع في تبذير مجموع صورتك وأنت تسرع في تبذير معانيك.
يا شباب الجهل، يا كهول التفريط، يا شيوخ الغفلة، اجلسوا معنا ساعة في مأتم الأسف يا سحائب الأجفان، امطري على رباع الذنوب، يا ضيف الندم على الإسراف أسكن شغف القلوب، يا أيام الشيب إنما أنت بين داع ووادع، فهل لماض من الزمان ارتجاع.
قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى وقل لنجد عندنـا أن تـودعـا
فليس عشيات الحمى برواجـع عليك ولكن خل ع**** تدمعـا
تلفت نحو الحمى حتى وجدتنـي وجعت من الإصغاء ليتا واخدعا
واذكر أيام الحمى ثم انـثـنـي على كبدي من خشية أن تصدعا
أخواني، سكران الهوى بعيد الإفاقة، فلو تذكر إقامة الحد طار السكر، من تحسى مرق الهوان احترقت شفتاه، من أكل من الظلم تمرة أداها قوصرة. ويحك، اغسل العثرة بعبرة، وادفع الحوبة بتوبة ما دام في الوقت مهلة وفي زمن السلامة فسحة، قبل أن تموت وتفوت وتعلو بعد الخيل على تابوت، قبل أن ترى السمع والبصر قد كلا، وتقول "رب ارجعون" فيقال كلا، قبل أن يصير دمع الأسى من جفن من أسى، ويقال هلا كان هذا قبل هذا، هلا.
أتترك من تحب وأنـت جـار وتطلبه إذا بعـد الـمـزار
وتبكي من بعد نأيهم اشتـياقـاً وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهم حضـور وترجو أن تخبـرك الـديار
فنفسك لم ولا تلم الـمـطـايا ومت كمداً فليس لك اعتـذار
يا من أجله يذوب ذوبان الثلج في الحر، أينقشع غيم العمر? لا عن هلال الهدى، أتؤثر الفاني المرذول على النفيس الباقي?
ارضيا بثـنـيات الـلـوى عن زرود يا لها صفقة غبن
ما يخفى علامات الإدبار عليك، يفتش دارك فلا يرى سواك للطهارة، بلى ملاعق الأكل، ليس في البيت مصحف بل تقويم، أينفع وجود التقويم? يا مهتماً بالنظر في الطالع طالع ما قد خبي لك كأنك بالموت قد طلع، وما طالع فكرك عاقبة، اسمع حسابي حقاً وما أرجم، ودع لكلماتي هذي قول الهاذي المنجم، إن ضم الندم على التفريط إلى العزيمة على الإنابة فساعة سعد، وإن اجتمع في القلب حب الدنيا على إيثار الكسل فقران نحس.

??الفصل الحادي والأربعون
ما هذا الحب للدنيا والصبابة? وإنما يكفي منها صبابة، فقل للنفس الحريصة، لقد بعت الأخرى رخيصة.
يا نفس ما الدهر إلا ما علمت فكم ألست حدثتني أني أتـوب فـلـم
إياك إياك من سوف فكم خدعـت وأهلكت أمماً من قبلهـا وأمـم
توبي يكن لك عند الله جاه تـقـى وقدمي من فعال الصالحين قـدم
يا راقد للبلى حث المشـيب بـه ألا فكن خائفاً لا تقـعـدن وقـم
يا من قد أخذ الهوى بأزمته، وأمسك الردى بلمته، يا رهين ديون تعلقت في ذمته، هذا أوان جدك إن كنت مجداً، هذا زمان استعدادك إن كنت مستعداً.
للشريف الرضي:
يا نفس قد عز المرادُ فخـذي إن كنت يوماً تأخذين أو ذَري
نُهزَةُ مجدٍ كنتُ في طِلابهـا لمثلها يَنصُفُ ساقي مئزري
عمر الفتى شبابُـه وإنـمـا آونةُ الشيبِ انقضاءُ العُمُـر
رض مهر النفس يتأت ركوبه، أمت زئبق الطبع يمكن استعماله، تلمح فجر الأجر يهن ظلام التكليف، احذر حية الفم فإنها بتراء، إذا خرجت من شفة غدرك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها، ونسل الخصام مذموم، أوثق سبع غضبك بسلسلة حلمك، فإنه إن أفلت أتلف، متى قمت بحدة الغضب انطفى مصباح الحلم، بحر الهوى إذا مد أغرق، وأخوف المنافذ من الغرق فتحة البصر فلا يشتغل زمان الزيادة إلا بإحكام القورح.
والمرء ما دام ذا عـين يقـلـبـهـا في أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضـر مـهـجـتـه لا مرحباً بسرور عاد بـالـضـرر
لو حضرت مع الأحباب الباب، لسامح الناقد ببهرجك، رحلت رفقة "تتجافى" ومطرود النوم في حبس الرقاد، فما فك عنه السجان قيد الكرى حتى استقر بالقوم المنزل، فقام يتلمح الآثار بباب الكوفة والأحباب قد وصلوا إلى الكعبة.
لصردر:
من يطّلع شرفاً فيعـلـمَ لـي هل روح الرُعيان بـالإبـلِ?
أم قعقعت عَـمَـدُ الـخـيام أم ارتفعت قبابهم على البُـزْلِ?
أم غرَّد الـحـادي بـقـافـيةٍ منها غراب البين يستلـمـي?
فَضَلَت دموعي عن مدى حَزَني فبكيتُ مَن قتل الهوى قبـلـي
ما مر ذو شـجـن يكـتِّـمـه إلا أقول: مـتـيَّم مـثـلـي
من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه، الزهاد عين العارفين، الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج، وليس ما أعد للإستفراخ كما هي للسباق، من حدق بعين الفكر إلى مطلع الهدى لاح له الهلال، كم أداوي بصر بصيرتك وما يتجلى، ما أظن الضعف إلا في الوضع، ضعف عين الخفاش في أصل الفطرة ليس برمد، وحدة ناظر الهدهد خلقة، مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة، قبل الشرايع "يكاد زيتها يضيء" وحدّ قس وما رأى الرسول، وكفر ابن أبي وقد صلى معه، مع الضب ري يكفيه، ولا ماء، وكم من عطشان في الموجة، إذا سبق الأنعام في القدم فذلك غنى الأبد، لما تقدم اختيار الطين المنهبط صعد على النار المرتفعة، وكانت الغلبة لآدم في حرب إبليس، فاكتفت نار جهنم بما جرى فسلمت يوم "جزيا مؤمن" سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق تابوته إلى بيتها، فجاء طفل منفرد عن أم، إلى امرأة خالية عن ولد، قرينان مرتعنا واحد.
دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت يهودي يعوده فقال له أسلم، فنظر المريض إلى أبيه فقال له: أجب أبا القاسم، فأسلم، فكان ذلك قريباً من نسب "سلمان منا" فصاحت ألسنة المخالفين: ما لمحمد ولنا? والقدر يقول: مريضنا عندكم "كيف انصرافي ولي في داركم شغل".
لما عم نور النبوة آفاق الهدى رآه سلمان دون العم، قويت ظلمات الشرك بمكة فتخبطت قريش في الضلال، فلاح مصباح الفلاح من سجف دار الخيزران، فإذا عمر على الباب ولقد أنارت لإبليس شمس البيان يوم "أنبِئهم بأسمائهم" غير أن النهار ليل عند الأعشى، رجع الخفاش إلى عشه، فقال: أوقدوا المصباح فقد جن الليل، فقالوا: الآن طلعت الشمس، فقال: ارحموا من طلوع الشمس عنده ليل، فسبحان من أعطى ومنع ولا يقال لم صنع? سلم التوفيق قريب المراقي، وبئر الخذلان بلا قعر، ربما أدرك الوقفة أهل مصر وفاتت أهل نخلة، لا بد والله من نفوذ القضاء فاجنح للسلم.
كم بالمخصب من عليل هوى طريح لا يعلـل
وقتيل بين بين خـيف مني وجمع ليس يعقل
كيف تتقي نبال القدر والقلب بين إصبعين.
لا تغضبن على قوم تحـبـهـم فليس ينجيك من أحبابك الغضب
ولا تخاصمهم يوماً إذا حكـمـوا إن القضاة إذا ما خوصموا غلبوا
كان إبليس كالبلدة العامرة فوقعت فيها صاعقة الطرد فهلك أهلها " فتلكَ بيوتُهُمْ خاوِيَةٌ "
من لم يكن للوصال أهلاً فكل إحسانـه ذنـوب
أخذ كساء ترهبه فجعل جلاً لكلب أصحاب الكهف، فأخذ المسكين في عداوة آدم فكم بالغ واجتهد? وأبى الله أن يقع في البئر إلا من حفر، ويحك ما ذنب آدم? أنت الجاني على نفسك، ولكنه غيظ الأسير على القد.
لقي إبليس عمر بن الخطاب فصارعه فصرعه عمر، فقال بلسان الحال: أنا مقتولٌ بلسان الخذلان قبل لقائك فإياك عني لا يكن بك ما بيا، يا عمر أنت الذي كنت في زمان الخطاب لا تعرف الباب وأنا الذي كنت في سدة السيادة وأتباعي الملائكة موصل منشور " لا يسئل " فعزلني وولاك فكن على حذر من تحول الحال.
فإن الحسام الصقيل الذي قتلت به في يد القاتـل
لما تمكنت معرفة عمر بتقليب القلوب لعب القلق بقلبه، خوفاً من قلبه، فبادر بطريق باب البريد بالعزل والولاية، يا حذيفة المحبة العظمى، ارتباط أمرك بمن لا يبالي بهلاكك، فكم قد أهلك قبلك مثلك، كم مشارف بسفينة عمله? على شاطئ النجاة، ضربها خرق الخذلان فغرقت وما بقي للسلامة إلا باع أو ذراع، أي تصرف بقي لك في قلبك? وهو بين إصبعين.
يا قلب إلام تطالـبـنـي بلقا الأحباب وقد رحلـوا
أرسلتك في طلبي لـهـم لتعود فضعت وما حصلوا
سلم واصبر واخضع لهـم كم مثلك قبلك قد قتـلـوا
ما أحسن ما أعقلـت بـه أما لك منهم لو فعـلـوا
الفصل الثاني والأربعون
يا من قد أسره الهوى فما يستطيع فكاكاً، أفق قبل الومى، وها هو قد أدركك إدراكاً قبل أن لا ينفع البكاء الباكي ولا التباكي من تباكى.
لأبي العتاهية:
بَليتَ وما تَبْلَى ثـيابُ صِـبـاكـا كفاكَ نذير الشيبِ فيك كـفـاكـا
ألم ترَ أنَّ الشيبَ قد قـامَ نـاعـياً مقامَ الشباب الغَضِّ ثم نـعـاكـا
ولم تـر يومـاً مـر إلا كـأنـه بإهلاكه للهالـكـين عـنـاكـا
ألا أيها الفاني وقد حـان حـينـه أتطمع أن تبقى فلست هـنـاكـا
تسمَّع ودعْ من أفسد الغي سمعـه كأني بداعٍ قد أتـى فـدعـاكـا
ورب أمان للفتى نـصـبـت لـه المنية فيما بـينـهـن شـراكـا
أراك وما تنفك تهـدي جـنـازة ويوشك أن تهدي هديت كـذاكـا
ستمضي ويبقى ما تراه كما تـرى وينساك من خلفـتـه هـو ذاكـا
ألا ليت شعري كيف أنت إذا القُوى وهبْ وإذا الكرب الشديد علاكـا
تموت كما مات الذين نسـيتـهـم وتُنسى ويهوى الحي بعد هواكـا
كأن خطوب الدهر لم تجر سـاعة عليك إذا الخطب الجليل أتـاكـا
ترى الأرض كم فيها رهون دفينة غلقن فلم يقبل لهـن فـكـاكـا
كم سكن قلبك في هذه الدار، فحام الموت حوم حماهم ودار، ثم ناهضهم سريعاً وثار، كأنه ولي يطلب الثأر، وقد خوفك بأخذ الصديق وسلب الجار، ومن أنذر قبل هجومه فما جار. يا هذا، العمر عمر قليل وقد مضى أكثره بالتعليل، وأنت تعرض البقية للتأويل، وقد آن أوان الآن أن يرحل التنزيل، ما أرخص ما يباع عمرك وما أغفلك عن الشرا، والله ما بيع أخوة يوسف يوسف بثمن بخس، يا عجب من بيعك نفسك بمعصية ساعة، متى ينتهي الفساد? متى يرعوي الفؤاد?.
يا مسافراً بلا زاد، لا راحلة ولا جواد، يا زارعاً قد آن الحصاد، يا طائراً بالموت يصاد، يا بهرج البضاعة أين الجياد? يا مصاب الذنوب أين الحداد? لو عرفت المصاب فرشت الرماد، لو رأيت سواد السر لبست السواد، جسمك في واد وأنت في واد، نثر الدر لديك وما تنتقي، وقربت المراقي إليك وما ترتقي، لقد ضيعت ما مضى وشرعت في ما بقي، يا واقفاً في الماء الغمر وما ينقى.
إن قلت قم قال رجلي ما تطاوعني أو قلت خذ قال كفى ما تواتينـي
واعجباً لنفاسة نفس رفعت بسجود الملك لها، كيف نزلت بالخساسة حتى زاحمت كلاب الشره، على مزابل الذل، هيهات لن تفلح الأسد إذا أنفقت عليها الميتات الفسد.
يا هذا، جسدك كالناقة يحمل راكب القلب، فلا تجعل القلب مستخدماً في علف الراحلة، تالله إن جوهر معناك يتظلم من سوء فعلك، لأنك قد ألقيته في مزابل الذل، ماء حياتك في ساقية عمرك قد اغدودق، فهو يسيل ضايعاً إلى مهاوي الهوى، وينسرب في أسراب البطالة، فقد امتلأت به خربات الجهل ومزابل التفريط، وشربته أدغال الغفلات، ويحك، أردده إلى مزارع التقوى لعله يحدق نور حديقة، إلى متى يمتد ليل الغفلة? متى تأتي تباشير الصباح?
هل الدهر يوماً بوصل يجود وأيامُنا باللوى هل تـعـودُ
زمان تقضي وعيش مضى بنفسي والله تلك العـهـود
ألا قل لكان وادي الحبـيب هنيئاً لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاشى وأنتم ورود
لما سبق الاختيار لأقوام في القدم، جذبوا بعد الزلق في هوة الهوى إلى نجاة النجاة، يا عمر، كيف كانت حالك? قال: كنت مشغولاً بهبل فسمعت هتاف "ففِرُّوا إلى الله" فعرجت على المنادي، فإذا أنا في دار الخيزران يا فضيل، من أنت? قال: أخذت من قطع الطريق، فأخذت في قطع الطريق، يا عتبة الغلام، من أنت? قال: كنت عبد الهوى فحضرت مجلس عبد الواحد، فصرت عبداً للواحد يا سبتي من أنت? قال كنت ابن الرشيد فعرض لي رأي رشيد فإذا عزمي قد أخذ المر ومر، يا ابن أدهم، من أنت? قال أخذني حبه من منظرتي فصيرني ناطور البساتين. يا رابعة، من أنت? قالت: كنت أضرب بالعود فما سمع غيري.
بالله يا ريح الصـبـا مري على تلك الربا
وبـلـغـي رسـالة يفضها أهل قـبـل
واحربـا وهـل يرد فاتـيا واحـربــا
يا طفلاً في حجر العادة محصوراً بقماط الهوى، مالك ومزاحمة الرجال? تمسكت بالدنيا تمسك المرضع بالظئر، والقوم ما أعاروها الطرف، ما لك والمحبة وأنت أسير حبة? كم بينك وبينهم? وهل تدري أين هم?.
سلام على تلك المـعـاهـد إنـهـا شريعة وردي أو مهب شـمـالـي
ليالي لم نـحـذر حـزون قـطـيعة ولم نمش إلا في سـهـول وصـال
فقد صرت أرضى من سواكن أرضها بخلـب بـرق أو بـطـيف خـيال
سار القوم ورجعت، ووصلوا وانقطعت، وذهبوا وبقيت، فإن لم تلحقهم شقيت.
لبس البياض بذات عرق معشـر ولبست من حزن ثـياب حـداد
وصلوا إلى عرفات يبغون الرضا وبقيت منكسراً ببطـن الـوادي
رفعوا أكفهم وضجوا بـالـدعـا وضممت من كمد يدي بفـؤادي
يا من كلما استقام عثر، يا من كلما تقرب أبعد، استسلم مع الحرية واستروح إلى دوام البكاء وصح بصوت القلق على باب دار الأسف.
ليس لـي فـيك حـيلة غير صبري على القضا
وبكائي على الـوصـال الذي كان وانقـضـى
ليتـنـي تـبـت تـوبة وقضى الله ما قضـى
الفصل الثالث والأربعون
يا هذا، من اجتهد وجدَّ وجد، وليس من سهر كمن رقد والفضائل تحتاج إلى وثبة أسد.
للمهيار:
خاطرْ فإما عيشةٌ حـرةٌ يُرغدُها العزُّ وإما الحِمامْ

زاحمْ على باب العلى واجتـهـد لا بد أن تدخل بـين الـزِّحـامْ
رام بها اللـيل فـمـا يُسـفـر المصباح إلا عن نقابِ الظـلامْ
مَوارقاً عن عُقْل أشـطـانـهـا مروقَ فوق السهم عن قوسٍ رامْ
ميِّزْ من الناس على ظـهـرهـا نفسك لا ميزة تحـت الـرخـامْ
من طلب الغايةَ خطـواً عـلـى ظهر الهوينا رامَ صعبَ المـرامْ
لقد رضيت الغبن والغبن، وبعت عمرك بأقل ثمن، وأنفقت فيما يرد بك الزمن، وفترت في الصحة ولا فتور الزمن، يا مغروراً بخضراء الدمن، يا جامعاً مانعاً قل لي لمن? كيف ينال الفضائل مستريح البدن، سلع المعالي غاليات الثمن، وإن ساومتها فبزهد أويس وفقه الحسن.
يا هذا أوقد مصباح الفكر في بيت العلم، تلح لك الأعلام، من سد ثغور الهوى بجند الجد ملأ عين راحته من نوم الطمأنينة، من دق صراط ورعه عن الشبهات عرض الصراط له يوم الجواز، لله در أقوام تأملوا الوجوب ففهموا المقصود، فالناس في رقادهم وهم في جمع زادهم، والخلائق في غرورهم، وعيونهم إلى قبورهم.
قال الإمام أحمد لقد رأيت أقواماً صالحين، رأيت عبد الله بن إدريس وعليه جبة من لبود قد أتت عليها سنون، رأيت أبا داود الحفري وعليه جبة محرقة قد خرج منها القطن وهو يصلي فيترجح من الجوع، ورأيت أبواب النجار، وقد خرج من كل ما يملكه.
وكان في المسجد شاب مصفر يقال له العوفي، يقوم من أول الليل إلى الصباح يبكي.
إذا ما الخيام البيض لاحت لدى منـى فعرج فأنـا بـعـدهـا بـقـلـيل
ترانا لدى الأطناب صرعى من الهوى نكفكف دمعـاً لافـتـقـاد خـلـيل
وكم أنـه أردفـتـهـا بـتـنـفـس وكم عبرة أتبـعـتـهـا بـعـويل
قفوا وانظروا ذلي وعز مـعـذبـي تروا عجباً مـن قـاتـل وقـتـيل
عملت في قلوبهم معاول الحزن معاً، فانبعثت من كل ركية، ركية ماء أسي، فجرى من طرف طرفين ماء فجرى وسخاً فغسل وسخاً.
قد كنت أطوي على الوجد الضلوع ولا أبدي الهوى وأسوم القلب كتـمـانـا
فخانني الصبـر إذ نـاديتـه ووفـت لي الشؤون فعاد الـسـر إعـلانـا
أكتم الوجد والـعـينـان تـظـهـره للحب أعظم ممـا رمـتـه شـانـا
قال أبو عمران الجوبي: أرتني أمي موضعاً من الدار قد انحفر، فقالت: هذا موضع دموع أبيك.
وكان حسان بن أبي سنان: يحضر مجلس مالك بن دينار، فيبكي حتى يبل ما بين يديه ولا سمع له صوت. للمتنبي:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طللِ دعا فلبَّاه قبل الـركـب والإبـلِ
ظللت بين أصيحابي أكـفـكـفـه فظل يسفح بين العُذر والـعَـذلِ
وما صبابة مـشـتـاق لـه أمـل من اللقاء كمشـتـاق بـلا أمـل
دموع المحبين، غدران في صحاري الشوق، من عادة القوم ألف البراري والجلوس إلى الشجر فإن سمعوا هتاف الحمام استغنوا عن نايح.
شوقي إليك مجاوز وصفـي وظهور وجدي دون ما أخفي
ما دار ذكر منك في خلـدي إلا طرفت بمدمعي طرفـي
إذا تمكنت المحبة استحال السلو، تعلقت يد المحبة بتلابيب القلب فلا يمكنه التخلص، فيدور معها في دار المداراة.
ليكفكم ما فيكم من جوى نلقـى فمهلاً بنا مهلاً ورفقاً بنا رفقـا
وحرمة وجدي لا سلوت هواكم ولا رمت منه لا فكاكاً ولا عتقا
وهل للمحب قلب، هيهات مزقته المحبة، براثن أسود في شلو ضعيف، على شدة جذب مع وام التقليب.
إن ترحلت أو أقمت فعنـدي فيض دمع يجري ووجد مقيم
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنـى وغرامي ذاك الغرام القـديم
انكشف اليوم الستر، افتضح العاصي والعارف.
لتوبة:
خليلي قد عم الأسى وتقاسمـت فنون البلى عشاق ليلى ودورها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
وقع الحريق في زوايا المجلس رشوا عليه من مزاد الدمع، يا كثيف الطبع بيض الحمام يفرق من صوت الرعد ولا حس له، أفميت أنت وهذه الصواعق حولك?
لو ترى العاشقين في مأتم الذل وقد شققت جيوب الوصـال
لعذرت الذي بلـى بـقـراق ورحمت المحب في كل حال
هبت اليوم نسمة من أرض كنعان إلى مصر، غنت حمامات اللوى في أرض نجد، تنفس المشتاق فانقشع غيم الهجر، سعى سمسار المواعظ في الصلح.
للغزي:
هبت لنا وبرود اللـيل أسـمـال ريح لها من جيوب الوصل أذيال
مرت بسفح اللوى والشح متشـحٍ بلؤلؤ الطل والجرباء معـطـال
مريضة في حواشي مرطها بللٌ يهدي لكل مريض منـه أبـلال
دع جمرة لسويدا القلب محـرقة يا لائمي ثم قل لي كيف احتـال
حدثت عن منحني الوادي وساكنه كرر حديثك لا حالت بك الحال
وامزج بماء المنى قلت: من خبر فإن أخبار ذاك الـحـي جـريال
الفصل الرابع والأربعون
أخواني، شحم المنى هزال، وشراب الآمال سراب وآل، ولذات الدنيا منام وخيال، وحربها قتل بلا قتال.
والمرء يبليه في الدنيا ويخـلـقـه حرص طويل وعمر فيه تقصـير
يطوق النحـر بـالآمـال كـاذبة ولهذم الموت دون الطوق مطرور
جذلان يبسم في أشراك مـيتـتـه إن أفلت الناب أردته الأظـافـير
تيقظ لنفسك واذكر زوالك، ودع الأمل ولو طوى الدنيا وزوى لك، فكأنك بالموت قد حيرك وأبدى كلالك، ونسيك الحبيب، لأنه أرادك له لا لك، وخلوت تبكي خلالك في زمان خلا لك، وشاهدت أمراً أفظعك وهالك، تود أن تفتديه بالدنيا لو أنها لك، فتنبه من رقاد الهوى لما هو أولى لك، واحذر أن أعمالك أعمى لك، وأفعالك كالأفعى لك.
لو كان باعث من نفسك، ما احتجت إلى محرك من خارج، هذا الديك يصيح في أوقات معلومة من الليل لا تختلف، يؤدي وظائفها بباعث الطبع وإن لم يكن في القرية ديك غيره، وأنت تؤخر وظائف صلواتك، وتنقص من واجبات عباداتك، فإن بكيت في المجلس فلبكاء الجماعة، فإذا خلوت خلوت من محرك، هيهات من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ، إذا لم يكن للدجاجة همة الحضن لم تنفع تغطيتها بمنخل الحاضن، تصابر الشقاء لما تأمل من العواقب والرعناء تكسر البيض قصداً.
الخصائص أوضاع والسوابق خواص، "هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي" المغناطيس يجذب الحديد بخاصية فيه، الظليم يبتلع الحصى والحجارة فيذيبها حرُّ قانصته حتى يجعلها كالماء الجاري، ولو طبخ ذلك بالنار لم ينخل، ذنب الجرادة يشق الصخرة وليس بالقوي، إبرة العقرب تنفذ في الطشت، خرطوم البعوضة يغوص في جلد الجاموس، من تعلق عليه برادة الحديد لم يغط في نومه، إذا ترك الرصاص أو الزيبق في تنور سقط الخبز كله، فإن ترك الرصاص في قدر لم ينضج اللحم، إذا كان الزعفران في دار لم تدخلها وزغه، إذا دفن الحديد في الدقيق زال عنه الصدأ، إذا ترك سراج على شيء في نهر سكنت ضفادعه، إذا دفنت ذئبة في قرية لم تدخلها الذئاب، إذا نظر صاحب الثآليل إلى كوكب ينقض فمسح بيده حينئذٍ على ثآليله ذهبت، إذا عسرت الولادة فصاحت بالمرأة بكر يا فلانة أنا جارية عذراء وقد ولدت وأنت لم تلدي ولدت في الحال للنملة، فضل حسن في الشم تدرك الأراييح البعيدة، لما شق ختام نافجة النبوة ملأت ريحها الأرض، فاستنشقها أهل العافية، فوصل إلى خياشم سلمان في فارس وصهيب في الروم وبلال في الحبشة، وكان ابن أُبي مزكوماً فما نفعه قرب الدار، كم من نفر دخلت مجلسي وهي حامل جنين الإصرار، فلما استنشقت ريح المواعظ أسقطت.
أيها التائب من حر?كك? وقد كان تحريك الجبل دون إزعاجك "صُنْعَ الله الذي أتقن كلَّ شيء" أتدرون هذا التائب لم انزعج? أما تجدون في نفسه حرَّ وهج.
صبا لنسيم الصبا إذ نـفـح وارقه لمع بـرق لـمـح
واذكره عيشه بالـحـمـى وعهداً تقادم سرب سـنـح
فحن إلى السفح سفح العقيق فسح له دمعه وانسـفـح
وكان كتوماً لسر الـهـوى ولكن جرى دمعه فافتضح
فدعه ينادي طلول الحمـى ويسأل رامه عمـن نـزح
يا غائباً عنا، وهو حاضر أما لك ناظر ناظر? أما دموع الوجد قد ملأت الحناجر? أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر، أقل أحوال الزمن أن يبكي إذا رأى المشاة، انظر إلى التائبين وحرقهم، والتفت إلى العارفين وقلقهم.
اسمع أنين العاشـقـين إن استطعت له سماعا
راح الحبيب فشيعتـه مدامع تجري سراعـا
لو كلف الجبل الأصـم فراق ألف ما استطاعا
كلما بكى الخائفون أزعجوني، وكلما استغاث الواجدون ألهفوني
وإني لمجلوب لي الشوق كـلـمـا تنفـس بـاك أو تـألـم ذو وجـد
تعرض رسل الشوق والركب هاجد فيوقظني من بين نوامهم وحـدي
يا صبيان التوبة، ارفقوا بمطايا أبدانكم فقد ألفت الترف "ولا تُضارُّوهنَّ لتضيِّقوا عليهنَّ"
هب لهـا مـن الـنـسـيم رائد فعادهـا مـن الـغـرام عـائد
نوق نفى عنها الحمى طيب الكرى فهي كما شاء السرى سـواهـد
أنحلها تـحـت الـدؤب أينـهـا فمـارت الأنـسـاع والـقـلائد
فلا تخالفها إذا مـا الـتـفـتـت شوقاً إلى بان الحـمـى يا قـائد
وقل لها لعـا إذا مـا عـثـرت فهي لحمل وجـدهـا تـكـابـد
مذ حكم البين علـيهـا لـم تـزل تبكي عليها الـبـيد والـفـدافـد
يا صبيان التوبة، للنفس حظ وعليها حق "فلا تميلوا كلَّ المَيْل" خذوا مالها، واستوفوا ما عليها "وزِنوا بالقسطاس المستقيم" فإن رأيتم من النفوس فتوراً فاضربوهن بسوط الهجر "فإنْ أطعْنَكُم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلا" على أني أوصي صبيان التوبة بالرفق، وبعيد أن يقر خائف أو يسمع العذل محب
ليت شعري هل أرى في طريقي سعة تفسح كرب الـمـضـيق
قد رماني الحب ف لج بـحـر فخذوا يا قوم كـف الـغـريق
حل عندي حبكم في شـغـافـي حل مني كـل عـقـد وثـيق
عفت دنياي اشـتـياقـاً إلـيكـم وتساوى خامهـا والـدبـيقـى
ورفضت الكل شغلاً بـوجـدي فانجلى لي كل معـنـى دقـيق
يا صديقي عندي الـيوم شـغـل فاله عني واشتغل يا صـديقـي
بيدان تذكر لي حـب قـلـبـي فأعـد ذكـرهـم يا رفـيقـي
غصني الشوق إليهـم بـريقـي واحريقي في الهوى واحريقـي
الفصل الخامس والأربعون
أخواني، البدار البدار، فما دار الدنيا بدار، إنما هي جلية لجريان الأعمار، وكم تبقى الفريسة بين النيوب الأظفار.
ما دار دنيا لـلـمـقـيم بـدار وبها النفوس فـريسة الأقـدار
ما بين ليل عـاكـف ونـهـاره نفسان مرتشفان لـلأعـمـار
طول الحياة إذا مضى كقصيرها واليسر للإنسان كـالإعـسـار
والعيش يعقب بالمرارة حـلـوه والصفو فيه مخلـف الأكـدار
وكأنما تقضي بـنـيات الـردى لفنائنا وطـراً مـن الأوطـار
ويروقنا زهر الأماني نـضـرة هدم الأماني عادة الـمـقـدار
والمرء كالطيف المطيف وعمره كالنوم بين الفجر والأسـحـار
خطب تضاءلت الخطوب لهوله أخطاره تعلو على الأخـطـار
تلقى الصوارم والرماح لهولـه ونلوذ من حرب إلى استشعـار
إن الذين بنوا مشيداً وانـثـنـوا يسعون سعي الفاتك الجـبـار
سلبوا النضارة والنعيم فأصبحـوا متوسـدين وسـائد الأحـجـار
تركوا ديارهم علـى أعـدائهـم وتوسدوا مـدراً بـغـير دثـار
خلط الحمام قويهم بضعيفـهـم وغنيهم ساوى بـذي الإقـتـار
والدهر يعجلنا علـى آثـارهـم لا بد من صبح المجد السـاري
وتعاقب الملوين فـينـا نـاثـر بالكر ما نظما من الأعـمـار
تالله ما صح من يطلبه مرضه، ولا سر من سير وصل حل غرضه ولا استقام غصن يلويه كاسره، ولا طاب عيش الموت آخره، إن الطمع لعذاب، وحديث الأمل كذاب، وفي طريق الهوى عقاب، وآخر المعاصي عقاب، فلا يخدعنك ضياء ضباب، ولا يطمعنك شراب سراب، فمجيء الدنيا على الحقيقة ذهاب، وعمارة الفاني إن فهمت خراب، وفرح الغرور ثبور واكتئاب، ودنو الشيب ينسخ ضياء الشباب وكلما نادى الأمل "فأبلغه مأمنه" صاح الأجل "فضرب الرقاب".
يا تايهاً في ظلمة ظلمه.
يا موغلاً ف مفازة تيهه، يا باحثاً عن مدية حتفه، يا حافراً زبية هلكه، يا معمقاً مهواة مصرعه، بئس ما اخترت، لأحب الأنفس إليك، ويحك، تطلب الجادة ولست على الطريق، كم فغر الزمان بوعظه فماً، فما سمعت "لينذر من كان حياً" كيف تطيب الدنيا? لمن لا يأمن الموت ساعة، ولا يتم له سرور يوم إذا كان عمرك في إدبار، والموت في إقبال: فما أسرع الملتقى، لقد نصبت لك أشراك الهلاك، والأنفاس أدق الحبائل، يا ماشياً في ظلمة ليل الهوى لو استضئت بمصباح الفكر فما تأمن من بئر بوار، الشهوات مبثوثة في طريق المتقين، وما يسلم من شرها شره الأولياء في حرم التقوى "ويُتخطَّف الناسُ من حولهم" الدنيا مثل منام والعيش فيها كالأحلام، قيل لنوح عليه السلام يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا? قال: كدار ذات بابين، دخلت من باب وخرجت من باب.
فلما تفرقنا كأني ومـالـكـا لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
يا ثقيل النوم، أما تنبهك المزعجات? الجنة فوقك تزخرف، والنار تحتك توقد، والقبر إلى جانبك يحفر وربما يكون الكفن قد غزل، أيقظان أنت اليوم أم حالم، يا حاضراً يرى التائبين، وهو في عداد الغائبين.
واقف في الماء عطشان ولكن لـيس يسـقـي
عاتب نفسك على هواها فقد وهاها، قل لها ادرجي درج المدرج وقد لاحت مني، لا يوقفنك في الطريق طاقة من أم غيلان، فالخبط في المنزل مهيؤ لك، تلمح عواقب الهوى يهن عليك الترك، تفكر في حال يوسف لو كان زل من كان يكون? هل كانت إلا لذة لحظة وحسرة الأبد، عبرت والله أجمال الصبر سليمة من مكس وبقيت مديحة "إنه من عبادنا المخلصين".
يا هذا، احسب صبر يومك ساعة نومك تحظ في غداة برغدك، البدار إلى الشهوات والندامة فرسا رهان، والتواني عن التوبة والخيبة رضيعا لبان، واعجباً غرتك حبة فخ فحصلت وما حوصلت، اليوم واطرباً للكأس، وغداً واحرباً للإفلاس، آه من حلاوة لقم أورثت مرارة نقم، تأمل العاقبة لا يحصل إلا لنا قد يصير، من تلمح إذا تلا "وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ" وعرف قدر مدح "فأتمهنّ" علم أنه لم يبق في فيه شيئاً من مرارة البلى مرارة "وإذا ابتلى" ضجت الملائكة حين هموا بإلقائه في النار، فقالوا ائذن لنا حتى نطفي عنه، فقال تعالى: إن استغاث بكم فأغيثوه وإلا فدعوه. فلما ألقي عرض له جبريل، وهو يهوي في الهواء فأراد أن ينظر هل للهوى فيه أثر? فقال: ألك حاجة? قال: أما إليك فلا، فأقبل بمنشور "وإبراهيم الذي وفَّى".
قالت لطيف خيال زارها ومضى بالله صفه ولا تنقـص ولا تـزد
فنال خلفته لو مات من ظـمـاء وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب عادته يا برد ذلك الذي قالت على كبدي

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 06-13-2009, 05:01 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

الفصل السادس والأربعون
يا مجتنباً من الهدى طريقاً واضحاً، افتح عين الفكر تر العلم لائحاً، احذر بئر الغفلة فكم غال سائحاً، وتوق بحر الجهل فكم أغرق سابحاً.
يا غادياً في غـفـلة ورائحـا إلى متى تستحسن القبـائحـا
وكم إلى كم لا تخاف موقفـا يستنطق اللهُ به الجـوارحـا
يا عجباً منك وأنت مبـصـر كيف تجنبت الطريقَ الواضحا
كيف تكون حين تقرأ في غـد صحيفة قد حوت الفضائحـا
وكيف ترضى أن تكون خاسراً يوم يفوز من يكون رابـحـا
يا معدوماً في الأمس، فانياً في الغد، عاجزاً في الحال، من أنت حتى تغتر بسلامتك? وتنسى حتفك? وأملك بين يديك وأجلك خلفك، وكتابك قد حوى تفريطك، كم نُهيت عن أمر? فما كفك النهي أن تبسط كفك، يا من قد طال زلله وتعثيره، تفكر في عمر قد مضى كثيره، يا قلباً مشتتاً قل نظيره، كم هذا الهوى? ولكم هوى أسيره? أيها القاعد عن أعالي المعالي، سبق الأبطال والبطال ما يبالي، ستعرف خبرك يوم عتابي وسؤالي، وستقول عند الحساب مالي ومالي، أعمالك إذا تصفحت لهواك لآلي، لو أثر فيك وعظي ومقالي لكنت لحر الحسرات على حر المقالي.
إلى أي حـين أنـت فـي زي مـحـرم وحتى متـى فـي شـقـوة وإلـى كـم
فالا تمت تحـت الـسـيوف مـكـرمـا تمت وتقـاسـي الـذل غـير مـكـرم
فثـب واثـقـاً بـالـلـه وثـبة مـاجـد يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم
ويحك، إنما يكون الجهاد بين الأمثال، ولذلك منع من قتل النساء والصبيان، فأي قدر للدنيا حتى يحتاج قلبك إلى محاربة لها? أما علمت شهواتها جيف ملقاة، أفيحسن بباشق الملك أن يطير عن كفه إلى ميتة? مهلاً "لا تمدنَّ ع****" لو علمت أن لذة قهر الهوى أطيب من نيله لما غلبك، أما ترى الهرة تتلاعب بالفأرة ولا تقتلها ليبين أثر اقتدارها وربما تغافلت عنها، فتمعن الفأرة في الهرب فتثب فتدركها ولا تقتلها إيثاراً للذة القهر على لذة الأكل، من ذبح حنجرة الطمع بخنجر اليأس أعتق القلب من أسر الرق، من ردم خندق الحرص بسكر القناعة ظفر بكيمياء السعادة، من تدرع بدرع الصدق على بدن الصبر هزم عسكر الباطل، من حصد عشب الذنوب بمنجل الورع طالبت له روضة الاستقامة، من قطع فضول الكلام بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة في القلب، من ركب مركب الحذر مرت به رخاء الهدى إلى رجاء النجاة، من أرسى على ساحل الخوف لاحت له بلاد الأمن، إلا عزيمة عمرية، إلا هجرة سلمانية جاءت بمركب عمر، جنوب المجانبة للحق إلى دار الخيزران، فلما فتح له الباب انقلب شمالاً، مد يده لتناول خمر الفتك فاستحالت في الحال خلاً، جاء وكله كدر، فلما دنا من الصفا صفا، كان ماء قلبه لما جنى ملحاً آجناً فلما تلقاه النذير بالعذاب عذب.
يكون أجاجاً دونكم فإذ انتهى إليكم تلقى طيبكم فيطـيب
سقم قلب سلمان من معاناة أمراض المجوس، فخرج إلى أودية الأدوية فالتقطته يد ظالم، وما عرفت، فهان على يوسف البيع ليلقى العزيز فبينا هو في نخلة يحترفها قدم مخبر بقدوم الرسول، فنزل ليصعد وصاح به: حدثني.
نزلوا جبال تهامة فلأجـلـهـم يهوى الفؤاد تهامة وجبـالـهـا
يا صاحبيّ قفا عـلـي بـقـدر ما أسقي بواكف عبرتي أطلالها
واعجباً، أطلب الشجاعة من حسان، وأسأل عن الهلال ابن أم مكتوم، أتلو سورة يوسف على روبيل، أستملي الفصاحة من باقل، وأنتظر الوفاء من عرقوب، لقد رجعت إذن بخفي حنين، يا من نقده مردود، وعقله محلول، نيتك في الحيرنية لو أنضجتها نيران خوف أو شوق لانتفعت بها.
ولي قوادم لو أني جذب بـهـا لأنهضتني ولكن أفرخي زغب
غمض ع**** على الدواء يعمل، وافتحها لرؤية الهدى تبصر، حجر المعصية تطحطح إناء القلب، وضبة التوبة شعاب، يا من عزمه في الإنابة جزر بلا مد، وقفت سفينة نجاتك، ليل كسلك قد أطبق آفاق التردد، وقد طلبت فيه أطيار الهمة أوكار الدعة، فلو قد طلعت شمس العزيمة في نهار اليقظة لانبث عالم النشط في صحراء المجاهدة. يا صبيان التوبة، تزودوا للبادية تأهبوا لحاجر، انعلوا الإبل قبل زرود، ولا تنسوا وقت تناول الزاد جمالكم.
بين العقيق والـكـثـيب الـفـرد علاقة لـي مـن هـوى ووجـد
سل هضبات الرمل من جزع اللوى يوم النوى عن قلـقـي ووجـدي
واستخبر الأنجم عن صـبـابـتـي بساكنـي نـجـد وأرض نـجـد
فمن مجيري أو ممن أسـتـعـدي وليس عند عاذلـي مـا عـنـدي
الفصل السابع والأربعون
واعجباً لنفسٍ تدعى إلى الهدى فتأبى، ثم ترى خطأها بعين الهوى صواباً، كم أذهبت زمناً وكم أفنت شباباً، وكم سودت في تبييض أغراضها كتاباً.
أستغفر الله من نفس طغـت وأبـت أبتْ إلى هذه الدنيا فمـا أتـأبـت
جابت لي الشيب أوقات الشباب فمـا أجابت النصح لكن سيئاً جـلـبـت
خانت فخابت وما طابت ولا سعدت وكم أرابت ورابت ثم مـا رأبـت
ودأبها فـي أمـور غـيرِ نـافـعةٍ ولو توافق أمست للنـقـي دأبـت
همت بخير فلم تـعـزم وريثـهـا خطب إذا هي في غير التقى رتبت
أما طريق المعالي فهـي واضـحة لكل طرف سرى عنه الكرى لحبت
والعالمون جميعاً عالـمـون بـهـا على ركائب عن معروفها نكبـت
ألا يسائل أمـلاك الـورى فـطـن علام جمعت الأجناد واحـتـربـت
إن الذي طلـبـتـه لا يدوم لـهـا ولا مسرة إن فازت بماء طلـبـت
ألم يروا دول الماضين قـبـلـهـم كانوا بأحسن ما كانوا بها ذهـبـت
لا تفرحوا بهبات من زمـانـهـم ستسترد الليالي كلـمـا وهـبـت
لو أعلمت علمنا الغبراء ما ركـدت تحت الأنام أو الخضراء ما ثقبـت
وأم دفـرٍ إذا مـيزت حـالـتـهـا كأم صلٍ إذا ما عضت انقـلـبـت
وكيف ترجو صلاحاً من خلائقـهـا كلما الناس فيه من أذى جـلـبـت
لله درّ أقوام تأملوا غيبها وما زالوا حتى رأوا عيبها، نزلوا من الدنياء منزلة الأصياف، أخذوا الزاد وقالوا ما زاد إسراف، وقفوا عند الهموم والمؤمن وقاف، رموا فضول الدنيا من وراء قاف، لو رأيتهم في الدجى، يراعون النجوم، وخيل الفكر قد قطعت حلبات الهموم يشكون جرح الذنوب ويبكون الكلوم، أحرقت أحزانُهم أجسامَهم، وبقيت الرسوم بلغتهم البلغ ورمتك التخم في التخوم، سكروا من مناجاة الكريم، لا من بنات الكروم، أصبحت عليهم آثار الحبيب والطيب نموم، هذه سلع الأسحار من يشتري? من يسوم? أين قلبك الغائب? قل لي لمن تلوم? جسمك في أرض العراق وقلبك في أرض الروم، مهر الطبع ما ريض، أهاب البشرية ما دبغ، في عين البصير عشا، عرائس الموجودات ترفل في حلل مختلفة الصنعة والصبغة والصيغة، تعبر إلى المعتبر في معبر الاعتبار، فهل حظك حظها من النضارة أن تحظى من النظر بحظ.
واعجباً لك لو دخلت بيت ملك لم تزل تتعجب من رقوش نقوشه فارفع بصر التفكر واخفض عين البصيرة، فهل أحسن من هذا الكون? تلمح مخيم السقف كيف مدّ بلا أطناب?، ثم زخرف نقشه برقم النجوم، والهلال دملوج في عضد السماء، فإذا جن الليل كحلت العيون بأثمد النوم، واجتلاها أهل " تَتَجافى " فإذا جلى ركب الدجى، جلا ضوء الشمس عن الأبصار رمد الظلام، أنظر إلى الأرض إذا تأيمت من زوج القطر، ووجدت لفقد إنفاقه مس الجدب، كيف تحد في ثياب " وتَرى الأَرضَ خاشعَةً " طالما لازمت حبس الصبر وسكنت مسكن المسكنة لولا ضجيج أطفال البذر، فإذا قوي فقر القفر امتدت أكف الطلب تستعطي زكاة السحاب، فهبت الجنوب من جناب اللطف، فسحبت ذيل النسيم على صحصح الصحارى، فتحركت جوامد الجلاميد وانتبه وسنان العيدان لقبول تلقيح اللواقيح، فإذا لبس الجو مطرفه الأدكن، أرسل خيالة الفطر شاهرة أسياف البرق وأنذر بالإقدام صوت الرعد، فقام فراش الهواء يرش خيش النسيم، فاستعار السحاب جفون العشاق وأكف الأجواد، فامتلأت الأودية أنهاراً، كلما لمستها كف النسيم حكى سلسالها سلاسل الفضة، فالشمس تسفر وتنتقب، والغمام يرش وينسكب، فانعقد بين الزوجين. عقد حب الحب، فلا يزال السحاب يسقي ذر البذر. بثدي الندى. وكلما احتاج إلى فضل قوت كر الرك، وشط الطش، ودق الودق، فطم إلى أن فطم الطفل، فإذا وقعت شمس الشتاء في الطفل، نشأ أطفال الزرع فارتبع الربيع أوسط بلاد الزمان، فأعار الأرض أثواب الصبا وروح كربها بنسيم الصبا، فانتبهت عيون النور من سنة الكرى، فكم نهضت من الغروس عروس بين يديها الأوراق كالوصائف فصافحت ريحها الخياشيم، ومنظرها الحدق، فكان عين النرجس عين وورقة ورق، فالشقايق تحكي لون الحجل والبهار يصف حال الوجل، والنيلوفر يغفى وينتبه، والأغصان تعتنق وتفترق، وقد ضرب الربيع جل ناره في جلناره، وبثت الأراييح أسرارها إلى النسيم فنم، فاجتمع في عرس التواصل فنون القيان، فعلا كل ذي فن على فنن، فتطارحت الأطيار مناظرات السجوع، فأعرب كل بلغته عن شوقه إلى إلفه، فالحمام يهدر، والبلبل يخطب، والقمري يرجع، والمكاء يغرد، والأغصان تتمايل، كلها تشكر الذي بيده عقدة النكاح فحينئذ تجد خياشم المشوق ضالة وجده.
لي بذات البـان أشـجـان حبذا من أجلهـا الـبـاب
حبـذا رياه يوقـظـــه من نسيم الفجـر ريعـان
حبذا ورق الـحـمـام إذا رنحتها منـه أغـصـان
داعيات بالـهـديل لـهـا فيه أسـجـاعٌ وألـحـان
أعجمياتٌ إذا نـطـقـت ليس إلا الشـوق تـبـيان
كلما غنيتـنـي هـزجـاً هاجني للذكـر أحـزان
ما لي بي ميل الغصون بها طربي فالكـل نـشـوان
يا حمام البان يجمـعـنـا وجدنا إذ نحـن جـيران
يحن بالشكوى إلي فـمـا بين أهل الحب كتـمـان
يتشاكى الواجـدون جـوى واحداً والـوجـد ألـوان
أنا مخلوس القرين وأنتـن أزواج وأقـــــران
وبعيد الـدار عـن وطـن شاقه لـلـبـان أوطـان
آه مـن داء أكـاتـمــه والهـوى سـرّ وإعـلان
لا تزدني يا عذول جـوى أنا بالأشـواق سـكـران
الفصل الثامن والأربعون
من علم أن هبات الدنيا هبا حل من غل ذل.
الدهر مستعـجـل يخـب فاختم وطين الكتاب رطب
إن الذي أنت فـيه حـلـم وسوف تنساه إذا تـهـب
توقَّ مكر الزمان واحـذرْ ولا تثق فالزمـان خـب
جميع أفعـالـه غـرور وكل ما نحن فيه لـعـب
وليس يبقى علـيه شـيءٌ يكرهه المـرء أو يحـب
أسمع أحاديث من تقضـي يا من له ناظر وقـلـب
الدنيا تعطي تفاريق وتسترجع جملاً، وترضع أفاويق وتقطع عجلاً، يواني خيرها وإن واتى لمعا، ثم يأتي شرها حين يأتي دفعا، فترى العبرات عند فقدها تراق ولا ترقا، والزفرات عند سلبها تهد ولا تهدأ، ويحكم أن المفروح به من الدنيا هو المحزون عليه،
إخواني: ذودوا هممكم عن مرعى المنى فإنه يزيدها عجقاً، ولا تولوا الهوى على ميدان الأبدان " إنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أوْ أَنْ يُظْهِرَ في الأرضِ الفساد ". الهوى وثن ينصب في جاهلية الشباب فإن صح إسلام العزم جعل أصنام الشهوات جذاذاً.
يا معاشر الشباب زيدوا في سلاسل الهوى فإن شيطان الهوى مارد، زنوا حلوى المشتهى بمر العقاب يبن لكم التفاوت، إلى متى يقودكم الهوى? إلى متى تستعبدكم الدنيا?.
للشريف الرّضيّ:
كم اصطبارٌ على ضيمٍ ومنقصةٍ وكَمْ على الذلِّ إقرارٌ وإذعـانُ
ثُوروا لها وَلْتَهُنْ فيها نفوسُكُـمُ إنَّ المناقبَ للأرواح أثـمـانُ
إلى متى جمود الإناث? أين الحركة الرجولية?.
للمهيار:
قم فانتشطْها حسبُها أن تُعقَلا ودَعْ لها أيديَهـا والأرجـلا
لا يطرحُ الذلَّ وراء ظهره إلا فتىً يُنْضي المطايا الذُّلُلا
الجد الجد فالطريق طويلة، دار الناقة بذكر الدار عللها بصوت الحداة، فإذا لاح لها المنزل فشوقها يسوقها.
للمهيار:
إرخِ لها زمامها والأنـسـعـا وارمِ بها من العلى ما شسعـا
وارحل بها مغترباً عن العـدى توطك من أرض العدى متسعا
يا رائد الظعن بأكناف اللـوى بلغ سلامي إن وصلت لعلعـا
ماذا عليهم لو رثوا لسـاهـر لولا انتظار طيفِهم ما هجعـا
إخواني: انبعاث الجوارح في العمل دليل على قوة العلم بالأجر، فإذا حصل تسليم النفوس في الجهاد إلى القتل كان النهاية في كمال اليقين، فإذا وقع الفرح بأسباب التلف دل على كمال المحبة، كما قال عبد الله بن جحش اللهم سلِّط علي غداً عدواً يبقر بطني ويجدع أنفي، فإذا لقيتك قلت هذا فيك ومن أجلك.
وطعن حرام بن ملحان، فنفذ فيه الرمح فقال: فزت وربِّ الكعبة. لو رأيتهم والمعترك قد اعتكر وقد تقدموا في القدموس فانبلج الأمر وجاش جأش الجيش في أُفُرّة فلم يتميز الهلقام السرعرع، من القلهزم الحنزقرة، وإذا الغضنفر الدمكمك والقخر العلندي والضباضب الدلامر كلهم في مقام أجفيل فلما انزعجت الطباع تذكروا قبيح الجناية، فمدوا أيدي التسليم للودايع، فخضب الدماء محاسن وجوه، طال ما صبرت على برد الماء وقت الإسباغ، وحصدت مناجل السيوف زروع روس طال ما أطرقت في الأسحار، وعادت خيولهم خلية عنهم فوطئتهم بعد السنا تحت السنابك، واقتسم لحومهم عقبان السماء وسباع الأرض، فكم من رجل رجل، طالما قامت فصلت فصلت، وكم من يد بالدعاء رفعت وقعت، وكم من بطن حمل بالصيام ما شق شق، وكم من عين كانت تعين الحزين بالفيض وقعت في منقار طائر هذا حديث الأجسام فأما الأرواح ففي دار السلام، والله ما كانت إلا غفوة حتى أعطاهم العفو عفوا عفوه، وكأنكم بأجسادهم التي تفرقت قد تلفقت، وبالقبور التي جمعتهم قد تشققت، وقد قاموا بالسلاح حول العرش ينادون بلسان الحال، عن صاحبه حاربنا ولأجله قتلنا، وكلومهم يومئذ قد انفجرت فجرت، اللون لون الدم والريح ريح المسك، فليعلم الأشهاد حينئذ أنهم الشهداء، اسمع يا من لا يحارب الهوى ولا ساعة فلو فاتتك الغنائم وحدها قرب الأمر، وإنما لقب جبان قبيح، أين أرباب العزائم القوية? امتلأت بالأبرار البرية، رحلوا عنها وفاتوا، ونحن متنا وهم ما ماتوا.
خَلّي طرفي والبكا إن كنتَ خِلي فالحمى أقفر من جـار وأهـل
والح من لم يدر ما طعم السـى أنا عن لومك في أشغل شغـل
لم يدع وقر الهوى في سمـعـي واعتراضات الهوى باباً لعـذل
غير قلبي أن تأسـى عـاشـق للتأسي أو تسلي للـتـسـلـي
أثاف ما ترى تشكـو الـصـلا أم قلوب بين حصبـاء ورمـل
هذه من بـعـدهـم آثـارهـم والتجافي عن بلى الأطلاب يبلي
ما وقوفي في محـلٍّ سـاكـنٍ في فؤادي أهلُه لا في المحـل
يتمنّى طيفُـكُـم صـب لـكـم مستهام والمنى جهد الـمـقـل
والذي يستجلب الطيف الـكـرى من لعيني أن ترى النوم ومن لي
بعت حلمي طـائعـاً لا كـارهـاً بسفاهي فاشتروا عـزي بـذُلـي
وانقضى أكثر عمري في القـلـى جفوة منكـم فـرقـوا لـلأقـل
حملوني الخف مـن هـجـركـم وارحموا من ما له طـاقة ثـقـل
عجـبـاً لـي ولـقـلـب ضـائعٍ بان عنـي بـين بـانـات وأثـل
سل بقلبي عـن خـيام بـالـلـوى تاه قلبي في حماها ضلّ عقـلـي
ذات طوقٍ مثل شجوى شجـوهـا غير أن ما شكلها في الحزن شكلي
أنا في النوح اضطراراً مثـلـهـا وهي في غير اضطرارٍ فيه مثلي
حرم الله على الـبـان الـصـبـا وحماه الغيث مـن طـلٍّ ووبـل
ما على السائق لو حـلّ الـنـقـى وأراح العـيس مـن شـدٍّ وحـلّ
فعسى تدني المنى مـنـى مـنـي ولعلي أن أرى الخيف لـعـلّـي
الفصل التاسع والأربعون
عجباً لراحلٍ عن قليل غافل عن زاد الرحيل لا يعتبر بأخذ الجيل وإنما هو تأخير وتعجيل، أين النزيل? أزيل. أين القويم? أميل. أين المطمئن? اغتيل.
إنَّ الليالي لا تبقى على حال والناس ما بين آمالٍ وآجال
كيف السرور بإقبال وآخره إذا تأملته مقلوب إقـبـال
تيقظوا فالأيام دائبة، وتحفظوا فالسهام صائبة، واحذروا دنياكم فما هي مواتية، واذكروا أخراكم فها هي آتية، أما رأيتم الدنيا فقد أبانت خدعها ومكرها، إذا بانت من جمعها مكرها، أين الارتياد للسلامة غداً، أين الاستعداد? قبل الندامة أبدا، كأنكم بالمسير عن الربع قد أزف، وبالكثير من الدمع قد نزف، وبالمقيم قد أبين مما ألف، وبالكريم قد أهين لما تلف.
يا طالب الدنيا دنا فراقهـا تزويجها أسرع أم إطلاقها
ودين من يخطها صداقها
عباد الله من تعلق قلبه بالجنة لا يصلح لنا، فكيف بمن يهوى الدنيا?.
أردناكم صرفاً فلما مزجـتـم بعدتم بمقار التفاتكـم عـنـا
وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا فأسكنتم الأغيارَ ما أنتم مـنـا
السلطان لا يزاحم في داره، " لا يسعني شيءٌ ويسعى قلب عبدي المؤمن ".
غبتم عن العين القريحة فيكم وسكنتم في القلب دار مقام
وسلبتم جلدي التصبر عنكـم فالصبر أول راحلٍ بسـلام
خرج المريد الصادق من ديار الهوى إلى بادية الطلب، فجن عليه ليل التحير فجن، فإذا نار القرى تلوح إن حملت رجل الرجل.
للمهيار:
قد أبصرتْ حقّاً مناها في الحمى وظنَّهـا بـحـاجـر يقـينـا
فبَلَغَتْ أدعو لـهـا وبـلَّـغـتْ وخانني من لم يقـل: آمـينـا
كرب المحب بالنهار يشتده لمزاحمة رقباء المخالطة، فبلبل بلباله يتبلل في قفص الكتم، فإذا هبّت نسيمُ السحر وجد بروحه روحاه يصل من قصر مصر المنى إلى أرض كنعان الأمل، فيقدم ركب الشوق يتجسس النسيم، من فرج الفرج ولَهَ وَلَهٌ، فنهض توق الشوق فتكلم قلم الشكوى، ورقم وصف القوم وحكى ما حاكى، وكنى عن ما كنى.
عاودَ القلبُ غـرامَـهُ وجفا الجفن منـامـه
كلما قلت جوى الشوق خبا زاد اضطرامـه
أنا في أسرك والمأسور قد يرعـى ذمـامـه
آه من عتبك في اللـيل إذا جـن ظـلامــه
سيدي هائمك الحـيران قد زاد هـيامـــه
هو ميت غـيران لـم تبل في الترب عظامه
كنهاري منذ فارقتـك ليلـى لا أنـامـــه
إذا اعتكر الليل اعترك الهم، طال الدجى على الأبدان وقصر على القلوب.
شكونا إلى أحبابنا طول ليلـنـا فقالوا لنا ما اقتصر الليل عندنا
لو رأيت رواحل الأبدان قد أنضاها طول السهر وأضناها، فلما هبت نجدية السحر مدت أعناق الشوق فزال كل الكلال.
لصردر:
تزاوَرن عن أذرعاتٍ يمينا نواشز ليس يُطعن البرينا
كَلِفْنَ بنجد كان الـرياض أخذنَ لنجد عليها يمـينـا
وأقسمن يحملن إلا نحـيلا إليه ويُبْلغنَ إلا حـزينـا
ولما استمعن زفيرَ المـشـوق ونوحَ الحمام تركنَ الحنـينـا
إذا جـئتـمـا بـانة الـواديين فأرخو النسوع وحلّوا الوضينـا
فثَـمَّ عـلائق مـن أجـلـهـا مُلاءُ الدجى والضحى قد طوينا
وقد أنبأتْهم مـياهُ الـجـفـون بأن بـقـلـبـك داء دفـينـا
دموع الخائفين يحبسها النهار مراقبة الخلق، فإذا جن الليل انفتح سكر الدموع "فسالت أودية بقدرها" أرواح الأسحار أقوات الأرواح، رقت فرقت حرجد الوجد، وبلغت رسائل الحب ومكروب الشوق يرتاح للرياح.
يا نسيم الريح هل مـن وقـفة تطغي الغلة أو تشفي الأواما
كن رسـولاً بـسـلام عـائداً نحو من أنقذني فيك السلامـا
لم تثر شجوى حمامات اللـوى بل غرامي علم الشجو الحماما
كانت بردة العابدة تنادي في جوف الليل: غارت النجوم ونامت العيون وخلا كل حبيب بحبيبه وقد خلوت بك يا خير محبوب، أفتراك تعذبني? وحبك في قلبي لا تفعل يا حبيباه.
إن شئت سألت دمع عيني عني يخبرك بأنني أسير الـحـزن
منك الغفران والخطايا منـي ظني حسن فيك فحقق ظنـي
يا غافل القلب، ما هذا الكلام لك? ليس على الخراب خراج، لا يعرف البر إلا سائح، ولا البحر إلا سابح، ولا الزناد إلا قادح.
ضمنا يوم تنادوا للـقـا موقف يعرفه من عشقا
لما عشقت اللبلابة الشجر، تقلقلت طلباً لاعتناق الرؤس ولثم الخدود، فقيل لها مع الكثافة لا يمكن، فرضيت بالنحول، فالتفت فالتقت.
حبي والوجد أورياني سقـمـا هذا جسمي يعد عظماً عظمـا
دعني والشوق قد كفاني خصما يا سهم البين قد أصبت المرمى
الفصل الخمسون
أخواني: من تفكر في ذنوبه بكى، ومن تلمح سير السابقين وانقطاعه شكا، ولا أقلق القلب مثل الحزن ولا نكا.
عند قلبي علاقة ما تقـضـى وجوى كلما ذوى عاد غضـا
وبكاء على المنازل أبلتـهـن أيدي الأنام بسطاً وقـبـضـا
من معيد أيام ذي الأثل أو مـا قل منها دبنا علي وقـرضـا
سامحا بالقليل من عهد نـجـد ربما أقنع القلـيل وأرضـى
مهدياً لي من طيب أرواح نجد ما يداوي نكس العليل المنضى
أخواني: تفكروا في ذنب أبيكم ونزوله بالزلل، ويكفيكم رمز إلى آدم بأنك عبد، في قوله "إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى" لأن العبد ليس له إلا ما سد الجوعة وستر العورة، فجاء إبليس يطمعه في الملك، فلما خرج إلى الطمع خرج، نام في الجنة فانتبه وقد خلقت له حوى، فقال: ما هذا? قيل: من يريد النوم يخلق له ضجيج كفى بالشوق مسهراً، فلما وقع في الزلل طار النوم.
متى شق جيب الجنح بالبارق الومض وهبت قبول فالسلام على الغمـض
بالأمس جبريل يسجد له، واليوم يجر بناصيته للإخراج، ولسان حاله يستغيث.
حداة العيس رفـقـاً بـالأسـير ليغنم نظرة قبـل الـمـسـير
ويا بان الحمى هل فـيك ظـل فعند حشاي مزدحم الـزفـير
ويا ريح الشمال بحـق حـبـي وصدق هل مررت على الغدير
وهل سحبت على شـيح ورنـد ذيولك يا مبلبـلة الـضـمـير
بكى على زلته ثلاثمائة عام حتى سالت الأودية من دموعه، اسمع يا من يضحك عند المعاصي.
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أسالـه دمي ودموعي في هواكم أم القطر
وهل ما أراه الموت أم حادث النوى وهل هو شوق في فؤادي أم الجمر
كان يقول لولده: يا بني طال والله حزني على دار أخرجت منها، فلو رأيتها زهقت نفسك.
قف فتلك الطلول وابكها يا رسول
واقر عني سلامي من عليها نزول
رب سكـان دار في فؤادي حلول
فاسأل الدار عنهم واستمع ما تقول
لي وللبين فيهـم شرح حال يطول
قد كفاني غرامي لا تزد يا عـذول
لست أدري إذا ما لمتني ما أقـول
خلفوني معـنـى والمعنى حمـول
قيل له: رد إقطاعنا فحل الإقطاع بجناية لقمة، فلما غسل آدم جناية الجناية رد الإقطاع عليه، لولا لطف "فتلقى" لقتله الأسف.
من لي من لي بوصل حب نازح لو بيع بمهجتي لكنت الـرابـح
صالح من عاش بالأماني صالح سامح في النقد يا حبيبي سامـح
يا من جرى عليه ما جرى على أبيه، اسلك طريقه من البكاء.
خل دمع العين ينهمـل بأن من تهواه فاحتملوا
كل دمع صانه كلـف فهو يوم البين مبتـذل
اكتب قصة الندم بمداد الدموع، وابعثها مع ريح الزفرات، لعل الجواب يصل برفع الجوى.
كيف لا أبكي على عيش مضى بعت عمري بحقير الـثـمـن
كيف أرجو البرء من داء الهوى وطبيبي في الهوى أمرضنـي
انتبه لنفسك يا من كلما تحرك تعرقل، فيك جوهرية السباق ولكن تحتاج إلى رائض، قلبك محبوس. في سجن طبعك، مقيد بقيود جهلك، فإذا ترنم حاد تنفس مشتاق إلى الوطن، فالبس لامة عزمك وسر بجند جدك، لعلك تخلص هذا المسلم من أيدي الفراعنة.
أبالغوا يشتاق تلك النجـودا رميت بقلبك مرمى بعـيدا
فؤاد أسير ولا يفـنـد لـي وجفن قتيل البكا ليس بودي
لك الحديث يا معرض، أنت المراد يا غافل، يا مستلذاً برد العيش تذكر حرقة الفرقة، يا من يسلمه موكلان إلى موكلين، ما لانبساطك وجه، إنما تملي عليها رسالة إلى ربك، وما أراك نمل، قبح ما تمل، يا جامد العين اليوم، غداً تدنو الشمس إلى الرؤس، فتفتح أفواه مسام العروق فتبكي كل شعرة بعين عروقها، يبرز يوسف الهيبة فيقد قميص الكون، نفخ الريح اليوم يحرك الشجر، ونفخ الصور غداً يعمل في الصور، ريح الدنيا بين مثير لاقح تثير دفائن النبات وتلقح الأشجار وتثير دفائن الأعمار، وريح الأخرى تلقح الأشباح للأرواح لقراءة دفاتر الأعمار، أين الذي نصبوا الآخرة بين أعينهم فنصبوا، وندبوا أنفسهم لمحو السيئات وندبوا، كان داود الطائي ينادي بالليل، همك عطل على الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك حال بيني وبين اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.
يا مالك مهجتي ووالـي دينـي كم ينشرني الهوى وكم يطربني
هجرانك مع محبتي يضنـينـي هل تدركني بنظرة تحـيينـي
إذا جن الغاسق جن العاشق.
طال ليلي دون صحي سهرت عيني وناموا
كانوا يتراسلون بالمواعظ لتقع المساعدة على اليقظة، كصياح الحارس بالحارس. يا نيام السحور: للمصنف:
عرجوا بالرفاق نحو الـركـب وقفوا وقفة لأنشـد قـلـبـي
وخذوا لي من النقيب لمـاظـاً أوردوا بي إلى العذيب وحسبي
فهبوب الرياح من أرض نجـد قوت روحي وحبذا من مهـب
يا نسيم الصبا ترنم على الـدوح بصوت يشجي وإن طار لبـي
من معيد أيامنا بلوى الـجـزع وهيهات أين مني صحـبـي
الفصل الحادي والخمسون
أين اللاهون بالمزاح زاحوا? أين شاربوا الراح راحوا? وبك ويك يا صاح، لقد ندبوا في قبورهم على الونى وناحوا.
يا أيها الواقف بالـقـبـور بين أناس غيب حـضـور
قد سكنوا في حديث معمور بين الثرى وجندل الصخور
ينتظرون صيحة النـشـور إنك عن حظك في غرور
أين أرباب المناصب? أبادهم الموت الناصب، أين المتجبر الغاصب? أذله عذاب واصب، لفت والله الأكفان كالعصائب، على تلك العصائب، وحلت بهم آفات المصائب إذ حل بلباتهم سهم صائب، فيا من يأمن يتقلب على فراش عيوبه، مزمار ومزهر ومسكر ومنكر، فجاءه الموت فجاءة فأنساه ولده ونساءه، وجلب مساؤه ما ساءه، فنقل إلى اللحد ذميما، ولقي من غب المعاصي أمراً عظيما.
بينا تـراه غـادياً رائحـاً في نعـم غـادية رائحة
إذا بيوم طالح مـخـرج من خبئه آماله الصالحة
كم سالم صحته مـوتـه وقائل عهدي به البارحة
أمسى وأمست عنده قـينة فأصبحت تندبـه نـائحة
فكن من الدنيا على صيحة واينا ليست به صـائحة
من كانت الدنيا به برة فإنها يوماً له ذابـحة
واعجباً، لمن رأى هلاك جنسه ولم يتأهب لنفسه قال البازي للديك: ليس على الأرض أقل فاءاً منك، أخذك أهلك بيضة فحضنوك فلما خرجت جعلوا مهدك حجورهم ومائدتك أكفهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ها هنا وها هنا وصحت، وأنا أخذت مسناً من الجبال فعلموني ثم أرسلوني، فجئت بصيدي فقال له الديك: إنك لم تر بازياً مشوياً في سفود، وكم رأيت في سفود من ديك? أخواني الزهد في الدنيا زبد، مخض محض الفكر، حظ الحريص على الدنيا في الحضيض، والقنوع في أعلى الذرى، سائق الحرص يضرب ظهر الحريص بعصا التحريض، فلو قد عصى الهوى كفت العصا، كلما زاد على القوت فهو مستخدم الكاسب يا موغلاً في طلب الدنيا الحساب حبس، فإن صح لك الجواب تعوقت بمقدار التصحيح، وإن لم يصح فمطورة جهنم.
ويحك، طالع دستور عملك ترى كل فعلك عليك، من وقف على صراط التقوى وبيده ميزان المحاسبة ومحك الورع يستعرض أعمال النفس، وبرد البهرج إلى كير التوبة سلم من رد الناقد يوم التقبيض.
ويحك، سلطان الشباب قد تولى، وأمير الضعف قد تولى، ومعول الكبر يحصد حيطان دار الأجل، وحسبك داء أن تصح وتسلما، قف على ثنية الوداع نادباً قبل الرحيل على ديار الإلفة.
يا منزلاً لم تبل أطـلالـه حاشى لأطلالك أن تبلـى
والعشق أولى ما بكاه الفتى لا بد للمحزون أن يسلـى
لم أبك أطلالك لكـنـنـي بكيت عيشي فيك إذ ولى
كان ثابت البناني يستوحش لفقد التعبد بعد موته، فيقول: يا رب إن كنت أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي.
وكان يزيد الرقاشي يقول في بكائه: يا يزيد من يبكي بعدك عنك? من يترضى ربك لك?
أحبكم ما دمت حـياً وإن أمـت فواكبدي من ذا يحبكم من بعدي
لما علم المحبون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه لتدوم الخدمة، جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام ليقبضه فلطم عينه، فإذا قامت القيامة باد إلى العرش طالت غيبته فاستعجل استعجال مشوق كانوا يحبون أماكن الذكر ومواطن الخلوة، والمؤمن ألوف للمعاهد عهد عند المحب لا ينساه، اسكن حراء.
احبسا الركب بوادي سلـم فبذاك المنحنى طل دمـي
وانشدا قلبي في سكـانـه فمن السكان أشكو ألمـي
أخذوا قلبي وأبقوا جسـدي فوجودي بعده كـالـعـدم
صل محباً جفنـه لـم ينـم وابلائي أن خصمي حكمي
واعجباً للمحب يستر ذكر الحبيب، بذكر المنازل، وما يخفى مقصوده على السامع "أحد جبل يحبنا ونحبه".
ألا اسقني كاسات دمعي وغنني بذكر سليمى والرباب وتنعـم
وإياك واسم العامرية إنـنـي أغار عليها من فم المتكـلـم
رياح الأسحار تحمل الرسائل وترد الجواب.
للخفاجي:
أفي نجد تحاورك القـبـول أظن الريح تفهم ما نقـول
تغنت في رحال الركب حتى تشابهت الذوائب والـذيول
صحبنا في ديارهم صباهـا يناوبها التنفس والنـحـول
وأمطرنا سحاب الدمع حتى حسبنا أنها مهـج تـسـيل
وعجنا ذاهلين فما علمـنـا أنحن السائلون أم الطلـول
ديار الأحباب درياق هموم المحبين على أنني منها استفدت غرامي، كان قيس إذا رحلت ليلى تعلل بالآثار واستشفى بالدمن واستنشق الصبا وشام برق بني عامر.
أقتل أدواء الرجـال الـوجـد وق نجداً فالـغـرام مـجـد
حيث الرياض والنسـيم أنـف ودنف ما يستـفـيق بـعـد
إن الصبا إذا جـرت قـادحة نار الغرام ففـؤادي الـزنـد
تعدى المحبين الصبا كأنـمـا لها على أهل الغرام حـقـد
لا تتـلـق نـفـحة نـجـدية هزلا فهزل النفحـات جـد
دع الصبا فعل الهواء كالهوى سيان منه قصـره والـمـد
ما كبدي بـعـدك إلا جـذوة لها بترجيع الحـنـين وقـد
يسترها الجلد ولولا أدمـعـي ما كان قط ستر نار جـلـد
كيف ببرئي والطبيب ممرضي يصد والداء العضال الـصـد

النار قلبي والسموم نفـسـي والماء طرفي والتراب الخـد
قد كنت أخفى عن عيون عذلي كذا وجود العاشقـين فـقـد
??الفصل الثاني والخمسون
العزلة حمية البدن والمناجاة قوت القلب، ومن أنس بمولاه استوحش من سواه.
يا منتهى وحشتي وأنسي كن لي إن لم أكن لنفسي
أوهمني في غد نجاتـي حلمك عن سيئات أمسي
خلق القلب طاهراً في الأصل، فلما خالطته شهوات الحسن تكدر، وفي العزلة يرسب الكدر، الحيوان المميز على ثلاثة أقسام: فالملائكة خلقت من صفاء لا كدر فيه، والشياطين من كدر لا صفاء فيه، والبشري مركب من الضدين، فالعجب أن تقوى عنده التقوى، تقديس الملائكة يدور على ألسنة لا تشتاق بالطبع إلى الفضول سبح تسبيحهم عقود ما نظمتها كلف التكليف، تمرات زروعهم، نشأت لا عن تعب، سقاها سيح العصمة، فكثر في زكوات تعبدهم قدر الواجب "ويستغفرون لمن في الأرض".
كانت أقدم تعبدهم سليمة فاستبطئوا سير زمني الهوى، فقيل: "إذا رأيتم أهل البلاء، فسلوا الله العافية" واعجباً من منحدر في سفن التعبد يستبطئ مصاعداً في الشمال، سمعوا بيوسف الهوى وما رأوه، فأخذوا يلومون زليخا الطبع من حبس عتب "تُراوِد فتاها " فلما قالت الدنيا يوم هاروت وماروت "اخرُج عليهنّ" قطعوا أكف الصبر وصاح في تلك المواقف مواقف "أتجعل فيها" إن للحرب رجالاً خُلقوا، ألهم أنين المذنبين? أو خلوف الصائمين، أو حرقة المحبين، أما عب بحر الأمانة يوم "إنَّا عرضنا الأمانة" توقفت الملائكة على الساحل، ونهضت عزيمة الآدمي لسلوك سبيل الخطر، بلى لأقدام المحب أقدام.
يغلبني شوقي فأطوي السرى ولم يزل ذو الشوق مغلوبـا
لا نحتاج أن نناظر الملائكة بالأنبياء، بل نقول: هاتوا لنا مثل عمر، كل الصحابة هاجروا سراً وعمر هاجر جهراً، وقال للمشركين قبل خروجه ها أنا. على عزم الهجرة فمن أراد أن يلقاني فليلقني في بطن هذا الوادي، فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي، مذ عزم عمر على طلاق الهوى أحد أهله عن زينة الدنيا.
وعزمة بعثتـهـا هـمة زحـل من تحتها بمكان الترب من زحل
لما ولي عمر بن عبد العزيز خيَّر النساء، فقال: من شاءت فلتقم ومن شاءت فلتذهب، فإنه قد جاء أمر شغلني عنكن.
لمهيار:
أقـسَـم بـالـعـفة: لا تـيَّمــهُ ظبـيٌ رنـا أو غـصـنٌ تـأوَّدا
وكلما قيل له: قـف تـسـتـرحْ جزتَ المدى قال: وهل نلتُ المدى
للعزائم رجال ليسوا في ثيابنا، وطنوا على الموت فحصلت الحياة.
إذا ما جررت الرمح لم يثنني أب ملـح ولا أم تـصـيح ورائي
وشيعني قلـب إذ مـا أمـرتـه أطاع بـعـزم لا يروغ ورائي
يا مختار القدر اعرف قدرك، فإنما خلقت الأكوان كلها لأجلك، يا خزانة الودائع يا وعاء البدائع، يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الأيادي، يا زرعاً تهمى عليه سحب الألطاف، كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة، وصور وأنت المعنى، وصدف وأنت الدر، ومخضة وأنت الزبد، مكتوب اختيارنا لك، واضح لخلط، غير أن استخراجك ضعيف، متى رمت طلبي فاطلبني عندك.
ساكن في القلـب يعـمـره لسـت أنـسـاه فـاذكـره
غاب عن سمعي وعن بصري فسويدا القلـب تـبـصـره
ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي، إنما أبعدنا إبليس لأجلك لأنه لم يسجد لك، فالعجب منك كيف صالحته وهجرتنا?
رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى حفظنا له الود الـقـديم فـضـيعـا
وواصلت قوماً كنت أنهاك عـنـهـم وحقك ما أبقيت للصلح مـوضـعـا
يا جوهرة بمضيعة، يا لقطة تداس، كم في السماوات من ملك يسبح? ما لهم مرتبة "تتجافى" لا يعرفون طعم طعام، وما لهم مقام "ولخلوف" أنين المذنبين عندنا، أو في من تسبيحهم، سبحان من اختارك، على الكل وجادل عنك الملائكة قبل وجودك "إني أعلم" خلق سبعة أبحر واستقرض منك دمعة، له ملك السماوات والأرض واستقرض منك حبة.
الماء عندك مبـذول لـوارده وليس يرويك إلا مدمع الباكي
كانت الأمتعة المثمنة واللآلئ النفيسة تباع بمصر فلا ينظر إليها يوسف فإذا جاءت أجمال صوف من كنعان لم تحل إلا بين يديه "لا تسئل عن عبادي غيري".
للخفاجي:
لاح وعقد الليل مسلـوب برق بنار الشرق مشبوب
أسأله عنكـم وفـي طـيه سطر من الأحباب مكتوب
لو كان في قلبك محبة، لبان أثرها على جسدك، عجب ربنا من رجل ثار عن وطائه ولحافه إلى صلاته، تلمح معنى ثار، ولم يقل قام، لأن القيام قد يقع بفتور، فأما الثوران فلا يكون إلا بالإسراع حذراً من فائت.
إذا هزنا الشوق اضطربنا لـهـزه على شعب الرحل اضطراد الأراقم
فمن صبوات تسـتـقـيم بـمـائل ومن أريحـيات تـهـب بـنـائم
أخواني من ناقره الوجد ناقره النوم، قال سفيان الثوري: بت عند الحجاج ابن الفرافصة إحدى عشرة ليلة، فما أكل وما شرب ولا نام.
اسأل عيني كيف طعم الكـرى علالة وهو سـؤال مـحـال
وكيف بالنوم على الهجر لـي والنوم من شرط ليالي الوصال
??الفصل الثالث والخمسون
يا طويل الأمل في قصير الأجل، يا كثير الزلل في يسير العمل، خلا لك الزمان وما سددت الخلل، أفما عندك وجل من هجوم الأجل?
تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس جهازاً من التقوى لا طول ما حبس
فإنك ما تدري إذا كنت مصبـحـاً بأحسن ما ترجو لعلك لا تمـسـى
سأتعب نفسـي أو أصـادف راحة فإن هوان النفس أكرم للـنـفـس
وازهد في الدنيا فإن مـقـيمـهـا كظاعنها ما أشبه اليوم بـالأمـس
يا معاشر الأصحاء اغتنموا نعمتي السلامة والإمهال، واحذروا خديعتي المنى الآمال، قد جربتم على النفس تبذيرها في بضاعة العمر، فانتبهوا لانتهاب الباقي "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" الدنيا حلم يقظة، ويوم الحساب تفسير الأضغاث، أيام معدودة وسيفنى العدد وطريق صعبة على قلة العدد، وقد سار الركب ولاح الجدد، أترى تظن أن تبقى إلى الأبد? أما يعتبر بالوالد الولد، أين المتحرك في الهواء همد، أين اضطرام تلك النار? خمد، أين ماء الأعراض الجاري? جمد، تساوى في الممات الثعلب والأسد، وشارك الوهى بين الحديد والمسد، وجمع التلف عنقاء مغرب والصرد، واستقام قياس النقض للكل وأطرد، أفلا ينتبه من رقدته من قد رقد? يا شاربين من منهل أبوى شرب الهيم، يا جاعلين نهار الهدى كالليل البهيم، مقيمين على الدنس وليس فيهم مقيم، سالمين من أمراض البدن وكلهم سليم، أتعمرون ربوع النقم برتوع النعم? وتستبدلون بالقرآن، محرمات النغم، وقد توطنتم ناسين تروح النزوح فلم تذكروا الممات. تروح الروح، تالله ليعودن المستوطن في أهله غريباً، والمغتبط بفرحه مغيظاً كئيباً "إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً".
أين أرباب البيض والسمر? والمراكب الصفر والحمر، والقباب والقب الضمر، ما زالوا يفعلون فعل الغمر إلى أن تفضي جميع العمر، يا من عمره قد رحل وولى، كأنك بك تندم وتتقلى، والسمع والبصر للموت قد كلا، ويد التناول للتوبة شلا، والعين تجري وابلاً لا طلا، وعصافير الندم قد أنضجها القلا، وأنت تستغيث "ربِّ ارجعونِ" فيقال "كلا" ألا كان هذا قبل هذا.
ألا يا ثقيل النوم، يا بطيء اليقظة، يا عديم الفهم، أما ينبهك الأذان? أما تزعجك الحداة? أترى نخاطب عجماً? أو نكلم صماً، كم نريك عيب الدنيا? ولكن عين الهوى عوراء، كم تكشف للبصر قصر العمر? ولكن حدقة الأمل حولاء.
ليس في الدنيا سرور إنما الدنيا غـرور
ومآتـيم إذا فـكـر ت فيها وقـبـور
يا من شاب وما تاب ولا أصلح، يا معرضاً إلى ما يؤذي عن الأصلح، ليت شعري بعد الشباب بماذا تفرح? ما أشنع الخطايا في الصبا وهي في الشيب أقبح، إذ نزل الشيب ولم يزل العيب فبعيد أن يبرح.
للبحتري:
وإذا تكامل للفتى من عـمـره خمسون وهو إلى التقى لا يجنح
عكفت عليه المخزيات فمـالـه متأخر عنها ولا مـتـزحـزح
وإذا رأى الشيطان غرة وجهـه حيى وقال فدَيْتُ من لا يفـلـح
أخواني، فتشوا أحمال الأعمال، قبل الرحيل "ولتنظُر نفسٌ ما قدَّمتْ لغد" يا مطلقي النواظر، في محرم المنظور "لتَرَوُنَّ الجحيم" لا يغرنكم إمهال العصاة "إنَّ إلينا إيابَهم" يا من عاهدناه من يوم "ألستُ" لا تحلن عقد العهد بأنامل الزلل فما يليق بشرف قدرك خيانة.
بحرمة الود الذي بيننا لا تفسد الأول بالآخر
اذكر ملازمة المطالبة بالوفاء في أضيق خناق، يا منكر ويا نكير انزلا إلى الخارج من بساتين الأرواح فانظرا، هل استصحب وردة من اليقين أو شوكة من الشك?
قفوا سائلوا بأن العقيق هل الهوى على ما عهدنا فيه أم حال حاله
استنكها فمه، الذي قال به "بلى" يوم "ألستُ" هل غير طيبه طول رقاد الغفلة? هل انجاس زلله? مما يدخل قليلها تحت العفو، هل معرفته في قليب قلبه يبلغ قلتين، أنا مقيم له على الوفاء في كل حال، فانظر إلى حاله هل حال? لقيس المجنون:
ألا حبذا نجـد وطـيب تـرابـه وأرواحه إن كان نجد على العهد
ألا ليت شعري عن عويرضتي قبا بطول الليالي هل تغيرتا بـعـدي
وعن علويات الـرياح إذا جـرت بريح الخزامى هل تهب على نجد
المعرفة غرس في القلب والتذكار ماء، ومتى جفت المياه عن الغروس جفت شجرات "ألستُ" تسقي من مياه "هل من سائل".
إذا مرضنا أتيناكم نزوركم وتذنبون فنأتيكم فنعتـذر
العقل ما ينسى إنما الحس مغفل، سبب النسيان أمراض من التخليط في مطاعم الهوى عقدت بخاراً في هام الفهم، فإذا عالجها طبيب الرياضة تحللت فذكر ما نسي من عهد "ألست".
قيل لذي النون: أين أنت من يوم "ألست"? قال: كأنه الآن في أذني.
للمهيار:
سل أبرق الحنان واحبس بـه أين ليالينا علـى الأبـرقِ?
وكيف باناتُ بسقط الـلـوى ما لم يُجدها الدمع لم تورقِ?
هل حملتْ لا حملتْ بعـدنـا عنك الصَّبا عَرْفا لمستنشقِ?
يا سائق الأظعان رفقـاً وإن لم يُغن قولي للعسوفِ: ارفقِ
لولا زفيري خلف أجمالـهـم وحر أنفاسي لـم تـنـشـقِ
سميتَ لي نجداً على بعدهـا يا وله المشئم بالـمـعـرقِ
الفصل الرابع والخمسون
أيها القائم على سوق الشهوات، في سوق الشبهات، ناسياً سوق الملمات إلى ساقي الممات، إلى كم مع الخطأ بالخطوات إلى الخطيئات، كم عاينت حياً فارق حيا? وكفا كفت بالكفات.
للشريف الرضي:
ما أقل اعتبارنـا بـالـزمـان وأشدَّ اغترارنـا بـالأمـانـي
وقفاتٌ عـلـى غـرورٍ وأقـدا مٌ على مَزلقٍ من الـحِـدْثـانِ
في حروبٍ من الردى وكـأنـا اليومَ في هدنة مـع الأزمـانِ
وكفانا مُـذكِّـراً بـالـمـنـايا عِلْمُنا أنـنـا مـن الـحـيوان
كل يوم رزيةٌ فـي فـــلان ووقوعٌ من الـردى بـفـلان
قل لهذي الهواملِ استـوثـقـي للسير واستبدلي عن الأغطـان
واستقيمي قد ضمكِ اللقَّم النهـجُ وغـنـى وراءكَ الـحـاديان
كم محيدٍ عن الطريق وقد صرّح خَلْجُ البُرى وجَذْبُ الـعـنـان
هل مجيرٌ بـذابـلٍ أو حـسـامٍ أو معينٌ بسـاعـدٍ أو بـنـان
قد مررنا على الديار خشـوعـا ورأينا البِـنـا فـأين الـبـانِ
أين رب السدير والحيرة البيضاء أم أين صــاحـــب الإيوان
والسيوف الحدادُ مـن آل بـدرٍ والقنا الصُّمُّ من بـنـي الـديانِ
ليس يبقى على الزمان جـريء في إباء وعاجـزٌ فـي هـوان
يا عاصياً بالأمس أين الالتذاذ? يا مطالباً بالجرم أين المعاذ? يا متمسكاً بالدنيا حبلها جذاذ، ما راعت من المحبين ولا الشذاذ، بل ساوت في الهلاك بين الفقير وكسرى بن قباذ، تخلص من أسرها قبل أن يعز الإنقاذ، وقبل أن تجري دموع الأسى بين ويل ورذاذ، إذا نبذوك في القبر انتبذوا أي نبذ وأي انتباذ، فتذكر ضمة، ما نجا منها سعد بن معاذ، ألا يلين القلب? أصخر أم فولاذ، تدعي العجز عن الطاعة وفي المعاصي أستاذ، وتؤثر ما يفنى على ما يبقى وأنت ابن بغداد، يا مستلباً عن أهله وماله يا خالياً في القبر بأعماله ليته خلاك ما منه تخليت، ليته ولى عنك أثم ما عنه توليت، وأسفاً من حالة حيلتها ليت.
وكـل إن يتـيه غـــنـــاه فمرتـجـع بـمـوت أو زوال
وهب جدي زوى لي الأرض طياً أليس الموت يطوي ما زوى لي
إذا اخضر الربيع ناح الهزار وندب القمري وأنت تعتقده غناء، إنما هو بكاء على انتظار التكدير، لا يغرنك صفو العيش فالرسوب في أسفل الكاس، من يسمع كلام الصامت ولم يسمع عبارة الجامد فليس بفطن.
قال أحمد ابن أبي الحواري: رأيت شاباً قد انحدر عن مقبرة، فقلت من أين? فقال: من هذه القافلة النازلة، قلت: وإلى أين? قال: أتزود لألحقها. قلت: فأي شيء قالوا لك? وأي شيء قلت لهم? قلت: متى ترحلون? فقالوا: حتى تقدرون.
وكم من عبرة أصبحت فيها يلين لها الحديد وأنت قاس
إلى كم والمعاد إلى قريب تذكر بالمعاد وأنت نـاس
ويحك تلمح عاقبتك بعين عقلك فإنها سليمة من رمد، العقل محتسب إذا وقع بميزان الهوى كسر العلاقة يا صبيان التوبة، قد عرفتم شرور أعطان الهوى فرحلتم طالبين ريف التقى فحثوا مطايا الجد "ولا يلتفتْ منكم أحدٌ وامضوا حيث تؤمرون" كلما شرف المطلوب طالت طريقه، الهرة تحمل خمسين يوماً، والخنزيرة أربعة أشهر، والخف والحافر سنة، فأما الفيل فسبع سنين، عموم الشجر يحمل في عامه، والصنوبر بعد ثلاثين سنة، شرف النمل يوجب القلة، الشاة تلد واحداً أو اثنين، والخنزيرة تلد عشرين، وأم الصقر مقلات نزور، يا هذا ينبغي أن تكون همتك على قدرك ولك قدر عظيم لو عرفته.
إنما خلقت الداران لأجلك، أما الدنيا فلتتزود، وأما الأخرى فلتتوطن، أفتراك تعرف مكانة "أذكركم" أو قيمة "يحبهم" أو مرتبة: وإنا إلى لقائهم أشد شوقاً، تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا، إذا صعدت الملائكة عن مجلس الذكر، قال الحق: أين كنتم، فيقولون: عند عباد لك يسبحونك ويمجدونك، فيقول: ما الذي طلبوا ومما استعاذوا:
يا من يسائل عني القادمـين إذا ما كنت بي هكذا صبا فكيف أنا
يا من كان في رفقة "تتجافى" فصار اليوم في حزب أهل النوم.
للشريف الرضي:
يا ديار الأحباب كيف تغـيرتِ ويا عهدُ ما الـذي أبـلاكـا
هل تولى الذين عهدي بهم فيك على عهدهـم وأين أولاكـا
الذّميلَ الذميلَ يا ركـبُ إنـي لضمينٌ أن لا تخيب سُراكـا
يا هذا لا تجزع من ذنب جرى فرب زلة أورثت تقويماً، "لو لم تُذنبوا".
من لم يلق مرارة الفراق لم يدر ما حلاوة التلاقي
ما لم يقع سهم في مقتل فالعلاج سهل، انحناء القوس ركوع لا اعوجاج، كانت صحبة آدم للحق أصلية وتعبد إبليس تكلفاً والعرق نزاع "كان من الجنِّ" وإنما يعالج الرمد لا الأكمة، تأملوا خسة همة إبليس إذ رضي بعد القرب من السدة بالتقاط القمامة "إلا من استرق السمع" إنه ليهجم على ساحة الصدر فيأخذ في حديث الوسوسة فيصيح به حراس الإيمان من شرفات قصر "ويسعني" فيرجع بقلب الخناس، فضائل بني آدم خفيت على الملائكة يوم "أنبئهم" فكيف يعرفها إبليس? صعد إلى السماء منا، إدريس وعيسى، وجال في مجالهم محمد، ونزل منهم هاروت وماروت وتدير عندنا إبليس، لو علم المتدير ما قد خبي له من البلايا? ما سأل الأنظار، كلما غاب صاحب معصية وجلس يقسم في تقواه صدرت عن التائب نشابة ندم، فوقعت في صدر إبليس، أطم ما على إبليس مجلسي، ما من مجلس أعقده إلا ويقلق لما يرى من النفع، واليوم يغشى عليه ويله، ما علم أن الجنة إقطاعنا وإنما أخرجنا عنها مسافرين، كتب ديارنا تصل إلينا، ورسائلنا تصل إليهم ويا قرب اللقا، كان فتح بن شخرف، يقول: قد طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك.
للمهيار:
تُمدُّ بـالآذان والـمـنـاخـرِ لحاجر أنى لها بـحـاجـر?
أرضٌ بها السائغ من ربيعهـا وشوقُها المكنونُ في الضمائرِ
سارت يميناً والغـرامُ شـامةٌ ياسِرْ بها يا ابن الحداة ياسِـرِ
الفصل الخامس والخمسون
يا من شاب وما تاب، أموقن أنت أم مرتاب? من آمن بالسؤال أعد الجواب.
فخذ للسير إهبتـه وبـادر وجود جمع رحلك للذهاب
فقد جد الرحيل وأنت ممن يسير على مقدمة الركاب
أما أنذرك بياض الشمط? أما يبكيك قبح ما منك فرط? إلى متى تجري في الهوى على نمط? إلى متى تضيع وقتاً مثله يلتقط? لقد أحاط بك المنون وها أنت في الوسط، واستل التلف سيفه عليك سريعاً واخترط، يا من يهفو وينسى والملك قد ضبط، يا منفقاً نعم المولى على العصيان هذا الشطط، امح باعترافك قبح اقترافك وقد انكشط، وقم في الدجى والليل قد سجى فرب عفو هبط، قد نصحتك بما أسمعتك وقد أوقعتك على النقط.
يا مغموراً بالنعم معدوم الشكر، كلما لطفنا بك قابلتنا بالمخالفة، إنه لا عجب من ترك الشكر إنفاق النعم في مخالفة المنعم، هذا عود العنب يكون يابساً طول السنة فإذا جاء الربيع دب فيه الماء فاخضر وخرج الحصرم، فإذا اعتصر الناس منه ما يحتاجون إليه طول السنة قلب في ليلة خلاً، فبانقلابه يوجب للعقل الدهش، من صنع صانعه، وقدرة خالقه فينبغي أن يفرغ العقل للتفكر فيأخذ الجاهل العنب فيجعله خمراً، فيغطي به العقل، الذي ينبغي أن يحسر عن رأسه قناع الغفلة "ومن يُضللِ اللهُ فما له مِن هاد" ويحك، قد أطعمتك إياه حصرماً وعنباً وزبيباً وخلاً، فدع الخامس لي، فقد سمعت في كلامي "فإنَّ للهِ خُمُسَهُ".
أيها الضال في بادية الهوى، احذر من بئر بوار، وليس في كل وقت، تتفق سيارة، ليل الصبا مرخى السدفة، وبخار الأماني يعقد دواخن الكسل، فانهض عن حفش الكسل واستنطق ألسن الحكم من موضوعات المصنوعات يمل عليك كلما في دستوره يا مقتولاً ماله طالب ثأر يريد الموت، مطلق الأعنة في طلبك وما يخفيك حصن، ثوب حياتك منسوج من طاقات أنفاسك، والأنفاس تسلب، ذرات ذاتك وحركات الزمان، قوية في النسج الضعيف، فيا سرعة التمزيق آن الرحيل وما في مزادتك قطرة ماء، ولا في مزود عملك قبضة زاد، وقد أحلت ناقتك على ما تلقى من العشب والجدب عام في العام، ويحك عش ولا تغتر. يا رابطاً مناه بخيط الأمل إنه ضيف القتل، صياد التلف قد بث الصقور، وأرسل العقبان ونصب الأشراك، وقطع الجواد فكيف السلامة? تهيأ لصرعة الموت وأشد منها فلت القلب، فليت شعري إلى ماذا يؤول الأمر? للحارثي:
فوالله ما أدري أيغلبنـي الـهـوى إذا جد جد البين أم أنا غـالـبـه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبـه
آه من تأوه حينئذٍ لا ينفع، ومن عيون صارت كالعيون مما تدمع.
للمهيار:
ولما خلا التوديع مما حـذرتـه ولم يبق إلا نظرةٌ تُـتُـغـنَّـمُ
بكيتُ على الوادي فحُرمت ماءه وكيف يحل الماء أكـثـره دم
نقلة إلى غير مسكن، وسفر من غير تزود، وقدوم إلى بلد ربح بلا بضاعة.
ولما تيقنا النـوع لـم يدع لـنـا مسيل غروب الدمع جفناً ولا خدا
فلا صفوة إلا وقد بدلـت قـذي ولا راحة إلا وقد قلـبـت كـدا
فوالله ما أدري وقد كـنـت دارياً أغورت الأظعان أم طلبت نجـدا
يا لساعة الموت ما أشدها، تتمنى أن لو لم تكن عندها، وأعظم المحن ما يكون بعدها،
ولم أنس موقفنـا لـلـوداع وقد حان ممن أحب الرحيل
ولم يبق لي دمعة في الشؤون إلا غدت فوق خدي تسـيل
فقال نصيح من القـوم لـي وقد كاد يأتي على الغـلـيل
تأن بدمـعـك لا تـفـنـه فبين يديك بـكـاء طـويل
تقسم الصالحون عند الموت، فمنهم من صابر هجير الخوف، حتى قضى نحبه، كعمر كان يقول عند الرحيل: الويل لعمر إن لم يغفر له. ومنهم من أقلقه عطش الحذر فيبرده بماء الرجاء كبلال. كانت زوجته تقول: واحرباه، وهو يصيح: واطرباه، غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه. علم بلال أن الإمام لا ينسى المؤذن، فمزج كرب الموت براحة الرجاء في اللقاء.
بشرها دليلـهـا وقـالا غداً ترين الطلح والجبالا
قال سليمان التيمي لابنه عند الموت: اقرأ علي أحاديث الرخص لألقى الله وأنا حسن الظن به. إلى متى تتعب الرواحل? لا بد من مناخ.
رفقاً بها يا أيها الـزاجـر قد لاح سلع ودنا حاجـر
فخلها تخلع أرسـانـهـا على الربى لأراعها ذاعر
واذكر أحاديث ليالي منـى لا عدم المذكور والذاكـر
كان أبو عبيدة الحواص يستغيث في الأسواق وينادي: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه.
جاء بها قالصة عـن سـاق تحن والحنة للمـشـتـاق
ما أولع الحنين بـالـنـياق تذكري رمل النقى واشتاقي
الفصل السادس والخمسون
يا من أيام عمره في حياته معدودة، وجسمه بعد مماته مع دودة.
رأيتك في النقصان مذ أنت في المهد تقربك الساعات من ساعة اللـحـد
ستضحك سن بعد عين تعـصـرت عليك وإن قالت بكيت من الـوجـد
أتطمح أن يشجى لفـقـدك فـاقـد لعل سرور الفاقدين مع الـفـقـد
يا من عمره يقضي بالساعة والساعة، يا كثير التفريط. في قليل البضاعة، يا شديد الإسراف يا قوي الإضاعة، كأني بك عن قلي ترمى في جوف قاعة، مسلوباً لباس القدرة وبأس الاستطاعة، وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة، كأنهما أخوان في الفظاظة من لبان الرضاعة، وأمسيت تجني ثمار هذي الزراعة، وتمنيت لو قدرت على لحظة الطاعة وقلت "ربِّ ارجعوني" ومالك كلمة مطاعة، يا متخلفاً عن أقرانه قد آن أن تلحق الجماعة.
يا ساهياً لاهياً عمـا يراد بـه آن الرحيل وما قدمت من زاد
ترجو البقاء صحيحاً سالماً أبداً هيهات أنت غداً فيمن غدا غاد
مركب الحياة تجري في بحر البدن برخاء الأنفاس، ولا بد من عاصف قاصف تفككه وتغرق الركاب.
حكم المنية في البرية جـار ما هذه الدنيا بـدار قـرار
جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنمـا أعماركم سفر من الأسفـار
يا لقم الآجال يا أشباه الدجال، أما تسمعون صريف أنياب الصروف? كم غافل وأكفانه عند القصار? ولبن قدره قد ضرب، يا سخنة عين قرت بالغرور، يا خراب قلب عمر بالمنى، العمر زاد في بادية، يوخد منه ولا يطرح فيه، يا من عمره يذوب ذوبان الثلج توانيك أبرد، كان بعض من يبيع الثلج ينادي عليه: ارحموا من يذوب رأس ماله يا مؤخراً توبته حتى شاب وقت الاختيار، يا ابن السبعين لقد أمهل المتقاضي، البدار البدار فنقاض البدن قد عرقب الأساس.
ولم يبق من أيام جمع إلى منى إلى موقف التجمير غير أماني
بادر التوبة من هفواتك قبل فواتك، فالمنايا بالنفوس فواتك، أعجب خلائقَ الخلائق، محسن في شبابه، فلما لاح الفجر فجر، آه لموسم فاتك، لقد ملأ الأكياس الأكياس، رجلت الرباحة فألحقهم في المنزل.
وكم وقفت وأصحابي بمنـزلة يبيت يقظانها ولهان وهـلانـا
فهاجنا حين حيانا النسيم بـمـا سقناه يوم التقى بالجزع أحيانـا
تبكي وتسعدنا كوم المطي فهل نحن المشوقون فيها أم مطايانا
فلا ومن فطر الأشياء ما وجدت كوجدنا العيس بل رقت لبلوانا
يا هذا عقلك يحثك على التوبة وهواك يمنع والحرب بينهما، فلو جهزت جيش عزم فر العدو، تنوي قيام الليل فتنام، وتحضر المجلس فلا تبكي، ثم تقول ما السبب? "قل هو مِن عند أنفسكم" عصيت النهار فنمت بالليل، أكلت الحرام فأظلم قلبك، فلما فتح باب الوصول للمقبولين طردت، ويحك فكر القلب في المباحات يحدث له ظلمة، فكيف في تدبير الحرام? إذا غير المسك الماء منع التوضوء فكيف بالنجاسة، متى تفيق من خمار الهوى? متى تنته من رقاد الغفلة? للشريف الرضي:
يا قلبِ ما أطولَ هذا الغرام يوم نوى الحيِّ ويوم المُقام
متى تُفيق اليومَ من لـوعةٍ وأنت نشوانُ بغير المُـدام
أين أنت من أقوام كشفت عن أبصار بصائرهم أغطية الجهل? فلاحت لهم الجادة فجدوا في السلوك، كان مسروق يصلي حتى تتورم قدماه، فتقعد امرأته تبكي مما تراه يصنع بنفسه.
أمسى وأصبح من تذكاركم قلقـاً يرثي لها المشفقان الأهل والولد
قد خدد الدمع خدي من تذكركـم واعتادني المضنيان الشوق والكمد
وغاب عن مقلتي نومي فنافرهـا وخانني المسعدان الصبر والجلـد
لا غرو للدمع أن تجري غواربـه وتحته والخافقان القلب والكـبـد
كأنما مهجتي نضو بـبـلـقـعة يعتاده الضاريان الـذئب والأسـد
لم يبق إلا خفى الروح من جسدي فداؤك الباقيان الروح والجـسـد
يا هذا، أول الطريق سهل ثم يأتي الحزن، في البداءة إنفاق البدن وفي التوسط إنفاق النفس، فإذا نزل ضيف المحبة تناول القلب فأملق المنفق قلق القوم بلا سكون، انزعاجهم بلا ثبات، خلقت جفونهم على جفاء النوم، فلو سمعت ضجيجهم في دياجي الليل.
من لقلب يألف الفـكـرا ولعين لا تـذوق كـرى
ولصب بالغرام قـضـى ما قضى من حبكم وطرا
أحصر القوم في سبيل المحبة، فأقعدتهم عن كل مطلوب "لا يستطيعون ضرباً في الأرض".
رأيت الحب نيراناً تلظـى قلوب العاشقين لها وقـود
فلو كانت إذا احترقت تفانت ولكن كلما نضجت تعـود
لاحت نار ليلى ليلاً فنهض المجنون، فخبت فضل فضج.
ردوا الفؤاد كما عهدت إلى الحشى والمقلتين إلى الكرى ثم اهجـروا
الفصل السابع والخمسون
إخواني، قد كفت الكفات في العبر، ووعظ من عبر من غبر، وقد فهم الفطن الأمر وخبر، وما عند الغافل من هذا خبر.
يا أيهـا الـنـاس أين أولـكــم أما أتاكم للـذاهـبـين خـبـر
اعتبروا فالمـقـدمـون خـلـوا وكلهم للـمـؤخـرين عـبـر
تعبر بالمـصـر عـابـراً فـإذا سألت عمن تـود قـيل عـبـر
اصبر على العسر في الزمان فكم عسر ويسر أتاك ثـمـت مـر
والصبر أولى بكل من صـحـب العيش ومن جرب الزمان صبر
يرفع شأن الكـرام فـعـلـهـم والفعل إن خالف الجميل حـذر
كادت شخوص في الأرض بالية تنطق حقاً إذا المـقـال غـدر
بالأمس كنا مـن الأنـام فـأمـا اليوم في تربنا فـنـحـن مـدر
ابك على نفسك قبل أن يبكى عليك، وتفكر في سهم قد صوب إليك، وإذا رأيت جنازة فاحسبها أنت. وإذا عاينت قبراً فتوهمه قبرك وعد باقي الحياة ربحاً.
لمتمم بن نويرة:
لقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قـبـرٍ رأيتـه لقبر ثوى بين اللوى فالدكـادك
فقلت له إن الشجا يبعث الشجـا فدعني فهذا كله قبر مـالـك
غريب، يا راكباً عجز الهوى وفي يده جنيب، يا ماراً على وجهه قل لي متى تنيب? ألا تأخذ قبل الفوت بعض النصيب? ألا تتزود ليوم شره شر عصيب?،
ألا تخرج عن وادي الجدب إلى الربع الخصيب? أحاضر أنت قل لي، ما أكثر ما تغيب، ألا مريض لبيب يقبل رأي الطبيب، إن الرحيل بلا عدة فج،
فكيف به على بعد الفج? أحرم عن الحرام وقدر أنه حج، واسكب دموع الأسى واحسبه ثج، واستغث من الزلل ومثله العج،
وبادر، فقد تفوت الوقفة أهل وج، اقبل نصحي فمثل نصحي لا يمج. كم فهم وعظي ذو فطنة فهج، يا من يقول إذا شئت تبت.

اليوم عهدكم فأين الموعد هيهـات لـيس لـيوم عـهــدكـم غـد
اا

إن خرجت اليوم ولم تتب، خرجت من أولي الفهم.

لأيّ مرمى تزجر إلا يانـقـاً إن جاوزت نجداً فلست عاشقاً
وقوع الذنب على القلب كوقوع الدهن على الثوب، إن لم تعجل غسله وإلا انبسط " وإنْ منكُمْ لَيُبْطِئَنَّ ".

يدي في قائم العضب فما الإبطاء بالضرب
ما دامت نفسك عند التوبيخ تنكسر، وعينك وقت العتاب تدمع، ففي قلبك بعد حياة، إنما المعاصي أوجبت سكتة، فانشق هواك حراق التخويف وقد عطس، يا من قد أبعدته الذنوب عن ديار الأنس، ابك وطر الوطن عساك ترد.
قال بعض السلف: رأيت شاباً في سفح جبل عليه آثار القلق ودموعه تتحادر، فقلت: من أين?، فقال: آبق من مولاه، قلت: فتعود فتعتذر? فقال: العذر يحتاج إلى حجة ولا حجة للمفرط، قلت فتتعلق بشفيع? قال: كل الشفعاء يخافون منه، قلت: من هو? قال: مولى رباني صغيراً فعصيته كبيراً، فوا حيائي من حسن صنعه وقبح فعلي، ثم صاح فمات، فخرجت عجوز فقالت: من أعان على قتل البائس الحيران? فقلت: أقيم عندك أعينك عليه، فقالت: خلّه ذليلاً بين يدي قاتله عساه يراه بغير معين فيرحمه.

بالله عليك يا فـتـى الأعـراب إن جزت على مواطن الأحباب
فاشرح سقمي وقل لهم عما بي ذاك المضني يموت بالأوصاب
أيها التائبون بألسنتهم ولا يدرون ما تحت نطقهم?، لا يحكم بإقراركم " حتَّى تعلَموا ما تقولونَ"، متى صدقت توبة التائب بنى بيت التعبد بصخور العزائم ولم ينته في أساسه دون الماء، ما ضرب بسيف العزيمة قط إلا قط، التوبة الصادقة تقلع آثار الذنوب، إذا قرئ على التائب عهد "ألَسْتُ " ذكر الإقرار وعرف الشهود، فخجل من الخيانة فجرت العين وأطرق الرأس، إن التائبين كاتبوا الله بدموعهم وهم ينتظرون الجواب.

يا حادي الأظعان عج متوقفـاً وانظر دموع العاشقين تـراق
صبروا على ألم التهاجر والقلى وتجرعوا مر الفراق وذاقـوا
يا معاشر التائبين من أقامكم وأقعدنا? " إنْ نحنُ إلاّ بشرٌ مثلُكُمْ ولكنَّ اللهَ يمُنُّ على مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ" قفوا لأجل زمن ، ارحموا من قد عطب.

ردّوا المطايا وإلاّ ردها نفسـي وأدمعي فهما سـيلٌ ونـيران
يا سائق الظعن قلبي في رحالهم أمانة رعيها والحفـظ إيمـان
يخيّل لي أن الحيطان تبكي معنا، إن النسيم قد رقّ لحزننا.

فلا ومن فطر الأشياء ما وجدت كوجدنا العيس بل رقت لبلوانا
ما أحسن هؤلاء التوّاب، ما أذل وقوفهم على الباب فاعتبروا " يا أُولي الأَلْبابِ ".

بما بيننا من حرمة هـل رأيتـمـا أرق من الشكوى وأقسى من الهجر
وأفضح من عين المحـب لـسـرّه ولا سيّما إن أطلقت عبرة تجـري
وجوههم أضوأ من البدر، جباههم أنور من الشمس، نوحهم أفضل من التسبيح، سكوتهم أبلغ من فصيح، لو علمت الأرض قدر خوفهم تزلزلت، لو سمعت الجبال ضجيجهم تقلقلت.
لابن المعتز:
اقني فالبـوم نـشـوان والربى صـاد وريّان
وندامى كالنجوم سطـوا بالمنى والدهر جـذلان
خطروا والسكر ينفضهم وذيول الـقـوم أردان
كلما رأيت تقلقلهم، تقلقل قلبي، وإلاّ لمحت اصفرارهم تبلبل لبي، وإذا شاهدت دموعهم زاد كربي، وإذا سمعت حنينهم تبدد ماء عيني.

ما لي وبانات اللوى لولا الصبابة والهيام
.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-13-2009, 05:07 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

الفصل الثامن والخمسون
ما زالت المنون ترمي عن أقواس حتى طاحت الجسوم والأنفس، وتبدلت النعم بكثرة الأبؤس، واستوى في القبور الأذناب والأرؤس، وصار الرئيس كأنه قط لم يرؤس.
قل للمفرط يسـتـعـد ما من ورود الموت بد
قد أخلق الدهر الشباب وما مضى لا يستـرد
فإلى مَ يشتغل الفـتـى في لهوه والأمر جـد
والعمر يقصر كل يوم بي وآمـالـي تـمـد
لقد وعظت الدنيا فأبلغت وقالت، ولقد أخبرت برحيلها قبل أن يقال زالت، وما سقطت جدرانها حتى أنذرت ومالت، قرب الاغتراب في التراب، ودنا سل السيف من القراب، كم غنت رباب برباب، ثم نادت على الباب بتباب يا من زمانه الذي يمضي عليه: عليه، يا طويل الأمل وهو يرى الموتى بعينيه، يا من ذنبه أوجب أن لا يلتفت إليه، قد مزجت لك كأس كربة ولا بد والله من تلك الشربة، يا منقولاً بعد الأنس إلى دار غربة، يا طين تربة، وهو يطلب في الدنيا رتبة، هذا مجلس ابن زيد فأين عتبة?، أتلهو برند الصبا وبأنه? ويروقك برق الهوى بلمعانه، وتغتر بعيش في عنفوانه، فتمد يد الغفلة إلى جني أغصانه، وتنسى أنك في حريم خطره وامتحانه، أما لقمة أبيك أخرجته من مكانه? أما نودي عليه بالفطر في رمضانه? أما شأنه شانه لولا وكف شانه? أما يستدل على نار العقاب بدخانه? نزل آدم عن مقام المراقبة درجة فنزل فكان يبكي بقية عمره ديار الوفا، برد النفس بالهوى لحظة أثمر حرارة القلق ألف سنة، فاعتبروا، سالت من عينيه عيون، استحالت من الدماء دموع شغلته عن لذات الدنيا هموم.
للمهيار:
هل بعد مفترق الأظعان مجتمـعُ أم أهل زمانٍ بهم قد فات مرتجعُ
تحملوا تسعُ البـيداءُ ركـبَـهُـمُ ويحمل القلب منهم فوق ما يسـعُ
الليلُ بعدهمُ كالهجـر مـتـصـلٌ ما شاء والنومُ مثلُ الوصل منقطعُ
اشتاق نعمان لا أرضى بروضتـه داراً وإن طاب مصطافٌ ومرتبَعُ
كان آدم كلما عاين الملائكة تنزل تذكر المرتبع في الربع فتأخذ العين أعلى في إعانة الحزين.
رأى بارقاً من نحو نجـدٍ فـراعـه فبات يسح الدمع وجداً على نـجـد
هل الأعصر اللاتي مضين يعدن لي كما كن لي أم لا سبيل إلـى الـرد
ما أمر البعد بعد القرب، ما أشد الهجر بعد الوصل، يا مطروداً بعد التقريب أبلغ الشافعين لك البكاء.
للمتنبئ:
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى إذا لم بعد ذاك النسيمَ الذي هبّـا
ذكرت به وصلاً كأن لم أفُزْ بـه وعيشاً كأني كنت اقطعه وثبـا
كان لقوم جارية، فأخرجوها إلى النخاس فأقامت أياماً تبكي، ثم بعثت إلى ساداتها تقول: بحرمة الصحبة ردّوني فقد ألفتكم. يا هذا قف في الدياجي وامدد يد الذلّ، وقل قد كانت لي خدمة، فعرض تفريط أوجب البعد، فبحرمة قديم الوصل ردوني فقد ألفتكم.
علِّلونا بـوصـالٍ نـافـعٍ إننا للبعد كالشيء اللـقـا
أو خذوا أرواحنا خالـصة أو ذروا في كل جسمٍ رمقا
وارحموا من تنقضي أيامه غمرات والليالـي أرقـا
ويح قلبي ما لقلبي كلـمـا خفق البرق اليماني خفقـا
يا هذا لا تبرح من الباب ولو طردت، ولا تزل عن الجناب ولو أبعدت، وقل بلسان التملق إلى من اذهب?
يا ربع إن وصلوا وإن صرموا فهم الأولى ملكوا الفؤاد هـمُ
شغلوا بحسنهـم نـواظـرنـا وعلى القلوب بحبهم ختمـوا
أتبعتهم نظراً فـعـاد جـوى ومن الشفاء لذي الهوى سقـم
تمحو دموعي وسم إبـلـهـم وزفير أنفاسي لـهـا يسـم
كان الحسن شديد الحزن، طويل البكاء سئل عن حاله، فقال: أخاف أن يطرحني في النار ، ولا يبالي.
يعزُّ عليَّ فراقـي لـكـمُ وإن كان سهلاً عليكم يسيرا
يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، استغث في بوادي القلق ردّوا عليَّ لياليَّ التي سلفتن أحضر في السحر فإنه وقت الإذن العام، واستصحب رفيق البكاء فإنه مساعد صبور، وابعث سائل الصعداء فقد أقيم لها من يتناول.
للمصنف:
عبرت بريحكم الصبا سـحـراً فارتاح قلبي المدنف الحرض
ما لي أراك سـقـيمة بـهـم يا ريح عندي لا بك المـرض
أتبعتها نـفـسـاً أشـيّعـهـا فإذا جروح القلب تنتـقـض
قف صاحبي إن كنت تسعدنـي عند الكثيب فثمَّ لـي غـرض
وانشد فؤادي عنـد كـاظـمة في كل ركب راح يعتـرض
أشكو ومني مبـتـدى ألـمـي عيني رمت وفؤادي الغـرض
فرضوا على الأجفان إذ هجروا لا تلتقي فاصبر لما فرضـوا
كيف اصطباري بعد فرقتـهـم يا جيرة ما عنـهـم عـوض
الفصل التاسع والخمسون
يا من سيب قلبه في مراعي الهوى، وألقى حبله على الغارب، سلم من يطول نشدانه للضلال?.
للمهيار:
دع ملامي بالحمى أو رح ودعني واقفاً أطلب قلباً ضـاع مـنـي
ما سألت الدارَ أبغي رجـعـهـا ربَّ مسئول سواها لم يجبـنـي
أنا يا دار أخـو وحـشِ الـفـلا فيكِ من خان فعزمي لم يخنـي
ولئن غال مغـانـيك الـبـلـى عادة الدهر فشخصُ منك يُغنـي
إن خَبَتْ نارٌ فـهـذي كـبـدي أو جفا الغيثُ فهذا لك جفـنـي
أكثر فساد القلب من تخليط العين، مادام باب العين موثقاً بالغض فالقلب سليم من آفة، فإذا فتح الباب طار طائر وربما لم يعد، يا متصرفين في إطلاق الأبصار جاء توقيع العزل " قُلْ للمؤمنينَ يَغُضُّوا من أبصارِهِم " إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور والقلب كعبة "ويسعني " وما يرضي المعبود بمزاحمة الأصنام.
عيناي أعاننا على سفك دمـي يا لذة لحظة أطالت ألـمـي
كم أندم حين ليس يغني ندمـي ويلي ثبت الهوى وزلت قدمي
يا مطلقاً طرفه لقد عقلك، يا مرسلاً سبع فمه لقد أكلك، يا مشغولاً بالهوى مهلاً قتلك، بادر رمقك فقد رمقك، بالرحمة من عذلك.
للمهيار:
عثرتَ يومَ العذيب فاسـتـقـلِ ما كلُّ ساعٍ يُحسُّ بـالـزلـل
ما سلمتْ قبلك القلوب عـلـى الحسن ولا الراجمونَ بالمقـلِ
سافر طرفي يوم الظعائن بالسَّفْ حِ وآبَ الفـؤادُ بـالـخـبـلِ
نظرة غرٍّ جـنـت مـقـارعة يفتك فيها الجبان بـالـبـطـل
حصلت منها على جراحتـهـا واستأثر الظاعنون بالـنـفـل
إذا لاحت للتائب نظرة لا تحل، فامتدت عين الهوى، فزلزلت أرض التقى ونهض معمار الإيمان " وأَلْقَى في الأرضِ رواسيَ أنْ تميدَ بكُمْ " لاحت نظرة لبعض التائبين، فصاح:
حلفت بدين الحب لا خنت عهدكم وتلك يمين لو علمت غمـوس
إذا خيم سلطان المعرفة بقاع القلب، بث جنده في بقاع البدن، فصارت السباخ رياضاً لرياضة ساكن في القلب يعمره إذا نزل الحبيب ديار القلب لم يبق فيه نزالة.
وكان فؤادي خالياً قبـل حـبـكـم وكان بذكر الخلق يلهـو ويمـرح
فلما دعا قلـبـي هـواك أجـابـه فلست أراه عـن فـنـائك يبـرح
رميت ببعد منك إن كنـت كـاذبـاً وإن كنت في الدنيا بغـيرك أفـرح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل فلست أرى قلبي لغيرك يصـلـح
أول منازل القوم، عزفت نفسي عن الدنيا، وأوسطها لو كشف الغطاء، ونهايتها ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه.
وما تطابقت الأجفان عـن سـنة إلا وجدتك بين الجفن والحـدق
وهل ينام حزينٌ موجـعٌ قـلـقٌ أجفانه وكلت بالسـهـد والأرق
شغلت نفسي عن الدنيا ولذتـهـا فأنت والروح شيء غير مفترق
فلم تعذبها بالـصـد يا أمـلـي ارحم بقية ما فيها من الرمـق
أرواح المحبين خرجت بالرياضة من أبدانها العادات، وهي في حواصل طير الشوق ترفرف على أطلال الوجد، وتسرح في رياض الأنس عند المحبين شغل عن الجنة فكيف يلتفتون إلى الدنيا?، ما ترى عين المحبين إلا المحبوب، فبي يسمع وبي يبصر.
أنت عين العين إن نظرت ولسان الذكر إن ذكـرا
أنت سمعي إن سمعت به أنت سر السر إن خطرا
ما بقي لي فيك جـارحة كلها يا قاتـلـي أسـرا
باتت قلوبهم يقلقها الوجد، فأصبحت دموعهم يسترها الجفن، فإذا سمعوا ناطقاً يهتف بذكر الحبيب، أخذ جزر الدمع في المد، من أقلقه الخوف، كيف يسكن? من أنطقه الحب، كيف يسكت?، من آلمه البعد، كيف يصبر? سل عنهم الليل فعنده الخبر، أتدري كيف مر عليهم? أبلغك ما جرى لهم? أيعلم سال كيف بات المتيم?، افترشوا بساط قيس، وباتوا بليل النابغة، إن ناحوا فأشجى من متيم، وإن ندبوا فأفصح من خنساء، اجتمعت أحزاب الأحزان، على قلب الخائف، فرمت كبداء الخوف الكبد فوصل نصل القلق ففلق حبة القلب فانقلب فصاح الوجد من شاء اقتطع، فلو رأيت فعل النهاية لرحمت المتمزق.
للمهيار:
أيها الرامي وما أجرى دماً لا تجنب قد أصبتُ الغرضا
اطلبوا للعين فـي أثـنـائه نظرةً تكحِلُها أو غُمُـضـا
طال حبس المحبين في الدنيا عن الحبيب، فضجت ألسن الشوق فلو تيقظت في الدجى سمعت أصوات أهل الحبوس.
للمصنف:
طال ليلـي ودامـا ومنعت المنـامـا
وجد الوجد عنـدي منذ بانوا مقـامـا
ليتهم حين راحـوا ودعوا مستهـامـا
سار قلبي وجسمي لم يسر بل أقامـا
لست أدري فؤادي إذ غذوا أين هامـا
حبهم قرت قلبـي منذ كنت غلامـا
حملوا ضعف قلبي يذبلا وشمـامـا
كم رموني برشـقٍ وأحدوا سهـامـا
ما لعيني تبـكـي إن سمعت حمانـا
كلما نـاح رشـت فظننت الغمـامـا
هل نسيم لكـربـي أين ريح الخزامى
هجركم يا حبيبـي كان موتاً زؤامـا
أكل اللحم مـنـي ثُم أبلى العظامـا
صار ليلي نهـاراً ونهاري ظـلامـا
إنما بـتُّ أشـكـو لوعتي والغرامـا
فاعذروا أو فلوموا ما أبالي الملامـا
إفرجوا عن طريقي قد خلعت اللجامـا
ورميت سـلاحـي وكشفت اللثـامـا
أسعدوني فـإنـي قد فنيت سقـامـا
الفصل الستون
إخواني، تفكروا في الذين رحلوا، أين نزلوا، وتذكروا أن القوم نوقشوا وسئلوا، واعلموا أنكم كما تعذلون، عذلوا ولقد ردوا بعد الفوات لو قبلوا.
لأبي العتاهية:
سألت الدار تخبرنـي عن الأحباب ما فعلوا
فقالت لي أناخ القـوم أياماً وقـد رحـلـوا
فقلت فأين أطلبهـم? وأيّ منازلٍ نـزلـوا
فقالت بالقبـور وقـد لقوا والله ما فعلـوا
أناسٌ غـرّهـم أمـلٌ فبادرهم بـه الأجـل
فنوا وبقي على الأيام ما قالوا وما عملـوا
وأثبت في صحائفهـم قبيح الفعل والزلـل
فلا يستعتـبـون ولا لهم ملجـأ ولا حـيل
ندامى في قبـورهـم وما يغني وقد حصلوا
أين من كانت الألسن تهذي بهم لتهذيبهم، وأصبحت فلك الاختبار تجري بهم لتجريبهم، أقامت قيامتهم منادي الرحيل لتغري بهم لتغرييهم، فباتوا في القبور وحدانا لا أنيس لغريبهم، أين أهل الوداد الصافي في التصافي، أين الفصيح الذي إن شاء أنشأ في القول الصافي، أين قصورهم التي تضمنتها مدايح الشعراء صار ذكر القوى في القوافي، لقد نادى الموت أهل العوالي والقصور العوالي الطوافي، تأهبوا لقدومي فكم غرثان طوى في طوافي، رحل ذو المال وما أوصى في تفريق كدر أو صافي ، ولقي في مره أمراً مراً لا تبلغه أوصافي، ذاقوا طعام الآمال فانتزع من أفواههم يوم المآل، وعاد الخوى في الخوافي، عوى في ديارهم ذئب السقام، بتكذيب العوافي، انقطعت آمالهم، وصار كل المنى في دفع المنافي، تزلزل ود أحبابهم والتوى وبت ألتوي في التوافي، تالله لقد نال الدود والبلى، ما أرادا منهم وألفيا في الفيافي.
آلت قبورهم إلى الخراب أولا، فلا يدري أهذا قبر المولى أولا، وهم سواءٌ في السوافي، كم أعرضوا عن نصيحٍ وقد رفعوا ما تلافى التلافي، كم ندموا على ضياع زمانهم الذي خلا في خلافي، كم رأيت عاصيهم قد أعرض عني إلى عدوي والتجا في التجافي، أما أخبرتهم بوصف النار إنها " نزَّاعةٌ للشَّوى " في الشوافي، فاعتبر بحالهم فإنه يكف كف الهوى وهو الواعظ الكافي، أين الأبصار الحدائد قبل إحضار الشدائد، أما استلبت القلائد من ترائب الولائد، لا بد من إزعاج هذا الراقد، فيقع الفراق بين فريق الفراقد، يا موثقاً في حبالة الصائد، والله ما كذبك الرائد، يا عمي البصيرة ولا قائد، كم أضرب في حديد بارد.
أليلى وكلٌّ أصبح ابن ملـوّح ولبنى وما فينا سوى ابن ذريح
ذهبت أعماركم في طلاب الشهوة والموت قد دنا، فما هذه السهوة والقلوب غافلة فإلام القسوة? والصلح معرض فختام الجفوة، أين رب المال ابن ذو الثروة?، أما فرس الموت ذا الفرس? وأخلى الصهوة.

طوبى للمتيقظين إنهم لقدوة، علموا عيب الدنيا فما أمسكوا عروة، وأنت في حبها كقيس وعروة، أيحسن بعد الشيب لهو وصبوة، أأبقى نأي الزمان طيب ناي وقهوة? قربت نوق الرحيل، مساء وغدوة، جذبت أيدي المنون كرها وعنوة، يا قليل التدبير ولا عقول النسوة، إلى كم عيب وعتب، أما فيكم نخوة? واعجباً لتاجر يرضى بتعب شهر ليتمتع بربحه سنة، فكيف لا يصبر أيام عمره القليلة ليلتذ بربحها أبداً.
يا من يروح ويغدو في طلب الأرباح، ويحك اربح نفسك، يا أطفال الهوى طال مكثكم في مكتب التعليم، فهل فيكم من أنجب? أقروا أدلة التوحيد من ألواح أشباحكم، وتلقفوها من أنفاس أرواحكم، قبل أن يستلب الموت من أيدي اللاهين ألواح الصور، ويمحو سطور التركيب بكف البلى وما فهم المكتوب بعد، كم يلبث مصباح الحياة على نكباء النكبات، من رأى بعين فكره معاول النقض، في هذا المنزل ناح على السكان.
يا هذا مشكاة بدنك في مهاب قواصف الهلاك، وزجاجة نفسك في معرض الانكسار، فاغتنم زمان الصفو فأيام الوصل قصار، كم يلبث قنديل الحياة على عواصف الآفات، أنفاس الحي خطاه إلى اجله، درجات الفضائل كثيرة المراقي وفي الأقدام ضعف وفي الزمان قصر، فمتى تنال الغاية?.
وقف قوم على راهب، فقالوا: إنا سائلوك أفمجيبنا أنت? قال: سلوا ولا تكثروا، فإن النهار لن يرجع، والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد، قالوا: فأوصنا، قال: تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما أبلغ البغية.
إخواني، الأيام صحائف الأعمار فخلدوها أحسن الأعمال، الفرص تمر مر السحاب والتواني من أخلاق الخوالف، من استوطأ مركب العجز عثر به، تزوج التواني بالكسل فولد بينهما الخسران. كان عمر وعائشة يسردان الصوم، وسرد أبو طلحة أربعين سنة، وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان عامر بن عبد الله يصلي كل يوم ألف ركعة، وختم أبو بكر بن عياش في زاوية بيته ثماني عشر ألف ختمة، وكان لكهمش في كل شهر تسعون ختمة، وكان عمير بن هاني يسبح كل يوم مائة ألف تسبيحة:
صافحوا النجم على بعد المنـال واستطابوا القيظ من برد الظلال
واستذلوا الوعر من أخطـارهـا إنما الأخطار أثمان المعـالـي
كبوا الضـرر إلـيهـا ربـمـا صحت الأجسام يوماً بالهـزال
جروا يوماً إلـى غـاياتـهـا بالعوالي السمر والقب العوالي
وكان الأسود بن يزيد يصوم حتى يخضر ويصفر، وكان ابن أدهم كأنه سفود من العبادة، وكانت رابعة كأنها شن بال، ومات حسان بن أبي سنان فكان على المغتسل كالخيط، وكان محمد بن النضر لو كشط جميع لحمه لم يبلغ رطلاً:
جزى الله المسير إليه خيراً وإن ترك المطايا كالمزاد
أكبر دليا على الحب نحول الجسم واصفرار اللون.
للحارثي:
سلبت عظامي كلها فتركـتـهـا مجردة تضحي لديك وتخـضـرّ
وأخليتها من مخهـا فـكـأنـهـا أنابيب في أجوافها الريح تصفـر
إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعـت مفاصلها من خوف ما تنتـظـر
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري ضنى جسدي لكننـي أتـسـتـر
وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روحٌ تذوب فتـقـطـر.
قال الجنيد: دخلت على سري السقطي فمد جلدة ذراعه وقد يبست على العظم، فما امتدت، فقال: والله لو شئت أن أقول هذا من محبته لقلت:
وهواك ما أبقى هواك على فيك ولا تـرك
أيلومني فـيك الـذي يزري علي ولم يرك
رفقاً بعبـدك سـيدي هذا عبيدك قد هلك.
الفصل الحادي والستون
يا من أيامه تعظه، حين تبنيه وتنقضه، يا من صحته تمرضه، وسلامته تحرضه، يقرض عمره فيفنى ومن يقرضه:
أرى الدهر أغنى خطبه عن خطابه بوعظ شفى البابـنـا بـلـبـابـه
له قلب تهدى القـلـوب صـواديا إليها وتعمى عن وشيك انقـلابـه
هو اللـيث إلا أنـه وهـو خـادر سطا فأغاب الليث عن أنس غابـه
وهيهات لم تسلم حـلاوة شـهـده لصاب إليه من مـرارة صـابـه
مبـيد مـبـاديه تـغـر وإنـمـا عواقبه مخـتـومة بـعـقـابـه
ألم تر من ساس الممـالـك قـادراً وسارت ملوك الأرض تحت ركابه
ودانت له الدنيا وكـادت تـحـلـه على شهبها لولا خمود شـهـابـه
لقد أسلمته حصنـه وحـصـونـه غداة غدا عن كسبه باكتـسـابـه
فلا فضة أنجته عند انفـضـاضـه ولا ذهب أغناه عـنـد ذهـابـه
سلا شخصـه وراثـه بـتـراثـه وأفـرده أتـرابـه بـتـرابــه
كم دارس عليك إن الرابع دارس، كم واعظ ناطق وآخر هامس، كم غمست حبيباً في الثرى كف رامس، كم طمس وجهاً صبيحاً من البلى طامس، تالله ما نجا بطبه بقراط ولا أرسطا طالس، صاح الموت بالقوم فنكس الفارس، أين الفطن اللبيب أين اليقظ القائس? أتشتري أخس الخسائس يا نفس النفائس? أتؤثر لذة لحظة تجني حرب البسوس وداحس? يا مقترين من التقى، اشتروا نفوسكم عن الذنوب تشتروا لها السنادس، أخواني، لو ذكرتم أنكم تبادون ما كنتم بالمعاصي تبادون، لقد صوت فيكم الحادون وما كأنكم للخير ترادون، واعجباً تصادون المواعظ ولا تصادون، إلى متى تراوحون الذنوب وتغادون? يا مقيمين وهم حقاً غادون، أتعادون من يقول إنكم تعادون? كأنكم بكم تقادون إلى مقام فيه تقادون، أما سمعتم كيف نادى المنادون? كل شيء دون المنى دون:
يا نائم الليل تنبه لـلـتـقـى وانهض فقد طال بك القعود
بين يديك حادث لـمـثـلـه يغسل عن أجفانه الـرقـود
ما جحد الصامت من نـشـأه ومن ذوي النطق أتى الجحود
الدهر خطيب كاف، والفكر طبيب شاف، كم قطع زرع قبل التمام فما ظن المستحصد، من عرف الستين أنكر نفسه، من بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية، عواري الزمان في ضمان الارتجاع، يوسف العقل ينظر في العواقب، وزليخا الهوى تتلمح العاجل، يا مقدمين على الحرام أنتم بعين من حرم، ينبغي لمن أُلبس ثوب العافية أن لا يدنسه بوسخ الزلل، زرع النعم مفتقر إلى دوران دولاب الشكر، فإذا فتح القلب سكر الاعتراف بالعجز صار السقي سبحاً.
هذا اليوم يقول: ارضني وعلى رضا أمس، السكون بالبلادة أصعب من التحريك بالهوى، إذا رآك عقلك، وقد تولى حسُّك تدبيرك تولى، ويحك لا تأمن حسك على عقلك فإنه عكس الحكمة، العقل نور والحس ظلمة، الحس أعشى والعقل عين الهدهد، الحس طفل والعقل بالغ، العقل يدخل في المضائق والحس أبله، الحس لا يرى إلا الحاضر والعقل يتلمح الآخر، الصبر عن الأغراض صبر غير أن الحازم يجعل مراقبة العواقب تقوية، ما خلا قط وجه سرور من تعبس مكروه، ولا سلمت كأس لذة، من شائبة نغصة: للمتنبي:
فذي الدار أخونُ من مومس وأخدعُ من كِفةِ الحـابـل
تفانى الرجال على حبّـهـا وما يحصلون على طـائل
كل صاف من الدنيا، مقرون بكدر، حتى أنه في الغيث عيث، أتريد أن لا ينعكس لك غرض? فما هذا موضعه، الهبات ذاهبات، والليل مناهبات، الدنيا قنطرة واستيطان القناطير بله.
هل نجد إلا منـزل مـفـارق ووطن في غيره يقضي الوطر
الهم فيها أكثر من الفرح، والسرور أقل من الحزن "وأنَّ الدار الآخرة لهي الحَيَوان" يا مجتهداً في طلب الدنيا، اجعل عشر اجتهادك للأخرى، جهزت البنات وتزوجت البنين، فأنت بماذا تجهزت للرحيل? يا متقاعداً عن أوامر الرب، احذر أن يقعدك عن نهضاتك تزمن، واعجباً إن حركت إلى الطاعة، فزحل وإن لاح لك الهوى فعطارد عينك قد استرقها المنظور، ولسانك يتصرف فيه اللغو، ويدك. يحركها الزلل، وخطا أقدامك إلى الخطأ، ثم قد أسكنت الهوى قلبك، فأين يكون الملك? وهل ترك لنا عقيل من منزل.
ويحك إن الإنسان يشد في إصبعه خيطاً يتذكر به حاجته، وهل في جسدك عرق أو شعرة إلا وهي تذكر بالخالق، فما وجه هذا النسيان البارد، يا من باعنا نفسه ثم ماطل بالتسليم، لا أنت ممن يفسخ العقد ولا ممن يمضي البيع، تدعي الرحلة إلى دار الحبيب، ودهليز سرادقك إلى بلد الهوى، هيهات لا يدرك علم الربانية إلا من ربى فيه.
للمهيار:
يا قلب ما أنت وأهلَ الحمى وإنما هم أمسُكَ الذاهـبُ
دون نجدٍ وظباءِ الحـمـى أن يُقرح المنسِمُ والغاربُ
لا بد في سلوك الطريق من مصابرة رفيق، البلاء له خلق صعب فاصبر على مداراته، البلايا ضيوف فأحسن قراها لترحل عنك إلى بلد الجزاء مادحة لا قادحة، من حك بأظفار شكواه جلد عيشه أدمى دينه، البلاء ظلمة غبش ويا سرعة طلوع الفجر، اللهم أعن أطفال التوبة على ما ابتلوا به من جوع شديد، فإذا أعد قرص الإفطار نزل ضيف "ويُؤثرون" فزاحم، فأراح "أحَسِبَ الناس أن يُتركوا".
إن هواك الذي بقلـبـي صيرني سامعاً مطيعـا
أخذت قلبي وغمض عيني سلبتني النوم والهجوعـا
فذر فؤادي وخذ رقـادي فقال لا بل هما جميعـا
فإذا تمكنت قدم المريد وطاب له ارتضاع ثدي الوصال قطع عنه في أهنأ ما كان يراد منه زيادة القلق، في الحديث يوحي الله تعالى إلى جبريل عليه السلام اسلب عبدي حلاوة مناجاتي فإن تضرع إليّ فردها، فلو سمعت استغاثة المحبين، لأورثتك القلق:
على بعدك لا يصبر من عادته القـرب
ولا يقوى على حجبك من تيمـه الـحـب
فمهلاً أيها الساقـي فقد يشهدك القلـب
فإن لم تترك العـين فقد يشهدك القلـب
الفصل الثاني والستون
يا من قد غلبته نفسه وبطش بعقله حسه، استدرك صبابة اليقظة وصح في سمع قلبك بموعظة.
يا نفس توبي فإن الموت قد حـانـا واعصى الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترينا المنايا كيف تـلـقـطـنـا لقطاً وتلحـق أخـرانـا بـأولانـا
في كل يوم لنـا مـيت نـشـيعـه نرى بمصرعـه آثـار مـوتـانـا
يا نفس مالي وللأموال أتـركـهـا خلفي وأخرج من دنياي عـريانـا
أبعد خمسين قد قضيتـهـا لـعـبـاً قد آن أن تقصري قـد آن قـد آنـا
ما بالنا نتعامى عـن مـصـائرنـا ننسى بغفلتنا من لـيس ينـسـانـا
نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجـرنـا كان زاجرنا بالحـرص أغـرانـا
أين الملوك وأبناء المـلـوك ومـن كانت تخر لـه الأذقـان إذعـانـا
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبـوا مستبدلين من الأوطـان أوطـانـا
خلوا مدائن كان العز مفـرشـهـا واستفرشوا حفراً غبراً وقيعـانـا
يا راكضاً في ميادين الهوى مرحـاً ورافلاً في ثياب الغي نـشـوانـا
مضى الزمان وولى العمر في لعب يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا
أين الزاد يا مسافر? أين درع التقوى يا سافر? لقد أنشب الموت فيك الأظافر ولا تشكن أنه ظافر، هذه النبل فأين المغافر، كيف تصنع إن غضب الغافر? يا مبارزاً بالقبيح أمؤمن أنت أم كافر? إن قمت سدلت من ثياب كبرك وإن أقمت سدرت من شراب خمرك، اصطفقت أبواب المواعظ. وما استفقت، تقف في الصلاة بغير خضوع وتقرأ للتخويف وما ثم خشوع، يا نائماً عن صلاحه كم هذا الهجوع? يا دائم الحضور عندنا هل عمرك إلا أسبوع? إن لنجم الحياة لأفول، ولشمس الممات لطلوع، أين أبوك أين جدك? السيف قطوع، كيف تبقى مع كسر الأصول ضعاف الفروع? تعلق الدنيا بقلبك وتعتذر بلفظ مصنوع، إصرارك كالصحيحين وإقلاعك حديث موضوع، مزق أملك. فالعمر قصير، حقق عملك فالناقد بصير، زد زاد سفرك فالطريق بعيد، ردد نظر فكرك فالحساب شديد، صح بالقلب لعله يرعوي، سلمه إلى الرائض عساه يستوي، يا مؤثر البطالة عالم الهوى دنس، عاشق الهوى جامد الفكر فلو ذاب ما ذاب.
سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير وصلك باطـل
يا هذا وجه ناقتك إلى بادية الزيارة، فإن لها بنسيم نجد معرفة، قفها على الجادة وقد هب لها نسيم الشيح من الحجاز، إن أعوزك في الطريق ماء فتمم مزادتك بالبكاء.
لعلي بن أفلح:
دعها لك الخير وما بدا لـهـا من الحنين ناشطاً عقـالـهـا
ولا تعللـهـا بـجـو بـابـل فهو أهاج بالجوى بلبـالـهـا
ولا تعقها عن عـقـيق رامة فإنها ذكراه قـد أمـالـهـا
نشدتك الله إذا جئت الـربـى فرد أضاها واستظل ضالهـا
وناوح الورق بشجـو ثـاكـل أطفى لها ريب الردى أطفالها
بدأ بآدم في طريق ابتلائه ثلاثمائة سنة، وعام نوح في دمعه ثلاثمائة عام، وضج داود من دائه حتى ذوى، كان كلما هاج حر الحزن هاج نبت الفرج، فحالت الحال دمعاً فأجدب البصر وأعشب الوادي فلو وزنت دموعه بدموع الخلائق لرجحت.
للشريف الرضي:
عندي من الدمع ما لو كان وارده مطيُّ قومك يوم الجزع ما نزحا
غادَرْنَ أسوانَ ممطوراً بعبرتـه ينحو مع البارق العُلوي أين نحا
هل تبلغنهم النفس التي تلـفـت فيهم شعاعاً أو القلب الذي قَرِحا
إن هان سفحُ دمي بالبين عندهُـمُ فواجبٌ أن يهون الدمع إن سُفحا
كان يحيى بن زكريا يبكي حتى رق جلدة خده وبدت أضراسه، هذا وقد كان على الجادة فكيف بمن ضل? واعجباً من بكائه وما ثم مأتم، فكيف بمن ما انقضى يوم إلا ومأتم ما تم? يا هذا إن كان قد أصابك داء داود، فنح نوح نوح تحيى حياة يحيى.
لا تحبسن ما العـيون فـإنـه لك يا لديغ هـواهـم درياق
شنوا الإغارة في القلوب بأسهم لا يرتجى لأسيرها إطـلاق
واستعذبوا ماء الجفون فعذبـوا الأسرار حتى درت الأمـاق
كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم، وقليل في جنب ما نطق به لسان الوعيد إذا خلا الفكر باليقين، ثارت عجاجة الدمع، فإذا أقرح الحزن القلب استحالت الدموع دماً.
للمهيار:
أجارتنا بالغور والركبُ متـهـمُ أيعلم خالٍ كيف بات الـمـتـيمُ
بنا أنتمُ من ظاعنين وخـلّـفـوا قلوباً أبت أن تعرف الصبر عنهمُ
ولما انجلى التوديع عما حذرتـه ولم يبق إلا نظـرةٌ تـتـغـنـمُ
بكيتُ على الوادي فحرمتُ ماءه وكيف يحلُّ المرءُ أكـثـره دم?
واعجباً أطار حكم حديث العذيب وأنتم من وراء النهر، يا منقطعين عن الأحباب تعالوا نمشي رفقة، فمجمعنا مأتم الأسى، موعدنا مقابر الأسف.
تعالين نعالج زفرة البين تعـالـينـا
نزود إذناً شكـوى وتودع نظرة عينا
ونبكي من يد البـين عسانا نعطف البينا
فما زاد النـوى إلا لجاجاً ما تباكـينـا
إلى أين أما تعـلـم يا سائقـهـا الأينـا
إذا عرست بالجرعاء وسطا بين ما بينـا
فحيى اللـه يبـرين وعين الرمل حيينـا

الفصل الثالث والستون
يا هذا، عاتب نفسك على تفريطها ثم حاسبها على تخليطها، حدثها بما بين يدها وأخبرها، أشر عليها بمصلحتها ودبرها.
استمدي للموت يا نفس واسعي لنجاة فالحازم المـسـتـعـد
قد تبينت أنه لـيس لـلـحـي خلود ولا مـن الـمـوت بـد
أي ملك في الأرض أو أي حظ لامرئ حظه من الأرض لحد
كيف يهوى امـرؤ لـذاذة أيام عليه الأنفاس فـيهـا تـعـد
آه لنفوس بغرور هذه الدنيا يخدعن، فإذا فاتهن شيء من فان توجعن، شربن من مياه الغفلة وتجرعن، فلما بانت حبة الفخ أسرعن، فما انجلت ساعة التفريط حتى وقعن، أما علمن أنهن يحصدن ما يزرعن، أما تيقن أنهن في هلاكهن يشرعن، يا قلة ما تنعمن، ويا احتقار ما تمتعن، أما هن عن قليل في اللحد يضجعن، أين تلك الأقدام المشيعة لهن? تصدعن، بئس حافظ الأجساد تراب يقول دعهن لما أودعهن، طال ما كن يوترن الذنوب ويشفعن، فلو رأيتهن بعد الموت يتضرعن "رب ارجعون" لا والله لا يرجعن، يا عجباً هذه الآفات لهن ويهجعن، وهذا الحبس الشديد ويرتعن، يا لها من مواعظ فهل أثرن أو نجعن.
يا هذا، اخل بنفسك في بيت الفكر، واعذلها في الهوى فإن لم تلن فاخرج بها على عسكر المقابر، فإن لم ترعوي فاضربها بسوط الجوع.
يا هذا، العزلة. تجمع الهمم، والمخالطة نهابة، الهوى مرضع كثير التخليط، فهذا طفل قلبك كثير المرض، عجل فطامه وقد صح، العزلة والقناعة والصبر والعفة والتواضع عقاقير كيمياء النجاة يبلغن بمستعملهن مرتبة الغنى، والحرص والشره والغضب والعجب والكبر كلهم مجانين في مارستان العقل وهو القيم عليهم، فليتحذر الغفلة عنهم فإنه إن أفلت مجنون حل الباقين.
يا هذا حصن السلامة العزلة، أقل ما في الخروج منه من الأذى، مصادمة الهواء المختلف المهاب في بادية الشهوات، وقد عقبته جنوب المجانبة للصواب، فصار وباء، وإياك أن تتعرض لهواء الوبي مغتراً بصحة مزاجك، فإنك إن سلمت من فضول الفتن من التلف لم تأمن زكمة، ومتى تمكنت زكمة الهمة لم تشم الفضائل.
يا قلب الأم لا يفيد النـصـح عمر ولى وقد توالى القبـح
جرح دام وقد تبـدى جـرح ما تشعر بالخمار حتى تصحو
لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين، لاح لهم هلال الهدى في صحراء اليقظة، فبيتوا نية الصوم عن الهوى على عزم: عزفت نفسي عن الدنيا، دخل محمد بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز وقد غيره الزهد فأنكره، فقال: يا ابن كعب فكيف لو رأيتني بعد ثلاثة أيام في قبري?
لم تبق فيهم حرارات الهوى وجوى الأحزان غير خيالات وأشـبـاح
تكاد تنكرهم عين الخبـير بـهـم لولا تـردد أنـفــاس وأرواح
كان وهيب بن الورد قد نحل من التعبد، فكانت خضرة البقل تبين تحت جلدة بطنه.
للمهيار:
زعمتِ لا يُبلي هواك جسدي بَلى وحسبي بكم لقد بـلـى
دارُك تدري أنه لولا الهوى ما طل دمع مقلتي في طَلَلِ
أخواني من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.
لصردر:
وكم ناحل بين تلك الخيام تحسبه بعضَ أطنابهـا
أنضى القوم رواحل الأبدان في سفر الشوق حباً لتعجيل اللقاء، فكم طووا منزلاً على الظماء حتى كل كل المطي بتلك الجعجعة، ورفيق الرفق يصيح بهم.
للمهيار:
دعوها ترِدْ بعد خمسٍ شروعـاً وارخوا أزمتها والنـسـوعـا
وقولوا دعاءً لها: لا عُـقـرتِ ولا امتدَّ دهـرُك إلا ربـيعـا
حملن نشاوى بكأس الـغـرام فكلُّ غدا لأخـيه رضـيعـا
إذا أجدبوا خصّهم جـد بـهـم وإن أخصبوا كان خِصباً جميعا
طِوال السواعد شـمّ الأنـوف فطابوا أصولاً وطابوا فروعا
أحبُّوا فرادى ولكنهم عـلـى صيحة البين ماتوا جمـيعـا
حموا راحة النوم أجفانَـهـم ولفوا على الزفرات الضلوعا
أسكّان رامة هل مـن قِـرىً فقد دفع الليل ضيفاً قنـوعـا
كفاه من الزاد أن تـمـهـدوا له نظراً أو حديثـاً وسـيعـا
قيل لأبي بكر النهشلي وهو في الموت اشرب قليلاً من الماء فقال: حتى تغرب الشمس.
للمهيار:
نفّرها عن وِردها بـحـاجـر شوقٌ يعوق الدمع في المحاجر
وردّها على الطوى سواغـبـاً ذلُّ الغرام وحنـين الـذاكـر
واشوقاه إلى تلك الأشباح، سلام الله على تلك الأرواح.
ها إنها مـنـازل تـعـودت مني إذا شارفتها التسلـيمـا
وقفت فيها سالماً راد الضحى ورحت من وجد بها سليمـا
يا نفحة الشمال من تلقـائهـا ردي على ذلك النـسـيمـا
يا هذا إن أردت لحاق السادة فخل مخالفة الوسادة، واجعل جلدتك بردتك، وحد عن الخلق والزم وحدتك، اكحل ع**** بالسهر والدمع وضع على قروح الجوع مرهم الصبر، وتزود للسير زاد العزم، واقطع طريق الدنيا بقدم الزهد، واخرج إلى خصب الأخرى عن ضنك الدنيا، وسح في بوادي التقى لتنزل بوادي الفخر، فإن وصلت إلى دوائك تناولته من يد "يُحبُّهم ويُحبونه" وإن مت بدائك فمقابر الشهداء "في مَقْعَدِ صدق".
?الفصل الرابع والستون
يا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، من خطر ذكر الرحيل بباله قنع بالبلغ ولم يباله.
مالك للحادثات نهـب أو للذي حازه وراثه
أولك أن تتخذه ذخـراً فلا تكن أعجز الثلاثه
لا بد والله من العبور إلى منزل القبور، يسفي عليك الصبا والدبور وأنت تحت الأرض تبور، آه من طول الثبور، بعد طيب الحبور، يا لكسر بعيد الجبور، لا ينفع فيه صبر الصبور، يندم على عثرته العثور، ويفترش الدثور حتى يثور، أين كسرى وبهرام جور، أين المتقلبون حجور الفجور? أين الحليم أين الضجور? أين المهر العربي، والناقة العيسجور، أين الظباء الكنس والأتراب الحور، كن يزين در البحور بالنحور، غرق الكل في يم من التلف زخور، واستوى الوضيع والفخور، تحت الصخور، لا فرق بين ذات الإيماء وذوات الخدور في ذلك المهبط الحدور، لقد بان للكل أن الدنيا غرور، وعرفوا في المصير. شرور السرور، وتيقنوا أن تزوير الأمل للخلد زور وتفصلت أعضاؤهم ولا تفصيل لحم الجزور، ودكت بهم الأرض ولا كما دك الطور، وبانت حسباناتهم وفيها قصور وتأسفوا على مساكنة القصور في مساكن القصور، وهذا المصير ولو عمرتم عمر النسور، والرامي مصيب وما يدفع السور، فإذا انقضت بعده تلك العصور ونفخ في الصور، وخرجت أطيار الأرواح من أعجب الوكور، وباتت الأرض تموج والسماء تمور، ولقي الكفور ناراً تلتهب وتفور، انزعج الخليل والكليم. فمن بشر وطيفور.
كم للـمـنـايا فـي بـنـي آدم توسع منه تضـيق الـصـدور
فالوقت لا تـحـدث سـاعـاتـه إلا الردى المحض بوشك المرور
أيامـنـا الـسـبـعة أيسـارنـا وكلنا فيهـا شـبـيه الـجـزور
طهرت ثـوبـاً واهـياً ثـم مـا قلبك إلا عـادم لـلـطـهـور
لو فطـن الـنـاس لـدنـياهـم لا اقتنعوا منها اقتناع الـطـيور
ويحك إن الدنيا تغر ولا بد لك منها، فخذ قدر الحاجة على حذر، أما ترى الطائر كيف يختلس قوته? هذا العصفور يألف الناس فلا يسكن داراً لا أهل بها وهو مع هذا الأنس شديد الحذر ممن جاور، هذا الخطاف يقطع البحر لطلب الأنس بالأنس ثم يتخذ وكره في أحصن مكان من البيت، ولا يحمله الأنس بهم على ترك الحذر منهم، بل يعطي الأنس حقه والحزم حقه.
أما عرفت أدب الشرع في تناول المطعم، ثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس، شره الحرص يغبى بلا غم البلادة، ولا يسهل شرب المسهل إلا على من تأذى بحركات الأخلاط، لا يقدر على الحمية إلا من تلمح العافية في العاقبة، شغل العقل النظر في العواقب، فأما الهوى فإيثار لذة قليلة تعقب ندامة طويلة، فملبس في قضاياه، المؤمن بين حرب ومحراب وكلاهما مفتقر إلى جمع الهم، ويريد المحراب القيام بأشراط الوضوء والدنيا في مقام امرأة واللمس ناقض طريق المتيقن تفتقر إلى رواحل، وابل عزائمكم كلها كال، إنما يصلح للملك قلب فارغ ممن سواه.
وقلبك خان كل يوم ولـيلة يفارقه ركب وينزله ركب
في كل يوم ترهن قلبك على ثمن شهوة فيستعمله المرتهن فدق أخلق، أنت توقد نار التوبة في المجلس، في الحلفاء، فإذا أردت منها قبساً بعد خروجك لم تجد، تبكي ساعة الحضور على الخيانة والمسروق في جيبك، يا مظهراً من الخير ما ليس له لا تبع ما ليس عندك، كم نهاك عن نظرة وتعلم أنه بالحضرة، أفلا تراقب الناظر برد الناظر، وكأنك ما تعرف أن الحاضر حاضر، واعجباً لك، تعد التسبيحة بسبحة، فهلا جعلت لعد المعاصي أخرى، يا من يختار الظلام على الضوء، الذباب أعلى همة منك، متى أظلم البيت خرج الذباب إلى الضوء، أما ترى الطفل في القماط? يناغي المصباح، ويحك، خذ بتلابيب نفسك، قبل أن يجذبها ملك الموت، وقل أيتها النفس الحمقاء، إن كان محمد صادقاً فالمسجد وإلا فالدير.
الناس من الهوى على أصنـاف هذا نقض العهد، وهـذا واف
هيهات من الكدور تبغي الصافي لا يصلح للحضرة قلب جـاف
يا هذا، أكبر دليل عليك علينا، إنك كنت مبدداً في ظهور الأصول فنظمت بالقدرة نظماً عجيباً خالياً عن العبث، فما تنقض إلاّ لأمر هو أعجب منه، مدت أطناب العروق، وحفرت خنادق الأعصاب، وضربت أوتاد المفاصل، وأقيم عمد الصلب، ثم مد السرادق، فنصب سرير القلب في الباطن للملك ويسعني قلب عبدي المؤمن
إذا لم يجد صب على النأي مخبراً عن الحي بعد البين أين أقامـوا
فعند النسيم الرطب أخبار منـزل به لسليمى بالـعـقـيق خـيام
يا هذا، إن كنت محباُ فحبيبك معك في كل حال، حتى عند الموت، وفي بطن اللحد.
للغزي:
يا حبذا العرعر النجدي والـبـان ودار قوم بأكناف الحمى بـانـوا
وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى سم الخياط مع الأحبـاب مـيدان
إذا أقفر قلبك من ساكن ويسعني فتحت النفس باباً لعناكب الغفلة، فنسجت في زواياه من لعاب الأمل، طاقات المنى، اللهم أجر القلوب من جور النفوس، يا سلطان القلب، نشكو إليك النزالة.
الفصل الخامس والستون
إخواني، اعرفوا الدنيا وقد سلمتم، ثم اعملوا فيها بما عملتم، لا يغرنكم منها الوفر، فإنكم فيها في سفر، أما بعد توطئة المهاد الحفر?، أتتوطن مني وتنسى النفر?.
أرى الدنيا وما وصفت ببـر متى أغنت فقيراً أرهقـتـه
إذا خشيت لشر عـجـلـتـه وإن رجيت لخير عوقـتـه
تعلقها ابن جهل في صـبـاه فهام بفارك ما عـلـقـتـه
سقته زمانه مقـراً وصـابـا وكأس الموت آخر ما سقتـه
أبادت قصر قيصر ثم جازت بإيوان ابن هرمز فارتقـتـه
أما افتتحت له في الأرض بيتاً فآوته النزيل وأطـبـقـتـه
إذا انفلت ابنها عنها بـزهـد ثنته بزخرف قد نمـقـتـه
أترى لم تنفع التجارب?، أما ترون الدنيا كيف تحارب?، ألا تلقون حبلها على الغارب?، أما سيف الهلاك في يد الضارب?، تالله لقد جلا صبح اليقين ظلام الغياهب، إلا عزم زاهد، يتوكأ على عصا راهب.
ودنياك إن وهبت باليمين يسار الفتى سلبت باليسار
إخواني، احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت، ذلك يفرقان بين المرء وزوجه، وهذه تفرق بين العبد وربه، وكيف لا، وهي التي سحرت سحرة بابل، إن أقبلت شغلت، وإن أدبرت قتلت.
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهـمـهـا ثم انثـنـت عـنـه فـكـاد يهـيم
ويلاه إن عرضت وإن هي أعرضت وقع السهـام ونـزعـهـن ألـيم
كم في جرع لذاتها من غصص، طالبها معها في نغص:
بكى عليها حتى إذا حصلت بكى عليها خـوفـاً مـن الـغـير
إنها إذا صفت حلالاً، كدرت الدين، فكيف إذا أخذت من حرام?، إن لحم الذبيحة ثقيل على المعاء، فكيف إذا كان ميتة?، الظلمة في الظلمة يمشون في جمع الحطام، يصبحون ويمسون على فراش الآثام " فما ربِحَتْ تجارَتُهُمْ "، من نبت جسمه على الحرام، فمكاسبه كبريت به يوقد، الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب، أتراهم نسوا? طي الليالي سالف الجبارين، وما بلغوا معشار ما آتيناهم، فما هذا الاغترار " وقدْ خَلَتْ منْ قبلِهِمُ المَثُلاتُ " فهم ينتظرون من لهم إذا طلبوا العود " فحِيلَ بينَهُمْ وبينَ ما يشتَهونَ " كم بكت في تنعم الظالم? عين أرملة، وأحرقت كبد يتيم " ولَتَعلَمُنَّ نبأَهُ بعدَ حين" ما ابيض لون الرغيف حتى اسودَّ وجه الضعيف، ما تروّقت المشارب حتى ترنّقت المكاسب، ما عبل جسم الظالم حتى ذوت ذواب ذات قوة، لا تحتقر دعاء المظلوم، فشرر قلبه محمول بعجيج صوته، إلى سقف بيتك، نباله مصيب، ونبله غريب، قوسه حرقه، ووتره قلقه، ومرماته هدف " لأنصرَنَّكَ " وسهم سهمه الإصابة، وقد رأيت وفي الأيام تجريب.
كم من دار دارت بنعم النعم، دارت عليها دوائر النقم " فجعلناها حصيداً" كم جار في حلبة المنى?، قد استولى طرفه على الأمد، صدمه قهر عقوبة، فألقاه أسرع من طرف، بينا القوم ينبسطون على البسيطة، كفت أكفهم بمقامع القمع، لسبتهم عقارب ظلمهم نفخ عليهم ثعبان جورهم، عقرتهم أسود بطشهم، نسفتهم عواصف كبرهم، وفي الغير عبر، ويحك، إذا كانت راحة اللذة تعقب تعب العقوبة، فدع الدعة تمضي في غير الدعة، والله ما تساوي لذة سنة غم ساعة، فكيف والأمر بالعكس?، كم في يم الغرور، من تمساح فاحذر يا غائض، يا من قد أمكنه الزمان من حركات التصرف في العدل فما يؤمن من الزمن الزمن.
ومتى بلغت إلى الرئاسة فاستلب كرة العلى بصوالج المعروف
كان عمر يخاف مع العدل، يا من يأمن مع العدول، رؤى بعد موته باثنتي عشرة سنة، فقال الآن تخلصت من حسابي، واعجباً، أقيم أكثر من سني الولاية، أفينتبه بهذا راقد الهوى? أحسن شعائر الشرائع، العدل، الظلم ظلمة في نهار الولاية، وجدب يرعى لحوم الرعية، والعدل، صوت في صور الحياة، يبعث به موتى الجور، أيها الظالم، تذكر عند جورك عدل الحاكم، تفكر حين تصرفك في سرفك، عجباً لك، تدعي الظرف وتأخذ المظروف والظرف، كلا، أو في الظرافة رأفة، ستعلم أيها الغريم قدر غرامك إذا يلتقي كل ذي دين وماطله، من لم يتبع بمنقاش العدل، شوك الظلم من أيدي التصرف، أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب.
يا أرباب الدول، لا تعربدوا في سكر القدرة، فصاحب الشرطة بالمرصاد، سليمان الحكم قد حبس آصف العقوبة، في حصن "فلا تعجَل عليهم" وأجرى رخاء الرجاء "لئلا يكون للناس على الله حجةٌ" فلو قد هبت سموم الجزاء من مهب "ولئن مستهم نفحة" قلعت سكر "إنما نُملي لهم" فإذا طوفان التلف، ينادي فيه نوح "لا عاصم" فالحذر الحذر "قبل أن تقول نفسٌ يا حسرتا" "ولات حين مناص" وأنت أيها المظلوم فتذكر من أين أتيت? فإنك لا تلقى كدراً، إلا من طريق جناية "لا يُغيِّر ما يقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم".
كان لبّان يخلط الماء باللبن، فجاء سيل فذهب بالغنم، فجعل يبكي ويقول اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلاً، ولسان الجزاء يناديه: يداك أوكتا وفوك نفخ. اذكر غفلتك عن الآمر والأمر وقت الكسب، ولا تنسى إطراح التقوى عند معاملة الخلق، فإذا انقض عاصف فسمعت صوت سوطه يضرب عقد الكسب جزء الخيانة العقود، فلا تستطرف ذلك، فأنت الجاني أولاً، والبادي أظلم.
الفصل السادس والستون
يا مشغولاً بأمله، عن ذكر أجله، راضياً في صلاح خلاله بخلله، هل أتى المساكن لكسله إلا من قبله.
أضحى لك في قبضة المطامع آمال ترجو دركاً والردى لعمرك مغتال
هل أنت معدٌ ليوم حـشـرك زاداً يوماً بجد الفوز بالقـيمة عـمـال
إن أغفلك الدهر برهة فـسـيأتـي ك على غفلة بحتفك مـعـجـال
بادر بمتاب فربما طـرق الـمـو ت بسهم من الـمـنـية قـتـال
أين المتحامون عن زخـارف دنـيا إن أوطنت المرء عقبته بتـرحـال
خلابة عقل بـبـاطـل مـتـمـاد غرارة صاد رأي المطامع كـالال
إن شيم سحاب لها فـذاك جـهـام أو ظن بها وابـل فـذلـك خـال
دع عنك حديث الركاب أين تولـت أو ذكر ديار بها العفـاء وإطـلال
يا حسرة من أنفق الحـياة غـروراً قد باع لها الفرصة الرخيصة بالغال
لا تحتقر الذنب فالصحائف تحصـى ما كنت تناسيت من قبائح أفـعـال
يا ضاحكاً ملء فيه سروراً واغتباطاً، وقد ارتضيت له المنون خيل التلف ارتباطاً، أما بسط الإنذار على باب الدار بساطاً? أما الحادي مجد. فما للمنادي يتباطى? أيحسن بالكبير أن يتمرس الهوى ويتعاطى? عجباً لعالم يقرب المنايا، كيف لا ينتهب التقى التقاطاً، ولجسد بال، جر بالعجب والرياء رياطا، إلى كم هذا الإسراع في الهوى والوجيف? وباب البقاء في الدنيا قد سد وجيف، إن الأمن في طريق قد أخيف، رأي رذيل. وعقل سخيف، يا من يجمع العيب إلى الشيب، ويضيف، لا الماء بارد، ولا الكوز نظيف، إن إيثار ما يفنى على ما يبقى لمزيف لا ظريف، كم أتى خريف وكم أناخ ريف، ويكفي من الكل كل يوم رغيف، أيجوع بشر الحافي? ويشبع وصيف، ويذل هذا ويخدم هذا مائة وصيف، وما أدرك هذا مد هذا. ولا النصيف، إلا أريب إلا لبيب إلا حصيف? لا يعجبنكم استقامة غصن الهوى، فالغصن قصيف ها نحن قد شتونا ولعلنا لا نصيف.
سل الأيام ما فعلت بكسرى وقيصر والقصور وساكنيها
أما استدعتهم للموت طـراً فلم تدع الحليم ولا السفيهـا
دنت نحو الدنى بسهم خطب فأصمته وواجهت الوجيها
أما لو بيعت الدنيا بفـلـس أنفت لعاقل أن يشتـريهـا
يا من عمره يذوب، وما يتوب، إذا خرقت ثوب دينك بالزلل فارقعه بالاستغفار، فإن رفاء الندم صناع في جمع المتمزق.
يا هذا، إنما يضل المسافر في سفره يوماً أو يومين، ثم يقع على الجادة واعجباً من تيه خمسين سنة، يا واقفاً مع الصور خالط عالم المعنى، أما علمت أن تغريد الحمام نياحة، أنت تظن البلبل يغني، وإنما يبكي على أحبابه.
ليت شعري عن الذين تركنا بعدنا بالحجاز هل يذكرونا
أما لعل المدى تطاول حتى بعد العهد بيننا فنـسـونـا
أرجعوا حرمة الوصال فإنا لهم في الهوى كما عهدونا
لو صفت لك فكرة، كان لك في كل شيء عبرة، كل المخلوقات بين مخوف ومشوق، حر الصيف يذكر حر جهنم، وبرد الشتاء محذر من زمهريها، والخريف ينبه على اجتناء ثمار الأعمار، والربيع يحث على طلب العيش الصافي، أوقات الأسحار ربيع الأبرار، وقوة الخوف صيفاً، وبرودة الرجاء شتاءً، وساعات الدعاء والطلب خريف، إذا استحر الحر تقحم القحل، فطلق القسر الأرض، فلبست سربال الجدب، واحدت في حفش الذل، فلما طالت أيام الأيمة، أومأ إلى المراجعة الرجع، فبكت من قطراته لطول الهجر، فضحك لكثرة بكائه روض الأرض، فبنى البناء ريع الربيع، فنهضت ماشطة القدرة، لإخراج بنات النبات من مخدر الثرى، ففرشت الحلل بمصبغات الحلل، فسمع الورد هتاف العندليب، وحنين الدواليب، ففتح فاه مشتاقاً إلى مشروب، فإذا الطل صبوح، فقال ألا منادم? فأبت الأزهار مصاحبة من لا يقيم، فأجابه بعد الياس الياسمين، فقال أنا نظيرك في قصر العمر، والموانسة في المجانسة، فأشر أنت إلى المذنب، باحمرار الخجل، حتى أشير أنا إلى الخائف، باصفرار الوجل، فرأى البلبل طيب الاجتماع فغنى، فرنت ديار اللهو، فدخل الناطور والصياد، فاقتطف الناطور رأس الورد، واختطف الصياد البلبل الوغد، فذبح في الحال العصفور، وحبس الورد في قوارير الزور، وقيل للياسمين. لم اغتررت بزور? "أفحسبتُم أنما خلقناكم عبثاً" فلما بكى الورد بكاء نادم على الاغترار، صلح للمتطيبين "أنين المذنبين أحبُّ إلينا من زجل المسبحين" فانتبه يا مخدوع، فالعمر الورد، والزجاجة القبر، والنفس البلبل، والقفص اللحد.
الفصل السابع والستون
أخواني، المستقر يزول، والمقيم منقول، والأحوال تحول، والعتاب على الفاني يطول، وكم نعذل وكم نقول?
سيقطع ريب البين بين الفريقـين لكل اجتماع فرقة من يد البـين
وكل يقضي ساعة بعـد سـاعة تخاتله عن نفسه ساعة الـحـين
وما العيش إلا يوم موت له غـد وما الموت إلا رقدة بين يومـين
وما الحشر إلا كالصباح إذا انجلى يقوم له اليقظان من رقدة العين
أيا عجباً مني ومن طول غفلتـي أومل أن أبقى وأنـى ومـن أين
أين قطان الأوطان? أين الأطفال والشمطان? أين الجائع والمبطان? أين حطان وقحطان? أين العبيد والسلطان? أين الباني وماطان? أين السقوف والحيطان? أين المروج والغيطان? أين المهاري والأشطان? أين الآجال والخيطان? أين المحب والحبيب في الثرى خطان، تعرف وتصدف "هذا من عمل الشيطان" الطريق الهادية واسعة الفجاج، والدليل ظاهر لا يحتاج إلى احتجاج، وأما بحر الهوى فما يفارقه ارتجاج، ما فيه ماء للشرب، بل كله أجاج، والعجب من راكب فيه، يتجر في الزجاج، كم مزجور عنه غرفته في لجة لجاج.
يا معاشر العصاة، قد عم الجدب أرض القلوب، وأشرفت زروع التقوى على التوى، فأخرجوا من حصر الذنوب، إلى صحراء الندم، وحولوا أردية الغدر عن مناكب العهود، ونكسوا رؤس الرياسة على أذقان الذل، لعل غيوم الغموم على ما تلف تأتلف، أخواني، قد بشر الرشاش فاثبتوا، وقد سال الوادي.
واحبس الركب علينا ساعة نندب الربع ونبكي الدمنا
فلذا الموقف أعددنا البكـا ولذا اليوم الدموع تقتنـى
زمناً كان وكـنـا جـيرة يا أعاد الله ذاك الزمـنـا
بيننا يوم أثيلات النـقـى كان عن غير تراض بيننا
إذا خرجت القلوب بالتوبة من حبس الهوى إلى بيداء الإنابة، جرت خيول الدمع في حلبات الوجد، كالمرسلات عرفاً، إذا استقام زرع الفكر، قامت العبرات تسقي، ونهضت الزفرات تحصد، ودارت رحا التحير تطحن، واضطرمت نار القلق تنضج، فحصلت للقلب بلة، يتقونها في سفر الحب، يا من لم يصبر عن الهوى، صبر يوسف، تعين عليك، حزن يعقوب، فإن لم تطق، فذل أخوته، يوم "وتصدق علينا" خوف السابقة، وحذر الخاتمة، قلقل قلوب العارفين، وزادهم إزعاجا "يحول بين المرء وقلبه" كلما دخلوا سكة من سكك السكون، شرع بهم الجزع في شارع من شوارع القلق، لما حرك نسيم السحر أغصان الشجر، أخذت ألسن قلوبهم في بث القلق، فكاد نفس النفس يقطع الحيازيم، لولا حزم التمسك.
للشريف الرضي:
وإني لأغرى بالنسـيم إذا سـرى وتعجبني بـالأبـرقَـيْن ربـوعُ
ويحني على الشوق نجديُّ مُـزنةٍ وبَرقٌ بأطراف الحجاز لَمـوعُ
ولا أعرف الأشجان حتى تشوقني حمائم ورق في الـديار وقـوع
في كل ليل تهب الرياح، ولكن نسيم السحر خاصية، ما أظنه تعطر إلا بأنفاس المستغفرين، لنفس المحب عطرية، تنم على قدر طيبة:
أحب الثرى النجدي من أجرع الحمى كأني لمن بالأجـرعـين نـسـيب
إذا هب علـوي الـرياح رأيتـنـي أغض جفونـي أن يقـال مـريب
المحبون على شواطئ أنهار الدمع تزول، فلو سرت عن هواك خطوات، لاح لك الخيام:
وصلوا إلى مولاهم وبقـينـا وتنعموا بوصاله وشـقـينـا
ذهبت شبيبتنا وضاع زمانـنـا ودنت منيتنا فمن ينـجـينـا
فتجمعوا أهل القطيعة والجفا نبكي شهوراً قد مضت وسنينا
كان بعض السلف يقول: اللهم إن منعتني ثواب الصالحين، فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته، وكان آخر يقول إن لم ترضى عني فاعف عني، كان القوم زينة الدنيا، فمذ سلبوا تسلبت، خلت والله الديار، وباد القوم، وارتحل أرباب السهر، وبقي أهل النوم، واستبدل الزمان آكلي الشهوات بأهل الصوم:
كفى حزناً بالواله الصب أن يرى منازل من يهوى معطلة قفـرا
يا من كان له في حديث القوم ذوق، أين آثار الوجد والشوق? إذا طالت لبث الطين في حافات الأنهار تكامل ريه، فإذا نضب الماء عنه استلبت الشمس جميع ما فيه من رطوبة، فيقوى شوقه إلى ما فارق فلو تركت قطعة منه على لسانك لأمسكته شوقاً إلى ما فارقت من رطوبة، أشد الناس حباً لحديث الحجاز من سافر:
فكانت بالفرات لنـا لـيال سرقناهن من ريب الزمان
يا هذا كنت تدعي حبنا وتؤثر القرب منا فما هذا الصبر الذي قد عن عنا? كنت تستطيب رياح الأسحار وما تغير المحب ولكن دخل فصل برد الفتور، ولم تحرزه، فأصابك زكام الكسل، كنت في الرعيل الأول، فما الذي ردك إلى الساقة? قف الآن على جادة التأسف والزم البكاء على التخلف فأحق الناس بالأسى من خص بالتعويق دون الرفقاء:
يا صاحبي أطيلا فـي مـوانـسـي وناشداني بخـلانـي وعـشـاقـي
وحدثاني حـديث الـخـيف إن لـه روحاً لقلبي وتسهـيلاً لأخـلاقـي
ما ضر ريح الصبا لو ناسمت حرقي واستنقذت مهجتي من أسر أشواقي
داء تقادم عنـدي مـن يعـالـجـه ونفثة بلغت منـي مـن الـراقـي
يمضي الزمان وآمالي مـصـرمة ممن أحب على مـطـل وإمـلاق
واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به ولا حصلت على علم من البـاقـي
بلى علمت وقد أيقـنـت يا أسـفـاً أني لكـل الـذي قـدمـتـه لاق
الفصل الثامن والستون
أخواني: من عامل الدنيا خسر ومن حمل في صف طلبها كسر وإن خلاص محبها منها عسر وكل عاشقيها قد قيد وأسر "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر".
أرى الشهد يرجع مثل الصبر فما لابـن آدم لا يعـتـبـر
وخبره صادق في الحـديث فإن شك في ذاك فليختبـر
ودنياك فالق بطول الهـوان فهل هي إلا كجسر عـبـر
يا طالباً ما لا يدرك تمنى البقاء وما تترك كأنك بالحادي قد أبرك، وهل غير الحصاد لزرع قد أفرك?
وكيف أشيد في يومي بـنـاء وأعلم أن في غد عنه ارتحالي
فلا تنصب خيامك في محـل فإن القاطنين على احتـمـال
يا من أعماله رياء وسمعة، يا من أعمى الهوى بصره وأصم سمعه، يا من إذا قام إلى الصلاة لم يخلص ركعة، يا نائماً في انتباهه إلى متى هذه الهجعة? يا غافلاً عن الموت كم قلع الموت قلعة? كم دخل دارك فأخذ غيرك وإن له لرجعة، كم شرى شخصاً بنقد مريض? وله الباقون بالشفعة، كم طرق جباراً فأشت شمله وأخرب ربعه، أفلا يتعظ البيدق بسلب شاه الرقعة.
يا عامر الدنيا إنما الدنيا دار قلعة كم مزقت قلباً بحبها، فرجع ألف قطعة إن خصت بطيب المذاق أغصت وسط الجرعة يوم ترحها سنة وسنة فرحها جمعة، إنها لمظلمة ولو أوقدت ألف شمعة، وهي مع هذا خائنة ولو حلفت بربعة، كم درست عليكم مجلدات? تقول ما هذه الأنفس مخلدات، أين الأقارب، أين اللذات? أفلا روائد ذهن للأخبار منتسمات، آه للقاعدات عن طلب المكرمات، آه للمستريحات لقد رضوا بمولمات:
ذهب العمر وفـات يا أسير الشـهـوات
ومضى وقتك في لهو وسهـو وسـبـات
بينما أنت على غـيك حتـى قـيل مـات
أخواني: ما لقلب العزم قد غفل ولنجم الحزم قد أفل، مهلاً فشمس العمر في الطفل ومن لم يحضر الوغى لم يحرز النفل:
ثواني هـم فـلـم أقـره أوائل من عزمتي أو ثواني
فيا هندوان عن المكرمـات من لا يساور بالهند وانـي
يا معاشر العلماء أتقنعون من الصفات بالأسماء? أتؤثرون الأرض على السماء? أفي السكر أنتم أم في الإغماء أترضون بالثريا الثرى? أتغمضون العيون من غير كرى? أتنامون. فمن يحمد السرى? أتحيدون وفي الأنف البرى? أتحلون عقد "إن الله اشترى" إنكم لأحق بالحزن فيما أرى، احضروا ناحية، لا تكلفكم الكرى:
يا قومنا هذي الـفـوائد جـمة فتخيروا قبل الندامة وانتـقـوا
إن مسكم ظمأ يقول نـذيركـم لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا
يا معاشر العلماء قد كتبتم ودرستم ثم إن طلبكم العلم فلستم في بيت العمل، ثم لو ناقشكم الإخلاص لا فلستم، شجرة الإخلاص أصلها ثابت، لا يضرها زعزع "أين شركائي" وأما شجرة الرياء فاجتثت عند نسمة "وقِفوهم" كم متشبه بالمخلصين? في تخشعه ولباسه وأفواه القلوب تنفر من طعم مذاقه واأسفي ما أكثر الزور? أما الخيام فإنها خيامهم، ليس كل مستدير يكون هلالا، لا لا.
وما كل من أومى إلى العز نالـه ودون العلى ضرب يدمي النواصيا
كم حول معروف من دفين ذهب اسمه كما بلى رسمه ومعروف معروف:
فما كل دار أقفرت دارة الحمى ولا كل بيضاء الترائب زينـب
لريح المخلصين عطرية القبول وللمرائي سموم النسيم، نفاق المنافقين صير المسجد مزبلة "لا تقم فيه أبداً" وإخلاص المخلصين رفع قدر الوسخ "رب أشعث أغبر".
أيها المرأى قلب من ترائيه بيد من تعصيه لا تنقش على الدرهم الزائف اسم الملك، فما يتبهرج الشحم بالورم، المرائي يتبرطل على باب السلطان، يدعي أنه خاص وهو غريب، أتردون ما ذنب المرائي? دعا باسم ليلى غيرها. فيا أسفي ذهب أهل التحقيق وبقيت بنيات الطريق، خلت البقاع من الأحباب وتبدلت العمارة بالخراب، يا ديار الأحباب عندك خبر المخلص يبهرج على الخلق بستر الحال، وببهرجته يصح النقد، كان في ثوب أيوب السختياني، بعض الطول لستر الحال، وكان إذا وعظ فرق فرق من الرياء فيمسح وجهه ويقول ما أشد الزكام.
لصردر:
أحبس دمعي فـينِـدُّ شـارداً كأنني أضبط عبـداً آبـقـا
ومن محاشاة الرقيب خلتنـي يوم الرحيل في الهوى منافقا
كان أيوب يحيي الليل كله فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة: لصردر:
أكلف القلب أن يهوى وأُلزمـه صبراً وذلك جمعٌ بين أضـداد
وأكتم الركب أوطاري وأسألـه حاجات نفسي لقد أتعبتُ روادي
هل مدلجٌ عنده من مبكر خبـر وكيف يعلم حال الرائح الغادي
إن رويتُ أحاديث الذين مضـوا فعن نسيم الصبا والبرق أسنادي
كان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل داخل غطاه. وكان ابن أبي ليلى إذا دخل داخل وهو يصلي اضطجع على فراشه.
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بـمـا مضغ الكلام ولا صيغ الحواجيب
مرض ابن أدهم فجعل عند رأسه ما يأكله الأصحاء، لئلا يتشبه بالشاكين، هذه والله بهرجة اصح من نقدك.
للعباس بن الأحنف:
قد سحَّب الناسُ أذيال الظنون بنا وفرَّق الناس فينا قولهم فِرَقـا
فكاذبٌ قد رمى بالظن غيركـمُ وصادقٌ ليس يدري أنّه صدقا
اشتهر ابن أدهم ببلد فقيل هو في البستان الفلاني، فدخل الناس يطوفون ويقولون أين إبراهيم بن أدهم? فجعل يطوف معهم، ويقول أين إبراهيم بن أدهم.
للمهيار:
ضناً بأن يعلم الناسُ الهـوى ولـمـن وهبتُ للسـرِّ فـيه لـذة الـعـلـنِ
عرِّض بغيري ودعني في ظنونـهـم إن قيل من يك يُخفي الحق في الظنن
قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوساً كان يكره الأنين فما أنَّ حتى مات.
لصردر:
تفيض نفوسٌ بأوصابهـا وتكتم عوّادها ما بـهـا
وما أنصفت مهجةٌ تشتكي هواها إلى غير أحبابهـا
لما هم الطبع بالتأوه من البلاء كشفت الحقائق سجف المحبوب فلم يبق لتقطيع الأيدي أثر:
بدا لها من بعد مـا بـدا لـهـا روض الحمى إن تشتكي كلالها
رحل والله أولئك السادة، وبقي والله قرناء الرياء والوسادة.
ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام
أسمع أصواتاً بلا أنيس وأرى خشوعاً أصله من إبليس.
للمهيار:
تشبهتْ حورُ الظبـاء بـهـم إذا سكنتْ فيك ولا مثل سكنْ
أصامتٌ بناطقٍ ونافرٌ بـآنـسٍ وذو خـلاً بـذي شـجــنْ
مشتـبِـهٌ أعـرفـه وإنـمـا مغالطاً قلت لصحبي: دارُ منْ
قف باكياً فيها وإن كنت أخـاً موانساً فبكِّها عـنـك وعـن
لم يُبق لي يوم الفراق فضـلةً من دمعةٍ أبكي بها على الدِّمَنْ
الفصل التاسع والستون
يا من قد أرخى له في الطول وأمهل له بمد الأجل، إخل بنفسك وعاتبها وخذ على يدها وحاسبها لعلها تأخذ عدتها قبل أن تستوفي مدتها:
وجـدت أيامـي لـي رواحـلاً وآن ينحط عنـهـا الـراحـل
وصيح بي عرس فقد طال المدى وكل ركب في التـراب نـازل
تهدد الحين فهل من سامـع وجاء بالنصح فأين القـابـل
وكل شيء زاجر مـحـدث يفهم ما قال الحصيف العاقل
أخواني، بادروا قبل العوائق واستدركوا فما كل طالب لاحق، واشكروا نعمة من ستركم عن الذنوب، واعرفوا فضله فقد أعطاكم كل مطلوب، ما أعم وجوده لجميع خلقه وما أكثر تقصيرهم في حقه، عم إحسانه الآدمي والبهائم والمستيقظ والنائم والجاهل، والعالم والمتقي والظالم من تأمل حسن لطفه لخليقته حيره الدهش، خلق الجنين في بطن الأم فجعل وجهه إلى ظهرها لئلا يجري الطعام عليه، وجعل انفه بين ركبتيه ليتنفس في فراغ وسيق قوته في مصران السرة وليس العجب تغذيه لأنه متصل بحي، إنما العجب، خلق الفرخ في البيضة المنفصلة فإنه من البياض يخلق ومن المح يتغذى، فقد هيأ له زاد الطريق قبل سير الإيجاد، إذا تفقأت بيضة الغراب خرج الفرخ أبيض فتنفر عنه الأم لمباينته إياها، فيبقى مفتوح الفم لطلب الرزق فيسوق القدر إلى فيه الذباب، فلا يزال يغتذي به حتى يسود، فتعود أمه إليه، خلق الطير ذا جؤجؤ مخدد لتجري سفينة طيرانه في بحر الهوى، وجعل في جناحه وذنبه ريشات طوال لينهض للطيران ولما كان يختلس قوته خوفاً من اصطياده، جعل منقاره صلباً لئلا ينسحج ولم يخلق له أسنان لأن زمان الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعلت له حوصلة كالمخلاة، فينقل إليها ما يستلب ثم ينقله إلى القانصة في زمان الأمن، فإن كانت له فراخ أسهمهم قبل النقل كلما طالت ساق الحيوان طال عنقه ليمكنه تناول طعمه من الأرض، هذا طائر الماء لا يقف إلا في ضحضاح، فيتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى ما يريد خطا خطوات على مهل فيتناول ولو كان قصير القوائم، كان حين يخطو يضرب الماء ببطنه فيهرب الصيد، هذه العنكبوت تبني بيتها بصناعة يعجز عنها المهندس إنها تطلب زاوية فجعلت فيها خيطاً، ووصلت بين طرفيها بخيط آخر وتلقي اللعاب على الجانبين فإذا أحكمت المعاقد ورتبت القسط كالسدى أخذت في اللحمة فيظن الظان أن نسجها عبث، كلا، إنها تصنع شبكة لتصيد قوتها من الذباب والبق فإذا أتمت النسج انزوت إلى زاوية ترصد رصد الصائد، فإذا وقع صيد قامت تجني ثمار كسبها فتغتذي به فإذا أعجزها الصيد طلبت زاوية ووصلت بين طرفيها بخيط ثم علقت بنفسها بخيط آخر، وتنكست في الهواء تنتظر ذبابة تمر بها فإذا دنت منها دبت إليها واستعانت على قتلها بلف الخيط على رجلها، أفتراها علمت هذه الصنعة بنفسها? أو قرأتها على بعض جنسها أفلا ينظر إلى حكمة من علمها? وتثقيف من ألهمها.
فإن لم يكن لك نظر يعجبك منها فيعجب من عدم تعجبك، فإن أعجب أفعال القدر " وأَضَلَّهُ اللهُ على علمٍ " القلب جوهر في معدن البدن، فاكشف عنه بمعول المجاهدة ولا تطينه بتراب الغفلة، رميت صخرة الهوى على ينبوع الفطنة، فاحتبس الماء، انقب تحتها إن لم تطق رفعها لعل الجرف ينهار.
في قربنا نيل المـنـى فتنبهوا يا غافـلـينـا
عجباً لقومٍ أعـرضـوا عنا وقوم واصَلـونـا
نقضوا العهود وبارزونا بالصدود كاشـفـونـا
واستعذبوا طعم القطيعة والجفا حتى نسـونـا
يا ويحهم لو قـد دروا ما فاتهم لاستعطفونـا
إلهي، ما أكثر المعرض عنك والمعترض عليك، وما أقل المتعرضين لك يا روح القلوب أين طلابك? يا نور السموات أين أحبابك? يا رب الأرباب أين عبادك? يا مسبب الأسباب أين قصادك? من الذي عاملك بلبه فلم يربح? من الذي جاءك بكربه فلم يفرح? أي صدر صدر عن بابك ولم يشرح? من ذا الذي لاذ بحبلك فاشتهى أن يبرح? يا معرضاً عنه إلى من أعرضت? يا مشغولا بغيره بمن تعوضت?
مت على من غبت عنه أسفاً لست عنه بمصيب خلـفـا
لن ترى قـرة عـين أبـداً أو ترى نحوهم منصرفـا
بعت قيام الليل بفضل لقمة، شربت كأس النعاس ففاتك الرفقة، ضرب على أذنك لا في مرافقة أهل الكهف، تناولت خمر الرقاد، فوقع بك صاحب الشرطة فعمل في حقك بمقتضى قم وانم، فجعل حدك الحبس عن لحاق المتهجدين، والله لو بعت لحظة من خلوة بنا بعمر نوح في ملك قارون لغبنت لا بل بما في الجنان كلها ما ربحت ومن ذاق عرف.
إخواني، اسمعوا بحرمة الوفاء فما كل وقت يطلع سهيل، فإذا خرجتم من المجلس فاقصدوا المساجد الخراب، وضعوا وجوهكم على التراب وابعثوا أنفاس الأسف وكفى بها شفيعاً في الزلل، فإن وجدتم قلوبكم قد حضرت فاذكروني معكم.
للشريف الرضي:
وقولوا لجيرانٍ على الخيف من منى تراكُمْ مَن استبدلـتُـمُ بـجـواريا
ومَنْ ورَدَ الماءَ الذي كـنـت وارداً به ورَعى العشبَ الذي كنت راعيا
فوا لهفتي كم لي على الخيفِ شهقةً تذوبُ عليها قطـعةٌ مـن فـؤاديا
الفصل السبعون
يا تائهاً في بوادي الهوى انزل ساعة بوادي الفكر يخبرك بأن اللذة قصيرة والعقاب طويل واعجباً لمن يشتري شهوة ساعة بغم الأبد. كانت المعصية ساعة لا كانت فكم ذلت بعدها النفس وكم تصاعد لأجلها النفس وكم جرى لتذكارها دمع.
للشريف الرضي:
قَضَتِ المنازلُ يومَ كـاظـمةٍ أنَّ المطيَّ يطولُ موقفُـهـا
سبقتْ مدامعُنا بـر شـتـهـا من قبلِ أن يومي مكفكفهـا
إن كنتُ أنفذتُ الدموعَ بـهـا فالوجدُ بعدَ اليومِ يُخلِـفُـهـا
لا تنشُـدَنَّ الـدارَ بـعـدهـمُ إني على الإقواء أعرفُـهـا
رفقاً بقلـبـي لا تـعـذبـه العينُ منكَ وأنتَ تَطرفُـهـا
في القلب منكَ جراحةٌ عظمت ما زلت أدملها وتقـرفـهـا
هل يعطِفَنَّكُـمُ تـوجُّـعُـهـا أو يُقبِلَنَّ بكُم تـلـهُـفُـهـا
يا من قد هبت على قلبه جنوب المجانبة فلفقت غيم الغفلة، فأظلم أفق المعرفة لا تيأس فالشمس تحت الغيم، لو تصاعد نفس أسف دارت شمالاً فتقطع السحاب، أنفع دواء أجده لك نقض أخلاط التخليط بالدموع، بضاعة المذنب دمعه، رأس مال المقر حزنه، راحة الأوّاب قلقه، عيشة التواب حرقه، كان آدم يبكي بعد هبوطه حتى يخوض في دمعه، فكان جبريل يأتيه فيقول كم هذا البكاء? ولسان حاله يجيب.
للشريف الرضي:
يا عاذل المشتاق دعـهُ فـإنـهُ يطوي على الزفراتِ غيرَ حشاكا
لو كان قلبكَ قلبهُ مـا لـمـتـهُ حاشاك مما عنـدهُ حـاشـاكـا
يا جبريل: ما تغير عليك أمر وأنا نقلت من برد عيش إلى حر، ما سكنت قط مسكني ولا توطنت موطني، فاقرأ على ربعي سلامي وقل له لا تنس أيامي.
للمصنف:
إذا جزت بالغور عرّج يميناً فقد أخذ الشوق منا يمـينـا
وسلم علـى بـانة الـواديين فإن سمعت أوشكت أن تبينه
وروِّ ثرى أرضهم بالدمـوع وخل الضلوع على ما طوينا
وصح في مغانيهم أين هـم وهيهات أموا طريقاً شطونا
أراك يشوقـك وادي الأراك أالدار تبكي أم الساكنـينـا
سقى الله مرتعنا بالحـمـى وإن كان أورث داءاً دفينـا
وعاذلة فوق داء المـحـب رويداً رويداً بناقد بـلـينـا
فمن تعذلين أمـا تـعـذرين فلو قد نفقت دعت الأنـينـا
إذا غلب الحب صح العتـاب تعبت وأتعبت لو تعلمـينـا
ما زال آدم يشيم برق العفو فلما طال عليه الزمان حمّل صعداء الوجد رسالة شكوى ما علمت بمضمونها الرياح.
إذا بدا البرق من نجد طربت لـه وكدت من طربي أقضي لذكرهم
وتحمل الريح إن هبت شـامـية مني السلام إلى أطلال ربعهـم
فرض على أراعيهم وأحفظهـم على البعاد ويرعوني بفضلـهـم
يا معاشر المذنبين ، تأسّوا بأبيكم في البكاء، تفكروا كيف باع داراً قد ربي فيها وضاع الثمن، لا تبرحوا من باب الذل فأقرب الخطائين إلى العفو المعترف بالزلل، ما انتفع آدم في بلية "وعصى " بكمال " وعلم " ولا رد عنه عز " اسجدوا " وإنما خلصه ذل "ظلمنا ". قال سريّ: بتُّ ببعض قرى الشام، فسمعت طائراً على شجرة يقول طوال الليل، أخطأت لا أعود فقلت لأهل القرية: ما اسم هذا الطائر? فقالوا: فاقد إلفه.
للمهيار:
تأوهـت تـأوه الأســير ورقاءُ ذات ورَقٍ نضـيرِ
تنطق عن قلب لها مكسورِ كانها تنطق عن ضمـير
لبيكِ يا حزينةَ الـصـفـير إن استجرتِ بي فاستجيري
لك الخيارُ انجدي أو غـوري وحيثما صار هواكِ صيري
قصي جناحي زمن فطيري
أخواني، نفترق على هذه الحال غفلة شاملة ودموع جامدة لا بالله لا تفعلوا.
يا حادي العيس لا تعجل بنا وقف نجري دموع هواهم ثم ننصرف
فما يزال نسـيم مـن يمـانـية يأتي إلينا بـريا روضة أنـف
إذا رأيتم باكياً في المجلس فارحموه، وإذا شاهدتم قلقاً فاعذروه، لا تعجبوا من واجد ما لم تجدوه.
لابن المعتز:
دعوه ليطفي بالدموع حرارة على كبدٍ حرّى دعوه دعوه
سلوا عاذليه يعذروه هنـيهة فبالعذل دون الشوق قد قتلوه
لا تلوموا صاحب الوجد فما يرى بحضرته أحدا.
ظن الأراك لدى واديه أظعـانـا فما استطاع لما أخفاه كتمـانـا
فبان للركب ما قد كان يسـتـره عن كل مستخبر عن حب من بانا
كان أبو عبيدة الخواص يمشي في الطريق ويصيح: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه.
هذا ولَهي وكم كتمتُ الـوَلَـهـا صوناً لحديث من هوى النفس لها
يا آخر محـنـتـي ويا أولـهـا أيام عناي فيك مـا أطـولـهـا
ليس للمحب قرار ولا له من الحب فرار، تعرقل وفات وخنق فمات.
ولي عبراتٌ تستـهـلُّ صـبـابةً عليك إذا برق الغمـام تـألّـقـا
ألفت الهوى حتى حلت لي صروفه ورب نعيم كان جالـبـه شـقـا
وأذهل حتى أحسب الصد والنـوى بمعترك الذكرى وصالاً وملتقـى
فها أنا ذو حالـين أمـا تـلـذذي فحي وأما سلوتي فلـك الـبـقـا
لو أشرفت على وادي الدجى لرأت خيم القوم على شواطئ أنهار الدموع، خلوا والله بالحبيب وطال الحديث، عين تبكي من المحبوب وأخرى تبكي عليه، لفظة تشكو منه وأخرى تشكو إليه. ري تام لمحبته، وعطش محرق إلى رؤيته.
للمصنف:
الماءُ عندي قد طـمـا وأنا الذي أشكو الظّما
جسمي معي لكن قلبي عند سكان الحِـمـى
واهاً لهم لـو أنـهـم عادوا وجادوا لي فما
أرجو نوالاً مـنـهـمُ هيهات هم حبي ومـا
ميلي إلى غير الأولـى سكنوا فؤادي إنـمـا
أشكو إليهم مـنـهـمُ كلما يزيد وكـلـمـا
هجروا تفاقم أمرهـم يا ليتهم داووا كـمـا
جرحوا فلو طبوا شفوا هيهات لولاهم لـمـا
ذهب الزمان بأن أقول عسى وأرجو ربـمـا
يا أيها المضنى بـهـم لم يبق منك سوى الذما
فالذما كان الـوصـال فعاد مرّاً علـقـمـا
تركوك بعد فراقـهـم متحيراً تبـكـي دمـا
يا بانة الوادي ارحمـي من لا يزال متـيّمـا
يا نسمة الريح الشمـال ألا أبلغيهم بعض مـا
ألقى فحر سـمـائم الأ نفاس يكفي معلـمـا
نفسي تكابد وجـدهـا بكم فما فغرت فـمـا
لكن آثار الـمـحـبة ليس تخفـى أينـمـا
الفصل الحادي والسبعون
إخواني: ألا ناظر لنفسه قبل الموت، ألا مستدرك زاد رمسه? قبل الفوت، ألا مزدجر بواعظ أمسه? فقد أسمعه الصوت.
ما ضرَّ عبدٌ نفسـه قبل خروج نفسه
هل يومه أو غـده إلا نظير أمـسـه
وعلَّه يلقى الـرّدى قبل غروب شمسه
كم مدلجٍ مهـجـرٍ يسعى لبعل عرسه
وأكيس الناس امرؤٌ جدّ ليوم رمـسـه
إخواني: حبال الآمال رثاث، وساحر الهوى نفاث، والأماني على الحقيقة أضغاث، والمال المدخر رزق الوارث، عجباً لأجسام ذكور وعقول إناث، إلام لرواح في الهوى والتغليس? وحتام السعي في صحبة إبليس? وكم بهرجة في العمل وكم تدليس? أين الأقران هل لهم من حسيس? أما تعلم أنهم ندموا على إيثار الخسيس، تالله لقد ودوا طلاق الدنيا قبل المسيس، لقد أسمعك الموت وعيدك، وكأنك به قد ضعضع مشيدك، وأخلى منك دارك، وملأ بك بيدَك، لقد أمرضك الهوى وفي عزمه أن يزيدك، هل لذت لذة الدنيا فصفت هل عافت? إلا وعافت وعفت هل تبعت عرضاً? وقفت فوقفت هل أرشفت شفة من رضابها? فشفت بينا محبها يناجيها بألفاظ المنى، خفت ما بلغ المراد منها إلا من صد عنها والتفت.
عين المنية يفضي غير مطـرفة وطرف مطلوبها مذ كان وسنان
جهلاً تمكن منه حـين مـولـده فالمرء صاح ولبُّ المرء سكران
كم نرمي هدف سمعك برشق كلام، كم نلدغ أصل قلبك بحمة ملام، لا تنفع الرياضة إلا في نجيب، لو سقي الحنظل بماء السكر لن يخرج حلواً، شجر الأثل وإن دام الماء تحته لم يثمر، سحاب الهدى قد طبق بيد الأكوان، وأظن أرض قلبك سبخاً إنما يغلب هذا على ظني لبعد صلاحك وقد يستحيل الخمر خلاًّ، كم تحضر المجلس وتخرج وما علقت بشيء ويحك، هذا البنفسج يطرح في الشيرح فيعبق به طول السنة وكذلك الورد في الأشنان.
ومن البليّة عذلُ من لا يرعوي عن غيّه وخطاب من لا يفهم
ويحك، إلى كم تعدو خلف موكب الهوى وما تربح إلاّ الغبار، دع حبل الرعونة من يد التمسك فإنه لا مرة له، ما قتل أحد بأحد من سيف سيوفي، ومواهب الأعمار مسترجعة بالأنفاس حتى تستوفي، ألست نقضت عهد " ألست " بعد عقد عقده فكيف حل لك الحل?
بحرمة ما قد كان بينـي وبـينـكـم من الوصل إلا ما رجعتم إلى الوصل
نحن لك على الوفاء ما زلنا، وأنت ما ثبت يومين.
لكثير:
وكنّا ارتقينا في صعودٍ من الهوى فلما علـونـاه ثـبـت وزلـت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بينـنـا فلما توافينـا شـددت وحـلّـت
واعجباً، تنبه الحيوانات بالليل فتصوت وأنت غافل ويحك إذا فتحت ع**** في الدجى فصح بقلبك.
قم بنا يا أخي لما نتـمـنّـى واطرد النوم بالعزيمة عنـا
قم فقد صاحت الديوك ونادت لا تكون الديوك أطرب منا
إخواني: مصيبتنا في التفريط واحدة وأهل الأحزان أهل.
إنّا ليجمعُنا البكـاء وكـلُّـنـا نبكي على شجنٍ من الأشجان
مجلس الذكر مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا على فوات مطلوبه، وهذا لإعراض محبوبه.
يتشاكى الواجدون جوىً واحداً والوجد ألـوانُ
يا نائح الفكر نضد، يا نادب الحزن عدّد، يا لائم النفس شدِّد، يا رامي القلب سدِّد، يا جامع الدَّمع بدِّد، يا مطرب السر ردِّد.
للمهيار:
نشدتُك يا بـانة الأجـرع متى رفعَ الحيُّ من لعلع
وهل مرَّ قلبي في التابعين أم حار ضعفاً فلم يتبـع
رأيت له بين تلك القلوب إذا اشتبهت أنة الموجـع
أدر يا نديمي كأس الحديث فكأسي بعدهُمُ مدمعـي
يا مقيّداً عن السير بقيود الشواغل أيطمع في لحاق الطير مقصوص القوادم? صوت في الأسحار بالسائرين لعل عطفاً ينعطف إليك في عطفة رحمة، فقد ترق الساعة لأهل الفاقة.
للمهيار:
ردوا لنا يومـاً ولـو سـاعةً على الغضا من عيشنا الزائلِ
لي ذلة السائلِ ما بـينـكـم فلا تفتكـم عـزة الـبـاذل
سل الليل عن الأحباب فعنده الخبر، خلا الفكر بالقلب في بيت التلاوة فجرت أوصاف الحبيب فنهض قلق الشوق يضرب بطون الرواحل لينهر السهر فلا وجه لنوم القوم.
للخفاجي:
أترى طيفكم لمـا سـرى أخذ النوم وأعطى السهرا
لا نلوم الليل بل نـعـذره إنما طوله من قـصـرا
يا عيوناً بالغضـا راقـدة حرم الله عليكن الكـرى
لو عدلتن تساهمنا جـوى مثل ما كنا اشتركنا نظرا
حبذا فيك حديث بـاطـن فطن الدمع به فانتشـرا
من لم يكن له مثل تقواهم لم يعلم ما الذي أبكاهم. من لم يشاهد جمال يوسف لم يعلم ما الذي ألم قلب يعقوب.

من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكـبـاد
لو دمت على سلوك البادية طابت لك ريح الشيح.

تقر لعيني أن أرى رملة الحمـى إذا ما بدت يوماً لعيني قلالـهـا
ولست وإن أحببت من يسكن الغضا بأول راجٍ حـاجة لا ينـالـهـا

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 06-13-2009, 05:11 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

الفصل الثاني والسبعون
يا من كانت له معنا معاملة، وطالت بيننا وبينه المواصلة ثم اختار الهجر والفاصلة إن، لم يكن جميل فلتكن مجاملة، تفكر تعرف قدر ما فاتك وابك لذنب حرمك الفوز وأفاتك، اسكب دموع أسفك فرب دم بالأسى سفك واندب أطلال مألفك لعلك تغاث في موقفك.
للمهيار:
تظـنُّ لـيالـينـا عـــوَّدا على العهد من برقتي ثهمـدا
ويا صاحبي أين وجه الصباح? وأين غدٌ? صِف لعيني غـدا
وخلف الضلوع زفـيرٌ أبـى وقد برد الـلـيل أن يبـردا
خليليّ، لي حاجةٌ مـا أخـفَّ لرامة لو حملتْ مُـسـعِـدا
أريد لأكـتـم وابــن الأراك يفضحهـا كـلـمـا غـردا
أحب وإن أخصب الحاضرون ببادية الـرمـل أن أخـلُـدا
أرى كبدي قُسِّمتْ شعبـتـين مع الشوق غور أو أنـجـدا
تمناك عيني وقـلـبـي يراك بشوقي حاشاك أن تُـفـقـدا
للهم نور دنيانا بنور من توفيقك، واقطع أيامنا في الاتصال بك وانظم شتاتنا في سلك طاعتك، فأنت أعلم بتلفيق المقترف، اللهم قوِّ منن أطفال التوبة بلبان الصبر، ارفق بمرضى الهوى في مارستان البلاء، افتح مسام الأفهام لقبول ما ينفع، سلم سيارة الأفكار من قاطع طريق، احرس طلائع المجاهدة من خديعة كمين، احفظ شجعان العزائم من شر هزيمة، وقّع على قصص الإنابة بقلم العفو، لا تسلط جاهل الطبع على عالم القلب، لا تبدل نعيم عيش الروح بجحيم حر النفس، لا تمت حي العلم في حي الجهل أخرجنا إلى نور اليقين من هذا الظلام، لا تجعلنا ممن رأى الصبح فنام، لا تؤاخذنا بقدر ذنوبنا، فإنك قلت: "ولا تنسوُا الفضل بينكم" واعجباً لمن عرفك ثم أحب غيرك ولمن سمع مناديك ثم تأخر عنك.

حرام عــلـى العـيش مــا دمـت غـــضــــبـانــا وما لـم يعـد عـــني رضاك كــمـا كـانا
فأحـسـن فـــإنـــي قــــد أسـأت ولم تــزل تعــودنـي عــنـد الإسـاءة غفــرانـا

إلهي، لا تعذب نفساً قد عذبها الخوف منك، ولا تخرس لساناً كل ما يروي عنك، ولا تقذ بصراً طالما يبكي لك، ولا تخيب رجاءاً هو منوط بك، إلهي، ضع في ضعفي قوة من منك، ودع في كفي كفى عن غيرك، ارحم عبرة تترقرق على ما فاتها منك، برد كبداً تحترق على بعدها عنك.
للشريف الرضي:
أشكو إليك مدامعا تَـكِـفُ بعد النوى وجوانحاً تَجِـفُ
ما كان أسرع ما نبا زمـنٌ وتكدرتْ من وُدّنا نُـطَـفُ
حبلٌ، غدا بأكفـنـا طَـرَفٌ منه وفي أيدي النوى طرفُ
لهفي على ذاك الزمان وهلْ يثني زماناً ماضياً لَـهَـفُ
واأسفي لمنقطع دون الركب متأخر عن لحاق الصحب يعد الساعات في متى ولعل ويخلو يفكر في عسى وهل.
لقيس المجنون:
أعد اللـيالـي لـيلة بـعـد لـيلة وقد عشت دهراً لا أعد الـلـيالـيا
وأخرج من بين البيوت لعـلـنـي أحدث عنك النفس باللـيل خـالـيا
يميناً إذا كانت يمـينـا وإن تـكـن شمالاً ينازعني الهوى عن شمالـيا
ألا يا حمامي بطن نعمان هجتـمـا على الهوى لما تغـنـيتـمـا لـيا
وأبكيتماني وسط صحبي ولـم أكـن أبالي بدمع العين لو كنت خـالـيا
ذكت نار شوقي في فؤادي فأصبحت لها وهج مستضـرم فـي فـؤاديا
خليلي ما أرجو من العيش بعـدمـا أرى حاجتي تشرى ولا تشتري لـيا
وقد يجمع الله الشتيتـين بـعـدمـا يظنان كـل الـظـن أن تـلاقـيا
أيها المتخلف في أعقاب الواصلين استغث بهم، علّق على قطارهم فلعل جملك يصل.

يا صاح والصاحب لا يدعى به

خذ بيدي من سطوة البين فما أظن أن البين أبقى لـي يدا
أين ليالينا القصار بالحمـى واكبداً على الحمى واكبـدا
يا من قد مضت له ليالي مناجاة ثم طبق الدستور، وقطع المعاملة، اندب زمان الوصل لعل حالاً حال يعود.
للمهيار:
يا ليلتـي بـحـاجـر إن عاد ماضٍ فارجعي
بتنا علـى الأحـقـاف تنهال بكل مضـجـع
قالوا الصباح فانتـبـه فقال لي الطيف اسمع
فقمت مخلوطـاً أظـن البازل ابـن الـربـع
حيران طـرفـي دائرٌ أطلب ما ليس معـي
أرضى بأخبار الـرياح والبـروق الـلُّـمَّـعِ
وأين من برق الحمـى شائمة بـلـعـلــع
أفرشني الجمرَ وقـال: إن أردت فـاهـجـع
ذكر الوصال في زمان الهجر تلف، خصوصاً إذا لم يكن للحبيب خلف. قال ابن مسروق: كنت أمشي مع الجنيد في بعض دروب بغداد، فسمع منشداً يقول:
منازل كنت تهواها وتألفهـا أيام أنت على الأيام منصور
فبكى الجنيد بكاءاً شديداً وقال ما أطيب منازلة الإلفة والأنس، وأوحش مقامات المخالفة لا أزال أحن إلى أول بدء إرادتي وجدة سعيي.
للمهيار:
يا ليلـتـي بـذات الـشـيح والـضـال ومنبت البان من نعـمـان عـودا لـي
ويا مـرابـع أطـلالـي بـذي سـلـم لهفي على ما مضى من عصرك الخالي
ويا مـآرب نـفـسـي والـذين هــم بالوصل والهجر أعـلالـي وأبـلالـي
قد كان قلبي بكم مأوى السـرور فـمـذ نا يتـم صـار مـأوى كـل بـلـبـال
فلو شربت بعمـري سـاعة سـلـفـت من عيشتي معكم ما كان بـالـغـالـي
مالي أعلل نفسي بـالـوقـوف عـلـى منازل أقـفـرت مـنـكـم وأطـلال
من لي بكتمـان مـا ألـقـاه مـن ألـم وظاهري معرب عن باطـن الـحـال
قالوا تشاغل عنـا واصـطـفـى بـدلاً منا وذلك فعـل الـخـائن الـسـالـي
وكيف أشغل قلبي عـن مـحـبـتـكـم بغـير ذكـركـم يا كـل أشـغـالـي
الفصل الثالث والسبعون
واشوقاه إلى أرباب الإخلاص واتوقاه إلى رؤية تلك الأشخاص، إني لأحضر ذكركم فأغيب وإن وقتي بتذكركم ليطيب.
للشريف الرضي:
إذا هزنا الشوق اضطربنـا لـهـزِّهِ على شُعَبِ الرحل اضطراب الأراقم
فمن صبوات تـسـتـقـيم بـمـائل ومـن أريحـياتٍ تـهـب بـنـائم
وأستشرف الأعلام حـتـى يدلـنـي على طيبها مر الرياح الـنـواسـم
ومـا أنـسـم الأرواح إلا لأنـهـا تهب على تلك الربى والمـعـالـمِ
الإخلاص مسك مصون في مسك القلب تنبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، المخلص يعد طاعته لاحتقاره لها عرضاً وقلم القبول قد أثبتها في الجوهر خالصاً، الإخلاص اليسير كثير ووجود عمل الرياء عدم قراضة الأماني لا تقف، وصحيح الشبه مردود، خليج صاف أنفع من بحر كدر، إذا لم تخلص فلا تتعب لا يكسر الجوز بالعهن، أتحدو وما لك بعير? أتمد القوس وما لها وتر? أتتجشأ من غير شبع? واعجباً من وحشي بلا جبل كم بذل نفسه مراء? لتمدحه الخلق. فذهبت والمدح ولو بذلها للحق لبقيت والذكر، عمل المرائي بصلة كلها قشور، المرائي يحشو جراب العمل رملاً فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام القلوب، وما يخفى على المرائي على مسانح الفطن، لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تتشبه وقالت: لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز: ولكن نسجي أردية الملوك ونسجك شبكة للذباب وعند مس النسيجين يبين الفرق.
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكـا
شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة وشجرة الدبا تصعد في أسبوعين فتقول لشجرة الصنوبر إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قد قطعتها في أسبوعين، فيقال لي شجرة ولك شجرة فتجيبها: مهلاً إلى أن تهب ريح الخريف، قال الدب للآدمي: أنت تمشي على رجلين وأنا أيضاً، فقال الآدمي: ولكن صدمة تردك إلى أربع وكم أصدم وأنا منتصف.
كان الأشياخ في قديم الزمان أصحاب قدم والمريدون أصحاب ألم فذهب القدم والألم، كان المريد يسئل عن غصة والشيخ يعرف القصة فاليوم لا غصة ولا قصة، كان الزهد في بواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب، كان الزهد حرقة فصار اليوم خرقة، ويحك صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك، غير زيك أيها المرائي فهو يصيح خذوني، تحملن السيف وما تحسن القتال سيف ودرع لزمن هتكة، ولمقعد فضيحة، البهرج يتبين عند الحك إذا كان العلوي ثابت النسب لم يحتج إلى ضفيرتين ولا يصير ال**** تركياً بلبس القباء، ولا المرائي ولياً بلبس العباء، هذه من النكت الخفايا وفي الزوايا خبايا. واعجباً ما للدواعي إلى الدعاوي، الباطن ينطق لما علم الصالحون خطر البيات، أدلجوا بأحمال الأعمال في ليل الكتم، كان البكاء إذا غلب أيوب قال ما أشد الزكام.
هبيني أستر البلـوى أليس الدمع يفضحني
لساني فيك أملـكـه ودمع العين يملكني
صام داود بن أبي هند أربعين سنة لم يعلم به أحد، كان يأخذ غداه ويخرج إلى الدكان فيتصدق به في الطريق فيظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت ويظن أهله أنه قد أكل في السوق.
لجابر الجرمي:
ومستخبر عن سر ليلى رددته فأصبح في ليلى بغير يقـين
يقولون خبرنا فأنت أمينـهـا وما أنا إن أخبرتهم بـأمـين
كان ابن سيرين يتحدث بالنهار ويضحك، فإذا جاء الليل أخذ في البكاء والعويل.
نهاري نهار الناس حتى إذا بـدا لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل جامـع
كان خوفهم من الرياء يوجب مدافعة النهار، فإذا خلوا بالحبيب لم يصبر المشوق.
أحن بأطراف النهار صبـابة وبالليل يدعوني الهوى فأجيب
لو قدروا على استدامة الكتمان ما أذاعوا وكم يقدر المشتاق أن يكتم الوجدا، إذا جن الليل وظلامه، ثار سجن المحب وسقامه، ورمى الوجد فأصابت سهامه، واستطلق مزاد العين فأنهل سجامه، وطال بالحزين قعوده وقيامه.
كم بذكراك ولـوعـي يا جوى بين الضلـوع
هجع العـاذل لـكـن من لعيني بالهجـوع
هي في شغل عن النوم بمرفـض الـدمـوع
أتغني بك في الـحـي كورقـاء سـجـوع
لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل القوم أو شاهدت ساقة المستغفرين في أواخر الركب، أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الليل.
من رأى البرق بنجد إذ ترآى سلب النوم وأهدى البرحـاءا
فاض فيضاً كجفونـي مـاؤه والتظى وهناً كأنفاسي التظاءا
نام سمار الدجى عن ساهـر اتخذ الهم سميراً والبـكـاءا
أسعدته أدمع تـفـضـحـه فإذا ما أحسن الدمـع أسـاءا
إذا رأيتم حزيناً فارحموه، وإذا شاهدتم قلقاً فاعذروه. وإذا رأيتم باكياً فوافقوه.
الدمع يخـون كـل كـاتـم والحب يحـلـل الـعـزائم
القلـب بـحـبـكـم لـديغ ما أقلقنـي مـن الأراقـم
والوجد يغالب الـمـقـاوي والسالم فيه مـن يسـالـم
هذا ولعـين فـي هـواكـم سلمت لكم فمـا أخـاصـم
سالت بكم دمـوع عـينـي والدمع بمقلـتـي يزاحـم
أبكي أثر الحبـيب كـرهـا والحزن تهيجه المـعـالـم
يا مانع مقلـتـي كـراهـا مر اللـيل ولـسـت نـائم
قد صمت عن الهوى لأحظى في الحب لكم بأجر صـائم
هل يبـذل وردكـم لـظـام حيران على الورود حـائم
ناحت فزجرتـهـا حـمـام ما لي تزعجني الحـمـائم
يرقبن إلى ذرى غـضـون أنى تحـمـلـك الـقـوائم
تبكين وما شـجـاك شـوق شكواك إذا من العـظـائم
إن كنت صدقت فاسعدينـي لا نسمع لـومة الـلـوائم
طارت وبقيت في ضمانـي لا أبرح والزعـيم غـارم
الفصل الرابع والسبعون
أخواني: سار المتقون ورجعنا ووصلوا وانقطعنا، وأجابوا الداعي وامتنعنا، ونجوا من الإشراك ووقعنا، تعالوا ننظر في آثارهم وندرس دارس أخبارهم ونبكي على التفريط ما نابنا، ونندب ما لحقنا، وأصابنا.
للمصنف:
ودعوا يوم النوى واستقـلـوا ليت شعري بعدها أين حلـوا
يا نسيم الريح بـلـغ إلـيهـم أن عقدي معـهـم لا يحـل
لي من الريح الشمال انتهـال فإذا هبت سـحـيراً فـعـل
عرضوا قلبي لسقـم طـويل باطن يظهر مـنـه الأقـل
لو بكت عيني على قدر وجدي صار واديهم دمـاً لا يحـل
سافر القوم على رواحل الصدق، فقطعوا أرض الصبر حتى وقعوا برياض الأنس، فعقبت قلوبهم بنشر القرب وتعطرت بنسيم الوصل، فعادت سكرى من صرف سلاف الوجد وعربدت على عالم الجسم، فكلما ربا الحب ذاب.
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري ضنا جسدي لكـنـنـي أتـكـتـم
حمائم أرواحهم مسجونة في أقفاص أشباحهم، تصوت لشجو شوقها وتقلق لضيق حبسها.
للمهيار:
بالغور دارٌ وبنجـد هـوى يا لهف من غار بمن أنجدا
يا حبذا الذكرى وإن أسهرتْ بعدك والدمع وإن أو مـدا
البكاء دأبهم والدمع شرابهم والجوع طعامهم والصمت كلامهم فلو رأيتهم وعذالهم وقد زادوا بالعذل أثقالهم.
سلمت مما عناني فاستـهـنـت بـه لا يعرف الشجو إلا كل ذي شجـن
شتان بين خلـي مـطـلـق وشـج في ربقة الحب كالمصفود في قرن
أمسيت تشهب باد من ضنى جسـدي بداخل من جوى في القلب مكتمـن
إن كان يوجب ضري رحمتي فرضي بسوء حالي وحل للضنـى بـدنـي
منحتك القلب لا أبغي بـه ثـمـنـا إلا رضاك ووافقري إلى الـثـمـن
أعندك من حديثهم خبر? ألك في طريقهم أثر? لخالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للمساهر وليل المحب بلا آخـر
ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ما فعل الدمع بالناظـر
نازلهم الخوف فصاروا ولهين، وفاجأهم الفكر فعادوا متحيرين، وجن عليهم الليل فرآهم ساهرين، وهبت رياح الأسحار فمالوا مستغفرين، فإذا رجعوا وقت الفجر بالأجر نادى منادي الهجر يا خيبة النائمين.
ولما وقفنا والرسائل بينـنـا دموع نهاها الوجدان تتوقفا
ذكرنا الليالي بالعتيق وظلها الأنيق فقطعن القلوب تأسفا
جليت أوصاف الحبيب في حلية الكمال فقاموا على أقدام الشوق يسبحون في فلوات الوجد فلو رأيتموهم لقلتم مجانين، هيهات من لا يعرف مناسك الحج، نسب المحرمين إلى الخبل، الناس يضحكون وهم يبكون، ويفرحون وهم يحزنون، وينامون وهم يسهرون.
تركت ليلى أمد من نفسي واأسفي للفراق واأسفي
لما تمكنت المعرفة من قلوبهم أثرت شدة الخوف، فارتفع ضجيج الوجد.
رأى الصديق طائراً فقال: طوبى لك يا طائر، تقع على الشجر. وتأكل من الثمر ولا حساب عليك، ليتني كنت مثلك، وقال عمر: ليتني كنت تبنة، ليت أمي لم تلدني. وقال ابن مسعود: وددت أني إذا مت لا أبعث. وقال عمران ابن حصين: ليتني كنت رماداً. وقال أبو الدرداء: ليتني كنت شجرة تعضد، وقالت عائشة: ليتني كنت نسياً منسيا.
ودخلوا على عطاء السلمي وحوله بلل، فظنوه قد توضأ فقالت عجوز في داره: هذه دموعه.
لصردر:
كلُّ سحابٍ أمطرتْ أرضكم حاملةٌ للماء من أدمـعـي
وكل ريحٍ زعزعت تُربكـم فإنها الزفرة من أضلعـي
أتاهم من الله وعيد وقذهم، فباتوا على حرق، وأكلوا على تنغيص فنومهم نوم الغرقى، وأكلهم أكل المرضى، عجزت أبدانهم عما حملت قلوبهم "فمنهم من قضى نحبه ومن من ينتظر".
قال فرقد: دخلت بيت المقدس خمسمائة عذراء لباسهن الصوف والمسوح، فتذاكرن ثواب الله وعقابه فمتن جميعاً في مقام واحد.
قال أبو طارق شهدت ثلاثين رجلاً دخلوا مجالس الذكر يمشون بأرجلهم صحاحاً إلى المجلس، وأجوافهم والله قرحة، فلما سمعوا الذكر انصدعت قلوبهم.
قصوا على حديث من قتل الهوى إن التآسي روح كـل حـزين
قال عبد الواحد بن زيد لو رأيت الحسن، لقلت قد بث عليه حزن الخلائق، ولو رأيت يزيد الرقاشي لقلت مثكل، أقبل ولد يزيد يوماً يعاتبه على كثرة بكائه، فجعل يصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أمه يا بني ما أردت بهذا? فقال: إنما أردت أن أهون عليه.
صحة الشوق أحدثت علة الصبر وبعد المزار زاد الـسـهـادا
كم عذول عليكم رام إصلاحـي فكان الصلاح منـه فـسـادا
كلما زاد عـذلـه زاد وجـدي فكلانا في أمره قـد تـمـادى
من لقلب أصليتموه لظى الجمر وجنب أفرشتمـوه الـقـتـادا
المحب إن تذكر الربع حن وإن تفكر في البعد أن، وإن جن عليه الليل أظهر ما أجن، قطع رضاع الوصال فلم يتهن.
للمصنف:
يا بريق الحي حرمت المنـامـا فانقضى الليل سهاداً وقـيامـا
أترى ما قد أرى يا صاحـبـي كيف والشوق بروحي يترامـى
يا سقى الله حـمـاهـم مـزنة حلبت أشطرها أيدي النعامـى
يا نسـيم الـريح بـلـغ وأعـد أن نفسي مع أنفاس الخزامـى
آه لـو عـاد زمـانـي بـهـم عند جرعاء الحمى عوداً لماما
يا ليالينا بذي الأثـل ارجـعـي أسفاً لو أنه يشفـي الـنـدامـا
يا صاحبي بلغـوا إن جـزتـم بنقي الرمل عن الجسم السلاما
إن قلبي يوم طفنـا بـالـلـوى ورحلنا عنه بالـوجـد أقـامـا
يا غرامي إن شدت ورق وهـل علم الورق سوى وجدي الغراما
قلقي في حرقـي مـن أرقـي يرتقي بل ينتقي مني العظامـا
طربي في كربي من حـربـي رجع الماء بواديهـم حـرامـا
لو جرت عيني على قدر الأسى رجع الماء بواديهـم حـرامـا
الفصل الخامس والسبعون
أخواني: الخلوة مهر بكر الفكر وسلم معراج الهمة، حريم العزلة مصون من عيب غيث عبث، إذا خلت دار الخلوة عن الصور تفرغ القلب لملاحظة المعاني.
أوحشتني خلـواتـي بك من كـل أنـيس
وتفردت فعـاينـتـك بالغيب جـلـيسـي
ودعاني الوجد والحب إلى المعنى النفـيس
فبدا لي أن مهر الحب أنفاس الـنـفـوس
فكتبت العهد للحـب على طرس الرسيس
يا هذا، إذا رُزقت يقظة فصنها في بيت عزلة، فإن أيدي المعاشرة نهابة، احذر معاشرة الجهال فإن الطبع لص، لا تصادقن فاسقاً، فإن من خان أول منعم عليه لا يفي لك، يا أفراخ التوبة لازموا أوكار الخلوة فإن هر الهوى صيود، إياك والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزلة حتى يتكامل نبات الخوافي وإلا كنت رزق الصائد، الأنس بالأنس ربق، المخالطة توجب التخليط وأيسر تأثيرها تشتيت الهم.
أقل ما في سقوط الذئب في غنـم إن لم يصب بعضها أن ينفز الغنم
قطع العلائق أصل الأصول، فرغ لي بيتاً أسكنه، إن الطائر إذا كان زاقاً لم يرسل في كتاب، تأملوا إلى الفرس إذا قدم إلى الماء الصافي كيف يضرب بيديه فيه حتى يتكدر، أتدرون لم? لأنه يرى صورة نفسه في الماء الصافي وصورة غيره فيكدره حتى لا تتبين فيه الصور فيتهنى بالشرب، لا يظهر في خلوة المتيقظ إلا الحق، كان أويس يهرب من الناس فيقولون مجنون، وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حلية حلته فقوي توق عمر وكان في كل عام يسأل عنه أهل اليمن.
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا علينا فدق أمسى هوانا يمانـيا
نسائلكم هل سال نعمان بعدنـا وحب إلينا بطن نعمـان واديا
لما كانت آخر حجة حجها عمر قام على أبي قيس فنادى بأعلى صوته أفيكم أويس? للشريف الرضي:
وإني للشوق مـن بـعـدهـم أراعي الجنوب رواحاً ومغدى
وأفرح من نحو أوطـانـهـم بغيث يُجلجل بـرقـاً ورعـدا
إذا طلع الركب يمـمـتـهـم أحيي الوجوه كهـولاً ومُـرْدا
وأسألهم عن عقيق الـحـمـى وعن أرض نجدٍ ومن حل نجدا
نشدتكم الـلـه فـلـيُخـبـرنَّ من كان أقرب بالرمل عهـدا

هل الدار بالجـزع مـأهـولةٌ أنار الربيع علـيهـا وأسـدى
وهل جلب الغـيث أخـلاقـه على محضرٍ من زرود ومبدا?
كان أويس يأتي المزابل إذا جاع فأتاها يوماً فنبح عليه كلب فقال يا كلب لا تؤذ من لا يؤذيك، كل مما يليك، وآكل مما يليني فإن دخلت الجنة فأنا خير منك، وإن دخلت النار فأنت خير مني.
ذل الفتى في الحب مكرمة وخضوعه لحبيبه شـرف
كان الصبيان يرمونه بالحجارة، والعقلاء عند نفوسهم يقولون مجنون والمحبة تنهاه أن يفسر ما استعجم.
أبثهم وجدي وهم بـي أعـلـم وأرجو شفائي منهم وهم هـم
وكم كدت من شوق أبين من هم ويمنعني من ذاك خوفي منهم
وكم عذلوني فيهم غـير مـرة فقلت لهم والله بالصدق أعلـم
إذا كان قلبي موثقاً في حبالكـم وجسمي لديكم كيف أفهم عنكم
فإن شئتم أن تعدلوا فتوصـلـوا إلى أن يعود القلب ثم تكلمـوا
صاحب أهل الدين وصافهم، واستفد من أخلاقهم وأوصافهم، واسكن معهم بالتأدب في دارهم وإن عاتبوك فاصبر ودارهم، إن لم يكن لك مكنة البذر ولم تطق مراعاة الزرع فقف في رفقة "وإذا حضر القسمة أولوا القُربى" أنت في وقت الغنائم نائم، وقلبك في شهوات البهائم هائم، إن صدقت في طلابهم فانهض وبادر، ولا تستصعب طريقهم. فالمعين قادر. تعرض لمن أعطاهم وسل فمولاك مولاهم، رب كنز وقع به فقير، ورب فضل فاز به صغير، علم الخضر ما خفي على موسى، وكشف لسليمان ما غطي عن داود.
يا هذا، لا تحتقر نفسك فالتائب حبيب، والمنكسر مستقيم، إقرارك بالإفلاس غنى، اعترافك بالخطأ إصابة، تنكيس رأسك بالندم رفعة، عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد "ونحن نُسبِّح" فقيل ما تؤثر سكة دراهمكم، فإن عجب الضارب بسرعة الضرب أوجب طمساً في النقش فقال آدم: ما عندي إلا فلوس إفلاس، نقشها "ربنا ظلمنا أنفسنا" فقيل هذا الذي ينفق على خزانة الخاص، أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين.
واستعذبوا ماء الجفون فعذبوا الأسرار حتى درت الآماق
يا معاشر المذنبين إن كان يأجوج الطبع، ومأجوج الهوى، قد عاثوا في أرض قلوبكم "فأعينوني بقوةٍ أجعلْ بينكم وبينهم ردما" اجمعوا لي عزائم قوية تشابه زبر الحديد، وتفكروا في خطاياكم لتثور صعداء الأسف فلا أحتاج أن أقول "انفخوا" شيدوا بنيان العزائم بهجر المألوف، ليستحجر البناء فنستغني أن نفرغ عليه قطرا، هكذا بناء الأولياء قبلكم، فجاء الأعداء "فما استطاعوا أن يظهروه".
ليس عزماً ما مرض المرء فيه ليس هماً ما عاق عنه الظلام
الجد جد فما تحتمل الطريق الفتور، ضاقت أيام الموسم، فجعجعوا بالإبل كذا أسيد الضبي إذا عوتب في كثرة بكائه يقول: كيف لا أبكي وأنا أموت غداً? والله لا أبكين فإن أدركت بالبكاء خيرا، فمن الله علي وإن كانت الأخرى فما بكائي في جنب ما ألقاه? كانت عابدة لا تنام من الليل إلا يسيراً فعوتبت في ذلك فقالت: كفى بطول الرقدة في القبور رقادا.
أيها العذال لا تعـذلـوا إنما العذل لمن يقـبـل
وأرى ليلي لا ينقـضـي طال ليلي والهوى أطول
تزوج رباح القيسي امرأة فرأته نائماً طول الليل فقالت: ليت شعري من غرني بك يا رباح?
يا عقيق الحمى حمى الله مغناك وروى ثراك من مزن دمـع
من لصب يشوقه لامح البـرق فيرتاح قـلـبـه لـلـجـزع
يا خليلي ما أنت لي بـخـلـيل ورفيق إن لم تقف بالـربـع
هذه طريقهم فأين السالك? هذه صفاتهم فأين الطالب?
هذي المنازل والعقـيق فأين سلمى والـخـيام
لم يبق مذ صاحوا النوى لميتم فـيهـا مـقـام
الفصل السادس والسبعون
أيها المقصر عن طلب المزاد، كيف تدرك المعالي بغير اجتهاد? أين أهل السهر من أهل الرقاد? أين الراغبون في الهوى من الزهاد? رحل المتيقظون مستظهرين بكثرة الزاد كل جواد لهم يعرف الجواد فساروا فزاروا والكسلان عاد.
للشريف الرضي:
يا قلبِ ما أنت من نجدٍ وساكنِـهِ خلَّفتَ نجداً وراء المدلج الساري
أهفو إلى الركب تعلو لي ركائبـهـم من الحمى في أُسَيحاق وإطـمـار
تفوحُ أرواحُ نجـدٍ مـن ثـيابـهـم عند القدوم لقرب العـهـد بـالـدار
يا راكبان قفا لي فاقـضـيا وطـري وحدثاني عـن نـجـد بـأخـبـار
هل رُوِّضَتْ قاعة الوعساء أم مطرت خميلةُ الطاح ذات البان والـغـاري
أم هل أبيتُ ودارٌ عـنـد كـاظـمةٍ داري وسمّار ذاك الحي سـمـاري
فلم يزالا إلى أن نَمَّ بـي نـفَـسـي وحدّثَ الركبَ عني مدمعي الجـار
لما صفت خلوات الدجى، نودي آذن الوصول أقم فلاناً وأنم فلاناً خرجت بالأسماء الجرائد، وفاز الأحباب بالفوائد، قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لامرأتي رابعة وقد قامت من أول الليل قد رأينا أبا سليمان وتعبدنا معه، ما رأينا من يقوم من أول الليل. فقالت: سبحان الله مثلك يقول هذا? أما أقوم إذا نوديت . للمتنبي:
تقولين ما في الناس مثلـك وامـق جدي مثل من أحببته تجدي مثلـي
ذريني أنل ما لا ينال من العـلـى فصعب العلى في الصعب والسهل
تريدين إدراك المعالـي رخـيصة ولا بد دون الشهد من غبر النحـل
لما دارت كؤوس النوم على أفواه العيون، فسكرت بالشراب الألباب فطرحت الأجساد على فراش "يَتَوَقَّى" صاحت فصاحة الحب بالمحب: كل مسكر حرام، فلما نفخ في صور الإيقاظ في أبان "وَيُرْسِلُ الأُخرى" قام أموات النوم وقد رحل سفر الوصال. فلم يروا إلا آثار القرب في مناخ الأحباب وأثا في "تتجافى" ستر القوم قيامهم بالليل فستر جزاءهم أن يطلع عليه الغير "فلا تعلمُ نفسٌ" فلو عانيتهم وقد دارت كؤوس المناجاة بين مزاهر التلاوة فأسكرت قلب الواجد، ورقمت في صحائف الوجبات تعرفهم " بسيماهم ".
وتمشت في مفاصلهـم كتمشي البرء في السقم
اشتهر بقيام الليل كله، وصلاة الفجر بوضوء العشاء، سعيد بن المسيب وصفوان سليم ومحمد بن المنكدر المدنيون وفضيل ووهب المكيان طاوس ووهب اليمانيان والربيع بن خيثم والحكم الكوفيان وأبو سليمان الداراني وأبو جابر الفارسيان وسليمان التيمي ومالك بن دينار ويزيد الرقاشي وحبيب العجمي ويحيى البكائي وكهمس ورابعة البصريون.
قالت أم عمرو بن المنكدر: يا بني أشتهي أراك نائماً: فقال يا أماه إن الليل ليرد علي فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه مأربي. وصحب رجل رجلاً شهرين فما رآه نائماً فقال مالك: لا تنام? فقال: إن عجائب القرآن أطرن نومي ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى.
لا تلحه إن كنت من سجـرائه عذل المحب يزيد في إغرائه
ودع الهوى يقضي عليه بحكمه ما شاء فهو مسلم لقـضـائه
فشقاؤه فيمـا يراه نـعـيمـه ونعيمه في ذاك عين شقـائه
كحلت مآقيه بطول سـهـاده وحنت أضالعه على برحـائه
دنف ببابل جسـمـه وفـؤاده بالخيف واعجباً لطول بقـائه
قال سفيان إن لله ريحاً تسمى الصبحية، مخزونة تحت العرش تهب عند الأسحار فتحمل الأنين والاستغفار.
للمهيار:
يا نسيم الريح من كـاظـمةٍ شد ما هِجت الأسا والبُرحا
الصبا إن كان لابد الصّـبـا إنها كانت لقلبـي أروحـا
أذكرونا ذكرنا عـهـدكُـمُ ربَّ ذكرى قرَّبَت من نزحا
وارحموا صبّاً إذا غنّى بكـم شربَ الدَّمع وعافَ القدَحا
يا طويل النوم فاتتك مدحة "تتجافى" وحرمت منحة "والمستغفرين" ولست من أهل عتاب فإذا جنة الليل نام عني، ليس في ليل الهجر منام ومتى رأيت محباً ينام? للمتنبي:
فإن نهـاري لـيلةٌ مـدلـهـمَّةٌ على مقلة من فقدكم في غياهب
بعيدةِ ما بين الجفون كـأنـمـا عقدتم أهالي كلِّ هدبٍ بحاجـب
ثورت في الليل الحداة وعكمت أحمال الأعمال وسارت رفقة المتهجدين وترنم كل ذي صوت بشجو، وأنت في الرقدة الأولى بعد.
لم يخل مرجان دمع من عقيق دم شوق بلا عبرة ساق بـلا قـدم
يا هذا، كيف تطبق السهر مع الشبع? كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل:
دع الهوى لأناسٍ يعـرفـون بـه قد مارسوا الحب حتى لان أصعبه
بلوت نفسك فيما لست تـخـبـره والشيء صعبٌ على من لا يجربه
فاقن اصطباراً وإن لم تستطع جلداً فرب مدرك أمر عز مطـلـبـه
أحنو الضلوع على قلب يحيرنـي في كل يوم ويعييني تـقـلـبـه
تناوح الريح من نـجـد يهـيجـه ولا مع البرق من نعمان يطربـه
الفصل السابع والسبعون
إذا هبت رياح المواعظ أثارت من قلوب المتيقظين غيم الغم على ما سلف، وساقته إلى بلد الطبع المنحرف برعد الوعيد وبرق الخشية، فتترقى دموع الأحزان من بحر قعر القلب إلى أوج الرأس فتسيل في ميازيب الشئون على سطوح الوجنات فإذا أعشب السر اهتز فرحاً بالإنابة.
محت بعدكم تلك العيونُ دموعَهـا فهل من عيون بعدها نستعيرهـا
رحلنا وفي سر الفـؤاد ضـمـائرٌ إذا هب نجدي الصبا يستثـيرهـا
أتنسى رياض الغَورِ بعد فراقـهـا وقد أخذ الميثاق منك غـديرَهـا
يجعده مـر الـشـمـال وتـارة يغازله كر الصبـا ومـرورهـا
الأهل إلى شم الخزامى وعرعـر وشيح بوادي الأثل أرض نسيرها
ألا أيها الركب العراقي بـلّـغـوا رسالة محزونٍ خواه سطـورهـا
إذا كتبت أنفاسه بعـض وجـدهـا على صفحة الذكرى محاه زفيرها
ترفق رفيقي هل بدت نار أرضهم أم الوجد يذكي نـاره ويثـيرهـا
أعد ذكرهم فهو الشفـاء وربـمـا شفى النفس أمر ثم عاد يضيرهـا
ألا أين أزمان الوصال التي خلـت خلا ما حلا منها وجاء مريرهـا
سقى الله أيّاماً مـضـت ولـيالـياً تضوع رياها وفاح عـبـيرهـا
من تفكّر في تفريطه أنَّ، ومن تذكر أيام وصله حنّ، من سمع صوت الحمام ظنه لحسن الصوت، كلا بل لذكر ما مر من العيش، إذا نظر الأسير إلى نفسه في ضيق القد ولم يقدر على ضك القيد قطع حزنه حيازيم القلب فنفسه بالأسف في آخر نفس.
تهيم إذا ريح الصبا نسمـت لـهـا وتبكي إذا الورقاء في الغصن غنت
إذا جذب الصبح اللثـام تـأوهـت وإن نشر الليل الجـنـاح أرنـت
كان داود يؤتى بالإناء ناقصاً فلا يشربه حتى يتمه بالدموع.
يا ساقي القوم إن دارت علي فلا تمزج فإني بدمعي مازج كأسي
كان في خد عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء وكان في وجه ابن عباس كالشراكين الباليين من الدمع.
للمهيار:
ألا من لعين من بكاها على الحمى تجف ضروع المزن وهي حلوب
بكت وغدير الحي طام وأصبحت عليه العطاش الحائمات تـلـوب
وما كنت أدري أن عينـاً ركـية ولا أن ماء المـاقـيين شـروب
كان الحسن يبكي حتى يرحم، وكان الفضيل بن عياض يبكي في النوم حتى ينتبه أهل الدار ببكائه. وكان عطاء يبكي في غرفة له حتى تجري دموعه في الميزاب، فقطرت يوماً إلى الطريق على بعض المارين فصاح يا أهل الدار: أماؤكم طاهر? فصاح عطاء: اغسله فإنه دمع من عصا الله.
وممن لبه مع غيره كيف حاله ومن سره في جفنه كيف يكتم
وقالوا لعطاء السلمي: ما تشتهي? فقال: أشتهي أن أبكي حتى لا أقد أن أبكي.
وإن شفائي عبـرة مـهـراقة فهل عند رسم دارس من معول
كان أشعث الحداني وحبيب العجمي يتزاوران فيبكيان طول النهار وكان حزام وسهيل وعبد الواحد كل واحد في بيت يتجاوبون بالبكاء.
للخفاجي:
ركب هوى تجاذبوا حديثه فاترعوا من الغرام أكؤسا
واسبلوا من الجفون أدمعاً ظننتها ماءً وكانت أنفسـا
لقد سمعت في الرحال أنَّةً أظنها نشطة وجد حبسـا
البكاء موكل بعيون الخائفين كلما همت بفتح طرف لتنظر إلى طرف من طرف الدنيا طرفته دمعة، قال عليه السلام: "عينان لا تمسّهما النار، عين بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله". قال الحسن: لو بكي عبد من خشية الله لرحم من حوله ولو كانوا عشرين ألفاً. وقيل لثابت البناني عالج ع**** ولا تبك. فقال: أي خير في عين لا تبكي.
لصردر:
إذا لم أفز منكم بوعـدٍ ونـظـرةٍ إليكم فما نفعي بسمعي وناظري
متى غنت الورقاءُ كانت مدامتـي دموعي وزفراتي حنين مزاهري
البكاء لأجل الذنوب مقام المريد، والبكاء على المحبوب مقام العارف.
روحي إليك بكلها قد أجمعت لو كان فيك هلاكها ما أقلعت
تبكي عليك بكلها عن كلـهـا حتى يقال من البكاء تقطعت
فانظر إليها نظرة بتعـطـفٍ فلطالما متعتها فتمـتـعـت
إخواني: حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء شتاء الغفلة. ومن لطف به كان زمانه كله فصلا:
عين تسر إذا رأتك وأختهـا تبكي لطول تباعدٍ وفـراق
فاحفظ لواحدة دوام سرورها وعِد التي أبكيتها بـتـلاق
سبحان من روح أرواح الخائفين بريح الرجاء الضعيف، إذا لم يتلاف تلف لا بد للمكروب من نسيم بارد:
بالله يا ريح الـشـمـال إذا عزمت على الهبوب
فتحملي شكوى المحـب المستهام إلى الحبـيب
قرب الضنى من مهجتي لما بعدت عن الطبـيب
وقفت عتبة الغلام ليلة على ساحل البحر إلى الصباح يقول: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب. يا قومنا المحب مع بذل روحه يرتاح إلى المنى وإلى لعل لأنه لا يرى ما بذل، يصلح ثمناً لما طلب:
بقلبي منهـم عـلـق ودمعي فيهم عـلـق
وبي من حبهم حـرق لها الأحشاء تحتـرق
وما تركوا سوى رمقي فليتهم لـه رمـقـوا
كان عبد الواحد يقول لعتبة: أرفق بنفسك فيبكي ويقول: إنما أبكي على تقصيري.
قالوا تصبر فما هذا الجنون بهـم فقلت يا قوم ليس القلب من قبلي
واعجباً، أو يقدر المحب على التصرف في قلبه? كلا دين المحب الجبر. لأبي الشيص الخزاعي:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متـأخـر عـنـه ولا مـتـقـدم
أجد المـلامة فـي هـواك لـذيذة حباً لذكرك فليلـمـنـي الـلـوم
دخلوا على رابعة فقالت: لقد طالت عليَّ الأيام بالشوق إلى لقاء الله تعالى: ودخلوا عليها مرة أخرى فقالوا: أتشتاقين إليه? فقالت: هو حاضر معي. قالوا: يا رابعة هذا ضد الأول، أجابت بلسان الحال: هكذا تحير المحب.
ومن عجب أني أحـن إلـيهـم وأسأل عنهم من أرى وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادهـا ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
إذا بدت رابعة في القيمة مختمرة وقعت لهيبة خمارها طيالسة العلماء، كان سفيان يتأدب لرابعة كان هو صاحب مخزن العلم فتردد إلى القهرمانة لأن لها دخولاً أكثر منه رحل الملاك وبقي المدعون، أترى أي طريق سلكوا? نحن ملكنا والقوم ملكوا.
للشريف الرضي، وللمهيار:
يا صاحبَيْ رَحْلي قِفـا فسائلا لي الـدِّمَـنـا
وامطرا دمعـكـمـا ذاك الكثيب الأيمـنـا
ما الدار عندي سكـن إذا عدمت السـكـنـا
كان فـؤادي وهــمُ فظعنوا فـظَـعِـنـا
مُنىً لعينـي أن تـرى تلك الثلاث من منـى
ويوم سلـع لـم يكـن يومي بسلـع هـينـا
ويوم ذي الـبـــان تبايعنا فحزتُ الغبنـا
كان الغرام المشتـرى وكان قلبي الثـمـنـا
وبـارق أشـيمـــه كالطرف أغضى ورنا
ذكـرنـي الأحـبـاب والذكرى تهيج الحزنا
من بطن مر والسـرى تؤام عسـفـان بـنـا
وبالعـراق وطـرى يا بعـد مـا لاح لـنـا
??الفصل الثامن والسبعون
المحب يتعلق بكل شيء ويهيم في كل واد، على القلق يمشي وعلى الحرق يمسي:
بقيت على الأطلال من بعدكم ملقى أهيم بكمُ غرباً وأطلبكـم شـرقـا
وأسأل أنفاس الـرياح إذا جـرت يمانية عنكم وأستنبـؤ الـبـرقـا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء ويبدو إلى التلاع. مقاساة الخلق ظلمة، والحبيب لا يتجلى إلا في خلوة.
وأخرج من بين البيوت لعلـنـي أحدث عنك النفس في السر خاليا
المحب مقتول بلا سيف ملقى في منى المنى لا عند الخيف، إذا سمع صوت منشد قد غرد خلع لجام الصبر وتشرد.
ولما غـرد الـحـادي وسار القوم في الوادي
وراح القلب يتبعـهـم بلا مـــاء ولا زاد
رأيت قتيل بـينـهـم صريعاً ما لـه فـاد
أول علامات المحبة دموع العين وأوسطها قلق القلب ونهايتها احتراقه.
لقيس ذريح:
هل الحب إلا زفرة بعد زفـرة وحر على الأجساد ليس له برد
وفيض دموع تستهـل إذا بـدا لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو
قال ذو النون: لقيت امرأة متعبدة فوعظتني فبكيت فقالت: لم تبكي? قلت لها: أو العارف لا يبكي? قالت: إذا بكى استراح ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.
لا وحبيك لا أصافـح بالدمـع مـدمـعـا
من بكى شجوه استراح وإن كان مـوجـعـا
كبـدي فـي هـواك أهون من أن تقطعـا
لم تدع سورة الضنـى فيَّ للسقم موضـعـا
المحبة نزالة وقوتها المهج. كانت أضلاع عمر بن عبد العزيز تعد، وكان جسد سرى كالشن. وقف أبو يزيد في المحراب فكبر فتقعقعت عظامه.
وإني لتعروني لذكراك روعة لها بين جلدي والعظام دبيب
فما هو إلا أن أراها فـجـأة فأبهت حتى لا أكاد أجـيب
إذا رأيت محباً ولم تدر لمن? فضع يدك على نبضه. وسم كل من تظنه المحبوب، فإن النبض لا ينزعج إلا عند ذكره "إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم".
للمهيار:
ألا فتى يسأل قلبي مـالـه ينزو إذا برق الحمى بداله
فهب يرجو خبراً من الحمى يسنده عنه فمـا روى لـه
أراد نجداً معه فانتقـضـت إرادة هاجت له بلـبـالـه
وانتسم الريح الصبا ومن له بنفحة من الصبا طوبى له
المحب في قلق لا سكون، والعجب أنه يتكلف الثبات.
الوجد يحركه والليل يقلـقـه والصبر يسكته والحب ينطقه
ويستر الحال عمن ليس يعذره وكيف يستره والدمع يسبقـه
المحب مبالغ في كتمان وجده، غير أن الدمع نمام.
آفة السر من جفـو ن دوام دوامـــع
كيف يخفى من الدمو ع الهوامى الهوامع
كان أكثر القوم، إذا جائه البكاء دافعه، اتقاء اللاحي له، فيغلبه فلا حيلة له.
للمتنبي:
حاشى الرقيب فخانته ضمـائره وغيَّض الدمع فأنهلت بـوادره
وكاتم الحب يوم البين مفتـضـح وصاحب الوجد لا تخفى سرائره
إذا أقلقه الحب ضج، وإذا أرقه الشوق عج، وكلما حبس دمعه ثج، وإذا استوحش من الخلق هج، فالهموم تنوبه من كل فج، حشيت قلوب القوم بالغموم، حشو الورد في قوارير الزور، وكلما التهبت نار الحذر جرت عيون الدمع في جداول العيون فرشت على الخدود ماء، ما ماء الورد عنده بطيب.
لأبي المعتز:
أسر القلب فأمسى لـديه فهو يشكوه ويشكو إلـيه
عذب الأحباب بالهجر حيناً فهم يبـكـون بـين يديه
واعجباً لضعف بدن العارف كم يحمل? وآسفا لقلب المحب كم يصبر.
نعم تحمل الأشواق والعيس ظلع ويمشي الهوى والناقلات قعود
ما أقوى جلد جلد القلب على نار الحب، كأنه قد ألبس ريش السمندل على أنه لا بد من لذع يبين أثره في صعود الصعداء دلالة تدل على الحريق، اشتط اللهيب فشاطت القلوب لولا أن القوم على شواطي بحر الدموع نزول.
للشريف الرضي:
خذي حديثك في نفس من النـفـس وَجْدُ المَشوق المُعَنَّى غير ملتبـس
الماء في ناظري والنار في كبـدي إن شئتِ فاغترفي أو شئت فاقتبسي
أشد ما على المحب من مقاساة الحب سماع اللوم، واعجباً من خلي يعذل ذا شجا ويحك خل شأنه وشانه.
فيا حبهم زدني جوى كل لـيلة ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
لما أسلم سعد بن أبي وقاص قالت له أمه: والله لا آكل ولا أشرب ولا يظللني سقف بيت حتى تكفر بمحمد. فقال: اسمعي يا أماه، والله لو كان لك مائة نفس فخرجت واحدة بعد واحدة لم أكفر بمحمد. ويحها ما خبرت خبر المحبة? متى وقع السلو في حب صادق? للمتنبي:
عذل العواذل حول قلبي التـائه وهوى الأحبة منه في سـودائه
القلب أعلـم يا عـذول بـدائه وأحق منك بجفنـه وبـمـائه
فومن أحب لأعصينك في الهوى قسماً به وبحسـنـه وبـهـائه
أأحبـه وأحـب فـيه مـلامة إن الملامة فيه مـن أعـدائه
لا تعذل المشتاق في أشـواقـه حتى تكون حشاك في أحشـائه


واعجباً لعاذل في حب ما ذاقه، وآمر بهجر حبيب ما شاقه.
وماذا على مفرد بالعـراق تذكر بالرمل عهداً فحنـا
وإني لكـل شـج عـاذر إذا ناح من طرب أو تغنى
كانت أم الربيع بن خيثم إذا رأت قلقه بالليل. قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً فيقول يا أماه قتلت نفسي، قيل لعابد كان ينتحب: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بارتفاع صوتك. فقال: إن حزن القيامة أورثني دموعاً غزارا، فأنا أستريح إلى ذرفها أحيانا.
مهلاً عذول صليت نار جوانحـي وغرقت في تيار دمعي المسيل
هذي حشاي لديك فانظر هل ترى قلباً فإن صادفت قلباً فـاعـذل
غاية العاذلين إيصال اللوم إلى الأسماع، فأما القلوب فلا سبيل إليها.
سيان إن لاموا وإن عـذروا ما لي عن الأحباب مصطبر
لا غرو إن أغرى بحبـهـم إذ ليس لي في غيرهم وطر
لا بد لي منهم وإن تـركـوا قلبي بنار الهجر يستـعـر
وعلي أن أرضى بما صنعوا وأطيعهم في كل ما أمـروا
لو رأيت المحب يهرب من العذل إلى فلوات الخلوات، فإذا ناوله الوجد كأس الدموع اقترح عليه غناء الحمائم.
ذكر الأحباب والـوطـنـا والصبا والألف والسكـنـا
فبكى شـجـواً وحـق لـه مدنف بالشوق حلف ضنى
أبعدت مرمى به رجـمـت من خراسان به الـيمـنـا
من لمشـتـاق تـمـيلـه ذات سجع ميلت فـنـنـا
لم تعرض في الحنين بمـن مسعـد إلا وقـلـت أنـا
لك يا ورقـاء أسـوة مـن لم تذيقي طرفه الوسـنـا
بك أنسي مثل أنسـك بـي فتعالى نبد مـا كـمـنـا
نتشـاكـى مـا نـجـن إذا بحت شكوى صحت واحزنا
أنا لا أنت البـعـيد هـوى أنا لا أنت الغريب هـنـا
أنا فـرد يا حـمـام وهـا أنت والألف القرين ثـنـا
اسرحا رأد النهـار مـعـاً واسكنا جنح الدجى غصنـا
وابكيا يا جـارتـي لـمـا لعبت أيدي الفـراق بـنـا
أين قلبي ما صنـعـت بـه ما أرى صدري له وطنـا
كان يوم النفر وهو مـعـي فأبى أن يصحب الـبـدنـا
أبه حادي الـرفـاق حـدا أم له داعي الفراق عنـى
??الفصل التاسع والسبعون
يا هذا: قد سمعت أخبار المتقين فسر في سربهم، وقد عرفت جدهم فتناول من شربهم، ثم سل من أعانهم يعنك، فما كان بهم.
لابن هندو:
لا يؤيسنك من مجد تباعـدهُ فإن للمجد تدريجاً وترتيبـا
إن القناة التي شاهدت رفعتها تنمي وتنبت أنبوباً فأنبـوبـا
استغنى القوم بطبيبهم عن مدح خطيبهم فاسلك طريقهم تكن رفيقهم.
لابن الرومي:
وسائل عنهـم مـاذا يقـدمـهـم فقلت فضل به عن غيرهم بانـوا
صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا منهن في سبل العلياء ما صانـوا
المنعمون وما منوا عـلـى أحـد يوماً بنعمي ولو منوا لما مـانـوا
قوم يعزون إن كانت مـغـالـبة حتى إذا قدرت أيديهـم هـانـوا
أطار خوف النار نومهم وأطال ذكر العطش الأكبر صومهم يحسبهم الناظر مرضى الأبدان وإنما بهم سقام الأحزان.
مكتئب ذو كـبـد حـرى تبكي عليه مقلة عبـرى
يرفع يمنـاه إلـى ربـه يشكو وفوق الكبد اليسرى
يبقى إذا حدثته بـاهـتـاً ونفسه مما به سـكـرى
تحسبه مستمعاً نـاصـتـاً وقلبه فـي أمة أخـرى
إذا ذكروا العفو طاب العيش، وإذا تصوروا العذاب جاء الطيش.
أمد بإحدى مقلـتـي إذا بـدت إليها وبالأخرى أراعي رقيبها
وقد غفل الواشي ولم يدر أنني أخذت لعيني من حبيبي نصيبها
قال صالح المري: كان عطاء السلمي قد اجتهد حتى انقطع، فصنعت له شربة سويق فلم يشرب. فقال: إني والله كلما هممت بشربها ذكرت قوله تعالى "وطعاماً ذا غُصَّة" فلم أقدر، فقلت: أنا في واد وأنت في واد.
أطلت وعذبـتـنـي يا عـذول بليت فدعني حـديثـي يطـول
أبيت أراقب نـجـم الـدجـى إلى الصبح وجدي ودمعي يسيل
انبعثت غيوم الغموم من أودية القلوب، فاستتمت قبيل الصبح فهطلت، فلها مع الشئون شئون فجرت الأرواح في موتى العيدان، فقدحت فحرقت، فارتقت ورق الشوق منابر الشدو، فأطربت فصدحت بلابل المحبة بين منثور منثورها فبلبلت.
يا نفحات الريح مري سحراً فبلبلي طرة أرض بابـل
صفي لأهل بابل بلا بلـى وبلغيهم في الهوى رسائلي
كم من دم طاح بغير ثـائر وكم قتيل كلف بالقـاتـل
قلب المحب تحت فحمة الليل جمرة كلما هب النسيم التهبت.
يمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغصنا ويصدع قلبي أن يهب هبـوبـهـا
قريبة عهد بالـحـبـيب وإنـمـا هوى كل نفس حيث حل حبيبهـا
سهر القوم يقع ضرورة، لأن القلق مانع من النوم وليس لهم في تلك الشدائد راحة سوى جريان الدموع.
للسري:
بلاني الحب فيك بما بـلانـي فشأني أن تفيض غروب شاني
أبيت الليل مرتفقـاً أنـاجـي بصدق الوجد كاذبة الأمانـي
فتشهد لي على الأرق الثـريا ويعلم ما أجـن الـفـرقـدان
فيا ولع العواذل خـل عـنـي ويا كف الغرام خذي عنانـي
من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار، شيمة المحبة لا تخفى وصحائف الوجوه يقرؤها من لم يكتب، خذي حديثك في نفسي من النفس، قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس تعب، الطريق إلى المحبوب لا تطول.
بدا لها من بعد مـا بـدا لـهـا روض الحمى أن تشتكي كلالها
فخلها تمرح فـي زمـامـهـا فإنها قد سمّـت عـقـالـهـا
اذكرها مر النـسـيم سـحـراً مراتعاً تـفـيات ظـلالـهـا
رنحها الشوق الممض والسرى فسحبت من وجدها جلالـهـا
تحسبها سكرى وما ذاك بـهـا وإنما شوق الحمى أمـالـهـا
يا رب، قرب أرض كنعان من مصر فقد نفذ صبر يعقوب، كان أبو زيد يقول: إلهي إلى متى تحبس أعضاء محبيك تحت التراب? أحشرهم واجعلني جسراً ليعبروا إليك واويلاه أنا أشرب وأنا أطرب، يتركوني أسير وجدي أسير وحدي هلا سعت معي رجل رجل، أو أعانني ساعد مساعد، أين شرطة الرفقة? أو ما العزاء للكل.
لو عدلتن تساهمنا جـوى مثل ما كنا اشتركنا نظرا
يا حاضرين عندنا بنية التنزه لستم معنا، عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب، يا مودعين ارجعوا فقد عبرنا العذيب دعونا نخل بالوجد في صحراء نجد، ستأتيكم أخبارنا عن قريب بعد فيد، وأنت أيها الحادي عرض المازمين والخيف تعلمك الدموع كيف ترمي حصن الخذف.
الأغنياني بالـديار فـإنـنـي أحب زروداً ما أقام ثـراهـا
وبين النقي والأنعمين مـحـلة حبيب لقلبي قاعها وربـاهـا
ونعمان يا سقياً لنعمان ما جرت عليه النعامى بعدنا وصباهـا
وللقلب عند المازمين وجمعهـا ديون ومقضى خيفها ومناهـا
??الفصل الثمانون
يا مقيماً في دائرة دار الغير كم حضرت فيها محتضر، كم عاينت عينك قبراً يحتفر. لقد ألانت مواعظها كل صلد حجر، عجباً لفرخها ما عيد حتى نحر.
إن في نأي زمانـي عـظة تشغل العاقل عن نأي زنـام
ومدام الفكر فيمن قد مضـى مسكر يغنيك عن شرب مدام
عرس القوم وغربان الدجـى إنما صاحت بتقويض الخيام
وحمامات الضحى صـادحة نوحها ينذرها صرف الحمام
ومطايا الخيف قد زمت لكـم ودعوا يا قوم وامضوا بسلام
ودعوا عنكم أباطيل المـنـى ليست الدنيا لنا دار مـقـام
أقسم الساقي بكاسات الـردى ليدورن علـى كـل الأنـام
يا من إذا عامل خان وظلم، يا من أمر بما ينفعه فلم، هذا القتير في الرأس كالعلم، أبقي بعد نوره يا ظالم ظلم، ألم يقل لك ألم الضعف انتبه، ألم، أين رفيقك? ادلج وقد عرفت المنهج والرحيل قد أزعج وهذا فرس مسرج والبضاعة كلها بهرج.
ويحك تعاهد قلبك فإذا رأيته قد مال إلى الهوى، فاجعل في الجانب الآخر ذكر العقاب ليستقيم، فإن غلبك الهوى فاستغث بصاحب القلب، وإن تأخرت الإجابة فابعث رائد الانكسار خلفها "تجدني عند المنكسرة قلوبهم".
يا هذا، أما علمت أن اللطف مع الضعيف أكثر. لما كانت الدجاجة لا تحنو على الولد أخرج كاسياً، ولما كانت النملة ضعيفة البصر أعينت بقوة الشم فبها تجد ريح المطعوم من بعيد فتطلب، لما كان التمساح مختلف الأسنان صار كلما أكل حصل بين أسنانه ما يؤذيه فيخرج إلى شاطئ البحر فاتحاً فاه، طالباً للراحة فيأتي طائر فينقر ما بين أسنانه فيكون ذلك رزقاً للطائر وترويحاً عن التمساح، هذه الخلد دويبة عمياء قد ألهمت وقت الحاجة إلى القوت أن تفتح فاها فيسقط الذباب فيه فتناول منه، هذه الأطيار تترنم طول النهار، فيقال للضفدع ما لك لا تنطقين? فتقول: مع صوت الهزار يستبشع صوتي، فيقال: هذا الليل بحكمك "أنا عند المنكسرة قلوبهم" لما خلق الأخرس لا يقدر على الكلام سلب السمع لئلا يسمع ما يكره، ولا يمكنه الجواب فكل أخرس أطروش، لما تولع الجذام بأظفار أصحابه، صعب عليهم الحك فمنع منهم القمل فليس في ثياب المجذومين قملة، سبحان من هذا لطفه، سبحان من لا يعطف عنا عطفه، ثكلت خواطر أنست بغيرك عدمت قلباً يحب سواك:
لا أذاق الله عيناً أبصـرت غيركم ياقوت روحي وسنا
لا ولا كانت قلوب سكنـت عند ذكراكم ولا نالت منى
إلهي، ادلنا من نفوسنا التي هي أقرب أعدائنا منا وأعظمهم نكاية فينا، إلهي تلاعبت خوادع آمالنا ببضائع أعمارنا فصرنا مفاليس، أغارت علينا خيول الهوى فاستأسرتنا بأسرنا وأوثقتنا من أسرنا ورمتنا في مطامير طردنا، فيا مالك الملك أنقذ حبيسنا وخلص أسيرنا وسير أوبتنا من بلاد غربتنا، كم عدنا مريضاً? وما عدنا، كم رأينا الألحاد تبنى، وما تبنا، كم أبصرنا? وما أقصرنا وانتهينا وما انتهينا يا ملاذ العارفين يا معاذ الخائفين، خذ بيد من قد زلت قدم فطنته في مزلق فتنته أقم من قعد به سوء عمله:
كم كم أشكو وأين نفع الشكوى قد قل تصبري وحل البلـوى
ما لي جلد على جفاهم يقـوى أهوى قلقي إذا جفا من أهوى
يا من أصلح السحرة فجعلهم بررة، جاؤا يحاربون وخلع الصلح قد خبيت، وتيجان الرضى قد رصعت، وشراب الوصال يروق، فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا به قد استحال خلا، فأفطروا عليه.
واعجباً لسكارى من شراب الحب عربدت عليهم المحبة، فصلبوا في جذوع النخل ارتقى سلطان عزمهم إلى سماوات قلوبهم "فأوحى في كل سماء أمرها" واعجباً لعزم صلب ما هاله الصلب، لا تتعرض بنار المحبة إلا أن يكون لقلبك جلد السمندل أو صبر الفراش.
يا هذا، الاحتراق على قدر الاشتياق لما اشتد شوق الفراش إلى النار، تعجل احتراقه وهجم يبتغي الوصال فصال عليه المحبوب:
لاذ بهم يشتكـي جـواه فلم يجد في الهوى ملاذا
ولم يزل ضارعاً إليهـم تهطل أجفـانـه رذاذا
فقـربـوه فـحـادثـوه وأتلفوه فـكـان مـاذا
لما علم المحبون أن الصبر محبوب شمروا لحمل البلاء، ثم حلى لهم فعدوه نعمة.
سقمي في الحب عافيتـي ووجودي في الهوى عدمي
وعذاب تـرتـضـون بـه في فمي أحلى من النعـم
كان الربيع بن خيثم يقول في شدة مرضه، ما أحب أن الله نقصني منه قلامة ظفر.
مرض الحب شفائي في الهوى كلما أكربـنـي طـربـنـي
فبقائي مـن فـنـائي فـيكـم وسروري منكم في حـزنـي
وشربتم بوصال مـهـجـتـي وأنا منـتـظـر لـلـثـمـن
كيف أرجو البرء من داء الهوى وطبيبي في الهوى أمرضنـي
وإذا البلوى أفـادت قـربـكـم فمن النعمى دوام الـمـحـنِ
أخواني، لسنا من رجال البلاء فسلوا الله العافية، يضيق الخناق على المحب ويمنع من التنفس، لئن قلت آه لأمحونك.
الحب يقول لا تشع أسـراري والدمع يسيل هاتكاً أستـاري
فالشوق يزيدني على المقـدار وأناري إذن من الهوى وأناري
?الفصل الحادي والثمانون
يا من أنفاسه عليه معدودة وأبواب التقى في وجهه مسدودة، وأعماله بالرياء والنفاق مردودة، غير أن محبة التفريط معه مولودة:
حياتك أنفاس تـعـد فـكـلـمـا مضى نفس منها انتقصت به جزءا
فتصبح في نقص وتمسي بمثـلـه أمالك معقول تـحـس بـه رزءا
يمينك ما يحييك فـي كـل سـاعة ويحدوك حاد ما يريد بك الهـزءا
كم أسرعت فيما يؤذي دينك ودأبت? كم خرقت ثوب إيمانك وما رأبت? كم فرقت شعب قلبك وما شعبت? كم فاتك من خير وما اكتأبت? يا كاسب الخطايا بئس ما كسبت، جمعت جملة من حسناتك ثم اغتبت، وحصن دينك ثلمت لما ثلبت، وأنت الذي بددت ما حلبت، إن لاح لك أخوك عبته وإن لاحى سببته.
يا عقرب الأذى كم لدغت? كم لسبت? تعلم أن مولاك يراك وما تأدبت? تؤثر ما يفنى على ما يبقى ما أصبت، تصبح تائباً فإذا أمسيت كذبت، تمشي مع اليقين فإذا قاربت انقلبت، تعمر ما لا يبقى وما يبقى خربت، تأنس بالدنيا وغرورها وقد جربت كأنك بك في القبر تبكي ما كسبت، لقد حسبت حساباً كثيراً وهذا ما حسبت.
يا وادي الشيح كيف يقال لو أعشبت? يا هذا أكثر الأنعام عليك، كف كف فضول الدنيا عنك إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص، فاعلم أنه قد لطف بك لأن المنعم لم يقلصه عليك بخلاً أن يتمزق لكن رفقاً بالماشي أن يتعثر، أحرم عن الحرام بنزع مخيط الهوى لعل جذب القدر يقارن ضعف كسبك:
إن المقادير إذا ساعدت ألحقت العاجز بالحازم
يا تائهاً في فلات الغفلات، اعل بأقدام الذهن نشز الفكر تلح لك البلد، تركب البحار في طلب الدنيا فإذا أمرت بخير، قلت إن وفقني، أصم الله سمع الهوى فما يسمع إلا ما يريد.
يا ملولاً كـلـمـا ثقف بالعذل التوى
عنتا تطلـب فـي فالوذج الهوى نوى
ما أحسن قولك، وما أقبح فعلك، كم يشكو حزيران? نطقك من كانون عزمك، ويحك، بادر در الأرباح ما دام ينثر، فسينادي عن قليل "يا سماء أقلعي" أتحسب تحصيل المعالي سهلاً? نيل سهيل أسهل من أدلج في ليل الصبر فات المكاس، يا من يتعب في التعبد ولا يجد له لذة، أنت بعد في سواد البلد اخرج إلى البادية تجد نسيم نجد، الاعتبار عندنا بالأعمال القلبية، غلبت حرارات الخوف قلب داود فصار كفه كيراً "وألنَّا له الحديد" وقويت روحانية محمد فنبع الماء من بين أصابعه:
لولا مدامع عشاق ولوعتـهـم لبان في الناس عز الماء والنار
فكل نار فمن أنفاسهم قدحـت وكل ماء فمن طرف لهم جار
أيها المصلي طهر سرك قبل الطهور، وفتش على قلبك الضائع قبل الشروع، حضور القلب أول منزل فإذا نزلته انتقلت إلى بادية العمل، فإذا انتقلت عنها أنخت بباب المناجى، وأول قرى ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب، وكيف يطمع في دخول مكة منقطع قبل الكوفة، همك في الصلاة متشبث، وقلبك بمساكنة الهوى متلوث، ومن كان متلطخاً بالأقذار لا يغلف، ادخل دار الخلوة لمن تناجي واحضر قلبك لفهم ما تتلو ففي خلوات التلاوة تزف أبكار المعاني، إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم "اُخرُج عليهِنّ" استغرقت إحساس الناظرات "فقطَّعنَ أيديَهُنّ" فكيف بالباب علقت? فعقلت على الباب?
لها بوجهك نور تستـدل بـه ومن نوالك في أعقابها حـاد
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لو أحببت المخدوم لحضر قلبك في الخدمة، ويحك، هذا الحديد يعشق المغناطيس فكيف ما التفت التفت، إن كنت ما رأيت هذا الحجر فانظر إلى الحرابى تواجه الشمس، فكيف مالت قابلتها.
للشريف الرضي:
وإني إذا اصطكت رقاب مطيكم وثَوَّر حادٍ بالرفـاقِ عـجـول
أخالف بين الراحتين على الحشى وأنظرُ أنّى مُـلـتـم فـأمـيل
قيل لعامر بن عبد قيس أما تسهو في صلاتك? قال: أو حديث أحب إلي من القرآن حتى أشتغل به، هيهات! مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس. كان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته ولقد انهدمت ناحية من المسجد فزع لها أهل السوق فما التفت. وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علماً منهم أن قلبه مشغول، وكان يقول في مناجاته: إلهي، متى ألقاك وأنت عني راضي?
إذا اشتغل اللاهون عنك بشغلـهـم جعلت اشتغالي فيك يا منتهى شغلي
فمن لي بأن ألقاك في ساعة الرضا ومن لي بان ألقاك والكل لي من لي
كان الفضيل يقول أفرح بالليل لمناجاة ربي وأكره النهار للقاء الخلق.
الموت ولا فراق مـن أهـواه هذي كبدي تذوب من ذكـراه
ما أشوقني له متـى ألـقـاه ما مقصودي من المنى إلا هو
كان أبو يزيد يقول: وددت أن الله تعالى جعل حساب الخلق علي، قيل لماذا? قال: لعله يقول في خلال ذلك يا عبدي فأقول: لبيك، ثم ليصنع بي ما شاء.
هل الطرف يعطي نظرة من حبيبه أم القلب يلقى روحة من وجيبـه
وهل لليالي عطفة بـعـد نـفـرة تعود فيلهى ناظر عن غـروبـه
أحنُّ إلى نور اللوى في بطـاحـه وأظمأ إلى ريا اللوى في هبوبـه
وذاك الحمى يغدو عليلاً نسـيمـه ويمسي صحيحاً ماؤه في قلـيبـه
هو الشوق مدلول على مقتل الفتى إذا لم يعد قلباً بلـقـيا حـبـيبـه
يا واقفاً في صلاته بجسده والقلب غايب، ما يصلح ما بذلته من التعبد مهراً للجنة فكيف ثمناً للجنة، رأت فأرة جملاً فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصل إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال: إما أن تتخذي داراً يليق بمحبوبك أو محبوباً يليق بدارك، خذ من هذه إشارة إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك أو تتخذ معبوداً يليق بصلاتك.
الفصل الثاني والثمانون
عجباً لمن رأى فعل الموت بصحبه ثم ينسى قرب نحبه، واستبداله ضيق المكان بعد رحبه من لم ينتبه بوكزه فسينتبه بسحبه:
ما لبني الدنـيا غـدوا أهل ضلال وغـمـه
بصيرهم من جهـلـه كأنه حلـف كـمـه
أنـت مـقـيم سـائر فلا تقل لـم ولـمـه
ولا تـكـلـم أحــدا في غير بر كلـمـه
فكل معطـى مـهـل أوقاته منـصـرمـه
ولا تدوم لـلـفـتـى شؤونه المنتـظـمـه
يأتي على الأرض مدى وما عليها نـسـمـه
ضاق رحب العمر عن حاجاتنا المزدحـمـه
أين الأقران وأين سلكوا? تالله لقد فنوا وهلكوا ، اجتمع الأضداد في الألحاد واشتركوا، وخانهم حبل الأمل بعدما امتسكوا، ونوقشوا على ما خلفوا وتركوا وصار غاية الأماني أن لو تركوا، تالله لقد سعد من تدبر وسلم من الأذى من تصبر، وهلك مؤثر الحرى وأدبر فكأنكم بالفراق يا ركاب المعبر، يا نائماً في لهوه وما نام الحافظ لاحظ نور الهدى فلا حظ إلا للاحظ، ولا تغتر ببرد العيش فزمان الحساب قائظ، يا مدبراً أمر دنياه ينسى أخراه فخفف النداء اللافظ، وعجائب الدهر تغني عن وعظ كل واعظ، يا من رأينا يد التفريط قد ولعت به فأتينا للومه ولعتبه أما مصير السلف نذير الخلف، أما مهد الطفل عنونا اللحد. يا من لمع له سارب الأمل فبدد ماء الاحتياط أتراك ما علمت أن الأماني قمار. مد نهر الهوى وقلبك على الشاطئ، فمر به صم مسح اليقظة فصممت على الزلل أكل الزمان "وهم بها" أما تقع في يوم "واستعصم" الورع عن الذنوب، يوجب قوة قلبية. قال بعض السلف: ارتكبت صغيرة فغضب علي قلبي فلم يرجع إلي إلا بعد سنة، أخواني: إطلاق البصر سيف يقع في الضارب:
يا للرجال لنظرة سـفـكـت دمـاً ولحادث لم ألفه مسـتـسـلـمـا
وأرى السهام تؤم من يرمي بـهـا فعلام سهم اللحظ يصمي من رمى
المحرمات حرم ونظر المملوك إلى حرم المالك، من أقبح الخيانة، يا بني آدم تلمحوا تأثير "وعصى" لقمة أثرت إن عثرت، فعرى المكتسي ونزل العالي وبكى الضاحك، وقام المترفه يخدم نفسه فاشتد بكاؤه فنزل جبريل يسليه فزاد برؤيته وجده. للشريف الرضي:
رأى على الغور وميضاً فاشتاق ما أجلب البرق لمـاء الآمـاقْ
ما للوميض والفؤاد الـخـفَّـاقْ قد ذاق من بين الخليط مـا ذاقْ
داء غارمٍ ما لـه مـن إفـراقْ قد كَلَّ آسيهِ وقـد مـلَّ الـراقْ
قلبي وطرفي من جوى وإملاق في غرق ما ينقضي وإحـراقْ
يا ناقَ أداك الـمـؤدي يا نـاقْ ماذا المقام والفـؤاد قـد تـاقْ
هل حاجة المأسور إلا الإطلاق
كان آدم كلما عاين الملائكة تصعد إلى السماء وجناحه قد قص زاد قلقه.
وأصبحت كالبازي المنتـف ريشـه يرى حسرات كلمـا طـار طـائرا
يرى خارقات الجو يخرقن في الهوى فيذكر ريشاً من جنـاحـيه وافـرا
وقد كان دهراً في الرياض منعـمـاً على كل ما يهوى من الصيد قـادرا
إلى أن أصابته من الدهـر نـكـبة فأصبح مقصوص الجناحين حاسـرا
أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون عند فراقهم الزمن:
ولم يبق عندي للهوى غـير أنـنـي إذا الركب مروا بي على الدار أشهق
كانت الملائكة إذا نزلت إليه، استنشق ريح الوصال من ثياب الواصلين وتعرف أخبار الديار من نسمات القاصدين:
خبراني عن العقيق خبيراً أنتما بالعقيق أحدث عهدا
يا ناقضي العهود دوموا على البكاء فمن أشبه أباه فما ظلم.
كانت عابدة من أحسن النساء عيناً فأخذت في البكاء فقيل لها: تذهب عيناك، فقالت: إن يكن لي عند الله خير فسيبدلني خيراً منهما وإن تكن الأخرى فوالله لا أحزن عليهما.
للمتنبي:
قد علّمَ البينُ منا البينَ أجفـانـا تدمَى وألفَ في ذا القلب أحزانا
قد أشفق من دمعي على بصري فاليوم كل عزيز بعدكم هـانـا
تُهدي البوارق أخلافَ المياه لكم وللمحبِّ من التذكار نـيرانـا
من سعى إلى جناب العز بأقدام المسكنة، ووقف بباب الكرم على أخمص المسألة، ووصف ندمه على الذنب بعبارة الذل لم يعد بالخيبة.
ملكتم قلبـي فـمـا لي عنكم مصـرف
فودكم منـه مـكـا ن كبدي أو الطـف
فلا برى وجدي بكم ولا أفاق الشغـف
لست وإن اعرضتـم أيأس من أن تعطفوا
وصبر يعقوب معي حتى يعود يوسـف
يا معاشر المذنبين اسمعوا وصيتي، إذا قمتم من المجلس فادخلوا دار الخلوة وشاوروا نصيح الذكر وحاسبوا شريك الخيانة وتلمحوا تفريط التواني في بضاعة العمر، ويكفي ما قد مضى فليحذر العور الحجر، إذا نفى خاطر المذكر من ذل هوى، وصفى معين معنى كلامه من كدر طمع، انكشف الغشاء عن عينه فرأى بالفطنة موضع قطنة مرهم العافية فربى حشائش الحكم وركب فيها معاجين الشفاء ففتحت سدد الكسل واستفرغت أخلاط الشواغل، فأما مجتلب الدنيا بنطقه فإنه كلما حفر قليب قلبه فأمعن، لاستنباط معنى، طم الطمع إذا صدر العلم من عامل به كان كالعربية ينطق بها البدوي، وأحلى أبيات الشعر ما خرج عن أبيات الشعر جمعت بين الكتاب والسنة ففتحا لي هذه المغاني فهي تنادي السامعين: ولدت من نكاح لا من سفاح، ومن جمع بين الجهل والبدعة هذى الهذيان فكلامه في مرتبة ابن زانية، إذا فتحت الوردة عينها رأت الشوك حولها فلتصبر على مجاورته قليلاً فوحدها تجتني وتقبل، واعجباً لألفاظي وعملها بطل السحر عندها كل المذكرين رجالة وأنا فارس أخرج إلى المعاني في كمين فأصيدها لا بأحبولة إذا حضرت ملكت العيون، وإذا غبت استرهنت القلوب.
للمهيار
طرفُ نجدية وظرفُ عراقي أي كاس يديرهـا أيّ سـاق
سنحت والقلوبْ مطلقةٌ ترعى وثابت وكلهـا فـي وثـاق
لم تزل تخدع العيونَ إلـى أن عَلَقَتْ دمعةً على كل مآق
الفصل الثالث والثمانون
إخواني: أعجب العجائب أن النقاد يخافون دخول البهرج في أموالهم والمبهرج آمن، هذا الصديق يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وهذا عمر، يقول: يا حذيفة هل أنا منهم? والمخلط على بساط الأمن:
الـنـاسـكـون يحـاذرو ن وما بـسـيِّئةٍ ألـمّـوا
كانوا إذا رامـوا كـلامـاً مطلقاً خطـمـوا وزمـوا
إن قيلت الـفـحـشـاء أو ظهرت عموا عنها وصموا
فمضوا وجاء مـعـاشـر بالمنكرات طموا وطمـوا
ففـم لـطـعـم فـاغـر ويدٌ علـى مـالٍ تـضـمُّ
عدلوا عن الحسن الجمـيل وللخنـا عـمـدوا وأمـوا
وإذا هـم أعـيتـهـــم شنعاؤهم كـذبـوا وأمـوا
فالصدر يغلـي بـالـهـوا جس مثل ما يغلي المحـم
لله درّ أقوام شغلهم حب مولاهم عن لذات دنياهم، اسمع حديثهم إن كنت ما تراهم، خوفهم قد أزعج وأقلق، وحذرهم قد أتلف وأحرق، وحادي جدهم مجد لا يترفق، كلما رأى طول الطريق نص وأعنق، وكيف يحسن الفتور? وأوقات السلامة تسرق دموعهم في أنهار الخدود تجري وتتدفق، يشتاقون إلى الحبيب إليهم أشوق، يا حسنهم في الدجى ونورهم قد أشرق، والحياء فائض والرأس قد أطرق، والأسير يتلظى ويترجى أن يعتق، إذا جاء الليل تغالب النوم والسهر، والخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتاني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الصبر حمل على القيام فانهزمت جنود الفتور، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان، سفر الليل، لا يطيقه إلا مضمر المجاعة، النحائب في الأول وحاملات الزاد في الأخير، قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمان ضاع في غير الوصال:
سقوا بمياه أعينـهـم هناك الضال والرندا
يا نفاس كبرق فـي أنين يشبه الرعـدا
إن ناموا توسدوا أذرع الهمم وإن قاموا فعلى أقدام القلق، لما امتلأت أسماعهم بمعاتبة كذب من ادعى محبتي فإذا جن الليل نام عني، حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسـنـي
ما زالت مطايا السهر تذرع بيد الدجى، وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل، وحادي العزم يقول في إنشاده: يا رجال الليل جدوا إلى أن نم النسيم بالفجر. فقام الصارخ ينعي الظلام فلما هم الليل بالرحيل، تشبثوا بذيل السحر.
فاستوقف العيس لي فإن علي خلب فؤادي تشد أرحلـهـا
إن دثرت دارها فما دثـرت منازل في القلوب تنزلـهـا
قال علي بن بكار، منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، لو قمت في السحر لرأيت طريق العباد قد غص بالزحام، لو وردت ماء مدين وجدت عليه أمة من الناس يسقون:
بانوا وخلفت أبكي في ديارهم قل للديار سقاك الرائح الغادي
وقل لأظعانهم حييت من ظعن وقل لواديهم حييت مـن واد
يا بعيداً عنهم يا من ليس منهم أليس لك نية في لحاقهم? أسرج كميتك، واجرر زمامك، يقف بك على المرعى، يا من يستهول أحال القوم تنقل في المراقي تعل. قال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.
ما زلـــتُ أُضـــحـــكُ إبـــلـــي كـــلـــمــا نـــظــــرت إلـــى مـــن اخـــتـــضـــبــت أخـــفـــافـــهـــا بــدمــي
من اقـــتـــضـــى بـــســـوي الــهــنــدي حـــاجــتـــه أجـــاب كـــل ســـــؤال عـــــن هـــــــل بـــــلــم

للخفاجي:
ثورها ناشـطة عـقـالـهـا قد ملأت من بدنها جلالـهـا
فلم تزل أشواقه تسـوقـهـا حتى رمت من الوجي رحالها
ما ذا على الناقة من غـرامة لو أنه أنصف أو رثى لـهـا
أراد أن تشرب ماء حـاجـر أريها تطلـب أم كـلالـهـا
إن لها على الـقـلـوب ذمة لأنها قد عرفت بلـبـالـهـا

وما عليهم سـهـري ولا رُقـادي لـهـمُ
وهل سماتُ الحـبِّ إلاّ سهـرٌ وسـقـمُ
خذ أنت في شـأنـكَ يا دمعي وخلي عنهم
كان بشر لا ينام الليل ويقول أخاف أن يأتي أمر وأنا نائم:
رقد الُّـمّـارُ وأرّقـه همٌّ لـلـبـين يردده
فبكاه النجمُ ورقَّ لـه مما يرعاه ويرصـده
وغداً يقضي أو بعد غدٍ هل من نظرٍ يتزوّده
يهوى المشتاق لقاءكم وصروف الدهر تقيده
بقي بشر خمسين سنة يشتهي شهوة، فما صفا له درهم، وبضائع أعماركم كلها منفقة في الشهوات من الشبهات، أبشروا بطول المرض يا مخلطين:
وا ويلاه من ضياع كل العـمـر قد مرَّ جميعه بمر الـهـجـر
ضاعت حيلي وضلَّ عني صبري يا قوم عجزت من تلافي أمري
يا من فاتوه وتخلف بل ثراهم من دمع الأسف.
دع شأنَ ع****َ يا حزين وشأنَهـا وضع اليدين على الحشا وتململ
هذا وإن فراقهـم ولـقـل مـا يُغني وقوفك ساعة في المنزل
جز بنادي المحبة وناد بالقوم تراهم كالفراش تحت النيران.
للشريف الرضيّ:
يا دارُ من قتلَ الهوى بعدي وجدوا ولا مثلَ الذي عندي
لو حرّكتْ ذاكَ الرّمـادّ يدٌ لرأت بقايا الجمر والوَقـدِ
تشتد عليهم نار الخوف فيشرفون على التلف، لولا نسيم بذكراهم يروحني، ينبسطون انبساط المحب، ثم ينقبضون انقباض الخائف، هذا اللينوفر ينشر أجنحة الطرب في الدجى، فإذا أحس بالفجر جمع نفسه واستحى من فارط فإذا طلعت الشمس نكس رأسه في الماء خجلاً من انبساطه:
أباسطه علـى جـزع كشرب الطائر الفزع
رأى ماءً فأطمـعـه وخاف عواقب الطمع
فصادف فرصة فدنـا ولم يلتذ بـالـجـرع
كلما جاء كلامي صعد، كلما زادت الوقود فاحت ريح العود، أفيكم مستنشق? أو كلّكم مزكوم? إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن، باح مجنون عامر بهواه.
وما بحت حتى استنطق الشوق أدمعي وأذكرني عهد الحمى المـتـقـادم
أتجدون يا إخواني ما أجد من ريح النسيم?
ألا يا نسيم الريح مالك كلـمـا تجاوزت ميلاً زاد نشرك طيبا
أظن سليمى خبرت بسقامـنـا فأعطتك ريّاها فجئت طبيبـا
الفصل الخامس والثمانون
يا من كل يوم يقدم إلى القبر فارط، لا تغتر بالسلامة فربما قبض الباسط، انهض للنجاة بقلب حاضر وجأش رابط، قبل أن يلقيك على بساط العجز خابط، ونفس النفس تخرج من سم إبرة خائط.
قل للمؤمل إن المـوت فـي أثـرك وليس يخفى عليك الأمر من نظـرك
فيمن مضى لك إن فكرت معتـبـر ومن يمت كل يوم فهو مـن نـذرك
دارٌ تسافر عنها مـن غـدٍ سـفـراً فلا تؤب إذا سافرت مـن سـفـرك
تضحي غداً سمراً للذاكـرين كـمـا صار الذين مضوا بالأمس من سمرك
إخل بنفسك في دار المعاتبة، واحضرها دستور المحاسبة وارفع عليها سوط المعاقبة وإن لم تفعل خسرت في العاقبة:
خلقت جسماً ثرياً ثم زرت ثـرى فصرت خطاً وطالت مدة فمحى
قف بالمنازل من عادٍ وغيرهـم فما ترى ثم من شخصٍ ولا شبح
كلٌّ مُجازى بما أسداهُ من حسـن وسيء فاهجر السوء آت وانتزح
لقد وعظك أمس واليوم وأنت من سنة إلى نوم ، أين العشائر? أين القوم? اشتراهم البلى بلا سوم، لا فطر عندهم ولا صوم، بلى بلابل العتاب واللوم هذا رشاش الموج ينذر بالعوم ويخبر بالحادثات أشمامها والروم.
اغتنم صفو الليالـي إنما العيش اختلاس
تلبس الدهر ولكـن متعة ذاك اللبـاس
يا جامع الحطام ولا يدري ما جنى، كلما نقض الواعظ أصلاً من حرصك بنا، بادر الفوت فإن الموت قد دنا، هذا يشير القبول: إياك عني النثار كثير فما هذا الوقوف والونى? أمدد يد الصدق وقد نلت المنى، هذه الخيف وهاتيك منى، أما تهزك هذه المواعظ? أيها المهزوز أما يوقظك الصريح? ولا المرموز أما كل وقت عود الهلاك? مغموز أما كل ساعة غصن? مقطوع ومحزوز، أما تراهم بين مدفوع وموكوز كل أفعالك إذا تأملت ما لا يجوز، أين أرباب القصور? أين أصحاب الكنوز? هلك القوم وضاع المكنوز وحيز في حفرة البلى من كان للمال يحوز، بينا تغرهم الإناءة وقعت النواة في الكوز أين كسرى أين قصير أين فيروز? عروا عن الأكفان وما كانوا يرضون الخزوز، وأبرز الموت أوجهاً عز عليها البروز، وساوى بين العرب والعجم والنبط والخوز، ونسخ بحسرات الرحيل لذات النيروز، وكشف لهم نقاب الدنيا فإذا المعشوقة عجوز، ما رضيت إلا قتلهم وكم تدللت بالنشوز، لقد أذاقتهم برد كانون الأول فأذاهم في تموز، وإنما قصدت غرورهم لتقتلهم في كالوز.
واعجباً، بحر الوجود قد جمع الفنون: العلماء جوهره، والعباد عنبره، والتجار حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على رأسه كالزبد، فيا من يجري به على هواه وهو عليه كالقفيا قف يا قفيا، كم تحضر مجلساً وكم تتردد? وكم تخوف عقبى الذنوب وكم تهدد? يا من لا يلين لواعظ وإن شدد، يا راحلاً عن قريب ما عليها مخلد، تلمح قبرك لا قصرك المشيد وتعلم أن المطلق إذا شاء قيد، أترى تقع في شركي? فإني جئت أتصيد، يا من يسأل عن مراتب الصالحين مالك ولها? تساوم في راحلة وما تملك ثمن نعل تجمع من جوانب الحافات خبازى وتريد أن تطعم أخضر، تطلب سهماً من الغنيمة وما رأيت الحرب بعينك.
يحاول نيل المجد والسيف مغمد ويأمل إدراك العلى وهو نائم
البلايا تظهر جواهر الرجال، وما أسرع ما يفتضح المدعي.
تنام عيناك وتشكو الهوى لو كنت صباً لم تكن نائما
رأى فقير في طريق مكة امرأة فتبعها فقالت: مالك? فقال: قد سلب حبك قلبي. قالت: فلو رأيت أختي? فالتفت فلم ير أحداً. فقالت: أيها الكاذب في دعواه، لو صدقت ما التفت:
والله لو علمت روحي بمن علقـت قامت على رأسها فضلاً عن القدم
إذا كنت تشتغل اليوم عنا بسوداء فكيف تذكرنا إذا أعطيناك الحور? يا مؤثراً ما يفنى على ما يبقى هذا رأى طبعك هلا استشرت عقلك لتسمع أصح النصائح، من كان دليله البوم كان مأواه الخراب، ويحك، اعزم على مجنون هواك بعزيمة فرب شيطان هاب الذكر، تلمح غب الخطايا لعله يكف الكف، لا تحتقرن يسير الطاعات فالذود إلى الذود إبل، وربما احتبج إلى عويد منبوذ، لا تحتقرن يسير الذنب فإن العشب الضعيف يفتل منه الحبل القوي فيختنق به الجمل المغتلم أو ما نفذت في سدسبا? حيلة جرد من عرف شرف الحياة اغتنمها، من علم أرباح الطاعات لزمها، العمر ثوب ما كف، والأنفاس تستل الطاقات، كم قد غرقت في سيف سوف، سفينة نفس.
يا هذا، أنت أجير وعليك عمل فإذا انقضى الشغل فالبس ثياب الراحة، قال رجل لعامر بن عبد قيس: كلمني فقال: أمسك الشمس. دخلوا على الجنيد عند الموت وهو يصلي فقيل له في هذا الوقت? فقال الآن تطوى صحيفتي:
حثوا المطى فهذه نجـد بلغ المدى وتجاوز الحد
يا حبذا نجد وساكـنـه لو كان ينفع حبذا نجـد
يا ديار الأحباب أين السكان? يا منازل العارفين أين القطان? يا أطلال الوجد أين? أين البنيان?
تعاهدتك العهاد يا طـلـل خبر عن الظاعنين ما فعلوا
فقال ألا اتبعـتـهـم أبـدا إن نزلوا منزلاً وإن رحلوا
تركت أيدي النوى تقودهـم وجئتني عن حديثهم تسـل
رحل القوم يا متخلف وسبقوك بالعزائم يا مسوف، فقف على الآثار وقوف متلهف، وصح بالدمع سر يا متوقف.
للشريف الرضي:
يا قلب جدد كـمـدا فموعد البـين غـدا
لم أر فرقاً بعـدهـم بين الفراق والردى
يا زفرةً هـيجـهـا حاد من الغور حدا
أرعى الحُمول ناظراً أو أُلزم القلـبَ يدا
وأطرد الطرف على آثارهم ما انطـردا
مذ أوقدوا بأضلعـي حر الجوى ما بـردا
ومذ إذا أبوا ماء عيني للأسى ما جـمـدا
كنتُ أداوي كـبـدي لو تركوا لي كبـدا
الفصل السادس والثمانون
أخواني: المفروح به من الدنيا هو المحزون عليه، وبقدر الالتذاذ يكون التأسف، ومن فعل ما شاء لقي ما ساء.
مال ما كان المنى ما آلمـا صار ما أوصلته قد صارما
بينما أضحك مسـروراً بـه سال ماء العين إذا ما سالما
الدنيا فلاة فلا تأمن الفلاة، بل تيقن أنها مارستان بلا، ولا تسكن إليها وإن أظهرت لك الولا، على أنها تخفض من علا، فلينظر الإنسان يمنة فهل يرى إلاّ محنة? ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة? أما الربع العامر فقد درس وأما أسد الممات ففرس وأما الراكب فكبت به الفرس وأما الفصيح فاستبدل الخرس وأما الحكيم فما نفعه إن احترس، ساروا في ظلام ظلمهم ما عندهم قبس ووقفت سفينة نجاتهم لأن البحر يبس، وانقلبت دول النفوس كلها في نفس وجاء منكر بآخر نبأ، ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته? من طال ما جلس.
آه، لنفس رفلت من الغفلة في أثوابها فثوى بها الأمر إلى عدم ثوابها، آه لعيون أغشاها الأمل فسرى بها إلى سرابها، آه، لقلوب قلبها الهوى عن القرآن إلى أربابها فربا بها، آه لمرضى علم الطبيب قدر ما بها، وقد رمى بها، لأبي العتاهية:
يا نفس ما هو إلا صـبـر أيام كأن مدتها أضغـاث أحـلامِ
يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة وخل بها فإن العيش قدامـي
يا مغرورين بحبة الفخ ناسين خنق الشرك، تذكروا فوات الملتقط مع حصول الذبح "فلا تغرَّنَّكُم الحياة الدنيا" الحذر الحذر من صياد يسبق الطير إلى مهابطه بفخاخ مختلفة الحيل، قدروا أنكم لا ترون خيط فخة، أما تشاهدون ذبائحه? في خيط "كما أخرج أبَوَيْكُم من الجنة".
للشريف الرضي:
يا قلب كيف علقت في أشراكهم ولقد عهدتك تفلت الأشـراكـا
لا تشكون إلى وجدا بـعـدهـا هذا الذي جرَّتْ علـيك يداكـا
ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنه. وفيه حبات:
فإن حننت للحمى وطـيبـه فبالغضا ماء وروضات أخر
واعجباً أن يكون حامل الكتاب من الطير أقوى عزيمة منك، لعل وضعك على غير الاعتدال، الخلق يدل على الخلق، لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة الوافية إلا لنفس نفيسة، لا يصلح لحمل الرسائل إلا الطير الأخضر أو الأنمر، لأنه إذا كان أبيض، كان كالغلام الصقلاني، والصقلاني فطير خام لم ينضج في محل الحمل، وإذا كان الطائر أسود دل على مجاوزة حد النضج إلى الاحتراق، فإن اعتدل اللون دل على نفاسة النفس وشرف الهمة، فحينئذٍ يعرف الطائر سر الجناح فيقول بلسان الحال: عرفوني الطريق بتدريج ثم حمّلوني ما شئتم، فإذا أدرج فعرف حمل فحمل فصابر الغربة. ولازم بطون الأودية وسار مع الفرات أو دجلة فإن خفيت الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتراه مع شدة جوعه يحذر الحب الملقى خوفاً من دفينة فخ، يوجب تعرقل الجناح وتضييع المحمول فإذا بلغ الرسالة، أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-13-2009, 05:14 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره


فيا حاملي كتب الأمانة إلى عبادان العبد أكثركم على غير الجادة وما يستدل منكم من قد راقه حب حب فنزل ناسياً ما حمل فارتهن بفخ قد نفخ فذبح، ومنكم من بان لتعرقل جناحه، وما قصده الذابح بعد فلا الحبة حصّلت ولا الرسالة وصلت.
قطاة غرها شرك فـبـاتـت تجاذبه وقد علق الـجـنـاح
فلا في أغيل نالت ما تمنـت ولا في الصباح كان لها براح
لو صابرتم مشقة الطريق لانتهى السفر، فتوطنتم مستريحين في جنات عدن، فيا مهملين النظر في العواقب سلفوا وقت الرخص فما يؤمن تغير السعر، سلسلوا سباع الألسن فإن انحلت افترستكم، لا ترموا بأسهم العيون ففيكم تقع، رب راعي مقلة أهملها فأغير على السرح، من رأى الحقائق رأى عين غض طرفه عن الدارين، لو حضرتم حضرة القدس لعقبتم بنشر الأنس.
اطلبوا لأنفسـكـم مثل ما وجدت أنا
قد وجدت لي سكنا ليس في هواه عنا
إن بعدت قربتـي أو قربت منه دنا
يا هذا اعرف قدر لطفنا بك وحفظنا لك، إنما نهيناك عن المعاصي صيانة لك لا لحاجتنا إلى امتناعك، لما عرفتنا بالعقل حرمنا الخمر لأنها تستره، ومثل يوسف لا يخبأ، يا متناولاً للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين خليطين، اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عنه، وشكرك لمن تعنيك نعمه، وطاعتك لمن لا ترجو خيراً إلا منه، وبكائك على قدر ما فاتك منه، وارفع إليه يد الذل في طلب حوائج القلب تأتي وما تشعر.
يا هذا عندك بضائع نفيسة دموع ودماء، وأنفاس وحركات وكلمات ونظرات فلا تبذلها فيما لا قدر له، أيصلح أن تبكي لفقد ما لا يبقى? أو تتنفس أسفاً على ما يفنى، أو تبذل مهجة لصورة عن قليل تمحى أو تتكلم في حصول ما يشين ويتوى، واعجباً. من مجنون بلا ليلى ويحك دمعة فيك تطفي غضبنا، وقطرة من دم في الشهادة تمحو زللك، ونفس أسف ينسف ما سلف وخطوات في رضانا تغسل الخطيّات، وتسبيحة تغرس لك أشجار الخلد ونظرة بعبرة تثمر الزهد في الفاني ولكن تصحيح النقد شرط في العقد سلع "وإني لغفار" لا تباع إلا بدينار "لمن تاب" إذا كان خارجاً من سبيكة "وآمن" عن سكة "وعمل صالحاً" من دار ضرب "ثم اهتدى".
يا هذا: لو استشعرت زرمانقة الزهد تحت مطرف "رب أشعث أغبر" وسحت في بادية "يدفعون" لأفضنا عليك خلع "إذا رأوا ذكر الله" يا هذا إن لم تقدر على كثرة العمل فقف على باب الطلب تعرض بجذبة من جذبات الحق ففي لحظة أفلح السحرة.
لا تجزعن من كل خطب عرا ولا ترى الأعداء ما تشمـت
يا قوم بالصبر ينال المـنـى إذا لقيتم فـئة فـاثـبـتـوا
طريق الوصول صعبة وفي رجلك ضعف، ويحك دم على السلوك تصل، أول النخلة السحوق فسيلة، بداية الآدمي الشريف مضغة، ثمن المعالي جد الطلب والفتور داء مزمن، بلد الرياضة سحيق "لم تكونوا بالغيه إلا بشقِّ الأنفس" سحابة الصيف أثبت من قولك والخط على الماء أبقى من عهدك.
من السلوة في عين يك آيات وآثــار
أراها منك بالذهـن وفي الألباب أبصار
إذا ما برد القـلـب فما تسخنه الـنـار
يا هذا، إذا حضر قلبك فنسيم الريح يذكرك، وإن غاب فمائة ألف نبي لا يوصلون التذكرة إليك، تالله لقد ألمعنا المعنى وما ألزمنا الزمنى.
ولي بألف باب قد عرفت سبيله ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
الفصل السابع والثمانون
يا من يرحل في كل لحظة عن الدنيا مرحلة، وكتابه قد حوى حتى قدر خردلة، كن كيف شئت? فبين يديك الحساب والزللة، يا عجباً من غفلة مؤمن بالجزاء والمسئلة أيقين بالنجاة? أم غرور وبله.
تبنى وتـجـمـع والآثـار تـنـدرس وتأمل اللبث والأرواح تـخـتـلـسُ
ذا اللب فكر فما في الخلد من طمـع لا بد ما ينتهـي أمـر وينـعـكـسُ
أين الملوك وأبناء الـمـلـوك ومـن كانوا إذا الناس قاموا هيبة جلـسـوا
ومن سيوفهم فـي كـل مـعـتـرك تخشى ودونهم الحجـاب والـحـرس
أضحوا بمهلكة في وسط معركة موتى وماشى الورى من فوقـهـم يطـس
وعمهم حـدث وضـمـهـم جـدث باتوا وهم جثث في الرمس قد حبسوا
كأنهم قط ما كـانـوا ولا خـلـقـوا ومات ذكرهم بين الـورى ونـسـوا
والله لو نظرت عيناك ما صـنـعـتْ يد البلـى بـهـم والـدود يفـتـرس
من أوجه ناظرات حار نـاظـرهـا في رونق الحسن منها كيف تنطمـس
وأعظم بـالـيات مـا بـهـا رمـق وليس تبقى لهذا وهي تـنـتـهـس
والسـن نـاطـقـات زانـهـا أدب ما شانها شانهـا بـالآفة الـخـرس
ثلتهم الـسـن لـلـدهـر فـاغـرة فاها فاها لهم إذ بالـردى وكـسـوا
عروا عن الوشي لما ألبسـوا حـلـلاً من الرغام على أجسادهم وكـسـوا
حتام يا ذا النهي لا ترعوي سـفـهـاً ودمع عينك لا يهمـي وينـبـجـس
أيها المطمئن إلى الدنيا وهي تطلبه بدخل، قد مرضت عين بصيرته فيها، فما ينفع الكحل، يتبختر في رياضها وما يصبح إلا في الوحل، انتبه للرحيل. ثم اشدد الرحل، واستبدل خصب المراب. عن قحل المحل، وتأمر على نفسك. فللنخلل فحل.
اترك الشر ولا تأمن بشـر وتواضع إنما أنت بـشـر
هذه الأجسام ترب هـامـد فمن الجهل افتخار وأشـر
جسد من أربع يلحظها سبعة من فوقها في إثني عشـر
في حياة كخـيال طـارق شغل الفكر وخلاك ومـر
تالله لقد كشفت الغير ما انسدل، فلم يبق مراء ولا جدل، هذا حمام الحمام قد هدل، فكم صرخ صوته وكم جدل، يا جائرين احذروا ممن إذا قضى عدل، واعلموا أن الآخرة ليس منها بدل، هذا هو الصواب، لو أن المزاج اعتدل، يا من عمره كزمان الورد، التقط واعتصر لا في زور، يا شمس العصر على القصر، قد بلغ مركبك ساحل الأجل، ووقف بعيرك. على ثنية الوداع، وقاربت شمس عمرك الطفل، وبقي من ضوء الأجل. شفق، فاستدرك باقي الشعاع. قبل غروب الشمس.
أُيُنفَق العمرُ في الدنيا مجازفةً والمال يُنفق فيها بالمـوازين
البدار البدار. قبل الفوت، الحذار الحذار. قبل الموت، ما في المقابر من دفين. إلا وهو متألم من سوف.
يا هذا متى تبت بلسانك، وما حللت عقد الإصرار من قلبك، لم تصح التوبة، كما لو سكنت الأمراض بغتة من غير استفراغ، فإن المرض على حاله.
يا هذا: إذا لم يتحقق قصدُ القلب. لم يؤثر النطق باللفظ، إن المكره على اليمين. لا تنعقد يمينه. "إنما الأعمال بالنيّات" وقلبه كله مع الهوى، "إن في البدن لمضغة. إذا صلحَتْ صلح البدن، وإذا فسدَتْ فسد البدن، ألا وهي القلب" أكثر الأمراض. أمراض الهوى، وأكثر القتلى بسيفه، أرباب الهوى، أطفال في حجور العادات وإن شابوا، انحدرت عزيمتك. في جريان نهر الهوى، فاصبر صبر مداد. لعلك تردها.
ويحك. انتبه لإصلاح عيوبك، لعل المشتري يرضى، تالله. إن المشتري ما يحب بطء زحل، اكفف ثوب الكلام بالصمت. وإلا تنسل، اطف حراق الهوى. وإلا عمل، ارفق بزجاج العمر. فما ينشعب إذ انكسر.
واعجباً، الظاهر غير طاهر، والباطن باطل، الأمل بخار فاسد، الرعونة علة صعبة، منام المنى أضغاث، رائد الآمال كذوب، مرعى المشتهي هشيم، العجز شريك الحرمان، التفريط مضارب الكسل، ديجور الجهل معتم، سؤر الهوى مغرق، روض اللهو وبى، غدير اللذات غدر.
ظللتُ أكرُّ عليه الرقى وتأبى عريكته أن تلينا
كم قد لمتك وما نفع، كم قد نصبت لك شركاً وما تقع، قفل قلبك رومي. ما يقع عليه فش.
يا هذا: المجاهدة حرب. لا يصلح لها إلا بطل، متى تغير من جنود عزمك على الإنابة قلب واحد، لم أمن قلب الهزيمة عليك.
وإذا كان في الأنابيب خـلـفٌ وقع الطيش في رؤس الصعاد
أيها المريد. تلطّف بنفسك في الرياضة تصل، مشي القطا بدبير، ومشي العصفور نقزان، العنكبوت الفطن ينسج في زاوية، والمغفل ينسج على وجه الأرض، كن قيماً على جوارحك، وفِّها الحظوظ، واستوف منها الحقوق، أما ترى حاضن البيض يقلبه بمنقاره، لتأخذ كل بيضة حظها من الحضن، ثم أكثر ساعات الحضن على الأنثى، لاشتغال الذكر بالكسب، فإذا صار البيض فراخاً كان أكثر الزق على الأب، "فلا يُخرجَنَّكُما من الجنة فتشقى" ما لقيت حواء عشر ما لقي آدم، لأنها وإن شاركته في العلم بفقد صورة النعيم، فهو منفرد عنها بملاحظة المعنى، بعد عز "اسجدوا لآدم" يقبض جبريل على ناصيته للإخراج، والمدنف يقول ارفق بي:
يا سابق البكرات استبق فضلتهـا على الغوير فظهر الفكر معقور
كان يتوقف في خروجه لو ترك، ويتشبث بذيل لو نفع، ولسان الأسى، يصيح بمن أسا:
تزود من الماء النقاخ فلن تـرى بوادي الغضا ماءاً أنقاخاً ولا بردا
ونل من نسيم البان والرند نفـحة فهيهات واد ينبت البان والرنـدا
وكر إلى نجد بـطـرفـك إنـه متى تسر لا تنظر عقيقاً ولا نجدا
ما زال مذ نزل، يرفع قصص الغصص، على أيدي أنفاس الأسف، فتصعد بها صعداء اللهف:
ألا يا نسيم الريح من أرض بابل تحمل إلى أهل الحجاز سلامي
وإني لأهوى أن أكون بأرضهم على أنني منها استفدت سقامي
واعجباً من فاق آدم، بلا معين على الحزن، هوام الأرض لا تفهم ما يقول، وملائكة السماء عندها بقايا "أتجعل" فهو في كربة، وحيد بدار غربة:
ألا راحم من آل ليلى فأشتكي غرامي حتى يكل لسـانـيا
الفصل الثامن والثمانون
أخواني: أيام العافية غنيمة باردة، وأوقات السلامة لا تشبهها فائدة، فتناول ما دامت لديك المائدة، فليست الساعات الذاهبات بعائدة.
مضى أمسك الماضي شهيداً معدلا واتبعـه يوم عـلـيك شـهـيد
فإن تك بالأمس اقترفـت إسـاءة فبادر بإحسـان وأنـت حـمـيد
ولا تبق فعل الصالحات إلى غـد لعل غداً يأتـي وأنـت فـقـيد
إذا ما المنايا أخطأتك وصـادفـت حميمك فاعلم أنهـا سـتـعـود
كأنكم بالقيامة قد قامت، وبالنفس الأمارة بالسوء، قد لامت، وانفتحت عيون. طال ما نامت، وتحيرت قلوب العصاة وهامت.
غداً توفى النفوس ما كسبـت ويحصد الزارعون ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسـهـم وإن أساءوا فبئس ما صنعوا
شبكة الحساب ضيقة الأعين. لا يعبرها شيء، وكيل المطالبة خصم ألد، أينطق بأقل عذرك بين يدي سحبان المناقشة، كلا أيقن بالسجن، يا هذا، إنك لم تزل في حبس، فأول الحبوس صلب الأب، والثاني بطن الأم، والثالث القماط، والرابع المكتب، والخامس الكد على العيال، والسادس الموت، والسابع القبر فإن وقعت في الثامن. نسيت مرارة كل حبس.
يا هذا، ادخل حبس التقوى باختيارك أياماً. ليحصل لك الإطلاق في الأغراض على الدوام، ولا تؤثرن إطلاق نفسك فيما تحب، فإنه يؤثر حبس الأبد في النار، إلى متى تسجن عقلك في مطمورة هواك? أو يحبس طاوس في ناووس? ويحك. تفكر فيما بين يديك، وقد هان الصبر عليك، لما خفيت العواقب على المتقين، فزعوا إلى القلق، وأكثروا من البكاء، فعذلهم من يشفق عليهم، وما يدري العاذل، إن العذل على حمل الحزن علاوة.
قيل لبعض العباد: لم تبكي? قال: إذا لم أبك فما أصنع?
ما كان يقرأ واش سطر كتمانـي لو أن دمعي لم ينطقْ بـتـبـيانِ
ماء ولكنه ذوب النـفـوس وهـلْ ماء تـولّـده مـن حـر نـيرانِ
ليت النوى إذ سقتني سُمَّ أسودهـا سدت سبيل امرئ في الحب يلحان
قد قلتُ بالجزع لما أنكر واجزعي ما أبعد الصبر ممن شـوقـه دانِ
عجنا على الربع نستسقي له مطراً وفاض دمعي فأرواه وأظمانـي
قوي حصر الخوف فاشتد كرب القوم، فكل ما هب نسيم من الرجاء ولوا وجوههم شطره:
يا طرباً لنـفـحةٍ نـجـديةٍ اعدل حرَّ القلب باستبرادها
وما الصبا ريحي لولا أنهـا إذا جرتْ مرَّتْ على بدلاها
عبارة النسيم لا يفهمها إلا الأحباب. وحديث البروق. لا يروق إلا للمشتاق:
ومرنح فَطَنَ النسـيمُ بـوجـده غروى له خبر العذيب معرضا
العارف غائب عند ذكر الدنيا، وحاضر عند ذكر الأخرى وطائش عند ذكر الحبيب، يحضر المجلس موثقاً بقيود الهم، فإذا ذكر الحبيب قطع الوجد السلاسل، إن مداراة قيس تمكن، ولكن لا عند ذكر ليلى. للخفاجي:
رمتْ بالحمى أبصارها مطمئنةً فلما بدتْ نجدٌ وهبت جنوبهـا
بخلنا عليها بالبرى فتقطـعـتْ وقل لنجد لو تفرت قلوبـهـا
لو برزت ليلى ليلاً، لصار الظلام عند قيس، أوضح من ضحى:
إذا ما ونت نادى بها الشوق فانبرت تجد ومن نادى به الشوق أسرعـا
من سمع ذكر الحبيب. ولم يثر قلبه عن مستقره فهو مدع.
للمهيار:
إذا ذُكر المحبوب عند مُحبـه ترنّح نشوانٌ وجن طـروبُ
إذا قيل مي لما يسعى لذكرها خباء ولم يحبس بكاي رقيبُ
كلامي صحيح المزاج، خفيف الروح، أنا صايغ صانع، بابلي لفظي يبلبل، أنا ماشطة القوم، أنا لسان الوقت:
فكأنَّ قِساً في عكاظ يخطـب وكأنَّ ليلى الأخيلية تـنـدب
وكثير عزة يوم بين يطـنـب وابن المقفع في اليتيمة يُسهِبُ
أنا طبيب لبيب. أمزج التحذير بالتشويق للعاملين، وأجعل كأس التخويف. صرفاً للغافلين، وأجتهد في التلطف. جهدي بالعارفين، الخام يعجب البدوي، وأما الحضري فدق مصر، الأدوية الحادة. تؤذي الأبدان النحيفة، الزاهد ملاح الشط، والعارف ناتاني المركب. الزاهد مقتب، والعارف في محمل، نفس الزاهد تسير به، وقلب العارف يطير به، العارف حال في الرحمة، غريب في الوطن، خلوته بمعروفه طوره، متى تقاضاه الشوق. حضر لا عن ميعاد، إذا وطى بساط الإنبساط. قال "أرني" فإذا سمع صاعقة الهيبة. قال "تبت إليك"
ويأبى الجور أن أسر الهوى إذا امتلأ القلب فاض اللسان
إذا رأيتم ناطقاً بالحكمة قد طرب، فاعذروه، وإنه قد صدر ولم تردوا بعد، العالم المحقق. قد اعتصر من كروم المعارف، خندر يس المعاني، فشرب منها حتى غلب، فإذا عربد بالطرب. فلم يعذره الصاحي. أمر ساقي النطق. أن يدور بكأس اللفظ. على أرباب الألباب فإذا القوم. نشاوى من الثمل، فيصبح حينئذٍ مواقف "تراود فتاها" "فذلكُنَّ الذي لُمْتُنَّني فيه" عبرناكم يا منقطعين، وعلينا أن نرد، لا بد للأمير أن يقف للساقة، عودوا إلى أوكار الكسل، فنحن على نية دخول الفلاة، اسمعوا وصايانا. يا مودعين، إذا جن الليل، فسيروا في بوادي الدجى، وأنيخوا بوادي الذل، واجلسوا في كسر الانكسار، فإذا فتح الباب للواصلين، دونكم فاهجموا هجوم الكذابين وابسطوا كف :وتصدق علينا" لعل هاتف القبول يقول "لا تثريب عليكم اليوم".
وإذا جئتـم ثـنـيات الـلـوى فلجوا ربع الحمى في خطري
وصفوا شوقي إلى سـكـانـه واذكروا ما عندكم من خبري
واحنيني نحـو أيام مـضـت بالحمى لم أقض منكم وطري
كلما اشتقـت تـمـنـيتـكـم ضاع عمري بالمنى واعمري
الفصل التاسع والثمانون
آه لنفس أقبلت على العدو وقبلت، وبادرت إلى ما يؤذيها من الخطايا وعجلت، من لها إذا سئلت عن قبيحها? فخجلت، وسل عليها سيف العتاب. فقتلت.
ما لنفسي عن معادي غفلـت أتراها نسيت ما فـعـلـتْ
أيها المغرور في لهو الهوى كل نفس سترى ما علمـتْ
أفٍ للدنيا فكم تـخـدعـنـا كم عزيز في هواها خذلتْ
رُبَّ ريح لأناس عصـفـت ثم ما إن لبثت أن سكـنـتْ
فكذاك الدهر في تصريفـه قدمٌ زلت وأخرى ثـبـتـت
أين من أصبح في غفلـتـه في سرور ومرادات خلـتْ
أصبحت آماله قـد خـيبـت وديار لهوه قـد خـربـتْ
جُز على الدار بقلبٍ حاضرٍ ثم قل يا دار ماذا فعـلـت
أوجه كانت بدوراً طـلـعـاً وشموساً طال ما قد أشرقت
قالت الدار تفانوا ومـضـوا وكذا كل مقـيم إن ثـبـت
عاينوا أفعالهم في تربـهـم فسل الأجداث عما استودعت
إنما الـدنـيا كـظـل زائل أو كأحلام منـام ذهـبـت
يا من هو في هوة الهوى قد هوى، كم مسلوب بكف النوى عما نوى، أين المستقر عيشه? أدركه التوى فالتوى، أين الجبار الذي إذا علق بالشوى شوى، أين شبعان اللذات أدركه الطوى لما طوى ليته لما ذهب بالأصل، تيقظ للفرع، فارعوى، إلى متى خلف ووعد الدنيا كله خلف.
يا متعباً نفسه بالحرص، والقدر ما يتغير، الراضي صرفه، كم غرقت سفينة مهجة في لجة حرص، الطمع يخنق العصفور قبل الفخ، لما قنعت العنكبوت بزاوية البيت، سيق لها الحريص وهو الذباب، فصار قوتاً لها، وصوت به لسان العبرة. رب ساع لقاعد، ترسل قلبك مع كل مطلوب من الهوى، ثم تبعث وراه وقت الصلاة ولا يلقاه الرسول، فتصلي بلا قلب.
خلفتَ قلبكَ في الأظعـان إذ نـزلـت بالملزمين زمان النفـر بـالـنـفـرِ
ورحتَ تطلب في أرض العراق ضحى ما ضاع عند منى فاعجب لذا الخبـر
لما طرقنا النقي كان الفـؤاد مـعـي فضل عني بين الضـال والـسـمـرِ
يا أرجل العيس تُهنيكِ الرمـال فـمـا أغدو بوجدي غـداً إلا عـلـى الأثـرِ
إذا تذكرت زمانـاً مـضـى فويح أجفاني من أدمـعـي
أراجع لي وصلهم بعـدهـا يا نفس إن لم يصلوا ودعي
يا نفس كم أتلو حديث المنـى ضاع زماني بالمنى فاقطعي
يا قلب لا تسكن على بعدهـم وأنت يا عين فلا تهجـعـي
الفصل التسعون
أخواني ألا ذو سمع وبصر يعلم أن الأعمار فيها قصر، إلا متلمح ما في الغير من العبر إلا ذاكر بيت التراب والمدر.
تنبه فإن الدهـر ذو فـجـعـات وشمل جميعٍ صائر لـشـتـاتِ
تخلف مأمـولاتـنـا وكـأنـنـا نسير إليها لا إلى الـغَـمَـراتِ
هل المرء في الدنيا الدنية ناظـرٌ سوى فقد حب أو لقاء مـمـاتِ
وما حركات الدهر في كل طرفةٍ بلاهيةٍ عن هذه الـحـركـاتِ
سيُسقى بنو الدنيا كؤوس حتوفهـم إلى أن يناموا لا منـام سـبـاتِ
وما فرحتْ نفسٌ ببلوى وقد رأت عظاتٍ من الأيامِ بعد عـظـاتِ
إذا بغتتْ أشياء قد كان مثـلـهـا قديماً فلا تعتـدهـا بَـغَـتـاتِ
واعقب من النوم التيقـظ راشـداً فلا بد للنـوّام مـن يقـظـاتِ
يا من يجول في المعاصي، قلبه وهمه، يا معتقداً صحته، فيما هو سقمه، يا من كلما طال عمره، زاد إثمه، أين لذة الهوى? رحل المطعوم وطعمه.
يا من سيجمعه اللحد عن قليل، ويضمه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه? كيف يوقظ من قد نام قلبه لا عينه ولا جسمه? ويحك تدارك أمرك قبل الفوت، أتنفع الاستغاثة? والسم قد وصل إلى القلب. إن الدرياق يصلح قبل اللسع، ومذهب ابن سريح يستعمل قبل الطلاق.
لمن أُحدّث والقلب غائب، لمن أُعاتِب والفكر ذاهل، وآسفاً من ضرب الخراج، على بلد الخراب، ويحك، أجمادٌ أنت أم حيوان? هذا الفهد على خساسة خلقه يصاد بالصوت الحسن، ومتى وثب على الصيد ثلاث مرات ولم يدركه، غضب على نفسه، كم قد وثبت على هواك مرة فلم تقدر عليه، فأين غضبك على التقصير، هيهات ليس عند الطاوس إلا حسن الصورة، تفيق في المجلس لحظة ثم تذكر الشهوات فيغمى عليك، إن الغراب إذا سكر بشراب الحرص تنفل بالجيف، فإذا صحا من خماره ندب على الطلل، لما عزت نفس الببغاء زاحمت الآدمين في النطق، وهي تتناول بكفها من جنس مطاعمهم.
واعجباً لبهيم يتشبه بالناس، ولإنسان يتشبه بالبهيم، كل هذا سببه الهمة، لا يطمعن البطال في منازل الأبطال، إن لذة الراحة لا تتناول بالراحة، من زرع حصد ومن جد وجد.
وكيف يُنال المجد والجسم وادعٌ وكيف يُحاز الحمد والوفر وافرُ
أي مطلوب ينال من غير مشقة? وأي مرغوب لم تبعد على مؤثره الشقة? المال لا يحصل إلا بالتعب، والعلم لا يدرك إلا بالنصب، واسم الجواد لا يناله بخيل، ولقب الشجاع بعد تعب طويل. للمتنبي:
لا يدرك المجد إلا سيداٌ فطن لما يشق على السادات فَعّال
لولا المشقة سادَ الناسَ كلهم الجود يُفقرُ والأقدام قَتّـال
يا أعجمي الفهم، متى تفهم? يا فرحاً بلذة عقباها جهنم، ستدري متى تبكي ومتى تندم، إذا جثا الخليل، وتزلزل ابن مريم، يا عاشق الدنيا كم قتلت متيم? ما للفلاح فيك علامة، والله أعلم، إن كان ثم عذر، فقل وتكلم، غاب الهدهد من سليمان ساعة فتواعده، فيا غائباً عنا طول عمره، أما تحذر غضبنا? خالف موسى الخضر، في طريق الصحبة ثلاث مرات، فحل عقدة الوصل بكف "هذا فراق بيني وبينك" أما تخاف يا من لم يف لنا قط، أن نقول في بعض زلاتك "هذا فراق بيني وبينك".
أعظم عذاب أهل النار جهلهم بالمعذب، لو صحت معرفتهم بالمالك، لما استغاثوا يا مالك، وقع بينهم شخص، ليس من الجنس، كانت في باطنه ذرة من المعرفة، فكلما حملت عليه النار، اتقاها بدرع يا حنان يا منان، كان موته في المعاصي سكتة، فقبر في جهنم، فلما تحرك الروح في الباطن أخرج، رأى الأسباب بيد المسبب، فتعلق بالأصل، أخواني، اليوم رجاؤنا للرحمة قوي، فكيف نصنع غداً? إن ضعف.
هذا جزعي وما خلا مغناكم ما أصنع بعد بعدكم حاشاكم
أقسمت بكم لكم وحسبي ذاكم لا أذكر غيركم ولا أنساكم
على تفصيل الأمور والجمل، ما يرضى للقبر، بهذا العمل، يا من قد حمل الخطايا، وبئس ما حمل، أفي سكر أنت أم في نمل? لو علمت أن مكاوي الحديد، قد أحميت للسمل، لم تفرق من اللباس بين الجديد والسمل، يا ثقيل الطبع كالرمل، فما يطربه الثقيل ولا الرمل، تعصي ثم تصر، فتضيف إلى صفين الجمل، يا من قد فقد قلبه لا تيأس من عوده.
فقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا
الهوى قاطن، والصواب خاطر، وقلع القاطن صعب، وإمساك الخاطر أصعب، الهوى متدير، والمواعظ نزالة، ومع مداراة الجمل تصل، لما تزينت زخارف الدنيا، تواثبت جهال الطبع لاتّباع الهوى فبعث العقل كافاً لهم، فأقام عندهم، موكلاً بهم، وكلما زاد في قيودهم فكوا السلاسل، وكلما تلا عليهم النصائح، أسمعوه القبائح.
فواعجباً لمعرف، بلى بمقاساة أنذال، ما يزال العقل يضرب الأمثال، ويشرح العواقب، ولكن من يسمع? أحضر معه في خلوة، واستحضر صديق الفكر فإنه ثقة، فإن خرجتم إلى المقابر قوي دليل النصح، مروا بقصور المذنبين، تجدوا أخبارهم مراً، وجوزوا على قبور الصالحين، فقد جوزوا في العاجل ذكراً، إذا مات المؤمن بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، أربعين صباحاً، واعجباً للبقاع، تبكي عليهم، وتبكي منهم.
أما الوقوف فقد وقفتُ بدارهم وسألتُها لو أنّ داراً تفـهـمُ
وإذا رأيتُ طلولهم أبصرتُهـا طرساً يخط به البلى وينمنـمُ
نحلت لبينهم ولم أكُ عـارفـاً أن الديار بهم تصح وتسقـمُ
يا له من عذل، لو كان للمعاتب فهم، لحم منه والله لو كان فحم.
للشريف الرضي:
والحر من حَذر الهوان يُزايل الأمر الجسيما
والعاجز الـمـأفـون أقعدُ ما يكون إذا أقيما
العبارات حظ النفوس، والإشارات قوت القلوب، نزل بعض أرباب المعرفة، إلى الشط فصاح: يا ملاح تحملني، فقال: إلى أين? قال إلى دار الملك، فقال: معي ركاب إلى القطيعة، فصاح الفقير: لا بالله لا بالله، أنا منذ سبعين سنة. أفر منها، دخل ذو فطنة إلى دار قوم، فرأى حباً. وإلى جانبه مركن. قد زرع فيه صبر، فتواجد فقال حب إلى جانبه صبر.
يا نازلين الحمى رفقاً بقلب فتـى إن صاح بالبين داع باح مضمره
وقد يميل إلى المغنـى يسـائلـه أخو الغرام ولكن من يخـبـره
وما ذكرتكم إلا وهمـت جـوى وآفة المبتلي فـيكـم تـذكـره
ولا عزمت على سلوان حبـكـم إلا ويخذلني قلبـي وينـصـره
أين الذين كانوا نجوم الدنيا وأقمار الآخرة، قياماً كالأعلام. على جواد الهوى، تقوى بأنفاسهم: نفوس أنفاس أهل التقوى، يصوتون بالمنقطع، ويرشدون المتحير، ما بقي في الديار ديار.
نسيم الصبا إن زرت أرض أحبتي فخصهم عـنـي بـكـل سـلام
وبلغهـم أنـي رهـين صـبـابة وأن غرامي فـوق كـل غـرام
وإني ليكفيني طروق خـيالـهـم لو أن جفوني متعـت بـمـنـام
ولست أبالي بالجنان وبالـلـظـى إذا كان في تلك الديار مقـامـي
وقد صممت عن لذات دهري كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صـيامـي
رحل القوم وتخلفنا، وبادروا أيامهم وسوفنا، وعرفنا طريقهم لكنا انقطعنا، فسيروا بنا، فإن لحقنا وإلا تأسفنا.
يا صاحبي إن كنت لي أو معي فعد إلى روض الحمى نرتعِ
حي كثيب الرمل رمل الحمى وقف وسلم لي على لعـلـعِ
وسل عن الـوادي وأربـابـه وانشد فؤادي في ربى المجمعِ
وابك فما في العين من فضله ونب فدتك النفس عن مدمعي
واسمع حديثاً قد روته الصبـا تسنـده عـن بـانة الأجـرع
وانزل على الشيح بـواديهـم واشمم عشيب البلد البلـقـع
بلغ تحياتي إلـى ربـعـهـم وقل ديار الظاعنين اسمعـي
رفقاً بنضو قد بـراه الأسـى يا عاذلي لو كان قلبي معـي
لهفي على طيب ليال خـلـت عودي تعودي مدنفاً قد نعـي
أزعجتموني بتقلقلكم، يا تائبين، أخرجتموني عن الحد، يا خائفين.
يا صبا نجد ويا بان الحمـى ارفقا بي في التثني والهبوب
يتقومون بمقالي، ويقومون على حر المقالي، ويخرج عاطل البطالة وهو خالي، وأنا أدري ما حالي "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله".
يا غادياً نحو هضاب الحمى بلغ رسوم الدار ما عندي
كم لي بتلك الدار من وقفة أشكو من الهجران والصد
يا ركب التوبة إن تزودتم فالتقوى وسرتم إلى الله فاحملوا معكم رسالة متلهف يحتوي على حسرة محصر.
يا حادي العيس ترفق واستمع مني وبلغ إن وصلت عنـي
وقف بأكناف الحجاز ناشـداً قلبي فقد ضاع الغداة منـي
وقل إذا وصلت نحو أرضهم ذاك الأسير موثق بالحـزن
عرض بذكرى عندهم عساهم إن سمعوك سائلوك عـنـي
قل ذلك للمحبوس عن قصدكم معذب القلـب بـكـل فـن
يقول أملـت بـأن أزوركـم في جملة الوفد فخاب ظني
يا معاشر التائبين بحرمة الصحبة، لا تنسوني غداً بعتكم أغلى الملك فلا تنسوا كرامة الدلال، أعوذ بك يا إلهي أن تجعل حظي لفظي وآأسفي أصف واصفي ويشرب غيري.
فعندي زفير ما ترقى إلى الحشى وعندي دموع ما بلغن المـآقـيا
واحسرتا، أأكون كالقوس رفعت السهم فمر ولم تبرح? أأصبر كالإبرة تكسو غيرها وهي عريانة? أأشبه حال الشمعة أضاءت غيرها باحتراق نفسها?.
أترى يرجع لي دهر مضى أترى ينفعني قولي تـرى
ويك يا عين أعيني قلـقـي إن توانيت فلا ذقت الكرى
إلهي أيقظتني في الصبا? وأقمتني أدل الخلق عليك ومزجت كأس نطقي بعذوبة وجعلتني في أخباري معروفاً بالأمانة فركن إلي أهل المعاملة ولو عرفوا إفلاسي ما عوملت، إلهي طال ما اجتذبت العصاة بعد أن تهافتوا في النار أفيصدرون وارد? سيدي إن لم أصلح للرضا فالعفو العفو.
??الفصل الحادي والتسعون
أخواني: أما ينبه على استعداد الزاد? سلب الآباء وأخذ الأجداد أما يحرك إلى التيقظ? ونفي الرقاد عكس المشتهى ورد المراد.
للشريف الرضي:
لنا كل يوم رنةٌ خـلـف ذاهـبِ ومستَهلكٍ بين النوى والـنـوائبِ
ونأمل من وعد المُنى غيرَ صادق ونأمن من وعد الردى غير كاذب
نُراع إذا ما شيك أخمص بعضنـا وأقدامُنا ما بين شوكِ العقـاربِ
نعمْ إنما الدنيا سمـومٌ لـطـاعـمٍ وخوفٌ لمطلوبٍ وهمٌّ لطـالـبِ
وإنا لنهواها مع الغدر والقِـلـى ونمدحها مع علمنا بالمـعـائبِ
أي مطمئن لم يزعج? أي قاطن لم يخرج? فرس الرحيل لنا سرج وما جرى على الأقران أنموذج، يا مختالاً في ثوب الصبا معجباً بمرطه، شرط المقام الرحيل وقد تقاضى بشرطه أما لك نبرة في رفع الزمان وحطه، أما ترى رقوم المنايا مكتوبة بخطه، أما أعرب المسطور بشكل المرض ونقطه، هلا تصور العاصي ساعة إنزاله القبر وحطه، أفلا يتذكر الغني أخذ ماله على رغمه ومن أصل قرطه.
يا من قد قاده الهوى بلا خزامة، لو قبلت مشورة العقل لم تتجرع مر لو وليت قدر. إن الزلل يخفى على الخلق "ألا يعلم من خلق" صور إنه قد عفا عنك فأين الحياء مما جنيته?.
هب البعث لم تأتنا رسلـه وجاحمة النار لم تضـرم
أليس من الواجب المستحق حياء العباد من المنـعـم
أقل نعمه أن أوسع عرصة الوجود لئلا يضيق نفس النفس بالحصر وأجرى مجرى الهواء في جو الفضا يقتسم بمكاييل الخياشيم فيصل بالعدل إلى ذوات الذوات. واعجباً للغافلين عن هذا المنعم بماذا اشتغلوا? أجهلاً بوجوده? فهو أوضح من ضحى أم ميلاً إلى الدنيا? فهي أغدر من تاء بتمتام إن سلمت فتنت وإن تلفت قتلت، وقع نحل على لينوفر منتشر الورق فاحب ريحه فلما تقبض الورق وغاص، هلك العاشق.
أخواني: إياكم والذنوب فإنها أذلت عزيز "اسجدوا" وأخرجت مقطع "اسكن" لولا لطف "فتلقى" كان العجب، استراح آدم إلى بعض العناقيد، فإذا به في العناقيد، جاءه جبريل فسلم عليه فبكى وبكى جبريل ثم قال يا آدم ما يبكيك? قال: كيف لا أبكي وقد حولني من دار النعيم إلى دار البؤس، واعجباً بمجيء جبريل زاد المريض ألماً.
آه لبرق لـمـعـا ماذا بقلبي صنعـا
أيقظ مني للغـرام مستهاماً موجعـا
فبت من إيماضـه أسكب دمعي دفعا
يا برق أما ترينـي للصنيع موضعـا
فحيى عني أربعـا أكرم بهن أربعـا
يا ناظراً أقسم مـن بعد النوى لا هجعا
كبر مذ فارقـهـم على الرقاد أربعا
كم كبد قطعـهـا بين الحبيب قطعا
حمل وجدي جلدي أكثر مما وسعـا
خرج آدم يوم الكعبة فلما وصل طاف أسبوعاً فما أتمه حتى خاض في دموعه.
دموع عيني مذجـد بـين مثل الدوالي وهي الدوالي
فشمت به إبليس حين نزل وما علم أن نزوله إلى دار التعبد صعود كنزول الغائص خلف الدر صعود. رأى في بدايته طيناً قد صلصل وبذراً قد عفن ونسي أنه ستهتز طاقاته في ربيع "فتلقى" ويلك يا إبليس ما جرى على آدم وهو المراد من وجوده، "لو لم تذنبوا" قدح أريد كسره فسلم إلى مرتعش.
فلولا غليل الشوق أو لوعة الأسى لما خلقت لي أعـين وجـفـون
لا يهولنك قوله "اهبطوا منها" فلك خلقتها وإنما أخرجت إلى مزرعة المجاهدة فإذا حصدت فعد إن قيل لك مرة "اهبط" ففي كل يوم تنادي ألف ألف مرة "والله يدعو إلى دار السلام" إن تعذرت عن الحضرة مرة فزيارة الحبيب ما تنقطع "هل من سائل" الكرة تلقى من صاحب الصولجان بالطرد ثم هو يطلبها.
ترجو في المحب عتق من أنت له إن كان كذا الحب فما أعـدلـه
هيهات الحـب يعـتـريه ولـه من حكمه قضى عـلـيه ولـه
يا آدم، قد ذقت حلاوة الذنب وتطعمت مرارة الندم، فهل وفت بتلك? أين لذاتك? إذا نزل الموت كيف حسراتك? إذا وقع الفوت:
ما أسرع ما انقضى زمان الوصل هل يرجع ما مضى برد الشمل
من لي بهم وهل مفيد مـن لـي يكفي ما بي فلا تزد في عذلـي
يا صبيان التوبة اشكروا من نجاكم بالإنابة "وكنتم على شفا حفرة من النار" تذكروا عظمة من عاهدتم "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لا تزدروا أثواب الفقر فعليها أنوار المهابة "ولكم فيها جمال حين تُريحون وحين تسرحون" لا يصعبن على الخيل تضميرها فستفرح به يوم السباق إن قال لك رفقاؤك: امش معنا ساعة، فقل: أقعدني الخوف.
يا نديمي صحا القلب صحـا فاطردا عني الصبا والمرحا
شمرا بردى للـنـسـك ولا تعجبا من فاسد إن صلحـا
زجر الحلم فؤاداً فارعـوى ولحا الدهر امرءاً فيمن لحا
أيها التائب قل لقلبك الراعي في رياض الهدى، احذر من الفتنة إلى خضراء دمن الهوى، فمرعاك أطيب، وشرابك أعذب "ولئن لم يفعل ما أمره ليُسْجَنَنَّ" نسيم الريح يقوي الروح ما لم يختلط به بخار ردى كذلك كلام المذكرين إذا سلم من بدعة كان قوتاً للنفس وإن مازجه هوى هوى بصاحبه إلى العلل.
كلامي نهر يأخذ من بحر الكتاب والسنة، صاف ما تغير قط، يسقي قلوبكم سيحاً بلا كلف وقد قنع من الخراج بالدعا هل في مجلسي نقص? فيقال لو أنه أو عيب، فيقال إلا أنه أو رأيتم مثله? فيقال كأنه، آه لو كان من أعجمي ولكنه أبلغ بلفظي منزل المعنى وما طال سفر العبارة، المعاني واسعة الفيافي والألفاظ ضيقة العراص وما يقدر على حشو العرصة فوق ما تسع إلا مهندس لآلئ هذه المعاني لطاف. فأي سلك فهم دق انتظمت فيه وغنما ينظم اللؤلؤ في خيط لا في حبل، كلامي ثوب فصل على قدر أسماعكم فهو لا يصلح إلا لكم، لا تنكروا مدحي لأهل بغداد فهم فهم، ألهذا البلد بدل? إذا مرضت الأفهام السليمة من وباء طعام العبارات الركيكة عمل لفظي في شفائها ولا رقي الهند كلم تداوى كل كلم ظلم، قياسها بعذوبة الظلم.
جواهر كلهـا يتـيم توجد مفقودة المثال
تجنب الغائصون عنـهـا عجزاً وجاشت بحارها لي
الفصل الثاني والتسعون
يا ديار الأحباب أقوى جديدها، أين أسودها? أم أين غيدها? أين ظباء الهوى? مرت ومن يصيدها، تساوى في القبور مواليها وعبيدها، قف يا حبيبي بالرسوم وانظر نسخ النسيم بالسموم وتبديل الأفراح بالغموم، هيهات إن الدنيا لا تدوم إنها على قتلك تحوم. إيثار مثل هذه لوم.
للخفاجي:
سل بعمدان أين ساكـنـه أو قل لنعمان أين أين السـدير
أيها الظاعنون لا زال للغـيث رواح علـيكـم وبـكـور
قد رأينا دياركـم وعـلـيهـا أثر من عفائكم مـهـجـور
وسألنا أطلالكم فـأجـابـت ومن الصمت واعظ ونـذير
عجباً كيف لم نمت في مغانيها أسى ما القلوب إلا صخـور
يا ديار الأحباب غيرك الدهر وكانت بعد الأمـور أمـور
أيها الباكي على أقاربه الأموات، ابك على نفسك فالماضي قد فات وتأهب لنزول البلايا وحلول الآفات وتذكر قول من إذا ذكرك قال مات، كأنك بما أتى الماضين قد أتاك، ولقد صاح بك نذيرهم، أنت غداً كذاك، وليخرسن الموت بسطوته فاك، إذا وافاك إنما اليوم لهذا وغداً لذاك، قرئ على قبر
أنا في القبـر وحـيد قد تبرا الأهل منـي
أسلموني بـذنـوبـي خبت أن لم تعف عني
يا هذا: لاحت الغاية لعين الشيب فصح بخيل البدار مرحلة الشيب تحط على شفير القبر، وقد أنجد من رأى حضناً، أتحمل مشاق السفر من وراء النهر وتخاطر بالوقفة من نخلة.
يا هذا إذا ركبت مركب الهوى فاجعل باتاني المركب لمحاسبة النفس فإنه يشم كل يوم ريح ثرى الأرض فيعلم هل هو على خطأ أو صواب? ومتى لم يعلم الطريق صدمه حجر فغرق.
يا من يحدث وكأنه ما يسمع، متى لم ينصت سمع القلب ضاع الحديث، أترى ينطبع في شمع سمعك من هذا حرف، تحضرون المجلس فرجة? وتجعلون رجاء النفع حجة ولا تسلكون إلى العمل محجة "وما أُبرِّئ نفسي" واعجباً، تجتمع العزائم في المجلس اجتماع الثريا فإذا خرجنا صارت كبنات نعش لو تأملتم عيب الدنيا لهان طلاقها:
سرور الدهر مقرون بحزن فكن منه على حذر شـديد
ففي يمناه تاج من نضـار وفي يسراه قيد من حـديد
آه للدنيا ملكت القلب حين ملكت وأبقت الغم ثم أبقت.
تزودن منا كل قلب ومهجة وزودننا للوجد عض الأباهم
كم تألفت بحلو مذاقها ثم أتلفت بمر فراقها.
فليت عهدك إذ لم يبق لي أبـداً لم يبق عندي عقابيلاً من السقم
لما كان الصانع غائباً عن الإحساس سطرت قدرته في ألواح التكوين عجائب الكائنات ثم وضعت الألواح في حجور العقول ليقرأها أذهان أطفال الطباع فإذا أحذق الصبيان وحفظ المكتوب محا السطور "إذا الشمس كُوِّرتْ وإذا النجوم انكدرتْ".
أخواني: عيون يقينكم رمدة والفكر تبريد، من أيقن بالموت كيف يفرح? من علم قرب الحساب كيف يلهو? من عرف تقليب القلوب كيف يأمن?.
كان سفيان الثوري من شدة خوفه يبول الدم فحمل ماؤه إلى الطبيب فقال هذا ماء رهبان هذا ماء رجل قد فتت الحزن كبده، وحمل ماء سري إلى الطبيب فلما نظر إليه قال هذا بول عاشق قال حامله فسقطت ثم غشي علي ثم رجعت إلى سرى فأخبرته فقال قاتله الله ما أبصره:
إذا أنا واجهت الصبا عاد بردها ومن حر أنفاسي عليه لهـيب
وقد أكثرت في الأطباء قولهم ومالي إلا أن أراك طـبـيب
قيل لبعض عقلاء المجانين لم سميت مجنوناً? قال لما طال حبسي عنه في الدنيا سميت مجنوناً لخوف فراقه:
قلبي بحبك مـا يفـيق وجفن عيني مـا ينـام
قد طال فيك الليل حتى ما يقال له انـصـرام
والنـجـم فـيه راكـد والفجر يمنعه الظـلام
ليل بـغـير نـهــاية ولكل مفتـاح خـتـام
في وصلك العيش الهني وهجرك الموت الزؤام

إن لم تكن مع القوم في السفر تلمح آثار الحبيب عليهم وقت الضحى، ترى في صحائف الوجوه سطور القبول بمداد الأنوار وجوه زهاها الحسن أن تتبرقعا.
قال بعض السلف: لقيت غلاماً في طريق مكة فقلت له: أما تستوحش? فقال إن الأنس بالله قطع عني كل وحشة، قلت: فأين ألقاك? قال: أما الدنيا فلا تحدث نفسك بلقائي وأما الآخرة فإنها مجمع المتقين. قلت: فأين أطلبك في الآخرة? قال: اطلبني في جملة الناظرين إلى الله تعالى. قلت: وكيف علمت? قال: بغض طرفي عن كل محرم واجتنابي فيه كل منكر ومأثم وقد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه ثم صاح وأقبل يسعى حتى غاب عن بصري.
للشريف الرضي:
وما تَلَوَّم جسمي عن لقـائكـمُ إلا وقلبي إليكم شيقٌ عَـجِـلُ
وكيف يقعد مشتاقٌ يحـركـهُ إليكم الحافزان: الشوق والأملُ
فإن نهضت فمالي غيركم وطرٌ وإن قعدت فمالي غيركم شُغُلُ
وكم تعرض لي الأقوام بعدكـم يستأذنون على قلبي فما وصلوا
الفصل الثالث والتسعون
سبحان من فاوت بين القلوب فمنها ما لا يصلح إلا لخدمة الدنيا ومنها ما لا يصلح إلا للتعبد ومنها روحاني مشغول بمحبة الخالق. للمتنبي:
أروح وقد خمنتُ علـى فـؤادي بحبـكَ أن يحـل بـه سـواكـا
فلو أني استطعت غضضت طرفي فلم أبصـر بـه حـتـى أراكـا
أحبكَ لا ببعضـي بـل بـكـلـي وإن لم يبق حبك لـي حـراكـا
ويقبح من سواك الفعـل عـنـدي فتفعله فيحـسـن مـنـك ذاكـا
وفي الأحباب مخـتـص بـوجـد وآخر يدعي معـه اشـتـراكـا
إذا اشتبكـت دمـوع فـي خـدود تبين من بكى ممـن تـبـاكـى
فأما من بكـى فـيذوب شـوقـاً وينطق بالهوى من قد تـبـاكـى
النهار يزيد في كرب المحب والليل يروحه السحر روضة نجدية يجد فيها المحب ضالة وجده، شراب المناجاة يروي ظمأ العشاق، لو رأيت المحب في الليل يتقلقل ويناجي حبيبه ثم يتململ وكلما أزعجه الشوق تحير وتبلبل، وما ألذ ما يصف حاله ويتعمل.
أحباي أما جفن عينـي فـمـقـروح وأما فؤادي فهو بالشوق مـجـروح
يذكرني مر الـنـسـيم عـهـودكـم فأزداد شوقاً كـلـمـا هـب الـريح
أراني إذا ما الليل أظـلـم أشـرقـت بقلبي من نار الغـرام مـصـابـيح
أصلي بذكراكـم إذا كـنـت خـالـياً إلا أن تـذكـار الأحـبة تـسـبـيح
يشـح فـؤادي أن يخـامـر ســره سواكم وبعض الشح في المرء ممدوح
لو لبس أحد المحبين حلة علم أنه من الزهاد، كيف يخفي الليل بدراً طالعاً، كم بالغوا في كتم الحال? وستر المحب محال:
أسائل عـمـن لا أريد وإنـمـا أريدكم من بينهـم بـسـؤالـي
فيعثر ما بين الكلام ورجـعـه لساني بكم حتى ينم بـحـالـي
وأطوي على ما تعلمون جوانحي وأظهر للـعـذال أنـي سـال
كلما قوي حامل المحبة، زيد في حمله، "نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاءاً ثم الأمثل فالأمثل" فوران قدر القلب من قدر شدة الإيقاد، كان يسمع لصدر الخليل أزيز من بعيد خوفاً من الله تعالى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي ولخوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، كان الوحي إذا نزل عليه وهو على ناقته أثر فيها فربما وتدت بيديها في الأرض وربما بركت لثقل الوحي.
للشريف الرضي:
أحست بناري في ضلوعي فأصبحت يخب بها حر الـغـرام ويوضـع
تحنين إلا أن بـي لأبـك الـهـوى ولي لا لك الألف الخليط المـودع
وباتت تشكي رحـلـي ضـامـراً كلانا إذن يا ناق نضو مـفـجـع
أماعت قلوبهم بالخوف فهاتبهم الجوامد فالحجر يسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم والسكين لا تعمل في الذبيح، مالك أيتها المدية وعادتك القطع? قالت بلسان الحال: أخواتي تحز رقاب الكفار، وأنا قد ابتليت بقطع عنق إسماعيل فقد وقفت مدهوشة بالبلوى فعندي شغل، قطع يد زليخا يجوز فأما يد يوسف فمشكل أتراك تحلو لك عباراتي? أو تفهم إشاراتي، كم أجلو عليك عرائس المحبة? ولست كفؤاً، وإنما يحل النظر لمن يعقد، أقل أحوال القوم رفض الهوى وهذا كالمستحيل عندك، كانوا إذا ابتلوا صبروا ثم صاروا إذا ابتلوا شكروا، ثم رأوا في البلى المبتلى، فسكروا أين الذين أصفهم? مروا وعبروا.
ليس بالصب من يحرك بالشـكـوى لسـانـاً ويودع الـدمـع خـــدا
أيها الوامق الذي جعل الكـتـمـان بين الـوشـاة والـحـب ســـدا
صاح لولا صوني الغرام لأجـريت دموعاً توفى على الـبـحـر مـدا
قل لحي على اللوى والكثيب الفـرد جاد الحـيا الـكـثـيب الـفـردا
قد وقفنا من بعدكم نـسـأل الـبـان ضلالاً عنكم ونـشـكـو الـرنـدا
أين تبغي يا حادي الركـب أفـنـيت المـطـايا سـيراً ذمـيلاً ووخـدا
قف قليلاً في الربع وارفق فما أبقيت منـهـا إلا عـظـامـاً وجـلـدا
فلدار الهـوى عـلـينـا حـقـوق إن تـركـنـا أداءهـا كــان ادا
يا بني الورد والوفاء ومـا أسـمـع إلا قـــولاً وفـــــاءاً وودا
لم نقضتم من غير جـرم عـهـوداً ما نقضنا منها على الرمل عـهـدا
كم أنشر بز المحبة ولا أرى إلا مفلساً، تنزهوا في السلع فسهل على طي المنشور، ما أحلى ذكر الأحباب ما أطيب حديث أولي الألباب.
لصردر:
إيه أحاديث نعمان وسـاكـنـه إن الحديث عن الأحباب أسمارُ
أفتش الريح عنكم كلما نفحـتْ من نحو أرضكم نكباء معطارُ
تمكن الحب من حبات قلوبهم فأخرجهم إلى الوله فلو رأيتموهم لقلتم مجانين.
قد لج بي الغرام حتى قـالـوا قد جن بهم وهكذا البـلـبـال
الموت إذا رضيتم سـلـسـال في مثل هواك ترخص الآجال
كانت رابعة تقول: لقد طالت علي الأيام والليالي بالشوق إلى الله تعالى.
أمرت عنك بصـبـر وليس لي عنك صبر
يا آمري بالتـسـلـي ما لي مع الشوق أمر
قال الشبلي: رأيت جارية حبشية فقلت من أين? قالت من عند الحبيب، قلت: وإلى أين? قالت: إلى الحبيب، قلت: ما تريدين من الحبيب? قالت: الحبيب.
وجدي بكم وصفو ودي لـكـم والقلب فمذ نأيتـم عـنـدكـم
عيني عين لبعدكـم بـعـدكـم لو شقوا قلبي لما رأوا غيركما
?الفصل الرابع والتسعون
يا هذا اشتغلت بفنون تعليلك عن ذكر تحويلك وستسلب من أخيك وخليلك وعلى تخبيطك وتخييلك.
كأنك بالمضي إلى سـبـيلـك وقد جد المجهز في رحيلـك
وجيء بغاسل فاستعـجـلـوه بقولهم له أفرغ من غسيلـك
ولم تحمل سوى كفن وقطـن إليهم من كثيرك أو قلـيلـك
وقد مد الرجال إليك نـعـشـاً فأنت عليه ممدود بطـولـك
وَصَلوا ثـم إنـهـم تـداعـوا لحملك في بكورك أو أصيلك
ولما أسلموك نزلت قـبـرك ومن لك بالسلامة في نزولك
أعانك يوم تـدخـلـه رحـيم رؤف بالعباد على دخـولـك
فسوف تجاور الموتى طـويلاً فدعني من قصيرك أو طويلك
أخي إني نصحتك فاستمع لـي وبالله استعنت على قبـولـك
ألست ترى المـنـايا كـل يوم تصيبك في أخيك وفي خليلك
إخواني ما من الموت بدّ، باب البقاء في الدنيا قد سد كم قد في القبر قد قد? كم خد في الأخدود خد? يا من ذنوبه لا تحصى إن شككت عد، يا من أتى باب الإنابة كاذباً فرد لقد حملت على نفسك ما يثقلها، فحسبك ما قد مضى أتقتلها? يا طول سفرة الموت أولها أين جزع النفس? أين تململها? كأنها بالمرض قد نزل يزلزلها ويعث إليها رائد الأسف يستعجلها، الحذر الحذر فقد فوق السهام مرسلها، الدروع الدروع فقد جلى السيوف صيقلها ما هذه الخصال المذمومة? أتؤثر العقول لذة مسمومة? ما هذا الحرص? والأرزاق مقسومة، أنسيت يوم تنشر الصحف المختومة? أما تعلم أنها ستظهر قبائح مكتومة? يا لها لوعظة بين المواعظ كالأيام المعلومة أحسن من اللآلئ المنثورة وأعجب من العقود المنظومة العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة.
أيها لمعلم تثبت على المبتدى "وقدِّر في السَّرْدِ" فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق، ويا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب بينا هو تحت الأخمص صار طهور للوجه، السهر مرقي إلى أطيب مرقد:
الهون في طلب الهوينا كامـن وجلالة الأخطار في الأخطار
قلب العالم بحر ما للجنة قرار، إذا نزل غواص الفكر ترقى إلى ساحل اللسان قدر الإمكان، مياه المعاني مخزونة في صدر العالم تفتح لزرع قلبه. سيحاً بعد سيح، ويدخر أصفاها قوتاً للروح، فإذا تكاثرت عليه صاح السيل العالم ينفخ في صور فيه بعبارة التخويف فيموت هوى العاصي ثم ينفخ في صور التشويق فيحيي روح المعرفة فيخرج التائب من قبر غفلته في كفن يقظته وقد بدلت الأرض غير الأرض فيفتح له رضوان الرضا باب جنة الوصل.
لا تظنوا العالم شخصاً واحداً، العالم عالم تصانيف العالم أولاده المخلدون دون أولاده، من خلق للعلم شف جوهره من الصغر فتراه ينفق في الجد بضاعة الشبيبة ويسابق سائق العجز، يصل الكدود ليله بنهاره، كدود القز في زمان الشدة فإذا امتلأ وعاء قلبه بما وعى نسج الفهم في زوايا الذهن من المعاني المستنبطة نسج القز فإذا رأى عرياناً من العلم فأراد كسوته بعث الفكر فسل من لطائف اللطف طاقات ثم أرسلها إلى صانع القوة فبالغ في تحسينها وتأنق في تلوينها ثم ينسجها اللسان على منوال البلاغة فتظهر رقوم نقوشها عن شدود عقدتها الفطن الباطنة فإذا الثوب نسيج وحده ومثل تلك المطارف الطرائف لا تبتذل إلا في عيد مجلس الذكر، ليس كل من ربى دود القز سلالاً ولا كل قزاز سقلا طونيا.
آه، من اشتراك الأسماء وتلقيب القصدير بالبيع، ليس كل معدن عرق الذهب، ولا في بطن كل غزال مسك، ليس من عام في قرار البحر حتى وقع بالدر اليتيم كمن قعد على الساحل يجمع الصدف، أمراء العبارات رعية لفصاحتي، ويك إنه كيل بلا ثمن سقى فصاحتي سيح فقد تضاعفت علي زكاة الشكر، سافر لفظي ببضائع فكري من أرض قلبي إلى بادية فمي فسلم سلع النطق إلى منادي لساني هيهات فواكه الألفاظ اللذيذة في مذاق الأفهام السليمة ليس لها ثمن. فهو يعرضها في موسم النصح على تجار الإرادة، فمن منكم يشتري حكمة بقبول? قد يرى علو مكاني وينسى الدرج كم قد خضت بحراً ملحاً? حتى وقعت بعذب، كم قطعت مهمهاً وحدي? حتى سميت بالدليل أنضيت مركب الجسم ورفضت شهوات الحس وواصلت الليل بالنهار في الجد وأوقدت في دجى الهوى نار الصبر فإن وثقتم بأمانتي فهذا تخيير الشراء:
شربت لأغلالي، رحيقاً بسـلـسـال من الشاهق العالي على غير تصريد
فأصبحت نشواناً من الشرب سكرانـا وأطرب أحياناً بلا نغـمة الـعـود
وكم جبت من وادٍ وسرت بـلا حـاد وبتُّ بلا زادٍ سوى ذكر معـبـودي
الفصل الخامس والتسعون
كم تنذر الدنيا وما تسمع! وكم تؤنس محبها من وصلها ويطمع! فالعجب من فطن غره سراب يلمع.
يأتي على الناس أصباحٌ وأمساء وكلنا لصروف الدهر نـسّـاء
خسست يا دار دنيانا وربـتـمـا يرضى الخسيسة أوباشٌ أخساء
إذا تعطّفت يوماً كنت قـاسـيةً وإن نظرت بعين فهي شوسـاء
وقد نطقت بأصناف العظات لنا وأنت فيما يراك الناس خرساء
أين الملوك وأبناء الملوك ومـن كانت لهم عزة في الملك قعساء
نالوا يسيراً من اللذات وارتحلوا برغمهم فإذا النعمـاء بـأسـاء
الدنيا دار كدر بذلك جرى القدر فإن صفا عيش لحظة ندر، ثم عاد التخليط فيذر الورود فيها كالصدر ودم قتيلها هدر.
المرء من دنياه في كلف ومآله فيها إلى التلـف
ولكل شيء فائت خلف وحياتنا فوت بلا خلف
يا لاحقاً بآبائه وأمهاته لا بد أن يصير الطلا إلى مهاته، يا من جل همته شغل خياطة وطهاته يغلبه الهوى وهو غالب دهاته، إن كان لك عذر في تفريطك فهاته.
إخواني: مر الزمان وعظ الألباب ويكفي في الإنذار موت الأصحاب، كم ترى في التراب من أتراب? أغمدت تلك السيوف في شر قراب تناولتهم يد البلى من كف استلاب، ويحك ضياء الدنيا ضباب، وشراب الهوى سراب، أترضى أن يقال قد خاب? أما لهذا عندك جواب? كلما دخلنا من باب خرجت من باب.
للشريف الرضي:
أذكر تصاب والمشيب نـقـاب وغير الغواني للمشيب صحاب
أومل ما لا يبلغ العمر بعضـه كان الذي بعد المشيب شبـاب
وطعم لبازي الموت لا شك مهجتي أسف على رأسي فطاف غـراب
وأثقل محمول على العين ماؤهـا إذا بـان أحـبـاب وعـز إياب
لله درّ أقوامٍ علموا قرب الرحيل فهيئوا آلة السفر وهونوا بالدنيا فقنعوا منها مما حضر واستوثقوا بقفل التقوى من أذى النطق والنظر? مالك خبر بحالهم ولا عندك منهم خبر، قاموا في الجد وقعدت وسهروا في الدجى ورقدت، طالما نصبوا في خدمة المالك، وناقشوا أنفسهم مناقشة مماحك، وآثروا بالزاد فزادوا على البرامك، واختبروا بالبلى كالتبر عن السابك، هذه طريقهم فأين السالك? أترضى بالتأخر عنهم? هذا برائك كأنك بهم وقد دخلت على الملأ الملائك، كل يا من لم يأكل هذا بذلك لما أريدوا أفيدوا لما شكروا المنعم زيدوا، ولو فتروا عن التعبد قيدوا، نام العلاء بن زياد ليلة عن ورده فجذب في نومه بناصيته وقيل له قم إلى صلاتك فما زالت الأخبار قائمة في حياته "نحنُ جعلناها تَذكِرَةً".
قال أبو سليمان: غلبتني عيني، فإذا أنا بالحوراء قد ركضتي برجلها وهي تقول: أترقد عيناك? والملك يقظان? قال: ونمت ليلة أخرى، وإذا بها توقظني وتقول: أتنام? وأنا أرتي لك في الخدور منذ خمسمائة عام.
للنابغة الذبياني:
أقول والنجم قد مالـت أواخِـرُهُ إلى المغيب تبينُ نظـرةً حـارِ
ألمحةً من سنا برق رأى بصري آم وجهُ نُعمٍ بَدا لي أم سنا نـار
أُنبئت نُعماً على الهجران عاتـبةً سَقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري
قلوب القوم في الدجى قلقة وأفئدتهم من الخوف محترقة والنفوس من هجر الحبيب فرقة، وجفونهم من البكاء غرقة، وعروق المحبة في سويدائهم علقة، وشفاههم بكأس المناجاة مصطحبة مغتبقة، والآمال إليه كل وقت منطلقة، وما عادت قط إلاّ وهي بالرجاء عبقة.
قل للمقيمين على وادي الـحـمـى عني إذا أتـيتـهـم مـسـلـمـا
قد صار طيب العيش مذ فارقتكـم على من بـعـدكـم مـحـرمـا
وكل شهد ذقتـه فـي وصـلـكـم قد عاد من بعد الفراق علـقـمـا
لا عيش لي إن غبتم عن نـاظـري وإن حضرتـم ربـمـا وربـمـا
إن سألوك عن سـقـام قـد رثـى لي فيه أهل الأرض مع أهل السما
فقل لهم ما يشتكـي مـن سـقـم لأنه يذكر فـيه الـمـسـقـمـا
واحسرة من مضوا وخلفوه، لقد استبدل بالعسل الخل فوه، آه على عيش ولّى ولا عودة، وعلى حادٍ سرى ولا وقفة، تالله لو ضارت العين عيناً ما وفت.
للمهيار:
يا لنسيم سَـحَـرٍ بـحـاجـز ردت به عهد الصِّبا ريح الصبا
سل من يدل الناشدين بالغضـا على الطريق ويردّ السـلـبـا
أراجعُ لي والمنى هـلـهـلةٌ وطالعٌ نجـمُ زمـانٍ غَـرَبـا
إذا اطمأنت أضلعي تـذكـرتْ نواك فاهتزت جوىً لا طربـا
تالله ما تعشق الأماكن لذاتها، بل لسابق لذاتها، لك يا منازل في القلوب منازل، للمعاهد عهد عند المعاهدة كلما تذكره الصبّ صبّ الدموع.
للمتنبي:
وما شرَقي بالماء إلاّ تـذكّـرا لماءٍ به أهل الحبـيب نـزولُ
وما عشتُ من بعد الأحبةِ سلوةً ولكنني للنـائبـات حَـمـول
أما في النجوم السائرات وغيرها لعيني على ضوء الصباح دليل
أعرف الناس بالطريق من قد سلك، إذا ذكرت منازل مكة حن الحاج.
للمهيار:
وإذا هبَّ صَـبَـا أرضـكـم حملتْ تُربَ الغضى باناً ورندا
رُدَّ لي يوماً على وادي منـى إن قضى الله لأمر فـات ردّا
عجباً لي كيف أبقى بعـدهـم غير أن قد خلق الإنسان جَلدا
الفصل السادس والتسعون
يا من قد ملكته نفسه وغلبه حسه وقد دنا حبسه وستكف خمسه ولقد أنذره جنسه، عاتب نفسك لعلها ترعوي وسلمها إلى رائض العلم عساها تستوي، أحضر دستور المحاسبة وحاسبها واندبها إلى الخير فإن أبت فاندبها.
للمصنف:
يا ويح نفسٍ رضيت بالسقم وفرطتْ في عمر منصرمِ
تستر باللهو وتنس حتفهـا وتؤثر البعدَ على التـقـدُّمِ
وكلّما أصبحت أبكي فعـلـهـا أضحت عناداً لي في تبـسـمِ
تفرح بالفاني فما تطـلـب مـا يبقى لها فمن يكون حكـمـي
أقول يا نفس اتقي من لـم يزل معروفُهُ يفـوقُ وكـف الـديم
كم من ذنوب لك قد ستـرهـا وعاد بالفضل وبـالـتـكـرم
وكم له من نعـمة جـاد بـهـا وكم وكم أولاك طيب أنـعـم
كم واعظ في كـل يوم زاجـر وكـم نـذير زائر مـسـلـم
وكم ينـاديك لـسـان عـبـرةٍ وأنت عن قول الهدى في صمم
أين الذين شيّدوا واحـتـرسـوا وأين من كان كثير الـنـعـم
مضى الجميع هل ترى من أثرٍ لهم وصاروا في بيوت الظلـم
تبدلوا بالترب تربـاً كـلـهـم في قعر لحدٍ ضيِّقٍ مـنـهـدم
تفصلت عظامهم وحـصـلـت أعمالُهم وأصبحوا كـالـعـدم
وباشروا التراب بـعـد تـرفٍ وشـرف وحـجـب وخــدم
وســرر ودرى وطـــرف وتـحـف وصـولة وكــرم
ولـذة فـي شـهـوة لــذيذة وعزة فـي عـزمة وهـمـم
لو قيل قولوا ما مناكم طلـبـوا حياة يوم ليتـوبـوا فـاعـلـم
ويحـك يا نـفـسُ ألا تـيقـظ ينفع قبـل أن تـزلَّ قـدمـي
مضى الزمان في توان وهـوى فاستدركي ما قد بقي واغتنمي
انتظري الموت سيأتي بـغـتة وأنـت بـين أسـفٍ ونــدمِ
حرق وفـرق وحـســـرة وفيض دمع العين في تسجـم
وتـرحـلـين عـن ديار إلـفةٍ فانتبهي من رقـدات الـنـوَّمِ
من لي إذا نزلت لحداً مظلـمـاً هذا وكم من نازلٍ لـم يسـلـم
من لي إذا قرأت ما أمـلـيتـه أقبح مسطور جرى بالـقـلـم
من لي إذا أزعج قلبي حسـرة وهل ترى يشفي بفوزي ألمي
كيف الخلاص والكتاب قد حوى كلَّ فعالي وجميع كـلـمـي
يا نفس فاز الصالحون بالتقـى فأبصروا الرشد وقلبي قد عمي
يا حسنهم والليل قـد جـنَّـهـم ونورُهم يفوق نـورَ الأنـجـم
ترنَّموا في الذكر في لـيلـهـم فعيشهم قد طاب بـالـتـرنُّـم
قلوبهم للذكر قـد تـفـرَّغـتْ دموعهم كلؤلـؤ مـنـتـظـم
أسحارهم بهم لهم قد أشـرقـت وخلع الغفران خير الـقـسـم
سار وأوعدت عن طريق واضحٍ دلَّ على الرّشد دليل الـعـلـم
دعني أبكـي مـا حـييت أبـداً فحق لي أبكي فـلا لا تـلـم
يا عجباً لك تتسمى باسم تاجر، وتخاصم على الدرهم وتشاجر، وتصابر لربح القيراط الهواجر، وتغضب لأجل الجبة وتهاجر، وترضى بأفعالك باسم فاجر، أما لك من عقلك ناه ولا زاجر? يا من نومه كثير وانتباهه نادر، إن دعيتَ إلى التوبة سوَّفتَها، وإن قمتَ إلى الصلاة سففتها، وإن لاح وجهُ الدنيا ترشفتها، أما هي دار بلغة لضيفها، تضيفتها أو ليس قد شبت وما عرفتها، كم بادية في أرباح غير بادية تعسفتها? لقد استشعرت محبتها أي والله والتحفتها، تالله لو علمت جناياتها لعفتها، أنسيت تلك الذنوب التي أسلفتها? آه، لبضائع عمر بذرت فيها وأتلفتها، كم تعد بالإنابة? وكل الوعود أخلفتها، فما تلين قناتك لغامز، ولا ترى ما تشتهي فتجاوز، ويحك، بين يديك أهوال وهزاهز، كم تقوم ولا تستوي? من يغير الغرائز? إبك لما بك، واندب في شيبك على شبابك، وتأهب لسيف المنون فقد علق الشبابك.
قد كان عمرك ميلا فأصبح الميل شبرا
وأصبح الشبر عقدا فاحفر لنفسك قبرا
عجباً للطرف كيف اغتمض? ولمكلف ما أدى المفترض، يا من كلما بنى على أن يلوذ بنا نقض، يا من إذا أدى حقاً، فعلى مضض، يا من إذا لاح له صيد الفاني جد وركض، يا من إذا قدر على جيفة الهوى جثم وربض، يا مشغولاً عن الجوهر بفاني العرض إيثار ما يفنى على ما يبقى أشد المرض:
ألا يا غافلاً تحصى عـلـيه من العمل الصغيرة والكبيرة
يُصاح بـه ويُنـذَرُ كـل يوم وقد أنسته غفلته مـصـيره
تأهب للرحيل فقـد تـدانـى وأنذرك الرحيل أخ وجـيره
وكم ذنب أتيت على بصـيره وعينك بالذي تأتـي قـريره
تحاذر أن تراك هناك عـين وإن عليك للعين البصـيره
وكم من مدخل لومـت فـيه لكنت به نكالاً في العشـيره
وقيت السوء والمكروه منـه ورحت بنعمة فيه سـتـيره
هذا حادي الممات قد أسرع، هذه سيوف الملمات تلمع، هذه قصور الأقران بلقع، إن وصلت الدنيا فعلى نية أن تقطع، وإن بذلت فعلى عزم أن تمنع، أفيها حيلة أم في وصلها مطمع? يا معرقاً في البلى قل لي لمن تجمع? إذا خلوت وتخليت فكيف تصنع? أترى أنت عندنا? أو ما تسمع? يا محبوساً في سجن هواه متى تتخلص? لو عرفتنا ألفتنا لنا أحباب لهم ألباب هم اللباب شغلهم على الدوام المحراب حاضرون معكم بالأبدان وبالقلوب غياب:
وشغلت عن فهم الحديث سوى ما كان منك فإنه شـغـلـي
وأديم نحو محدثي نـظـري إني قد فهمت وعندكم عقلي
ما نال الصالحون ما نالوا إلا بترك ما نطلبه وما نالوا، كانت هممهم في طلب الفضائل تغلي في القلوب غليان ما في القدور، تخايل القوم لذة الثواب فسهلت عليهم مرارات الصبر وتصوروا خلود الأبدان فهان عليهم بذل النفوس، جدوا في الجد فما سكنوا حتى سكنوا الجنة، وراحة المؤمن في الدنيا صفر من راحة، فلو رأيتهم في الجنان يسرحون منطلقين في أغراضهم يمرحون لا يدرون بأي مطلوب يفرحون، أبالنجاة من النيران? أم بالخلود في الجنان? أم بالخيرات الحسان? أم برضى المليك الديان? لقد نالوا بالمراد، ما لم يكن في الحسبان، من تلمح جولان مضمر الصبر في لذيذ العافية، وفرحة المفطر بعد إنصاب الصوم وتناول العذب بعد عذاب الظما، وسلامة الغريق بعد الإغراق في أذى الأذى، وخلاص التجر من مصر ماصر المكس وتلاقي الأحباب على باب الطول بعد طول الفراق رأى من قوة قرة العين ما لا يدخل تحت قياس بعد أن حدق ياس، وقد وصفنا ما حصل للقوم وجملة المبذول من الثمن "بما صَبَرْتُمْ".
قف بالمحصب واسأل أيها الرجل تلك الرسوم عن الأحباب ما فعلوا
فما أسائل عـن آثـارهـم أحـدا إلا أجاب غراب البين قد رحلـوا
الفصل السابع والتسعون
من ركب الهوى هوى به والنفس إذا استعملت التقوى تقوى به،
إن كنت يا صاح لبيباً حازماً فكن لأسباب الهوى مُراغما
لا تهو دنياك فإن حـبَّـهـا رأس الخطايا تكسب المآتما
غرارة فكل من حلـت لـه لا بدَّ أن تذيقه العلاقـمـا
وإنما تخدم من آهـاتـهـا كما تهين من أتاها خادمـا
فكن بها مثل غريب مصلح أزواده على الرحيل عازما
وبادر الأيام قبل فـوتـهـا مخاصماً للنفس أو مسالمـا
فإنما عمر الفتى سوق لـه يروح عنها خاسرأ أو غانما
يا من يخطي على نفسه ويقترف متى تندم وتعترف? يا من بحب العاجل قد كلف، ستعلم غداً جفن من يكف، يا محبوساً في سجن الهوى لو ارعوى أنف، يا متردداً في التوبة سارع ولا تقف إلى متى أعمالك كلها قباح? إلى كم فساد? متى يكون الصلاح? ستفارق هذه الأجساد الأرواح، إما في غدو وإما في رواح ، سيفنى هذا المساء والصباح، وسيخلو البلى بالوجوه الصباح، أفي هذا شك? والأمر صراح، أين شارب الراح? راح إلى قبر تسفي عليه الرياح، خلى للبلى والدود مباح، لهما اغتباق به ثم اصطباح، عليه نطاق من التراب ووشاح، عنوانه لا يزال مفهومه لا براح، مشغول عمن بكى عليه وناح، أما هذا لنا عن قليل? إنا لوقاح، كأنك بملك الموت قد صوت بالروح وراح، فتأهب للنقلة على غفلة:
لم أدر بالبين حتى أزمعوا ظعناً كل الجمال قبيل الصبح مزموم
هذا حادي الرحيل قد استعجلكم فالبدار البدار خلوا كسلكم ودعوا التواني فالتواني قد قتلكم، وا أسفي قد سبق الصالحون فماذا شغلكم "فستذكرونَ ما أَقولُ لكُمْ":
ما على حادي المطايا لو ترفق ريثما أسكب دمعي ثم أعنـق
يا فؤاداً كلما قـلـت خـبـت ناره ألهبه الوجد فـأحـرق
ذلك العيش الـذي فـات بـه سائق الدهر فولّى أين يلحـق
زال إلا خطـرة مـن ذكـره كاد إنساني لها بالدمع يشرق
يلذع القلب إذا غنـى عـلـى فنن أو ناح قمري مـطـوق
يا معدوداً مع الشيب في الصبيان، يا محبوساً مع البصراء في العميان، يا واقفاً في الماء وهو ظمآن، يا عارفاً بالطريق وهو حيران، أما وعظت بآي القرآن? أما زُجرت بناي الأقران? أما تعتبر بصروف الزمان? أتعمر المنزل وعلى الرحيل السكان? أما يكفي وعظ? "كلُّ مَنْ عليها فان"، تسافر ببضائع الأمانة وما تنزل إلا في خان من خان، أفعالك كلها مكتوبة فيا ليت ما كان ما كان، تدفن الميت ولا وعظ كالعيان، ثم تعود غافلاً يا قرب ذا النسيان، ويحك أما تدري أن الهوى هوان "ألَمْ أَعْهَدْ إليكمْ يا بني آدمَ أنْ لا تعبدوا الشيطان".
نراع إذا الجنائز قابلتـنـا ونسكن حين تخفى ذاهبات
كروعة ثلة لظهـور ذئب فلما غاب عادت راتعات
يا مستأنساً بظل متقلص، يا حريصاً على الهوى والموت عليه يحرص، يا من إذا كال فمطفف وإن وزن فمتلصص، ما تتخلص من معامل وهو عند الله متخلص، تفكر فيمن أصبح مسروراً فأمسى وهو متنغص، ومتى ازددت لذة فاذكر قبلها المنغص، حاسب نفسك وخذ على يديها، لا ترخص حائط الباطن خراب فلماذا تجصص?.
يا ابن آدم أنت بين ذنب لا تدري أغفر? وحسنة لا تدري أقبلت? فأين الانزعاج? لما سترت عن الصالحين العواقب استراحوا إلى الأحزان وفزعوا إلى البكاء، كانوا يتزاورون فلا تجري في خلوة الزيارة إلا دموع الحذر. كان أشعث الحراني يزور حبيب العجمي فيبكيان طول النهار.
باحت بسرّي في الهوى أدمعي ودلَّت الواشي على موضعـي
يا قوم إن كنتم على مذهـبـي في الوجد والحزنِ فنوحوا معي
يحق لي أبكي علـى زلـتـي فلا تلوموني علـى أدمـعـي
أخواني: أتدرون ما أقلق هذا التائب? أعلمتم ما أقدم هذا الغائب?.
سرى نسيم الصبا من حاجر فصبا فبات يشكو إلى أنفاسه الوصبـا
ما يبرح البارق والنجديّ يذكـره نجداً ويلهبه وجداً إذا التـهـبـا
يحق لمن رأى الراحلين إلى الحبيب وهو قاعد أن يبكي ولمن سمع بأخبار الواصلين وهو متباعد أن يقلق.
أبصر الركب على الجزع ضحى فتوالى دمعـه مـنـسـفـحـا
يا خليلي بجرعـاء الـحـمـى سائلاً من حل ذاك الأبـطـحـا
وخذا عني أحـاديث الـغـضـا بخل الراوي بها أو سـمـحـا
واستملاها بدمعـي واكـتـبـا عن أخي الشوق إذا ما شرحـا
وإذا هب الـصـبـا قـولا لـه عد فقد هيَّجت قلباً ما صـحـا
يا أهل الحـيّ مـن كـاظـمةٍ عاد مستور الهوى مفتضـحـا
إذا رأيتم قلقاً فارحموه، وإذا شاهدتم باكياً فوافقوه، وإذا عاينتم واجداً فاتركوه.
خلني من العـذل ما الفؤاد من قبلي
لا تسل ففي كبدي شعلة من الشعل
يا أطفال الهوى أين أنتم والرجال?.
كم من حث وما أرى غـير بـطـا لو حركت العزم نحونا فضل خطى
تعصي قصداً وتدّعـيه غـلـطـاً تصمي عمداً وتزعم القتل خـطـا
يا هذا إذا هممت بخير فبادر لئلا تغلب، وإذا هممت بشر فسوف هواك لعلك تغلب، ثقف نفسك بالآداب قبل صحبة الملوك فإن سياسة الأخلاق مراقي المعالي.
قال بزرجمهر: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب والهر والغراب، قيل ما أخذت من الكلب? قال: ذبه عن حريمه وإلفه لأهله، قيل فما أخذت من الهر? قال: رفقها عند المسألة ولين صياحها، قيل: ومن الغراب? قال: شدة حذره.
لولا سخط نفس أبي بكر عليه لمفارقة هواها ما نال مرتبة: أنا عنك راض، لولا عري أويس ما لبس حلة، يشفع مثل ربيعة ومضر، يا كثير الذنوب متى تقضي? يا مقيماً وهو في المعنى يمضي، أترك الهوى محموداً قبل أن يتركك مذموماً، إن فاتتك قصبات السبق في الزهد فلا تفوتنك ساعات الندم في التوبة، يا من كلما حرك إلى الجد الجد سوف، يا من شدد عليه الوعيد وما تخوّف، يا مريض الهوى بل يا مدنف إن كنت لا تعرف الدواء فالطبيب قد عرف، هذا ممكن النصائح ثم أنت بنفسك أعرف.
الفصل الثامن والتسعون
إخواني: من عرف ما بين يديه لم يؤثر الهوى ولم يلتفت إليه، ومن تفكر في رحيل من كان لديه صار النهوض للتزود متعيناً عليه.
رحل الأحبة عـن ديارهـم أهون بما أخذوا وما تركـوا
وعلمت أين مضى الخليط فما أنا بالمبالـي أية سـلـكـوا
ونفوسنا كحـمـائم وقـفـت للصائدين ودونها الـشـبـك
متضربات في حـبـائلـهـا وهي جناح ضمه الشـرك
أن الملوك إذا هم احتضـروا ودوا هنالك أنهم نـسـكـوا
كم فرح بشهر وإهلاله متهلل لرؤية هلاله اختطفه الموت في خلاله، كم مائل إلى جمع ماله تركه تركة ومرّ بأثقاله، هل رحم الموت مريضاً لضعف أوصاله? هل ترك كاسباً لأجل أطفاله? هل أمهل ذا عيال من جرا عياله? كم راع قصراً? وما راعى عن أبطاله، كم أشرف على شريف فلم ينظر في خلاله? كم خرق درعاً نبيلاً بوقع نباله? كم أيتم طفلاً صغيراً ولم يباله? كم شد نفساً في سعة نعاماه وشماله? كم بعث عليلاً إلى البلى? بعد التراقي إلى إبلاله فرقى روحه إلى التراقي ولم ينظر في حاله.
أليس إلى الآجال نهوي وخلفنـا من الموت حادٍ لا يغب عجول
دع الفكر في حب البقاء وطوله فهمك لا العمر القصير يطول
ومن نظر الدنيا بعين حـقـيقة تيقن أن العيش سـوف يزول
ومـا هـذه الأيام إلا فـوارس تطاردنا والنـائبـات خـيول
بينا محب الدنيا في اختيال ومرح، وكلما جاء باباً من أبوابها فتح، وكلما عانى أمراً من أرها صلح، فبينا هو في لذاته يدير القدح، قدح زناد العمر في حراق القدح فمن يستدرك ما فات? ومن يداوي ما جرح?.
بينما المرء غافـل إذا أتـاه من يد الموت سالب لا يصد
فتأهب لمالـه كـل نـفـس عرضة الأسر إنما الأمر جد
إلى كم تعصي وتتمرد? وأقبح من قبحك أنك تتعمد، يا رديّ العزم يا سيّء المقصد يا نقي الثوب والقلب أسود، ما هذا الأمل ولست بمخلد? يا مستوراً على القبيح أم تجحد أما الطريق طويلة? فمتى تتزود? تخلص من أسر الهوى فإنك مقيد، أتشتري لذة ساعة بعذاب سرمد?
سبيلك في الدنيا سبيل مسافـر ولا بد من زاد لكل مسـافـر
ولا بد للإنسان من حمل عـدة ولا سيما إن خيف صولة قاهر
يا مدمن الذنوب منذ كان غلاماً، علام عوّلت قل لي علاما? أتأمن مأتى من أتى حراما? قد ترى ما حلّ بهم، إليك قد ترامى أين المجتمعون على خمورهم والندامى? كل القوم في قبورهم ندامى، أما ما جرى على العصاة يكفي إماما? لقد ضيّعنا حديثا طويلاً وكلاماً ما أرى إلاّ داءً عقاما:
يا ليت شعري ما ادخـرتَ ليوم بؤسك وافتـقـارك
فلتـنـزلـن بـمـنـزل تحتاج فيه إلى ادّخـارك
أفنيتَ عمرك باغتـرارك ومناك فيه بانـتـظـارك
ونسيتَ مـا لابـدَّ مـنـه وكان أولـى بـادّكـارك
ولو اعتبرت بـمـا تـرى لكفاك علماً باعتـبـارك
لك سـاعة تـأتـيك مـن ساعات ليلك أو نهـارك
فتصير محتضـراً بـهـا فتهي من قبل احتضارك
من قبل أن تقلي وتقصـي ثم تـخـرج مـن ديارك
من قـبـل أن يتـثـاقـل الزوّار عنك وعن مزارك
متى تفيق من هذا المرض المراض? متى تستدرك هذه الأوقات الطوال العراض? يا عرض المنون كيف تبقي الأعراض? أما الأعمار في كل يوم في انقراض? لقد نبت قبل شكة السهم صكة المعراض، أما ترى الراحلين ماضياً خلف ماض? كم بنيان ما تم حتى تم مأتم? وهذا قد استفاض، إن الموت إليك كما كان لأبويك في ارتكاض، إن لم تقدر على مشارع الصالحين فرد باقي الحياض، إن لم يكن لك ابن لبون فلتكن بنت مخاض، إلى متى? وحتى متى? أتعبت الرواض، كلما بنينا نقضت ولا بناء مع نقاض، يا من قد باع نفسه بلذة ساعة بيعاً عن تراض، لبئس ما لبست أتدري ما تعتاض? يا علة لا كالعلل و يا مرضاً لا كالأمراض.
لقد أخبرتك الحادثات نزولـهـا ونادتك إلا أن سمعك ذو وقـر
تنوح وتبكي للأحبة إن مضـوا ونفسك لا تبكي وأنت على الإثر
يا مخالفاً من نهاه وأمره، يا مضيّعاً في البطالة عمره، الزمان صولجان والعمر كرة الدنيا بحر، والساحل المقبرة احذر نوائبها فإن مشاربها كدرة، على أنها مزرعة يحصد كل ما بذره فلا تحتقر معصية فربما أحرقت شررة، أما عرفت سر "ولا تقْرَبا هذهِ الشَّجَرَة"، لو اقتنع اكتفى ولكن المحنة الشرة.

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 06-13-2009, 05:16 PM
لن نركع الا لله لن نركع الا لله غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 378
معدل تقييم المستوى: 12
لن نركع الا لله is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

أخواني: كل مقاتل ليس معه سلاح عزم مغلوب، إذا برز شجاع اليقظة بسلاح الجد هشم وجه الأمل وهزم جيوش الزلل، إذا استشعرت النفس زرمانقة الزهد ودخلت مترهبنة دير العزوف وجدت أنيس، أنا جليس من ذكرني، الخلوة شرك لصيد الموانسة فأخفى الصيادين شخصاً ، وأقلهم حركة أكثرهم التقاطاً للصيد ما صاد هر صاح، وحل المخالطة يلزم المتهذب المتمذهب رفع أذيال قميص الدين.
قيل للحسن ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها? قال لأنهم: خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره:
أبداً نفوس الطالبـين إلى طلولكم تـحـن
وكذا القلوب بذكركـم بعد المخافة تطمـئن
جنت بحبكـم ومـن يهوى يجنُّ ولا يجن
بحياتكـم يا سـادتـي جودوا بوصلكم ومنوا
رحم الله أعظماً طالما نصبت وانتصبت، جنَّ عليها الليل فلما تمكن وثبت، وثبت إن ذكرت عدله رهبت وهربت، وإن تصورت فضله فرحت وطربت، عرفت أذنبت عن خدمته إنها قد أذنبت، هبت على قلوبهم عقيم الحذر فاقشعرّت وندبت، فبكت عليها سحاب الرجاء فاهتزت وربت، حسبك إن قوماً موتى تحيى بذكرهم النفوس وإن قوماً أحياء تقسو برؤيتهم القلوب، سلام الله على تلك القبور ورضوان الله حشو تلك اللحود:
طلول إذا دمعي شكا لبـين بـينـهـا شكى غير ذي نطق إلى غير ذي فهم
أماكن تعبدهم باكية ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر وذهب ليل النصب وطلع الفجر، جاء في الحديث: تحت شجرة طوبى مستراح العابدين، إنما يطيب مكان الاستراحة بإجراء حديث التعب وإنما يلذ الظل البارد لمن تأذّى بحرِّ الهجير.
إخواني: مثلوا الاستراحة تحت شجرة طوبى يهون عليكم السفر، ادأبوا في السير، فقد لاح العلم:
لمـا وردنـا الـقـادسـية حيث مجتمـع الـرفـاق
وشممت من أرض الحجاز نسيمَ أنـفـاس الـعـراق
أيقنت لي ولـمـن أحـب بجمع شـمـلٍ واتـفـاقِ
وضحكت من طيب الوصال كما بكيت مـن الـفـراق
ما بـينـنـا إلاّ تـصـرّم هذه السبـع الـبـواقـي
حتـى يطـول حـديثـنـا بصنوف ما كنا نـلاقـي
الفصل التاسع والتسعون
يا هذا هون بأمر الدنيا تهن، وقدّر أنها قط لم تكن، واحفظ دينك من مكرها وصن، فمتى وفت ومتى لم تخن? للمتنبي:
لا تلق دهركَ إلاّ غيرَ مكـتـرث ما دام يصحبُ فيه روحكَ البـدنُ
فما يديم سروراً ما سـررت بـه ولا يُرَدُّ عليك الفـائتُ الـحـزنُ
فما أضرَّ بأهل العـشـق أنـهـمُ هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
تفنى عيونهم دمعاً وأنـفـسـهـم في أثرِ كلِّ قبيحٍ وجهه حَـسَـنُ
تحملوا حملتـكـم كـل نـاحـية فكل بين على الـيوم مـؤتـمـن
ما في هوادجكم من مهجتي عوضٌ إن متُّ شوقاً ولا فيها لها ثـمـنُ
سهرتُ بعدَ رحيلي وحشةً لـكـمُ ثم استمرَّ مريري وارعوى الوَسَنُ
إنما الدنيا حلم نائم، وقائلة راقد، ومعبَر مُعتبِرْ وضحكة مستعبِرْ، تالله ما أعجب بمالها من نظر في مالها، ولا بنى قصورها من عرف غرورها، ولا مد باع الأمل فباع وشرى بها من تذكر مر شرابها، إنها إذا طغت على الطعام تطغى، وإذا بغى نكاحها على العفاف تبغى، وكأنها تقصد هلاك محبها وتبغى، وكم عذلت في فتكها بالفتى الفتى? وتلغى، أما دردرها فغرت? فلما فرغت فغرت فاها فرغت للظعن، أما سحبت قرون قارون مع أقرانه إلى القرار في قرن، أما كفكفت بكفها كف مكفوف حبها فأرتك فن ما يكون فيك في كفن، تالله لقد لقي الغبي غب غباوته فلما انجلى غيهب عيبته رأى الغبن والغبن.
يا أرباب اللمم الشماط، الموت بكم قد أحاط، هذا العدو منازل فالزموا الرباط، ما هذه الفتور? ومهر الحور الجد والنشاط، إياكم والزلل فكم من دم أشاط? أما سمعتم منادي "وتلكَ القُرى أَهلكْناهُمْ"، أما ينذركم أعلام "وكذلكَ أَخْذُ رَبِّكَ"، أما يفصم عرى عزائمكم "وكم قَصَمْنا منْ قريةٍ"، أما يقصر من قصوركم "وبئرٍ معطَّلةٍ وقصرٍ مَشيد"، أما سمعتم هاتف العبر ينادي "فكُلاًّ أخذنا بذنبِهِ"، إذا رأيتم المبارزين بالخطأ قد اتسع لهم مجال الإمهال فلا تستعجل لهم "إنما نُملي لهُمْ"، بينا القوم على غرور سرورهم "أَخذْناهُمْ بَغْتَةً"، يا سالكي سبيلهم انحرفوا عن هذه الجادة.
يا هذا: ظلمك لنفسك غاية في القبيح، إلا أن ظلمك لغيرك أقبح، ويحك إن لم تنفع أخاك فلا تؤذه، وإن لم تعطه فلا تأخذ منه، لا تشابهن الحية فإنها تأتي إلى الموضع الذي قد حفره غيرها فتسكنه، ولا تتمثلنَّ بالعقاب فإنه يتكاسل عن طلب الرزق ويصعد على مرقب عال، فأيّ طيرٍ صاد صيداً اتبعه، فلا تكون له همة إلا القاء صيده والنجاة بنفسه، في الحيوانات أخيار وأشرار كبني آدم فالتقط خير الخلال. وخلِّ خسيسها، ولا تكن العصافير أحسن منك مروة، إذا أوذي أحدهما صاح فاجتمعن لنصرته، وإذا وقع فرخها طرن حوله يعلمنه الطيران.
يا هذا: تخلَّق بإعانة الإخوان بخلق النملة فإنها قد تجد جرادة لا تطيق حملها فتعود مستغيثة بأخواتها فترى خلفها كالخيط الأسود قد جئن لإعانتها، فإذا وصلن بالمحمول إلى بيتها رفهنه عليها، هيهات إن الطبع الردي لا يليق به الخير، هذه الخنفساء إذا دفنت في الورد لم تتحرك فإذا أعيدت إلى الروث رتعت، وما يكفي الحية أن تشرب اللبن حتى تمج سمها فيه وكلٌّ إلى طبعه عائد، إلاّ أن الرياضة قد تزيل الشر جملة وقد تخفف، كما أن غسل الأثر إن لم يزله خفف، إن دمتَ على سلوك الجادة رجونا لك الوصول وإن طال السرى.
يا هذا: الفيل والجمل يسْبحان ولكن الفيل مليح السباحة، والجمل يسبح على جنب فيفتضح عند سباحة الفيل، ثم كلاهما يعبر، إذا لم تطق منازلة الحرب فكن من حراس الخيم إذا رأيت الباب مسدوداً في وجهك فارض بالوقوف خارج الدار مع السؤال، إذا لم تظفرك الحروب فسالم، أترى يصلح هذا القلب بعد الفساد? أترى يتبدل بالبياض هذا السواد? كم أقول عسى أصلح? ولعل وكلما استوى قدمي زل، كم تتغير الأحوال? وما أتغير، كم تصح لي الطريق وأتحوّل:
لله أمـر مـن الأيام أطـلـبـه هيهات أطلب شيئاً غير مطلوب
وحاجة أتقاضاها وتمطـلـنـي كأنها حاجة في نفس يعقـوب
إلى كم تقول سأتوب? ألم يخجل اللسان الكذوب:
كلما أملت يوماً صـالـحـاً عرض المقدور لي في أملي
اقطع الدهر بظـنٍ حـسـن واجلي غمرة ما تنـجـلـي
وأرى الأيام لا تدنـي الـذي أرتجي منك وتدني اجـلـي
إذا كانت كرة القلب بحكم صولجان التقليب بطلت الحيل. لما قرب جبريل وميكائيل اهتزت الملائكة فخراً بقرب جنسها من جناب العزة، فقطع من بين أغصانها شجرة هاروت وكسر فنن ماروت، وأخذ من لبها كرة "وإنَّ عليكَ لعنتي" فتزودت الملائكة في سفر العبودية بزاد الحذر، وقادت في سبل معروفها بخت التطوع للمنقطعين "ويستغفرون لمن في الأرض" نودي من نادى الأفضال "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" فسارت الأعمال إلى باب الجزاء فصيح بالدليل "ولولا أن ثبَّتناك" فقال "ما منكم من ينجيه عمله".
فيا لسان القلق تكلم بعبارة الدمع لعله يقع في سمع القبول، فمراد الممرض أنين المبتلي. النظر في هذه الأمور قلقل قلوب العارفين، فكانوا يبكون الدماء، اجتمعت أخوان القوم على القلوب فأوقدت نار الحذر، فكان الدمع صاحب الخبر فتم، أقلقهم الخوف والفرق أطافت بقلوبهم الحرق، لباسهم ملفقات الخرق طعامهم ما حضر واتفق، يا نورهم إذا جن الغسق يا حسن دمعهم محدقاً بالحدق انقطع السلك. فسالت على نسق، فكتبت عذرها في الخد لا في الورق، ذابت أجسامهم فلم يبق إلا رمق، فلاحظهم العفو لطفاً بهم ورفق، لو رأيتهم يتشبثون بذيل الظلام ويأنسون بنوح الحمام ويهربون إلى الفلوات وغاية لذاتهم الخلوات.
نواح الحمام مسخر للمشتاق لا يريد منه أجرة بينهما أنس ممزوج بمنافرة:
إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شاهد الأحزان
أجفانك للدموع أم أجفانـي لا يقبل مدع بلا برهـان
??الفصل المائة
يا من أنفاسه محفوظة وأعماله ملحوظة، أينفق العمر النفيس في نيل الهوى الخسيس?
جدَّ الزمان وأنت تلـعـب والعمر لا في شيء يذهب
كم كم تقول غـداً أتـوب غداً غداً والموت أقـرب
أما عمرك كل يوم ينتهب? أما المعظم منه قد ذهب? في أي شيء، في جمع الذهب? تبخل بالمال والعمر تهب، يا من إذا خلا تفكر وحسب، فأما نزول الموت فما حسب، لك نوبة لا تشبه النوب، بين يديك كربة لا كالكرب، تطلب النجاة ولكن لا من باب الطلب، تقف في الصلاة إن صلاتك عجب، الجسم حاضر والقلب في شعب، الجسد بالعراق والقلب في حلب، الفهم أعجمي واللفظ لفظ العرب، أنا أعلم بك منك حب الهوى قد غلب، ومتى أسر الهوى قلباً لم يفلح وكتب.
يا آدمي أتدري ما مـنـيتَ بـه أم دون ذهنك سترٌ ليس ينجابُ
يوم ويوم ويفنى العمر منطـوياً عام جديب وعام فيه إخصـابُ
فلا تغرنك الدنيا بزخـرفـهـا فأريها أن بلاها عاقل صـاب
والحزم يجني أموراً كلها شرف والخرق يجني أموراً كلها عاب
كأنكم بالدنيا التي تولت قد تولت، وبالنفوس الكريمة قد هانت وذلت، وبكؤوس الأسى قد انهلت وعلت، وبحمول الظاعنين على الأسف قد استقلت، متى يقال لهذه الغمرة التي جلت قد تجلت? واعجباً لنفس ما تتنبه وقد زلت، كلما عقدنا عقدة تنفعها حلت، كم مستيقظ وقد فات الوقت ينظر إلى نفسه بعين المقت، ويصيح بنصيحة لقد صدقت، وينادي الكسل أنت الذي عوقت فيجيبه أنت من سكرك ما أفقت، كم قدم إلى القبور قادم? كلهم على فراش الندم نادم.
أطاعوا ذا الخداع وصدقـوه وكم نصح النصيح فكذبـوه
ولم يرضوا بما سكنوا مشيداً إلى أن فضضوه وأذهبـوه
ألظوا بالقبـيح وتـابـعـوه ولو أمروا به لتجـنـبـوه
نهاهم عن طلاب المال زهد ونادى الحرص ويلكم اطلبوه
فألقاها إلى أسماع غـشـر إذا عرفوا الطريق تنكبـوه
وحبل العيش منتكث ضعيف ونعم الرأي أن لا تجـذبـوه
حسبتم يا بنـي حـواء شـيئاً فجائكم الذي لم تحـسـبـوه
أديل الشر منكم فـاحـذروه ومات الخير فيكم فانـدبـوه
إلى كم بالهوى تغري وتلهج? أنسيت أنك عن محبوبك تزعج? تفكر في حلة من البلى لك تُنسج، يا من بضاعته كلها بهرج، ضيقت على نفسك. فلا مخرج، انتبه سريعاً فالخيول تسرج:
ولم يبق من أيام جمع إلى منى إلى موقف التجمير غير أماني
يا عبيد فلسه يا عدو نفسه تعانق الدنيا بيد الحرص عناق اللام للألف، وتنزل الدرهم من القلب منزلة البرء من الدنف، ترش ماء العيش حول الحانوت وتنظر إلى الدرهم لا فيه، وتنصب ميزان البخس ومكيال التطفيف "والغدر ثالثة الأثافي" ويحك أتبحث عن حتفك بظلفك? وتجدع بسيفك مارن أنفك، ما أكرم نفسه قط من لم يهنها، فاحذرها فكل ما يجري عليك منها، حاسبها قبل يوم الحساب وزِنْها، وخف شين شينها إن شئت عزها وزنها، واحفر لها زبية العزلة وإن أبت فادفنها، واحضرها على الرغم في رغام مسكها ومسكنها، دنها بما التذت آلاتها لا تهادنها.
هذه قصص النجاة، قد أمليتُها فعنونها، هذه جوار شنات المواعظ قد جمعتها فاعجنها، يا موثق الأقدام بقيد العوائق، أجود ما للعصفور قطع السباق، لو تفكر الطائر في الذبح ما حام حول الفخ، من طلب المعالي سهر الليالي، لولا صبر المضمر على قلة العلف ما قيل سباق:
هوّن في الليل عليها الـغـررا إن العلى مقيدات بـالـسـرى
فركبتْ بسوقـهـا رؤوسـهـا حتى تخيلنا الحجول الـغـررا
علمها النوم علـى ربـاطـهـا ذليلة أن تستطيب الـسـهـرا
قد تركت مطعمها لشـوقـهـا تقول كل الصيد في جوف الفرا
سينقشع غيم التعب عن فجر الأجر، كم صبر بشر عن شهوة حلوة، حتى سمع كلمة خلوة، كل يا من لم يأكل ما مد سجاف نعم العبد على قبة "ووهبنا له" حتى جرب في أمانة "إنا وجدناه صابراً" من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه.
كان بعض النجارين يبيع الخشب وكان عنده قطعة آبنوس ملقاة تحت الخشب فاشتريت منه فدخل دار الملك بعد مدة فإذا بها قد جعلت سريراً للملك فوقف متعجباً وقال: لقد كنت لا أعبأ بهذه فكيف وصلت إلى هذا المقام? فهتف به لسان المفهم نائباً عنها: كم صبرت على ضرب الفوس ونشر المناشير? حتى بلغت هذا المقام:
جئت أشكو فاستوقفتني إلى أن كلمتني من قبل أن كلمتنـي
وفدتني من السقـام ولـكـن أنفدتني هماً إلى أن فدتنـي
لمن أصفى واصف? أفي عزمك اتباعي فأقف? الليل يضج من طول نومك والنهار يستغيث من قبح فعلك:
يا أيها الراقد كـم تـرقـد قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وساعـاتـه حظاً إذا ما هجع الرقـد
من نام حتى ينقضي ليلـه لم يبلغ المنزل أو يجهـد
قل لذوي الألباب أهل التقى قنطرة الأرض لكم موعد
آخر الفصول المائة قال المنشئ: ولما أتممت المائة التي ضمنتها رأيت الثلاثة الأول كالخارج عن الوعظيات لمشابهتها القصص، فغرمت ها هنا ثلاثة عوضها لتخلص مائة وعظية والله الموفق.
الفصل الأول
أخواني: الموت مقاتل يقصد المقاتل، فما ينفعك أن تقاتل.
للمتنبي:
نعد المشرفية والعـوالـي وتقتلنا المنون بلا قـتـال
ونرتبط السوابق مقـربـات وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديمـاً ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب نصيبك في منامك من خيال
يدفن بعضنا بعضاً وتمشـي أواخرنا على هام الأوالـي
وكم عين مقبلة النـواحـي كحيل بالجنادل والـرمـال
لقد وعظ الزمان وما قصّر وتكلم الصامت وما أقصر، ولاح الهدى فإنما الشأن فيمن أبصر، ونطقت المواعظ بزجرٍ لا يُحصر، هلكت ثموداً بصيحة وعاد بريح صرصر، وكسر كسرى وقصر قيصر، تالله ما يبالي ميزان الجزاء أَرْبَح أم أَخْسَر? ولا حاكم العدل من أفلس وأعسر هذا أمر مجمل، وفي غد يفسر.
أيها المتحرك في الدنيا، لا بد من سكون، لا يغرنك سهلها فبعد السهل حزون، كم سلبتك من حبيب? وبعض القبح يهون، ما فرحها مستقيم ولا تَرَحُها مأمون، إنها لدار الغرور ودائر الهون كم تلون? ولكن أين العقل من مجنون، فهلا أضعنا الحديث قلب هذا مفتون:
أيها السكران بالآمال قد حان الـرحـيل
ومشيب الرأس والفو دين للمـوت دلـيل
فانتبه من رقدة الغف لة والعمر قـلـيل
واطرح سوف وحتى فمهـا داء دخـيل
كأنك بما يزعج ويروع وقد قلع الأصول وقطع الفروع، يا نائماً في انتباهه كم هذا الهجوع? أينفعك حين الموت جري الدموع? إذا رشق سهم التلف فطاحت الدروع وأتى حاصد الزرع وأين الزروع? وخلت المنازل وفرغت الربوع، وناب غراب البين عن الورقا السجوع.
قرن مضى ثم نـمـى غـيره كأنه في كـل عـام نـبـات
أقل من في الأرض مستيقـظ وإنما أكثرهم فـي سـبـات
حول خصيب أثـره مـجـدب فاذخر من المخصب للمجدبات
أما علمت أن الدنيا غدا إمارة? أما برد لذاتها ينقلب حرارة? أما ربحها على التحقيق خسارة? أما ينقص الدين كلما زادت عمارة? أما قتلت أحبابها وإليك الإشارة? إذا قال محبها هي لي ومعي أهلكته وقالت: اسمعي يا جارة.
إنما الدنـيا بـلاء ليس لدينا ثبـوتُ
إنما الدنيا كـبـيتٍ نسجته العنكبوتُ
إنما يكفيك منهـا أيها الراغب قوتُ
يا من عاهدنا على الطاعة في الإعلان والإسرار، كيف استحل حل عقد التوبة وعقد الإصرار? متى يخرج العاصي من هذه الدار? شيب وعيب ونهاية الإدبار، ضدان بعيدان ثلج ونار، كم بينكم وبين المتقين الأبرار? ملكتم الدنيا وملكوها فالقوم أحرار، كانت لهم إنفة فاحتموا من العار، وعرفوا قدر الزمان فانتهبوا الأعمار، فلو مددتم أبواعكم ما كنت منهم كأشبار، لو اطلعتم عليهم في أوقات الأسحار لرأيتم نجوم الهدى لا بل هي أقمار، قاموا جميع الدجى على قدم الاعتذار ثم تساندوا إلى رواحل البكاء والاستغفار، وقوي كربهم فهبت لهم نكباء لطف معطار، رفعوا رسائل الجوى فعاد جواب الأبرار:
لا توقدوا في القلب نار الجحيم كفى سقامي لفؤادي غـريم
ما زلت عن حبكـم لـحـظة وحقكم إني عـلـيه مـقـيم
وكلما هبت نسـيم الـصَّـبـا من نحوكم عشت بذاك النسيم
واأسفي، متى رحلوا? ليت شعري، أين نزلوا?
أنجدت الدار بهـم واتهم الوجد معي
مالت بالقوم ريح السحر ميل الشجرة بالأغصان، فهز منهم الخوف أفنان القلوب، فانتثرت الأفنان. فاللسان يتضرع، والعين تدمع، والوقت بستان، خلوتهم بالحبيب تشغلهم عن نعم ونعمان، سورهم أساورهم، والخشوع تيجان، خضوعهم حلاهم فما در ومرجان? أخذوا قدر البلاغ وقالوا نحن ضيفان، باعوا الحرص بالقناعة فما ملك أنو شروان? رفضوا حتى زمام المبيع وما باعوا بثنيان، طالت عليهم أيام الحياة والمحب ظمآن، اطلع من خوخة التيقظ بعين التأمل تر البرهان، أين أنت منهم? ما نائم كيقظان، كم بينك وبينهم? أين الشجاع من جبان? ما للمواعظ فيك موضع القلب بالهوى ملان.
يا هذا: قف على باب النجاح ولكن وقوف لهفان، واركب سفين الصلاح فهذا الموت طوفان، أيكون بعد هذا إيضاح? أو مثل هذا تبيان? يا لها من موعظة سحبت ذيل الفصاحة فحار سحبان، بغدادية أمامية مستفتية لا تعرف ضرب خراسان.
الفصل الثاني
أخواني: أين الذين سلبوا? سلبوا طال ما غلبوا فغُلبوا، عمَّروا ديارهم فلما تمت خربوا، وديفت لهم كؤوس المنايا فأكرهوا وشربوا:
سير الليالي إلى أعمارنا خَـبَـب فما تبين ولا يعتاقـهـا تـعـبُ
وهل يؤملُ نيلُ الشمل ملتـئمـاً سفر لهم كل يوم رحلة عجـب
وما إقامتنا في منزلٍ هـتـفـتْ فيه بنا قد سكنا ربعه الـنـوب
وآذنتنا وقد تمـت عـمـارتـه بأنه عن قـلـيل داثـرٌ خَـرِبُ
ليست سهام قسى الموت طـائشة وهل تطيش سهام كلها صـيب
ونحن أغراض أنواع البلاء بهـا قبل الممات فمرميٌّ ومرتَقِـبُ
أين الذين تناهوا في ابتـنـائهـم صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا
أين أرباب الأماني والأمل? أخذوا بين سكر الهوى والثمل.
والذي علا على علي العلا نزل، وكأنه في الدنيا لم يكن وفي القبر لم يزل.
كل حي فقـصـاراه الأجـل ليس للخلق بذا الموت قـبـل
نوب أبدت لـعـادٍ قـبـلـنـا إن من ذات العماد المرتحـل
فانثنوا عن ذلك الشرب الـذي صار علا لسواهـم ونـهـل
ألبستْ قوماً سواهم حـلـيَهـم ثم بزته فعادوا بـالـعـطـل
فاسئل الإيوان عـن أربـابـه كيف جدت بهم تلك الـرحـل
نقلتهم عـن فـضـاء واسـع يمرح الطرف به حتى يمـل
نحن أغراض خطوب إن رمتْ عادتْ الأدرع لينا كالحـلـل
وإذا ما أخلفت أسـهـمـهـا فأصابت بطل القـوم بـطـل
جز على القبور بقلب حاضر، وسلها ما فعل الوجه الناضر? ثم افتح ناظر ناظر، وخاصم نفسك على التواني وناظر.
ومسندون تعاقروا كـأس الـردى ودعا بسيرهم الحمام فأسـرعـوا
خرسٌ إذا نـاديت إلا أنـهـــم وعظوا بما يرضي اللبيب فأسمعوا
والدهر يفتك بالنفوس حـمـامـه فلمن تعد كـريمة أو تـجـمـع
عجباً لمن تبقـى ذخـائر مـالـه ويظل يحفظهن وهـو مـضـيع
ولعـاقـل ويرى بـكـل ثـنـية يلقى له بطن الصفائح مضـجـع
أتُراه يحسب أنـهـم مـا اسـأروا من كأسهم أضعاف ما يتـجـرع
كم صاح بك واعظ? وما تسمع وكم حصلت ما يكفي? وما تقنع، لقد استقرضك مولاك مالك فمالك تجمع? وضمن أن نبت الحبة سبع مائة وما تزرع? تشتغل عن القرآن المنزل وتستمع من مغن يتغزل? تمشي إلى نجاتك مشي أقزل وتخرج إلى الحرب وأنت أعزل? ويحك إن والي الحياة عن قليلٍ يعزل كأنك بالسماء تمور وبالأرض تزلزل، تنصب ولا تدري أي الكفتين أنزل.
أخواني: غرقت السفينة ونحن نيام، أبوكم لم يسامح في لقمته وداود عوتب على نظره.
يا مظهرين ضد ما به الكتـاب وارد
إلى متى تبهرجـو ن والبصير ناقـد
كيف يكون حالكـم وهو عليكم شاهد
عجبت من مستيقظ والقلب منه راقد
مضـيع لـدينـه وللـذنـوب رائد
كأنه علـى مـدا ه مهمل وخـالـد
فحسنوا أعمالكـم فهي لكـم قـلائد
ولا تضيعوا واجباً واجتهدوا وجاهدوا
إخواني: أفيكم عازم على الصلح? أمنكم محب يضج من الهجر? أفيكم ذو وجد قلق من البين? الوقت يقتضيك يا عاص، منادي القبول على منازل الوصول يقول "وسارعوا".
الغـيم رطـب ينـادي يا غافلين الصـبـوح
فقلت أهلاً وسـهـلاً ما دام في الجسم روح
قد قيَّد الطرد قدميك وغل الأبعاد يديك، أفما لك عين تبكي عليك?
وفي نظر الصادي إلى الماء حسرة إذا كان ممنوعاً سبيل الـمـوارد
على نوحٍ نَحْتُ السفينة، وأن يصيح اركبوا، فما ذنبه إن تخلف كنعان? إذا وقعت عزيمة العاصي على فراق دار المعاصي، هيأ مركب القصد وزّود سفر العزم وقام على أقدام الجد، وسعى على طريق الرجاء خائفاً من عارض رد، فيصيح به حينئذٍ هاتف القبول:
لئن قدمت من سفرة الهجر عيسكم تلقيتُها بالوصل من كل جـانـب
إخواني: ما قعودكم وقد سار الركب? الحقوهم في المنزل، النجاء النجاء من شر الخلاف، ألوحا ألوحا قبل لحاق الأسلاف، الحذر الحذر من خطوات الخطايا، الهرب الهرب قبل بث الأماني بالمنايا، قبل أن تنزلوا الكفات وتلحقوا الرفات، وبين ماذا حل من آفات افات إلا أن تعاينوا الوفاة وفات.
?الفصل الثالث
عباد الله إنما الأيام طرق الجد، والساعات ركائب المجد، وأيام العافية أوقات تستدرك، وأحيان السلامة تنادي: من جد أدرك.
كم للمنـية مـن ضـروب بين الحوادث والخطـوب
تدع الحبيب بـلا مـحـب والمحـب بـلا حـبـيب
لا والـذي هـو قــاذف بالحق عـلام الـغـيوب
وبحكمـه يمـلـي لـمـن يملي القبيح على الرقـيب
ما للنفوس مع الـمـنـية في السلامة من نـصـيب
هيهـات أين يفـوتـهــا لا بد من سهم مـصـيب
من دب فوق الأرض أصبح دارجـاً بـعـد الـدبـيب
فإذا تـغـيب تـحـتـهـا فكفاه بعداً بـالـمـغـيب
ولكم طويل العمـر لـيس لعيشه بالمـسـتـطـيب
ولربما انتزع الـقـصـير العمر من سـعة وطـيب
لا تيأسـن مـن الـبـعـيد وخف مباعـدة الـقـريب
فلكم حملت مع المـريض إلى الثرى نعش الطبـيب
إخواني: احذروا دنياكم فإنها خادعة، وانتظروا حتوفها فهي لا ريب واقعة، أيها العبد إلى متى تشتغل بها عن مولاك وهو غيور? وكيف تغتر بغرير هوى يغري ويغور? وكم عدلتَ عن العدل وحاظرت المحظور? أتظن البقاء وقلائد الفراق كالأطواق في النحور? أما تعتبر بأقران قرنوا بقرائن أعمالهم في القبور? أما مواضعهم تضعك على وضع الوضائع والفتور? أما حلوا اللحود? فحالت حلى تلك البدور أما منازلهم إذ نازلهم مُنازلهم زال عنهم السرور? أبالى بفخرهم الموت? لا بل بلبل تلك القصور أين هم الآن قل لي? خلا خاليهم بالثبور، مال بهم عن المال ما لا يرد وصرفهم صرف الدهور، جرى بهم وما جار كما جارى الجار، جارى المقدور، أصبحت وجوههم الصبيحة مصطحبة شراب الدثور، مبانيهم أبينت فلو أُبينت لم تبن الأناث من الذكور، انفصمت عرى الأوصال وحلوا بالخصال فذو الوصال منهم مهجور، سكنوا بعد الودود مع الدود في اللحود كمأسور تكدر صافيهم فمصافيهم يجافيهم وما فيهم معذور، علا أعلاهم، علاء تراب كثير موقور، وسكن المكين في كمين إمكانه فاستكان في مكان محفور، بينا مترفهم قد اطمأن "وظنَّ أن لنْ يحور" إذا الأذى كالحذا، وكذا كل محتذ الغرور، وكم قال واعتذر فلما لم يذر قيل هذا الهذر زور صب الصاب في من صبا، فالصبا تسفي على منصبه والدبور، وسيأتيك يا فتى ما أتى من عتا حتى في الرواح أو في البكور، فانتبه فإن الموت يدور على ساكني الدور، ويلتقط أرباب القصور بلا فتور ولا قصور، وكأنك بالأمر قد فصل "وحُصِّل ما في الصدور" فمن جار قنطرة الهوى آب بتجارة لن تبور "ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور".
أين أهل الديار من قوم نـوح ثم عاد من بعدهـم وثـمـود
بينما القوم في النمارق والديباج أفضتْ إلى التراب الـخـدود
وأطباء بعدهم لـحـقـوهـم ضل عنهم سعوطهم واللـذوذ
وصحيحٌ أضحى يعود مريضاً وهو أدنى للموت ممن يعـود
يا قليل البضاعة بل يا مفلس ترجو النجاة بالمعاصي? لقد وسوس، أتلبس ثوب الشيب? ثم تلبس، جاء الصباح فنسخ حكم الحندس، وأطرق النيلوفر لما حدق النرجس، يا من يقوم من المجلس كما يجلس، كن كيف شئت فإنما تجني ما تغرس، ألك عذر قل لي? الباطل يخرس:
كيف الرحيل بلا زاب إلى وطن ما ينفع المرء فيه غير تقـواه
من لم يكن زاده التقوى فليس له يوم القيامة عذر عنـد مـولاه
يا رب إليك منا نتظلم أحوالنا تنطق عنا وما نتكلم وقلوبنا من ذنوبنا تبكي وتتألم، وأنت العالم الذي تعلم، أتتركنا للجهل? وأبونا منك تعلم يا من أخّر ما شاء كما شاء وقدم، لا تجعلنا ممن إذا رحل تندّم، يا من نبه الفضيل وابن أدهم، قد تركتنا الذنوب لا نشترى بدرهم:
يا عمادي في شدتـي ورجـائي عند فقري وكوكبي في المعامي
ساعتـي إن نـأيت يوم ويومـي مثل شهر والشهر مثل الـعـام
يا صاحب الخطايا لست معنا، يا مقبلاً على الهوى ما أنت عندنا، ضاعت حيلي في تحصيل قلبك، اشتدت حيرتي في تلافي أمرك، واعجباً، أخوِّفُك عواقب الأمور وما تتوب، وأشرح لك أحوال الصالحين وما تؤب، ومتى سقطت شهوة العليل دنا الموت، قد أوقدتُ نار المواعظ إلى جانب كسلِك ونفسُ عزيمتك شديد البرودة، وقد اتفق الأطباء على أن النفس البارد في المرض الحاد دليل الهلاك:
الموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنـا
كان ما قد رأينا في أحبـتـنـا من الرحيل ونادى الدار ليس لنا
والله ما فاز سوى الزاهدين، ولا نال الربح غير العابدين، ونهاية الكمال للمحبين كان همُّ القوم طلب النجاة، وكانت لذتهم في المناجاة، فارتفع لهم القدر وعلا الجاه، لو رأيتهم في الأسحار وقد حار الخائف بين اعتذار واستغفار ولطائف، يتخلل ذلك دمع غزير ذارف، يرمز إلى شوق شديد متكاثف، كانت عابدة تقوم من أول الليل وتقول تشاغل الناس بلذاتهم وقد جئت، إليك يا محبوب:
سروري من الدهر لقياكم ودار سلامي مغنـاكـم
وأنتم مدى أملي ما حييت وما طاب عيشي لولاكم
جنابكم الرحب مرعى الكرام فلا صوح الدهر مرعـاكـم
حشا البين يوم رحلتم حشـايَ بنار الهمـوم وحـاشـاكـم
فيا ليت شعري ومن لي بـأنْ أعيشَ إلـى يوم ألـقـاكـم
إذا ازدحمت في فؤادي الهمومُ أعلل قلـبـي بـذكـراكـم
وأستنشق الريح من أرضكـم لعلـي أحـظـى بـرياكـم
فلا تنسوا العهد فيما مضـى فلسنا مدى الدهر ننسـاكـم
تالله لقد حصل للقوم فوز الدارين، ورضيتم أنتم بالبين من البين، تنبهوا يا نيام كم ضيعتم من عام? الدنيا كلها منام، وأحلى ما فيها أحلام، غير أن عقل الشيخ بالهوى غلام، علام قتل النفوس علام? هل هو إلا ثوب وطعام? ثم يتساوى خز وخام، ولذات طيبات ووخام، إنما يعرف الفطناء لا الطغام، آه للغافل إلى كم يلام? أما توقظك الليالي والأيام? أين سكان القصور والخيام? دارت على الكل كأس الحمام "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" إلى متى مزاحمة الأنعام? ردوا هذه الأنفس بزمام ازجروا هذه القلوب عن الآثام اقرؤا صحائف العبر بألسنة الأفهام، موت الجيران شكل وأخذ الأقران إعجام، يا من أجَلَه خلفه وأمله قدام، رب يوم له مفتاح، ما له ختام، يا مقتحماً على الحرام أي اقتحام، ستعلم من يبكي في العقبى? عقبى الإجرام، ويشارك الندامى على الندامى والمدام، يا طويل المرض متى يبرى السقام، يا من إن قعد فللدنيا وكذا إن قام أول الدنيا هم وآخرها موت زؤام، حل لها الفراق وحرم عليها الدوام، سحابها لا يمطر وسماؤها قنام، كلها عيب في عيب وذام في ذام، أتعيبها عند محبها? متى يسمع العذل مستهام? خلِّها واخرج عنها بسلام إلى دار السلام فالجنة رخيصة ثم ما تغلو على مستهام، خذها إليك نصيحة من طب يداوي الأسقام، يضع الهناء موضع النقب ويعرف أصل الآلام ويركب المرهم عن خبر ويدبر كيف شاء الكلام، ما بعدها نصيحة تكفي والسلام.
آخر كتاب المدهش.
قد بلغ التمام والنهاية.
وفرغ منه منشيه عبد الرحمن بن علي بن الجوزي يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة حامداً لله سبحانه ومصلياً على محمد وآله وصحبه ومسلماً، آمين.

المصدر
مكتبة مشكاة الإسلامية

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-14-2009, 03:25 AM
بدرالزمان بدرالزمان غير متصل
أديب
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: دولة ابن من خلقه الله بيديه
المشاركات: 5,650
معدل تقييم المستوى: 20
بدرالزمان will become famous soon enough
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

اخي لن نركع كتاب جميل ومفيد وطويل جزاك الله خيرا لمجهودك

__________________
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا )
هذه آية العز احببتها وجعلتها في التوقيع وأرجو ان يدخلني الله بحبي اياها الجنه
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 06-20-2009, 07:53 PM
صاحب الرؤيا صاحب الرؤيا غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 2,822
معدل تقييم المستوى: 13
صاحب الرؤيا is on a distinguished road
افتراضي رد: كتاب المدهش لابن الجوزي وماذكره عن الطاعون الذي حدث في عصره

أخي لا نركع إلا الله لا أقول لك إلا جزاك الله خيرا من القلب


كتاب مفيد جدا و بحر من العلم

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 05-15-2011, 04:35 AM
الرأي الحر الرأي الحر غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 384
معدل تقييم المستوى: 0
الرأي الحر is an unknown quantity at this point
افتراضي السلامـ عليكمـ ورحمة الله وبركاتة

جزاك الله خير هو من أحب الكتب لي ـ ـ ـ فعلاً أنه مدهش



.

__________________
.

أقتربت الساعةُ وانشق القمـر
.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:03 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.