منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 02-10-2017, 01:39 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 16-20 : التابعي سلمة بن دينار
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-08-29





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

في أي سنة من الهجرة زار سليمان بن عبد الملك الديار المقدسة, ومن استقبله ؟

أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس عشر من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، والتابعيّ اليوم: سلمةُ بن دينار، المعروف بأبي حازم، يقول أحدهم عنه: (ما رأيت أحداً الحكمةُ أقربُ إلى فمه مِن أبي حازم) .
في السنة السابعة والتسعين للهجرة، شدّ خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك الرحال إلى الديار المقدسة ملبِّياً نداء ربه، ومضت ركائبه تحثُّ الخطا من دمشق عاصمة الأمويين إلى المدينة المنورة، فقدْ كان في نفسه شوقٌ إلى الصلاة في الروضة المطهرة، وتَوقٌ إلى السلام على سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد حفل موكبُ الخليفة بالقُرَّاء والمحدِّثين والفقهاء والعلماء والأمراء والقادة، كما هي العادة، فلما بلغ المدينة المنورة، وحطَّ رحاله فيها ، أقبل وجوهُ الناس، يعني علية القوم، وذوو الأقدار للسلام عليه، والترحيب به .

سليمان بن عبد الملك يتعرف على قاضي المدينة وعالمها :
أيها الأخوة, لكن سلمة بن دينار قاضي المدينة، وعالمها الحجّة، وإمامها الثقة, لم يكن في عداد من زاروا الخليفة مرحَّبِين مسلِّمين، وليس هذا جفاءً، ولكنه موقف له، ولما فرغ سليمان بن عبد الملك من استقبال المرحِّبين به، قال لبعض جلسائه: (إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن، إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة، ويجلو عنها صدأها .
-وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: وما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن، وذكر الموت))

[أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عمر]
ذكرت هذا مرات عديدة: في الدين كليات ثلاث: كلية معرفية، نشاط فكري، تعلُّم، عِلم، قراءة، مُدارسة، حضور مجلس علم، تأمُّل، تفكُّر، هذا كله نشاط فكري، وفي الدين نشاط سلوكي: استقامة، غضُّ بصر، تحريرُ دخل، إنفاق في الوجوه المشروعة، ضبط لسان، ضبط عين، ضبط أذن، ضبط يد، سلوك، السلوك له جانبان؛ جانب سلبي، الامتناع عن المعصية، وجانب إيجابي، وهناك كلية ثالثة في الدين: كلية نفسية؛ فالقلب لا بد أن يتصل بالله حتى يسعد ، وهذا بالذكر .
فالكليات الثلاث: تعلُّم، ذِكْر، عمَل، فإذا وازن المسلم بين هذه الكليات الثلاث تَفوَّق، أمّّا إذا طغت كُلِّيَّة على باقي الكليات، دخل في تطرف، نحن نريد التفوّق لا التطرف، نريد للدين أن يعود كما بدأ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا, وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا, فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

لن نرقى في هذا الدين إلا إذا توازنّا في النمو في كلياته الثلاث، التعلُّم غذاء للعقل، والسلوك والانضباط هي العبودية لله عز وجل، والذكر، والتلاوة، والاستغفار, والدعاء، هذا غذاء القلب .
فالإنسان أحياناً قناعاته جيدة جداً، ومعلوماته ممتازة، وثقافته عميقة، وفكره إسلامي، وفهمُه جيد، يشعر بضيق، لأنّ ذِكرَه قليلٌ، أحيانًا يكون ذكره جيدًا، لكن معلوماته قليلة، هذا صار عابداً، ولم يعُدْ عالمًا، خيرُه قليل محدود، أحيانًا يكون فكره جوّالاً، وقلبه ذاكرًا، لكنّ عمله محدود، عندئذٍ لا يرقى، ويأتي عليه وقت يشعر بافتقاره للعمل الصالح .
ملخص كلامي: لا نفلح إلا إذا نمَتْ مستوياتنا في الكليات الثلاث معاً، إذا نمت معاً كان التفوق، فإذا نمت واحدة على حساب الأخرى كان التفرق، ونعوذ بالله من التفرق فهذا الخليفة قال: إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن، إذا لم تجد من يذكّرها الفينة بعد الفينة، ويجلو عنها صدأها، فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: أما في المدينة رجل أدرك طائفة من صحابة رسول الله يذكِّرنا؟ فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين، ها هنا أبو حازم، فقال: ومن أبو حازم؟ قالوا: سلمة بن دينار، عالم المدينة وإمامها، وأحد التابعين الذين أدركوا عدداً من أصحاب رسول الله، فقال: ادعُوه لنا، وترّفقوا في دعوته، فذهبوا إليه، ودَعَوه، فلما أتاه رحّب به، وأدنى مجلسه، وقال له معاتباً: ما هذا الجفاء يا أبا حازم؟ فقال: وأيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: زارني وجوهُ الناس، ولم تَزُرْني، فقال: إنما يكون الجفاء بعد المعرفة، وأنت ما عرفتني قبل اليوم، ولا أنا رأيتك، فأيّ جفاء وقع مني، فقال الخليفة لجلسائه : أصاب الشيخ في اعتذاره، وأخطأ الخليفة في العتب عليه) .

ما هي الأسئلة التي وردت من الخليفة سليمان إلى سلمة بن دينار, وهل أجاد سلمة في جوابها؟
أيها الأخوة, ثم التفت إلى أبي حازم، وقال: (إن في النفس شؤوناً أحببتُ أن أفضي بها إليك يا أبا حازم، فقال: هاتها يا أمير المؤمنين، واللهُ المستعانُ، فقال الخليفة: يا أبا حازم, مالنا نكره الموت؟ .
-والحقيقة ليس هناك إنسان لا يكره الموت، إنه شيء مخيف، إنسان ينتقل من بيت واسع، فيه مِن الطعام ما لذّ وطاب، وأمامه زوجته وأولاده، وله كتبه وشأنه ومكانته، ثم إلى قبر بباب صغير، يضعون فوقه الحجر، ويهيلون التراب عليه، وانتهى الأمر فقال: لأننا عَمَّرنا دنيانا وخرّبنا آخرتنا, فنكره الخروجَ من العمار إلى الخراب، فقال الخليفة: صدقت، -وكل واحد له أعمال طيبة، له بذل، له تضحية، له إنفاق، له دعوة، له خدمة ، له إخلاصه، له شوقه، فالموت ليس مخيفاً له أبداً، تصور رجلاً بالعكس، منتقل من بيت صغير، غرفة واحدة تحت الأرض، لا يرى شمسًا، وقد لازمتْه الرطوبة، وبحَيٍّ مزعج جداً، هذا لمّا نُقِل إلى حيٍّ من الأحياء الجميلة، داخل قَصرٍ مع حدائق، أربع جهات مفتوحة، أثاث فخم، تدفئة مركزية، تكييف مركزي، كل شيء في بالقصر، وفي أثناء هذه النقلة من غرفة تحت الأرض إلى هذا البيت الفخم، والقصر المنيف، هل يشعر بانقباض؟ واللهِ المؤمن هكذا، والنبيُّ أكد هذا المعنى، قال:
((المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ينتقل كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا))
لذلك ما قرأت عن صحابي جليل تاريخَ حياته، إلا رأيته في أسعد لحظات حياته عند لقاء ربه، وإنْ لم تجعل أنت أيها الأخ ساعة لقائك مع الله أسعدَ لحظات حياتك، فمعنى ذلك أنّ هناك خللاً في إيمانك، كل حياتك من أجل هذا اللقاء، لقائك مع الله .
لذلك فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:
((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ, فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ, وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ؛ فَلَا يَرْفُثْ, وَلَا يَصْخَبْ, فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ, فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ, لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ, وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

الموت تحفة المؤمن، والموت عرس المؤمن، وكل هذا التعب، وذاك النصب، وهذه المجاهدة، وتلك التكاليف، وهذا الضبط، وذاك الالتزام، لهذه الساعة ثم أردف قائلاً: يا أبا حازم، ليت شعري مالنا عند الله غداً؟ قال: أعرِضْ عملك على كتاب الله عز وجل تجدْ ذلك، قال: وأين أجد ذلك في كتاب الله تعالى؟ قال: تجده في قوله عَلَتْ كلمته:

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾

[سورة الانفطار الآية: 13]
-الناس رجلان؛ بَرٌّ تقيّ كريمٌ على الله، وفاجر شقيٌّ هَيِّنٌ على الله, قال تعالى:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾

[سورة الانفطار الآية: 13]

فقال الخليفة: إذاً: فأين رحمة الله تعالى؟ فقال أبو حازم:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 56]

-أحياناً الإنسان تكون رؤيته واضحة جداً، فإذا هو يجيب عن سؤال ولا يتلجلج، ولا يتَلَكَّأُ، ولا يتَرَدَّد، ولا يفكِّر، إذا كنتَ أمام هذه العلبة، وسئلتَ عنها، وأنتَ تراها رؤية العين، تراها شفافة، فيها بطاقة خضراء، مكتوب عليها شيء، فإذا سئلت, وأنت تراها, تجيب مباشرة ، فأحياناً تكون الإجابة الفورية، دليلَ العلم، فالأمور عند أبي حازم واضحة جداً- فقال الخليفة : ليت شعري، كيف القدوم على اللهِ جل وعز غداً؟ فقال أبو حازم: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسِيء فكالعبد الآبق يساق إلى مولاه سوقاً, قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾

[سورة الغاشية الآية: 25 - 26]
-إذا سافر الإنسان، وفي هذا السفر؛ تكلّم واشتَطّ، وهاجم بلده، ونال من بلده، ثم جيء به إلى بلده ليحاسَب، تراه يصعق:
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾

[سورة الغاشية الآية: 25 - 26]

أما المؤمن فكالغائب يعود إلى أهله، وأما الكافر فكالعبد الآبق يُرَدُّ إلى مولاه، فبكى الخليفة حتى علا نحيبُه، واشتدّ بكاؤه، ثم قال: يا أبا حازم, كيف لنا أن نصلح؟ قال: تَدَعُون عنكم السلطة، وتتحلّون بالمروءة، وليس هناك صفة أقسى وأشد ضررًا بالإنسان من السلطة، ومن الكبر، -حتى إنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، ما الذي هو أكبر من الذنب؟ قال: العجب العجب))
فقال الخليفة: وهذا المال، ما السبيل إلى تقوى الله فيه؟ -أحيانًا الإنسان يتحرك، بيده مالٌ يتصرف فيه تصرفًا غير شرعي، فيستهلكه، وينفقه على مَلَذّاته، وعلى تحسين بيته، والمال ليس له، فهو دائماً في قلق، وفي حجاب، فإذا كانت علاقاتُ الإنسان المالية مضطربة، وإذا كان دخله مشبوهًا، وإنفاقه مشبوهًا، وذمته ضعيفة، ولا يدقق في الحلال والحرام لكسب المال، فهذا الإنسان معه حجاب دائم، وقلق دائم، ولنْ تصل إلى الله إلا بالورع .
سيدنا أبو حنيفة كان يجلس أو يقف مع رجل في ظل بيت، فأخذه إلى الشمس، فقال له الرجل: ابقَ في الظل، قال: هذا البيت مرهون عندي، وإني أكره أن أنتفع بظله, هذا هو الورع، ولذلك جاء في الحديث:
((ركعتان من رجل ورع أفضلُ من ألف ركعة من مخلط))
كان بعض الورعين الصالحين الخلفاء، إذا تحدث في شأن خاص, أطفأ القنديل الذي يُصرَف مِن حساب بيت مال المسلمين .
أيها الأخوة الكرام، وفّروا أوقاتكم، فمن دون استقامة‍، ومن دون ورع، الطريق إلى الله غير سالك، لكن بإمكانك أن تقرأ، ويكون لك عواطف إسلامية، وفكر إسلامي، أمّا تصل إلى الله، وتقبل عليه، ويقبَلك، ويتجلّى عليك من دون ورع, فهذا مستحيل، وعلامة المؤمن أنّه لا يسمح لقرش واحد أن يدخل عليه، قبل أنْ يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا .
سينا النبي عليه الصلاة والسلام، انقطع عنه الوحي أسبوعًا أو أسبوعين، قال كلمة تلفت النظر، قال:
((يا عائشة, لعلها من تمر الصدقة))
فعدم الدقة في تناول الطعام، وعدمُ الدقة في تحرِّي الحلال، وعدمُ الدقة في إنفاق المال, تجعل بينك وبين الله حجابًا- فقال أبو حازم: إذا أخذتموه بحقه، ووضعتموه في أهله، وقسمتموه بالسوية، وعدلتم فيه بين الرعية .
-الإنسان قد يبيع ويشتري حاجة فيها عيب كبير، اشتراها زبون ولم ينتبه إلى العيب، يقول البائع: ارتحنـا منها، بِعتُها بثمنها العادي، وهي ثمنهـا بهذه الحالـة أقل بكثير، وما انتبه المشتري إلى العيب، وأخذها وذهب، وأنت مرتاح, أنت أكلت مالاً حراماً، فإذا اتقَّى اللهَ الباعةُ, صار دخلهم حلالاً، فإذا اشتروا به طعاماً صار طعامهم طيباً، فإذا دعَوا اللهَ استُجِيبَتْ دعوتُهم، أما إذا كان البيع والشراء فيه مخالفات شرعية, فقد صار الدخل حرامًا، وصار بذلك الطعام الذي يشتريه بهذا الدخل غيرَ طيّب، فإذا دعا اللهَ عز وجل لم يستجَبْ له .
أيها الأخوة, تسعة أعشار الطاعة بكسب المال، فعندك مأخذان يُؤتَى الإنسان منهما؛ يؤتى من كسب المال، ومن إنفاقه، ويؤتى من المرأة، فالمؤمن الموفَّق يحصّن نفسه تحصينًا مضاعفًا، من حيث كسب المال، ومن حيث المرأة، ويبالغ في غض البصر، ولا يسمح لنفسه بخلوة بأجنبية، ولا بكلمة، ولا بعلاقة، ولا باختلاط، ولا بحديث، ولا بمتعة، ويبالغ في تحرِّي الحلال، وفي إنفاق المال، فإذا ضمِنْتَ لي كسب المال وإنفاقه، وضمنتَ لي العفّة الكاملة، فهذان أكبر مأخذين يؤخذ منهما الإنسان .
أيها الأخوة الكرام, واللهِ أنا أشعر حين لا يبالي الإنسان بكسب المال، ولا يتحرَّى طرق الحلال في ذلك، أو يقع في شبهة, صدقوني أنّ صلاته وصيامه وحجه وزكاته، لا معنى لها.
مرة قص عليّ أخٌ قصة، قال لي: هناك بائع يبيع بندورة، نوع بستة ليرات، ونوع بليرتين، جاء شخص فملأ كيسًا من نوع الستة ليرات، ووضع في أعلى الكيس التي تبَاع بالليرتين، والبائع مشغول، قال له البائع: هذه البضاعة أخذتها من هنا، فقال: نعم، فهذا الشخص اعتبر دينه صفراً، وإيمانه صفرًا، وعلاقته بالله مقطوعة، فلا تصدق إنسانًا يعرف الله, ثم يغش، ولا تصدق إنسانًا يعرف الله, ثم يأكل مالاً حرامًا، لذلك فالمؤمن الصادق ترتاح وتطمئن له، لأن تعامله وفق الشرع، ولا يمكن أن يأكل مالاً حراماً فقال الخليفة: يا أبا حازم, أخبرني مَن أفضلُ الناس؟ قال: أولو المروءة والتقى، قال : ومن أعدل الناس يا أبا حازم؟ قال: كلمة حق يقولها المرء عند من يخافه، وعند من يرجوه ، -أنت في حياتك شخصان؛ رجلٌ تخافه، وآخرُ ترجوه، وفي الأعمّ الأغلب هذان الرجلان لا تكون صريحاً معهما، بل تجاملهم إلى أقصى الحدود، وهذه المجاملة على حساب الدين، أمّا صاحب المروءة, فهو الذي يقول كلمة الحق، ولا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ, قال تعالى:
﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾

[سورة المائدة الآية: 54]
هذا إنسان ترجوه، وترجو عطاءه، فتجامله ولو أخطأ، ولو أساء، ولو ظلم، وتخاف أن يغضب إذا نبّهته، وشخص آخر تخافه, لذلك ورد في الحديث الشريف:
((من أعان ظالماً سلّطه الله عليه))
فقال الخليفة: ما أسرع الدعاء إجابة يا أبا حازم؟ قال: دعاء المحسن للمحسنين، قال الخليفة: ما أفضل الصدقة؟ قال: جُهدُ المُقِلِّ يضعه في يد البائس، من غير أن يُتبِعَه منًّا ولا أذى .
قال الخليفة: مَن أكْيَسُ الناس يا أبا حازم؟ قال: رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها، فهو أكْيس الناس وأعقلهم، -إنسانٌ عرفً أمرَ الله فطبّقه، كل شيء زائل إلا طاعة الله، فاسمعوا الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 71]

فقال الخليفة: مَن أحمق الناس؟ قال: رجل انْساق مع هوى صاحبه، وصاحبه ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره، -فإذا باع الإنسان آخرته بدنياه، أقول فيها ما يقال، فهذا منتهى الحمق- قال الخليفة: هل لك أن تصحبنا يا أبا حازم، فتصيب منا، ونصيب منك؟ قال: كلا يا أمير المؤمنين, قال: ولمَ؟ قال: أخشى أن أركن إليكم قليلاً، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف الممات، قال الخليفة: ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم، فسكت ولم يجِبْ، أعاد عليه القول: ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم, نَقْضِها لك مهما كانت، قال: حاجتي أن تنقذني من النار، وأن تدخلني الجنة, قال الخليفة: ذلك ليس من شأني يا أبا حازم، قال: أبو حازم مالي من حاجة سواهما يا أمير المؤمنين، واللهُ وصفَ المتقين:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية: 63- 66]
قال: يا أبا حازم, ادعُ لي، قال: اللهم إنْ كان عبدُك سليمان من أوليائك, فيسِّره إلى خيرَي الدنيا والآخرة، وإنْ كان من أعدائك فأصلحه، واهدِهِ إلى ما تحب وترضى، فقال أحد الحاضرين: بئس ما قلت منذ دخلتَ على أمير المؤمنين، فلقد جعلت خليفة المسلمين من أعداء الله، وآذيته بهذا الكلام، فقال أبو حازم: بل بئس ما قلت أنت، فلقد أخذ الله على العلماء الميثاق بأن يقولوا كلمة الحق، فقال تعالى:
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 187]

ما هي النصيحة التي قدمها سلمة بن دينار إلى خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك, وهل قبل سلمة الهدية التي أرسلها الخليفة, وما موقفه من ذلك؟
ثم التفت إلى الخليفة، وقال: (يا أمير المؤمنين، إن الذين مضوا قبلنا من الأمم الخالية، ظلُّوا في خير وعافية، ما دام أمراؤهم يأتون علمائهم رغبة بما عندهم، ثم وُجِد قوم من أراذل الناس تعلَّموا العلم، وأَتَوْا به الأمراء, يريدون أن ينالوا به شيئاً من عرض الدنيا، فاستغنَتِ الأمراء عن العلماء، فتَعِسوا ونَكَثُوا، وسَقطوا من عين الله عز وجل، -فالعالم يجب أن يزهد بما عند الحاكم، والحاكم ينبغي أن يرغب بما عند العالم، فإذا انعكست الآية انتهى العلم، وإذا زهِد الحاكمُ بما عند العالم، ورغب العالمُ بما عند الحاكم, فقدْ سقط العلم قال: ولو أن العلماء زهدوا فيما عند الأمراء، لرَغِب الأمراءُ في علمهم، ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء, فزهِدوا فيهم، وهانوا عليهم، فقال الخليفة: صدقتَ، زدني من موعظتك يا أبا حازم، فما رأيت أحداً الحكمة أقرب إلى فمه منك، فقال: إنْ كنتَ من أهل الاستجابة, فقد قلتُ لك ما فيه الكفاية، وإنْ لم تكن من أهلها, فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر، فقال الخليفة: عزمتُ عليك يا أبا حازم أنْ توصيني، قال: نعم أوصيك وأوجز، عظِّم ربَّك عز وجل, ونزِّههُ أن يراك حيث نهاك، وأن يَفْقِدَك حيث أمرك، ثمّ سلم وانصرف، فقال له الخليفة: جزاك الله خيراً من عالم ناصح .
اجهد أن يراك حيث نهاك، وألاّ يفتقدك حيث أمرك، فما كاد أبو حازم يبلغ بيته حتى وجد أن الأمير قد بعث إليه بصرة مُلأتْ دنانير، وكتب إليه يقول: أَنْفقها ولك مثلها كثيرٌ عندي ، فرَدَّها، وكتب إليه, يقول: يا أمير المؤمنين، أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً، ورَدِّي عليك باطلاً، فو اللهِ ما أرضى ذلك يا أمير المؤمنين لك، فكيف أرضاه لنفسي؟ يا أمير المؤمنين إنْ كانت هذه الدنانير لقاءَ حديثي لك, فالميتة ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ من هذه الدنانير، وإن كانت حقاً لي من بيت مال المسلمين, فهل سوَّيتَ بيني وبين الناس جميعاً في هذا الحق؟) .

إليكم هذا الحوار الذي دار بين سلمة بن دينار وبين عبد الرحمن بن جرير وابنه :

كان منزل سلمة بن دينار مورداً عذباً لطلاب العلم والصلاح، ولا فرق في ذلك بين أخوانه وطلابه، فقدْ دخل عليه مرة عبد الرحمن بن جرير ومعه ابنه، وأخذا مجلسهما عنده، وسلّما عليه، ودعَوا له بخيرَي الدنيا والآخرة، فردّ التحية بأحسن منها، ورحّب بهما، ثم دار بينهم الحديث، قال عبد الرحمن بن جرير: (كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم؟ -الفتوح بمعنى فتوح القلب، يعني اليقظة، والاتصال بالله- فقال أبو حازم: عند تصحيح الضمائر تُغفَر الكبائر، وإذا عزم العبدُ على ترك الآثام فتحَ عليه، ولا تنسَ يا عبد الرحمن, أن يَسِيرَ الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة .
-قلت لأحدهم من يومين: أحياناً الإنسان يكون متلبِّسًا بمعاصٍ كثيرة، فهذا محجوب، فالمقدمة تكافئ النتيجة، لكن الألم والندم لإنسان طاهر مستقيم، مشغول بربه عز وجل، فلا شيء يشغله، ولا معاصي كبيرة, حجبته عن ربه .
كما قال أبو حازم: ولا تنسَ يا عبد الرحمن, أن يَسيرَ الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة- وكل نعمة لا تقرِّبك من الله عز وجل, فهي نقمة، فقال له ابنه: إن أشياخنا كثيرون، فبمن نقتدي منهم؟ قال: يا بني, اقتدِ بمَن يخاف الله في ظهر الغيب، ويَعِفُّ عن التلبُّس بالعيب، ويصلح نفسه في أوان الصبا، ولا يرجئ ذلك إلى عهد الشيب، واعلم يا بني, أنه ما من يوم تطلع فيه الشمس، إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه، ثم يتغالبان في صدره تغالبَ المتخاصمَيْن، فإذا غلب علمُه هواه, كان يومُه يومَ غُرم له، وإذا غلب هواه علمَه, كان يومُه يومَ خسران عليه .
-كلكم طلاب علم، هناك علم تعلمته من الكتاب والسنة، وعندك رغبات، فإذا غلب علمُك رغباتِك, فهذا اليوم يومُ ربحٍ وغُرم، وإذا غلب الهوى علمَك, فهذا اليوم يومُ خسارة قال له عبد الرحمن: كثيراً ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم، فما حقيقة الشكر؟ قال أبو حازم: لكل عضو من أعضائنا حقٌّ علينا من الشكر، قال عبد الرحمن: وما شكرُ العينين؟ قال: إن رأيتَ بهما خيراً أعلنته، وإنْ رأيت بهما شراً سترته، قال: فما شكرُ الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وعيتَه، وإنْ سمعتَ بهما شراً دفنته، قال: فما شكرُ اليدين؟ قال: ألاّ تأخذَ بهما ما ليس لك، وألاّ تمنع بهما حقًّا مِن حقوق الله، قال: ولا يَفُتْكَ يا عبد الرحمن, أن من يقصُر شكرَه على لسانه، ولا يشرك معه جميعَ أعضائه وجنانه، فمَثلُه كمثل رجل له كساء, غير أنه أخذ بطرفه, ولم يلبسْه) .
هناك شكر اللسان، وشكر القلب، وشكر العمل، فمن الناس مَنْ يشكر بالكلام فقط، يا رب لك الحمد، لكن لا يخدم إنسانًا، وليس في قلبه امتنان، ولا في سلوكه, ما يؤكد ذلك .

رسالة من سلمة بن دينار إلى أحد أمراء بني أمية :

في ذات سنة, نفَرَ سلمة بن دينار مع جيوش المسلمين المتجهة إلى بلاد الروم، يبتغي الجهاد في سبيل الله، فلما بلغ الجيش آخر مرحلة من مراحل السفر، آثر الراحة والاستجمام قبل أن يلقى العدو، ويخوض المعارك، وقد كان في الجيش أميرٌ من أمراء بني أمية، فأرسل هذا الأمير رسولاً إلى أبي حازم, يقول له: (إنّ الأمير يدعوك إليه لتحدثه وتفقِّهه، فكتب إلى الأمير, يقول:
أيها الأمير، لقد أدركتُ أهل العلم، وهم لا يحملون الديَن إلى أهل الدنيا، ولا أحسبك تريد أن أكون أولَ من يفعل ذلك، فإنْ كانت لك بنا حاجة فأْتِنا، والسلام عليك, وعلى من معك ، فلما قرأ الأمير الرسالة مضى إليه وحيّاه وبيّاه، وقال: يا أبا حازم، لقد وقفنا على ما كتبتَه لنا، فازددتَ به كرامةً عندنا، وعزةً لدينا، فذكِّرْنا وعِظْنا، جُزيتَ عنا خيرَ الجزاء، فطفِق أبو حازم يعظه ويذكّره، وكان من جملة ما قاله له:
انظر ما تحب أن يكون معك في الآخرة، فاحرصْ عليه في الدنيا، -ماذا تحب أن يكون في قبرك؟ العمل الصالح والاستقامة، فاحرص عليهما في الدنيا- وانظر ما تكره أن يكون معك هناك, فازهدْ فيه هنا، واعلم أيها الأمير, أنه إن نفق الباطل عندك وراج, أقبل عليك المبطلون المنافقون، والتفّوا حولك، وإن نفق عندك الحق وراج, التفّ حولك أهلُ الخير وأعانوك عليه، فاختَرْ لنفسك ما يحلو) .

اللحظة الأخيرة من حياة سلمة بن دينار :

لمّا أقبل الموتُ على أبي حازم, قال له أصحابه:

((كيف تجدك يا أبا حازم؟ فقال: لئِن نجَوْنا مِن شرِّ ما أصبناه من الدنيا, فما يضرّنا ما زُوِيَ عنا منها، ثم قرأ الآية الكريمة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾

[سورة مريم الآية: 96]
وما زال يردِّدها حتى أتاه اليقين) .

الخاتمة :

فهذا هو أبو حازم، سلمة بن دينار، أحد التابعين الأجلاّء، الذي أوتي الحكمة على لسانه، وكأنه ينطق بها عفواً، وله هذا الحوار الطويل مع سليمان بن عبد الملك، ومع بعض أصدقائه وتلاميذه، وفي كل كلمة قالها أبو حازم, حكمةٌ ما بعدها حكمة، وهذا العلم هو الذي ينفع الإنسان في الدنيا وفي الآخرة .

والحمد لله رب العالمين

__________________
در مع الحق حيث دار
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 02-10-2017, 05:04 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 17-20 : التابعي ذكوان بن كيسان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-09-05





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ماذا تعلم ذكوان بن كيسان من المدرسة المحمدية ؟

أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من سير التابعين رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين، وتابعيُّ اليوم: ذكوان بن كيسان، يقول عمرُو بن دينار: (ما رأيتُ أحدا قط مثلَ طاووس بن كيسان))
طبعا نحن نؤرِّخ لكبار التابعين .
هذا التابعي الجليل علَّمته المدرسةُ المحمَّدية أن الدين هو النصيحة، وفي تعريف جامع مانعٍ للنبيِّ عليه الصلاة و السلام، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

ولا تُؤخذ بعبادة الرجل، عليك أن تُقيِّمه بمدى نصحه للمسلمين، العبادات الشعائرية لا قيمة لها من دون إحكام العبادات التعاملية، دائما وأبدا الإسلام مجموعة مبادئ، ومجموعة قيم ، ومجموعة مثُل، ولا أدلَّ على ذلك من قول النبي عليه الصلاة و السلام، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَإِقَامِ الصَّلَاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالْحَجِّ, وَصَوْمِ رَمَضَانَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

الإسلام بُني على خمس، فهل هذه الخمس هي الإسلام؟ هذه الخمس بني عليها الإسلام ، والإسلام شيء آخر، الإسلام قيم، ومبادئ، وصدق، وأمانة، وعفَّة، وجرأة، وصراحة، واستقامة، الإسلام ضبطُ الدخل، وضبط الإنفاق، وضبط الجوارح، وضبط البيوت، وضبط العمل، هذا هو الإسلام، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَإِقَامِ الصَّلَاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالْحَجِّ, وَصَوْمِ رَمَضَانَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

في أيام تخلُّف المسلمين, فَهِم المسلمون الإسلام الأركان الخمسة فقط، فإذا صلَّى و صام وحجَّ, فهو مسلم، ولا عليه أن يغشَّ المسلمين بعد ذلك، ولا عليه أن يأكل أموالهم بالباطل، ولا عليه أن يكذب، ولا عليه أن ينافق، ولا عليه أن يدجِّل، إذًا: الإسلام بني على خمس، وأوضحُ شاهدٍ سمعتموه مني كثيرا, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ, جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ .... قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ, فَقَالَ لَهُ:

((أَيُّهَا الْمَلِكُ, كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ, نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ, وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ, وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ, وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ, ونسيء الْجِوَارَ, يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ, فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ, حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا, نَعْرِفُ نَسَبَهُ, وَصِدْقَهُ, وَأَمَانَتَهُ, وَعَفَافَهُ, فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ, وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ, وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ, وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ, وَصِلَةِ الرَّحِمِ, وَحُسْنِ الْجِوَارِ, وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاء....))

[أخرجه أحمد في المسند]

هل هناك أوضح من هذا؟ إسلامنا قيم، إسلامنا مبادئ، وإسلامنا استقامة، وإسلامنا غضُّ بصر، وإسلامنا عفَّة، وإسلامنا حياء، وإسلامنا أنْ يأمنك أخوك على مليون، ويأمنك على أهله، وعلى ماله، وعلى دمه .
فقد علَّمته المدرسةُ المحمدية أن الدين النصيحة، لمن؟ لله ولرسوله، لإقامة كتابه، وتطبيق كتابه، وتطبيق سنة رسوله، و أن تنصح أئمة المسلمين وعامتهم، وهدَته التجربةُ إلى أن الصلاح كلَّه يبدأ عند وليِّ الأمر، وينتهي عنده، لأن صنفين من الناس إذا صلحا صلح الناسُ، وإذا فسدا فسد الناس؛ الأمراء والعلماء، العلماء يعلِّمون، والأمراء ينفِّذون، إن صلح هذان الصنفان, صلح المجتمع كلُّه، وإن فسد هذان الصنفان, فسد المجتمع كلُّه .

أين ولد ذكوان بن كيسان, ولماذا لقب بالطاووس, ومن كان والي اليمن آنذاك ؟

اسمُ هذا التابعي: ذكوانُ بن كيسان، الملقَّب بطاووس، الطاووس طائر معروف، حسن الشكل، طويل العنق، جميل القنبرة، وقد سمِّي به كثير من العلماء، خُلع عليه, لأنه كان طاووسَ الفقهاء، والمقدَّم عليهم في عصره، أي سيد الفقهاء، من؟ ذكوان بن كيسان، الملقب بطاووس .
هذا التابعي الجليل من أهل اليمن، وكان والي اليمن محمد بن يوسف الثقفي، أخو الحجاج بن يوسف، عيَّنه الحجاجُ واليًا على اليمن, بعد أن عظُم أمرُه، وقويَتْ شوكتُه، واشتدَّت هيبتُه, إثرَ قضائه على حركة عبد الله بن الزبير، وكان محمد بن يوسف يُجمع في ذاته كثيرا من سيئات أخيه الحجاج، ولكنه ما كان يتحلَّى بشيء من حسناته، والإنسان إذا قلَّد في الأعمِّ الأغلب يقلِّد السيئات، فكان أخو الحجاج يجمع سيئات أخيه دون أن يتمتَّع بحسناته .

انظر إلى ورع هذا التابعي :

مرة دخل عليه طاووس في أيام الشتاء الباردة، ومعه وهبُ بن منبِّه، فلما أخذا مجلسيهما عنده, طفق طاووسُ يعظه، ويرغِّبه، ويرهِّبه، والناسُ جلوسٌ بين يديه، فقال الوالي لأحدِ حُجَّابه:

((يا غلام, أحضِر طيلسانًا، وألقِه على كتفي أبي عبد الرحمن، فعمد الحاجبُ إلى طيلسانٍ ثمين، وألقاه على كتفي طاووس، لكنَّ طاووس ظلَّ متدفِّقًا في موعظته، وجعل يحرِّك كتفيه في تُؤدة, حتى ألقى الطيلسانَ عن عاتقه، حركتان أو ثلاث، دفع الطيلسان إلى خلف ظهره، وهبَّ واقفا وانصرف، -أي ما قبِل هذا العطاء- فغضب محمدّ بن يوسف غضبا, ظهر في احمرار عينيـــه، واحتقان وجهه، فلما صار طاووس وصاحبه خارج المجلس، قال وهبٌ لطاووس:
واللهِ لقد كنا في غنًى عن إثارة غضبه علينا، فماذا كان يضيرُك لو أخذتَ الطيلسان, ثم بِعته، وتصدَّقت بثمنـه على الفقراء والمساكين؟ فقال طاووس: هو ما تقول: أن آخذه، وأن أبيعه، وأن أتصدَّق بثمنه على الفقراء والمساكين، قال: نعم، قال: فإذا قال الناسُ أو العلماء من بعدي: نأخذ كما أخذ طاووس، -صرتُ قدوةً لهم- ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول))
أنت ترى أن آخذ الطيلسان، وأن أبيعه، وأن أدفع ثمنه للفقراء والمساكين، شيء جميل، الذين يأتون من بعدي يقولون: نأخذ كما أخذ طاووس، ولا يفعلون ما تقول أنت .

فخ نصب لذكوان بن كيسان ونجا منه بإذن الله :

لكن محمد بن يوسف الثقفي أراد أن يردَّ لطاووس الحجرَ من حيث جاء، ولكن بذكاء وبحنكة، نصبَ له شَركا من شراكـه، حيث أعدَّ صُرَّةً فيها سبعمائة دينار، واختار رجلا حاذقا من رجال حاشيته، وقال له: (امضِ بهذه الصرة إلى طاووس بن كيسان، واحتلْ عليه في أخْذِها، فإن أخذَها منك, أجزلتُ عطيَّتك، وكسوتك، وقرَّبتك، -أي تستطيع أنْ تعطيه إياها- فخرج الرجلُ بالصرة, حتى أتى طاووسا في قرية, كان يقيم بها بالقرب من صنعاء، يقال لها: الجَنَد، فلما صار عنده حيَّاه وآنسه، وقال له:
يا أبا عبد الرحمن, هذه نفقة بعث بها الأمير إليك، فقال أبو عبد الرحمن: مالي بها من حاجة، فاحتال بكل طريق ليقبلها, فأبى، وأدلى له بكل حجَّة, فرفض، فما كان منه إلا أن اغتنم غفلةً من طاووس، ورمى بالصرة في كُوَّة, كانت في جدار البيت، وعاد راجعا إلى الأمير، وقال: لقد أخذ طاووسُ الصرة أيها الأمير، فسُرَّ بذلك محمدُ بن يوسف، وسكت عليه .
فلما مضت على ذلك أيامٌ عدّة, أرسل اثنين من أعوانه، ومعهما الرجل الذي حل إليه بالصرة، و أمرهما أن يقولا له: إن رسول الأمير قد أخطأ, فدفع إليك المال، وهو مرسلٌ لغيرك، وقد أتينا لنسترِدَّه منك، نحمله إلى صاحبه، فقال طاووس: ما أخذتُ من مال الأمير شيئا, حتى أردَّه إليك، فقالا: بل أخذته، فالتفت إلى الرجل الذي حمل إليه الصرة، وقال له: هل أخذتُ منك شيئا؟ فأصاب الرجلَ الذُّعرُ، وقال: كلا، وإنما وضعتُ المال في هذه الكوة في غفلة منك، فقال طاووس: دونك الكوة, فانظر فيها، فنظرا في الكوة, فوجد فيها الصرة كما هي، فأخذها، وعاد بها إلى الأمير, -الخطَّة لم تنجح، ما معنى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾

[سورة الحج الآية: 38]

رسم له خطة خبيثة، دفع له هذا المبلغ، فإذا أنفقه بعد يومين، يقول: هات المبلغ، أنفقت منه، ضعه في السجن، هو ما أخذه، ولكن ربُّنا عزوجل ألبسه ثوبا من الهيبة، فلما توجَّه إلى الرجل الذي جاء بها إليه, قال له: هل أخذت منك شيئا؟ هذه الهيبة:

فيُكسى جلابيبَ الوقار لأنه أقام بإذلال على باب عزِّنا
من هاب اللهَ هابه كلُّ شيء، و من لم يهب اللهَ أهابه اللهُ من كل شيء، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ, وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا, فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ, وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ, وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي, وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ, وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً, وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

المؤمن المستقيم له هيبة، يُروى أن رجلا كان له دَيْن على أبي جهل - لا أذكر - أبي جهل أو أبي لهب، فأراد أناسٌ أن يرموا بين النبي وبين هذا الزعيم، فهذا البدوي الأعرابي الذي له على أبي لهب أو أبي جهل هذا المبلغ الكبير, قالوا له: (تذهب إلى محمد، ومحمد يحصِّله لك من أبي جهل، فصدَّق هذا البدوي ذلك، فترقَّب النبي، وطلب منه ذلك، تروي الرواياتُ أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب مع هذا الأعرابي إلى بيت أبي جهل، وطرق الباب, وقال: أعطِه حقَّه, فدخل وعاد من توِّه، وأعطاه المبلغ, -الخطة التي كان من الممكن أن توقع بين النبيِّ الكريم و بين أبي جهل لم تنجح- فلما سُئل أبو جهل: كيف أعطيته المبلـغ؟ قال: واللهِ رأيت على كتفيه أسدين, خفتُ أن يأكلاني) .
هذه نقطة مهمة جدا، إذا كنتَ مع الله، ألقى الله عزوجل عليك الهيبة، في بيتك، في عملك، والإنسان لما يعصي الله عـز وجـل, تنخلع منه الهيبة، لا شأن له، ولا أحد يعبأ به، هناك من يتطاول عليه .
لكن من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها- قال: وكأنما أراد اللهُ عز وجل أن يقتصَّ من محمد بن يوسف على فعلته هذه، وأن يجعل قصاصه منه على مرآى من الناس) فكيف وقع ذلك؟ .

من هم الخلفاء الذين دخل عليهم ذكوان بن كيسان دعوة منهم ليسألونه عن أمور الدين ؟

1- الخليفة الحجاج بن يوسف الثقفي :

حدَّث طاووسُ بن كيسان, فقال: (بينما أنا في مكة حاجًّا، بعث إليَّ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي، فلما دخلتُ عليه, رحَّب بي، وأدنى مجلسي منه، وطرح إليَّ وسادةً، ودعاني لأن أتَّكئ عليها، ثم راح يسألني عما أشكل عليه من مناسك الحج، وفيما نحن كذلك, سمع الحجَّاج ملبِّيا يلبِّي حول البيت، ويرفع صوته بالتلبية، وله نبرةٌ تهزُّ القلوبَ هزًّا، -يبدو من الإنسان الصادق أحيانا, أنه يلفت النظرَ بدعائـه وتضرُّعه- فقال الحجاجُ: عليَّ بهذا الملبِّي، عليَّ به، فأوتي له به، فقال له: ممن الرجل؟ فقال: من المسلمين، فقال: لم أسألك عن هذا، إنما سألتك عن البلد، قال: من أهل اليمن، قال: كيف تركتم أميركم؟ قال: تركته عظيما جسيما, لبَّاسا ركَّابا، خرَّاجا ولاَّجا، -أي أكل، وشرب، وبيت، ومركب، ونزهات، ومداخلات، وصف فيه إيجاز- فقال الحجاجُ: ليس عن هذا سألتك، فقال: عما سألتني إذًا؟ قال: سألتك عن سيرته فيكم، عن أخلاقه ، قال: تركته ظلوما غشوما، مطيعا للمخلـوق، عاصيًا للخالق، ويأتيك بالأخبار مَن لم تزوِّد، -هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾

[سورة الحج الآية: 38]

أحيانا الإنسان يظهر أحسن أعماله لمَن فوقه، واللهُ عز وجل بطريقة أو بأخرى, تُنقَل الصورة السوداء للجهة الأعلى عن الأدنى، من دون قصد- فاحمرَّ وجهُ الحجاج خجلا من جلسائه، وقال: ما حملك على أن تقول فيه ما قلته، وتعلم أنت مكانه مني؟ فقال: أتراه بمكانه منك أعزَّ منك بمكاني مِنَ الله، وأنا وافدٌ بيته، مصدِّقٌ نبيَّه، قاضي دينه، أكذب على الله في بيته؟ .
-على كلٍّ؛- فسكت الحجاج ولم يُحِر جوابا، قال طاووس: ثم ما لبث الرجل أن قام وانصرف, مِن غير أن يستأذن، أو أن يؤذن له، فقلت في إِثره في نفسي: إن هذا الرجل صالح، فأتبعه وأظفر به قبل أن تغيِّبه عن ع**** جموعُ الناس، فتبعته فوجدته قد أتى البيتَ، وتعلَّق بأستاره، ووضع خدَّه على جداره، وجعل يقول: اللهم بك أعوذ، وبجنابك ألوذ، اللهم اجعل لي في الاطمئنان إلى جودك، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين، وغنى عما في أيدي المستأثرين، -والحديث القدسي:

(ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني, أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هويا تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوق يعتصم بي من دوني خلقي, أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهلُ السموات والأرض, إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا) .
أخواننا الكرام, الله هو هو، إلهُ صحابة رسول الله هو إلهنا، إله التابعين إلهنا، القرآن هو هو، فأنت إذا اعتصمت بالله، واستقمت على أمره, لا يمكن إلا أن ترى من آياته الدالَّة على أنه هو الإله، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[سورة الزخرف الآية: 84]

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[سورة الأعراف الآية: 54]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[سورة هود الآية: 123]

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

[سورة الأنفال الآية: 17]
الله عز وجل يشعرك دائما أنه موجود، وأنه معك:
كن مع الله ترَ الله معك واترك الكلَّ وحاذِر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
المؤمن الصادق يشعر أن الله معه، يشعر بوجود الله، تجد أصعب إنسان يلين قلبُه معه، واللهُ عز وجل يسخِّر عدوَّك ليخدمك، ويسخر القويَ فيها لك، يقف أمامك في حيرة، وهو قادر على أن يسحقك، ما الذي ألجمه؟ .
ذكرت لكم قبل دروس عدة، لما بلغ الحَجَّاجَ أن الحسن البصري ذكره بغير ما يريد، فمباشرة خاطب مَن حوله، قال: (أنتم جبناء، واللهِ لأسقينكم من دمه، أعطى أمرا فوريا للسياف, أن يهيِّئ نفسه لقطـع رأس الحسن البصري، مُدَّ النطعُ في بهو القصر، وجيء بالسياف، وقال لصاحب الشرطة: ائتن بالحسن البصري لقطع رأسه، -وانتهى الأمر- .
دخل الحسن البصري على الحجاج، فوقف لـه، وقال: أهلا بأبي سعيد، -ماذا حدث؟ شيء لا يُصَّدق- فما زال يدنيه منه حتى أجلسه في مجلسه، وسأله عن صحته، وتلطَّف معه وعطَّره، وسأله بعض الأسئلة، وأجابه الحسنُ، وقام وودَّعه، وقال: يا أبا سعيد, أنت سيد العلماء، السياف نظر، -لم يفهم الذي حدث- معه أمرٌ بقطع رأسه فورا، والنطع ممدود، فتبعه الحاجبُ، وقال له: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فما القصة؟ لما دخلتَ رأيناك تمتمت، فماذا قلت؟ قال الحسن البصري، قلت: يا وليَ نعمتي، يا ملاذي عند كربتي, اجعل نقمته عليَّ بردا وسلاما, كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم) هناك كلمة أقولها كثيرا: إذا كان اللهُ معك فمن عليك، وإذا كان اللهُ عليك فمن معك .
أعرف أناسا, أقرب الناس إليهم, زوجته أو ابنُه, يتطاول عليه، وقد يضربه، وأعرف أناسا أعدى أعدائه يكرمه، إذا كان اللهُ معك فمن عليك، وإذا كان اللهُ عليك فمن معك، ليس معك أحد، لذلك المؤمن موحِّد، دائما يقول: يا ربي, ليس لي إلا أنت، تبرَّأ من حولك، ومن قوتك، ومن ذكائك، وأتباعك، ومن يحبك، ومن يدعمك، ومن يغطِّي أعمالك، تبرَّأ من هؤلاء جميعا، حتى يتولى اللهُ حفظك، وتأييدك، ونصرك، ورعايتك- .
قال: اللهم بك أعوذ، وبجنابك ألوذ، اللهم اجعل في الاطمئنان إلى جودك، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين، وغنًى عما في أيدي المستأثرين، اللهم إني أسألك فرجك القريب، ومعروفك القديم، وعاداتك الحسنة، يا رب العالمين .
قال: ثم ذهبت موجةٌ من الناس، وأخْفَتْهُ عن عيني، فأيقنتُ أنه لا سبيل إلى لقائه بعد ذلك، فلما كانت عشيةُ عرفة رأيته، وقد أفاض مع الناس, فدنوتُ منه، فإذا هو يقول: اللهم إن كنتَ لم تقبل حجِّتي وتعبي ونصبي, فلا تحرمني الأجرَ على مصيبتي, لتركك القبولَ مني، -اعتبر عدم القبول مصيبة- يا ربي أجرني عليها، -كما قال أحد التابعين: التقيت بأربعين من أصحاب رسول الله, ما منهم واحد, إلا وهو يظن نفسه منافقا، من شدة الورع، ومن شدة الخوف، هذا الخوف المقدَّس، هذا القلق المقدَّس، يا ترى أنا مقبول عند الله، عملي مقبول، لعل هناك خللا، لعل هناك تقصيرا، لعل هناك نفاقا، لعل هناك نية لا ترضي الله عز وجل، لعل هناك دنيا- .
ثم غاب عنه مرة ثانية، فلما يئس من لقائه, قال: اللهم اقبل دعائي ودعائه، واستجِب لرجائي ورجائه، وثبِّت قدمي وقدمه يوم تزلُّ الأقدام، واجمعني معه على حوض الكوثر يا أكرم الأكرمين) .

2- الخليفة سليمان بن عبد الملك :

جاء خليفةٌ ثانٍ: اسمه (سليمان بن عبد الملك), يلقي رحاله في أكناف البيت العتيق، ويدلُّ أشواقه إلى الكعبة المعظَّمة، ثم التفت إلى حاجبه، وقال: (ابتغِ لنا عالما يفقِّهنا في الدين، ويذكِّرنا في هذا اليوم الأغرِّ من أيام الله عز وجل، فمضى الحاجبُ إلى وجوه أهل الموسم، وطفق يسألهم عن بُغية أمير المؤمنين، فقيل له: هذا طاووس بن كيسان, سيد فقهاء عصره، وأصدقهم لهجة في الدعوة إلى الله، فعليك به، فأقبل الحاجبُ إلى طاووس، وقال: أجِب دعوةَ أمير المؤمنين أيها الشيخ، فاستجاب طاووسُ له من غير إبطاء، ذلك أنه كان يؤمن: بأن على الداعية إلى الله تعالى, ألاّ تعرض لهم فرصةٌ إلا اغتنموها، وألاّ تسمح لهم بادرةٌ إلا ابتدروها ، وكان يوقن أنّ أفضل كلمة تُقال, هي كلمة حقٍّ أُريد بها تقويم اعوجاج .
فلما دخل على أمير المؤمنين حيَّاه، فردَّ الخليفة التحيةَ بأحسنَ منها، وأكــرم استقبال زائره، وأدنى مجلسه، ثم أخذ يسائله عما أشكل عليه من مناسك الحج، وينصت إليه في توقير وإجلال، قال طاووس: فلما شعرتُ أن أمير المؤمنين قد بلـغ بغيتـــه، ولم يبق ما يسأل عنه, قلتُ في نفسي: إنّ هذا المجلس, لمجلسٌ: يسألك اللهُ عنه يا طاووس، ثم توَّجهت إليه، وقلت:
يا أمير المؤمنين, إّن صخرة كانت على شفير بئر في قعر جهنم، وقد ظلتْ تهوي في هذه البئر سبعين خريفا، حتى بلغت قرارها، أتدري يا أمير المؤمنين لمن أعدَّ اللهُ هذه البئر من آبار جهنم؟ فقال من غير روِيَّة: لا، ثم عاد لنفسه، وقال: ويلك لمن أعدَّها؟ بئر في قعر جهنم يهوي فيها الإنسان سبعين خريفا، إلى أن يصل إلى قعرها، فقال طاووس: يا أمير المؤمنين, أعدّها الله عزوجل لمن أشركه في حكمه فجار, لمن يظلم، فأخذت سليمانَ رِعدةٌ، ظننتُ معها أن روحه تصعد إلى باريها، وجعل يبكي، ولبكائه نشيج, يقطِّع نياطَ القلوب، فتركته وانصرفتُ، وهو يجزِّيني خيرا) .
ماذا يقول له الخليفةُ؟ جزاك الله خيرا، أيقظه، قال له: بئر في قعر جهنم, يهوي فيها الإنسان سبعين خريفا، أتدري لمن؟ هذه لمن أشركه اللهُ في حكمه فجار على الناس .

3- الخليفة عمر بن عبد العزيز :

ولما ولِيَ عمرُ بن عبد العزيز الخلافة بعث إلى طاووس، وقال له: (أوصني يا أبا عبد الرحمن، كتب إليه طاووسُ رسالةً -في سطر واحد- قال فيها: إذا أردتَ أن يكون عملُك خيرا كلَّه, فاستعمِل أهل الخير, والسلام) أي أكبر مهمة يفعلها وليُّ الأمر: أن يستعمل الصالحين، الأمناء الأكفاء، قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[سورة القصص الآية: 26]

سيدنا عمر قال: (خذ عهدك, وانصرِف إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأسَ سنتك، -أحد الولاة أراد أن يمتحنه- قال له: إن وجدناك أمينا ضعيفا, استبدلناك لضعفك، وسلَّمتك من معرَّتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويًّا, استهلنا بقوَّتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبَك، وإن جمعت الجُرمين، جمعنا المضرتين، وإن وجدناك أمينا قويًّا, زدناك في عملك) .

4- الخليفة هشام بن عبد الملك :

الآن: لما آلتْ الخلافةُ إلى هشام بن عبد الملك، لطاووس معه مواقف شهيرة، لما قدِم هشام البيت الحرام, قال لخاصَّة أهله:

((التمسوا لنا صحابيا من أصحاب رسول الله، قالوا له: إن الصحابة قد تلاحقوا بربهم, واحدا إِثرَ آخر، حتى لم يبق منهم أحد، قال: إذًا: فمن التابعين ؟ أوتيَ له بطاووس، فلما دخل عليه, خلع نعليه بحاشية بساطـه، وسلَّم عليه من غير أن يدعوَه بأمير المؤمنين، وخاطبه باسمه دون أن يكنيه، وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس، فاستشاط هشامُ غضبا, حتى بدا الغيظُ في عينيه، قال: ويحك، ما حملك على ما صنعت؟ قال: وماذا صنعت؟ فقال الخليفة: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلِّم عليَّ بإمرة المؤمنين، وسمَّيتني باسمي، ولم تكنِّني، ثم جلستَ من غير إذني، فقال طاووس بهدوء: أما خلعُ نعليَّ بحاشية بساطك, فأنا أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات في المسجد، فلا يعاتبني ربي، ولا يغضب عليَّ، وأما قولك: إني لم أسلِّم عليك بإمرة المؤمنين, فلأن جميع المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك، وقد خشيتُ أن أكون كاذبا إذا دعوتُك بأمير المؤمنين, وأما ما أخذته عليَّ من أني ناديتك باسمك، ولم أُكنِّك، فإن الله عزوجل نادى أنبياءه بأسمائهم، يا داوود، يا يحيى, يا عيسى، وكنى أعداءه بألقابهم، قال:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

هل هناك أوضح من هذا، أما قولك: إني جلست قبل أن تأذن لي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب يقول: إذا أردتَ أن تنظر لرجل من أهل النار, فانظر إلى رجل وحوله قوم قيام بين يديه ، فكرهتُ أن تكون أنت ذلك الرجل، فأطرق هشامُ إلى الأرض خجلا، ثم رفع رأسه وقال: يا أبا عبد الرحمن! عِظني، قال: إني سمعتُ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن في جهنم حيَّاتٍ كالقلال، وعقارب كالبغال، تلدغ كلَّ راعٍ لا يعدل في رعيته، ثم قام وانصرف) .
سبحان الله! لأنه مخلص وصادق، ويبتغي وجهَ الله, تقع هذه الكلمات موقعا حسنا في نفوس الخلفاء، الإنسان الصادق يجعل اللهُ عز وجل لكلامه تأثيرا .

الخاتمة :

هذا التابعي جعل همَّه أن يعظ أولي الأمر، انظُر كم خليفة، وكم والٍ، وكم مِن إنسان دخل عليه, إخلاصُه لله جعل له هيبة كبيرة، وصدقه في هداية الآخرين, جعل لكلامه ذلك التأثير .
هذا الموضوع يحتاج إلى درس آخر إن شاء الله تعالى، نرجو اللهَ عز وجل أن نستفيد من هذه المواقف, فملخَّص درسنا: الدين النصيحة .
الآن هناك اتِّجاه آخر، يقال: يا أخي, أعطه جَمَله، ولا توجع رأسك، أنت انصح أخاك ، وانصح أجيرك، وانصح أقرباءك، وانصح شريكك, لا تسكت، لأن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر: هي الفريضة السادسة .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 02-10-2017, 05:25 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 18-20 : التابعي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-09-19





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم التعريف بنسب هذا التابعي :

أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن عشر من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، والتابعي اليوم: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، حفيدُ سيدنا الصديق.
هذا التابعيُّ الجليل جمع المجدَ من أطرافه كلها، فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
وبالمناسبة النسب تاج يُتوَّج به المؤمن، أما إن لم يكن هناك إيمان, فلا قيمةَ له إطلاقا، وأكبر دليل قوله تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

أبو لهب عمُّ النبي .
والدليل الثاني قول النبي صلى الله عليه و سلم:

((سلمان منا آل البيت))
وسلمان فارسي ، وقوله:
((نعم العبد صهيب, أنا جدُّ كل تقي, و لو كان عبدا حبشيا))
هذه حقيقة، النسب لا يُعتدُّ به، ولا يُفتخر به، ولا قيمة له إلا إذا جاء بعد الإيمان, الحديث:
((يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله, أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئا، لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه))
أما إذا كان هناك إيمان، وأنت من أسرة شريفة، هذا تاج تتوَّج به، لذلك لا ينبغي أن نصغي أبدا لإنسان متلبِّس بمعصية, يدَّعي أنه ابن فلان، وجدُّه فلان، ومن هذه الأسرة الكريمة ، هذا كلام لا يقدِّم ولا يؤخِّر .
أبوه محمد بن أبي بكر الصديق، وأمُّه بنتُ كسرى يزدجرد، آخر ملوك الفرس، والدته بنت ملك، وعمَّته عائشة بنت أبي بكر، وفوق هذا و ذاك, كان تقيًّا عالما، نهاية العلم التوحيدُ ، ونهاية العمل التقوى، وتعلموا العلم فإن كنتم سادة فُقتم، وإن كنتم وسطا سُدتم، وإن كنتم سوقةً عشتم .
أحيانا الإنسان يشعر أنه ليس له أسرة راقية يفتخر بها، وليس معه رأس مال ضخم يعيش به حياة ناعمة، باب العلم مفتوح لكل الناس، إنسان فقير، إنسان مغمور، فباب العلم بإمكان كل إنسان أن يدخل منه، وإذا دخل منه تفوَّق .
أحد خلفاء بني أمية أراد أن يسأل عالما جليلا، هذا العالم أسود اللون، أفطس الأنف، مفلفل الشعر، وكان من كبار العلماء، وقف أحدُ أكبر خلفاء بني أمية بين يديه متأدِّبا وسأله، والعالم يجيب، فقال الخليفةُ لأولاده: (انظُر يا بنيَّ إلى ذلِّنا بين يديه، رتبة العلم أعلى الرتب) أي إذا أردتَ الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم .
هذا التعليق أردتُ منه أنّ أيَّ إنسان يشكو أنه غير معروف، مغمور، فقير، لا حصّل مجد المال، ولا حصَّل مجدا اجتماعيا معيَّنا، نقول له: باب العلم مفتوح لك، إذا تفوَّقتَ في العلم, بإمكانك أن تصل إلى أعلى مرتبة، مثلا: تجد أكبر شخصية أمام الطبيب مثل الطفل، ماذا أفعل يا دكتور؟ قد يكون الطبيبُ متفوِّقا، لكنه كان في الأصل مغمورا، ولما صار طبيبا وتفوَّق، فأكبر الشخصيات يستفتونه في شأن صحَّتهم، يسألون خبيرًا اقتصاديًّا، وأحيانا يُستشار من قِبَل أعلى مستوى، أحيانا خبير حقوقي يُستشار، والحقيقة الذي يحمي العالَم العلماءُ والرؤساء، في كل أنحاء العالَم لا يتَخذون قرارا إلا بعد استشارات من العلماء، فالعلم هو الأساس، ففوق أنّ أمه بنت كسرى، وأن أباه محمد بن أبي بكر، فوق هذا وذاك, كان عالما تقيًّا.
الحقيقة: أنت إنسان كائن؛ تأكل، وتشرب، وتنام، وتعمل، وتتزوج، وتنجب، أيُّ مخلوق آخر له نفس الخصائص، أيُّ مخلوق غير إنساني؛ يأكل، ويشرب، ويتزوج، ويعمل، والإنسان إذا ألغى العلمَ من حياته، وألغى طلب العلم فقد ألغى إنسانيته، والإنسان إذا ألغى العلم ولم يطلبه, فقد هبط من مستوى إنسانيته إلى مستوى آخر، فالذي يؤكِّد إنسانيتك علُمك و أخلاقُك .
تذكرون: أحد التابعين، قيل عنه: (كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الكتف، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، ليس شيءٌ من قُبحِ المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيدَ قومه، إذا غضِبَ غضِبَ لغضبته مائة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب، وكان إذا علم أن الماءَ يفسد مروءته ما شربه) فالذي يؤكِّد إنسانية الإنسان علمُه و أخلاقُه، وما سوى العلم و الأخلاق هو وبقية المخلوقات سيان .
القاسم بن محمد بن أبي بكر أحد فقهاء المدينة السبعة، وأفضل أهل زمنه علما, وأحدُّهم ذهنا، وأشدُّهم ورعا .

سؤال ورد :

هناك سؤال صغير, يا تُرى حدَّة الذهن: أليست هبةً من الله عزوجل؟ هبة، إلا أن الذي أعرفه أن الإنسان إذا كان مطلبُه عاليا جدا آتاه اللهُ القدرات العقلية و البيانية، حيث تلبِّي هذا الطلب العالي، فكلُّ إنسان يعطيه الله من الإمكانات والقدرات العامة والخاصة ما يتناسب مع مطلبه الثمين، هناك شخص تنتهي كلُّ طموحاته عند الزواج، تنتهي كل طموحاته عند حيازة المال، تنتهي كل طموحاته إذا حقَّق مكانة اجتماعية، ليس له أهداف كبيرة أخروية، هذا الإنسان يعطيه الله من الإمكانات ما يتناسب مع هذه المطالب المتواضعة .
لكن هؤلاء الذين أرادوا هداية البشر, يعطيهم الله إمكانات فكرية وعقلية وبيانية تفوق حدَّ الخيال، لذلك من خصائص الأنبياء: الفطانة، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام، دعونا من نبوَّته ومن رسالته, فهو شخصية فذَّة، كان يفهم أدقَّ الأمور، ويتصرَّف بحكمة ما بعدها حكمة .
قلت لكم مرة: إن أصحابه الأنصار لما وجدوا عليه في أنفسهم، صارت هناك حركة ضده، ما أعطاهم من الغنائم شيئا، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ:

((لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللـَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ, وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ, وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ, وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ, حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ, حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ, فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللـَّهِ! إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ, لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ, الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ, وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ, وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ, قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي, وَمَا أَنَا, قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ, قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ, فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ, قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ, فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا, وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ, فَلَمَّا اجْتَمَعُوا, أَتَاهُ سَعْدٌ, فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ, قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ, ثُمَّ قَالَ:
يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ, مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ, أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ, وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ, وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ قَالُوا: بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ, قَالَ: أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ؟ قَالَ:
أَمَا وَاللَّهِ, لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ, فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ, أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ, وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ, وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ, وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ, أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا, تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا, وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ, أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ, وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ, وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا, وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا, لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ, اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ, وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ, وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ, قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ, وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا, ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَتَفَرَّقْنَا))

[أخرجه أحمد في المسند]

إنها فتنة، فكيف أنّ النبيُّ بوفائه, وعفوه, ورحمته, وحكمته, وبسياسته, حلَّ مشكلتهم, حتى بكوا وأخضلوا لحاهم؟ .
مرة قلت لكم: إن أحــد الخلفاء جاءته رسالةٌ من مواطن عادي: (أما بعد؛ فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي، فَانْهَهُمْ عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأنٌ، والسلام, أعطاها لابنه، فلما قرأها صار يرجف، قال: أرى أن ترسل له جيشا, أولُه عنده وآخره عندك, يأتوك برأسه، تبسَّم سيدنا معاوية، وقال له: غيرُ هذا أفضل، كتب: اكتب للكاتب:
أما بعد, فقد وقفتُ على كتاب ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيـا كلها هيِّنة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها, ويأتي الجوابُ :
أما بعد, فيا أمير المؤمنين، أطال اللهُ بقاءك، ولا أعدمك الرأيَ, الذي أحلَّك من قومك هذا المحلَّ، يأتي ابنُه، ويقول له: يا بنيَّ, تريد أن نبعث له جيشا أوله عنده وآخره عندنا، يأتون برأسه، -حروب عشر سنوات، هذا الكلام الطيِّب أطفأ الفتنةَ- قال له: يا بني, من عفا ساد، ومن حلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوبَ) .
مرَّ معي حديثٌ دقيق، قال عليه الصلاة و السلام:

((الإنسان إذا كظم غيظه وعفا, أورثه اللهُ أمنا وإيمانا))
هذا الحديث دقيق جدا، لمّا يعفو الإنسان عن خصومه، ما الذي يحدث؟.
أولا: يبقى الطريقُ إلى الله سالكا، لأنه عمل عملا يرضي اللهَ، ويزداد إيمانه، ثانيا: هذا الذي عفوتَ عنه أحبَّك، وذاب في حبِّك، فأنت اطمأننت، أما لو انتقمت منه، صار جوُّك متوتِّرا، العنفُ لا يأتي إلا بالعنف، هذه قاعدة، العنف لا يلد إلا العنف، لما تنتقم سيتحرَّك المنتَقم منه, لينتقم منك ثانية، إلى سلسلة لا نهاية لها، لو يعلم الناسُ ما في العفو من راحة نفسية، ومن سعادة، ومن لَمِّ الشمل، ومن تكتُّل الناس بعضِهم بعضا, لاتّخذه سبيلا في حياته، أما الانتقام دائما: فيسبِّب العنف الذي لا يلد إلا العنف .
في أي عهد من الخلفاء الراشدين ولد هذا التابعي, وما هي الأحداث التي جرت حتى نقل هو وأخته إلى المدينة, ومن تولى تربيتهما؟
هذا التابعي الجليل وُلد في أواخر خلافة عثمان بن عفان، هذا الطفل الصغير له قصة: والدُه عُيِّن واليًا على مصر، وقُتِل والدُه في مصر، فنُقــل مرة ثانية إلى المدينة، تبدأ القصةُ حينما يتحدَّث هو عن نفسه، يقول: (لما قُتل أبي بمصر, جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر, فاحتملني أنا وأختي الصغيرة، ومضى بنا إلى المدينة، فما إن بلغناها, حتى بعثت إلينا عمَّتي عائشة رضي الله عنها .
-أيها الأخوة, المرأة إذا قامت بواجباتها خير قيام تصنع الرجالَ، و كما ورد: (امرأة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم زوجَها، وسمع الله شكواها من فوق سبع سموات، قالت: يا رسول الله: إن زوجي تزوَّجني, وأنا شابة، ذات أهل ومال، فلما كبرت سني، و نثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي, قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا, وإن ضممتهم إليَّ جاعوا) .
الآن تلاحظ الأشخاص الناجحين في حياتهم, أحد أكبر أسباب نجاحاتهم, تلقوا تربية جيِّدة, حينما كانوا صغارا، والتربية لها أثر كبير جدا في مستقبله، الذي عنده أولاد، فأكبر ثروة، وأعظم عمل، وأكبر سعادة؛ أن تصُبَّ كلَّ اهتمامك عليهم، حتى يتربَّوا تربية عالية .
اسمعوا هذا الكلام، وأنا أعني ما أقول: لو وصلت إلى أعلى مستوى ماليٍّ في العالم، لو كان حجمُك أربعون ألف مليون دولار، لو وصلت إلى أكبر حجم من القوة في العالم، وملكت زمام الدنيا، لو وصلت إلى أكبر مرتبة دينية في العالم، فصرت عالم العلماء، ولم يكن ابنُك على شاكلتك, لشقيتَ به، الإنسان يشقى بشقاء أولاده، والآباء الشباب هذه الحقيقة لا يلتفتون إليها، أما حينما يكبر أولادهم وينحرفون, يعضُّون على أناملهم ندما، تربية الأولاد أجلُّ عمل, يفعله الإنسان في حياته، تربية الأولاد استمرار لحياتك من بعدك .
الآن: سنلاحظ ماذا فعلت هذه العمةُ الجليلة, السيدة عائشة؟- قال: فحملتنا من منزل عمنا إلى بيتها، وربَّتنا في حجـرها، فما رأيتُ والدةً قط ، ولا والدا أكثر منها برًّا، ولا أوفر منها شفقة، كانت تطعمني بيديها، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيءٌ أكلته، وكانت تحنو علينا حنوَّ المرضعات على الفطيم، تغسل أجسادنا، وتمشِّط شعورنا، وتلبسنا الأبيضَ الناصعَ من الثياب، وكانت لا تفتأ تحضُّنا على الخير، وتمرّسنا بفعله، وتنهانا عن الشرِّ، وتحملنا على تركه، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله تعالى، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله، وكانت تزيدنا برًّا وإتحافا في العيدين، فإذا كانت عشيِّةُ عرفة, حلقت لي شعري، وغسلتني أنا وأختي، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديدَ، و بعثت بنا إلى المسجد النبوي, لنؤدِّي صلاة العيد، فإذا عُدنا منه, جمعتني أنا وأختي, وضحَّت بين أيدينا، -هذه السيدة عائشة .
يا أيها الأخوة الكرام, يقول عليه الصلاة والسلام يخاطب امرأة:
((اعلَمي أيتها المرأة، وأعِلمي من دونكِ من النساء, أن حسنَ تبعُّل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله))
فالمرأة الصالحة أولادها شهاداتها، قد ترقى المرأةُ الصالحةُ إلى أعلى مرتبة بحسن رعايتها لزوجها وأولادها، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
((مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ))

[أخرجه ابن ماجه في سننه]

أي مظهرها جيِّد، تعتني بمظهرها لزوجها، لا للطريق، ولكن هناك رواية للحديث:

((و إذا نظرت سرتك))
ما قال: إليها، أي إذا نظرت إلى الأولاد، مرتَّبين في الملبس والهيئة، ثيابهم نظيفة، نظرت إلى المطبخ نظيف، وإلى غرفة النوم مرتبة، أي إذا قامــت المرأة بحقِّ زوجها وأولادها, فهي مع رسول الله في الجنة، قال عليه الصلاة و السلام:
((أيما امرأة قعدت على بيت أولادها, فهي معي في الجنة))
ما كان يخطر على بالنا أن هذه السيدة عائشة رضي الله عنها بهذا الاهتمام، وهذا العطف .
المرأة إذا عرفت ربَّها, وعرفت مهمَّتها في الحياة, فهذا شيء لا يُقدَّر بثمن، لذلك أكبر واجب مُلْقًى على كاهلك اتِّجاهَ أولادك: أن تحسن اختيار أمهم، قبل أن تخطب عُدَّ للمليون، هذه أمُّ أولادك، هذه سوف تربي أولادك، أخلاقها، وعلمها، واستقامتها، وعفتها، وأمانتها، و صدقها، وتربيتها، ومستواها الاجتماعي، ومستواها الثقافي، شيء خطير جدًّا- .
وفي ذات يوم: ألبستنا ثيابا بيضًا، ثم أجلستني على إحدى ركبتيها، وأجلست أختي على ركبتها الأخرى, -الطفل لا ينسى، الطفل الصغير لا ينسى الإكرام، ولا ينسى الحنان، والعطف، والرعاية، طعامه مؤمَّن، ولباسه مؤمَّن، إذا مرض بسرعة نحكِّمه، لباسه في الشتاء جيِّد، تقيه البرد، غرفته نظيفة، هذا يُغرس معه, أي حينما تخرج المرأة من بيتها، وتهمل أولادها, فقد خانت أمانة الله- .
وكانت قد دعت عمِّي عبد الرحمن، فلما دخل عليها حيَّته، ثم تكلمت, حمدت اللهَ عز وجل، وأثنت عليه بما هو أهلُه، فما رأيتُ متكلِّما قطُّ من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها, أفصحَ منها لسانا، ولا أعذبَ منها بيانا، ثم قالت:
أي أخي, إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذتُ هذين الصبيين منك، وضممتُهما إليَّ، وواللهِ ما فعلتُ ذلك تطاولا عليك، ولا سوء ظنّ بك، واتِّهاما لك بالتقصير في حقِّهما، ولكنك رجل ذو نساء، عندك عدة زوجات، وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما، فخشيتُ أن يرى نساؤُك منهما ما يستقذرنه، فلا يطبن بهما نفسا، ووجدتُ أني أحقُّ منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال، وها هما الآن قد شبَّا، وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما، فخذهما وضمَّهما إليك، فأخذنا عمي عبدُ الرحمن، وضمَّنا إلى بيته، بيد أن الغلام البكري ظلَّ معلَّق القلب ببيت عمَّته أمِّ المؤمنين رضوان الله عليها) .
الذي يربِّي أولادًا، الولد والطفل الصغير يجب أن يرضع الحنان مع حليب أمِّه، تجد الآن مواقف في العالم قاسية جدا، تستغرب، هل تعلم ما السبب؟ ستون بالمائة من أطفال العالَم الغربي أطفال زنا، لقطاء، ما شرب حنان الأم إطلاقا، ولا حنان الأب، ولا عرف مرضعة، إلا مربية في مستشفى، أو في مصحٍّ، لكن لا شيء يعوِّض عن الأم، فالذي يرضع مع حليب أمه العطف والحنان, يصبح إنسانا رحيما، لا يتَّخذ قرارًا قاسيا جدا، الآن في العالَم أعمال إجرامية فوق حدِّ الخيال، والسبب هذه تصدر عن قلوب ليس فيها الرحمة إطلاقا، والرحمة أساسا يأخذها الإنسانُ مع حليب أمِّه .

عائشة تصغي إلى نداء ابن أخيها :

أيها الأخوة, يقول هذا التابعيُّ الجليل: قلتُ ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها: (يا عمَّتي, اكشِفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه، فإني أريد أن أراهما، وكانت القبورُ الثلاثة ما زالت داخل بيتها، وقد غطَّتها بما يسترها عن العين، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا واطئة، قد مهِّدت بصغار الحصى الحمر، مما كان في باحة المسجد ، فقلتُ: أين قبرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشارت بيدها، وقالت: هذا، ثم تحدَّرت على خدَّيها دمعتان كبيرتان، فبادرتْ فمسحتْهما حتى لا أراهما، وكان قبرُ النبي صلى الله عليه وسلم مقدَّما على قبر صاحبيه، فقلت: وأين قبر جدي أبي بكر؟ قالت: هو ذا، وكان مدفونا عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: وهذا قبرُ عمر؟ قالت: نعم، وكان رأسُ عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي قريبا من رجل النبي عليه الصلاة و السلام) .

منزلته العلمية :

ولما شبَّ الفتى البكري, كان قد حفظ كتاب الله تعالى، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ما شاء له أن يأخذ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف، وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتشر في كل ركن من أركانه، فروى عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن خبَّاب، ورافع بن خديج، وأسلم مولى عمر بن الخطاب، وغيرهم وغيرهم ، أي تلقَّى العلمَ عن كبار العلماء في عصره، حتى غدا إماما مجتهدا، وأصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة، وكان الرجلُ لا يُعدُّ رجلا عندهم حتى يتقن السنة، لأن السنة فيها تبيان للقرآن الكريم، وربُّنا عز وجل حينما حفظ كتابه، قال العلماء: إن حفظ السنة من لوازم حفظ الكتاب، لأن السنة مبيَّنة للكتاب .
ولما اكتمل لهذا الشاب البكري العلمُ, صار معلِّما، قالوا: تعلَّموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تعلموا، فالإنسان في طور البناء الذاتي مهما اجتهد في ترسيخ علمه، وفي تمكين نفسه من الحقائق الناصعة مع أدلَّتها, فهذا مما يعينه على العطاء، ولم يمضِ وقتٌ طويل, حتى أصبح القاسمُ بن محمد وابن خالته سالم, إمامي المدينة الموثوقين، فقد سوَّدهما الناسُ, لِما كان يتحلَّيان به من التقى والورع، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس, أن خلفاءَ بني أمية وولاتهم, كانوا لا يقطعون أمرا ذا بالٍ في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما .
ما هو المشروع الذي عقد عليه العزم الوليد بن عبد الملك بقيامه, وما مضمون الكتاب الذي أرسله إلى عمر بن عبد العزيز, وهل حقق الوليد مراده ؟
مرة الوليدُ بن عبد الملك عزم على توسعة الحرم النبوي الشريف، ولم يكن في وسعه تحقيقَ هذه الأمنيــة الغالية, إلا إذا هدم المسجدَ القديم من جهاته الأربع، وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله عليه، وضمَّهما إلى المسجد، وهي أمورٌ تشقُّ على الناس، ولا تطيب نفوسُهم بها، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة, يقول: (لقد رأيتُ أن أوسِّع مسجدَ رسول الله صلى الله عليه و سلم، حتى يصبح مائتي ذراع في مائتي ذراع، فاهدِم جدرانه الأربعة، وأدخل فيه حجَر زوجات النبي، واشترِ ما في نواحيه من البيوت، وقدِّم القبلةَ إن قدرت، وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب، فإن أبى عليك أهلُ المدينة ذلك, فاستعن بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، وأشركهما معك في الأمر، وادفع إلى الناس أثمانَ بيوتهم بسخاء، وإن لك في ذلك سلف صدق هم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان اللذان وسَّعا المسجد، فدعا عمرُ بن عبد العزيز القاسم بن محمد, وسالم بن عبد الله, وطائفة من وجوه أهل المدينة، وقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين، فسُرُّوا بما عزم عليه، وهبُّوا لإنفاذه، فلما رأى أهلُ المدينة عالمي المدينة وإماميهما الكبيرين, يباشران في هدم المسجد بأيديهما, حتى أقبل الناسُ على هذا العمل العظيم في توسعة المسجد .
لما علِم ملِكُ الروم بعزم أمير المؤمنين بتوسعة المسجد, أحبَّ أن يصانعهم، و يتقرَّب بما يسرُّه، بعث إليه بمائة ألف مثقال من الذهب، وأرسل معها مائة عامل من أمهر البنَّائين في بلاد الروم، - كان للمسلمين شأنٌ كبير- .
أراد ملك الروم أن يتقرَّب إلى الخليفة بإرسال هذه الخبرات الفنية مع العمال، وزوَّد العمالَ بأربعين حِملا من الفسيفساء، فأرسل الوليدُ هذا كلَّه إلى عمر بن عبد العزيز ليستعين به على البناء, فأنفذه عمرُ بمشورة القاسم بن محمد) .

من مواقف هذا التابعي :

مرة هناك أعرابي دخل المسجد, فقال: (أيهما أعلم أنت أم سالم؟ فتشاغل عنه القاسمُ، أعاد عليه السؤال، فقال: سبحان الله! أعاده مرة ثالثة، فقال له: ذاك سالم يا بن أخي يجلس هناك, فقال: من في المجلس؟ للهِ أبوه، لقد كره أن يقول: أنا أعلم منه فيزكِّي نفسَه، وكره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، وكان أعلمَ من سالم) هناك أدب جمٌّ .
مرة كان في مِنًى، والناسُ حوله متحلِّقون يسألونه، فيقول في بعض السؤال: لا أدري ، فأخذهم العجبُ! فقال لهم: واللهِ ما نعلم كلَّ ما تسألون عنه، ولو علمناه ما كتمناه، ولا يحلُّ لنا أن نكتمه، ولأنْ يعيش الرجلُ جاهلا بعد أن يعرف حقَّ الله عليه خيرٌ له من أن يقول لشيء لا يعلم: أعلمه) .
القصة مشهورة: إمام دار الهجرة, الإمام مالك, جاءه وفدٌ من الأندلس معه سبع وثلاثون سؤالا، الوفد قطع شهرين من السفر، فأجاب عن بعض الأسئلة، وعن البعض الآخر قال: لا أدري، ما صدَّقوا، الإمام مالك لا يدري، فقال لهم بأعلى صوته: قولوا لمن في المغرب: الإمام مالك لا يدري، ونصف العلم: لا أدري، وكلمة لا أدري لا يقولها إلا المتورِّع ، هذه وسام شرف، أن تقول: لا أدري، أما أن تقول لكل شيء: أدري, معنى ذلك لا تدري شيئا، لذلك يظلُّ المرءُ عالما ما طلب العلمَ، فإذا ظنَّ أنه قد علم فقد جهِل .

لحظته الأخيرة من حياة هذا التابعي :

أتاه اليقينُ وهو في سنٍّ متقدِّمة، قصَد مكةَ يريد الحجَّ، وفيما هو في بعض طريقه, أتاه اليقينُ، فلما أحسَّ بالأجل التفت إلى ابنه، وقال: (إذا أنا متُّ, فكفِّني بثيابي التي كنتُ أصلي بها؛ قميصي، وإزاري، وردائي، فذلك كان كفنُ جدِّك أبي بكر، ثم سوِّ عليَّ لحدي، والحق بأهلك، وإياكم أن تقفوا على قبري، وتقولوا: كان وكان، فما كنتُ شيئا) .
فالتواضعُ يتناسب مع بلوغ أعلى مراتب العلم والتقوى، ودائما الشيء الفارغ له صوت كبير، والشيء المليء صوته خفيٌّ، فكان هذا التابعي الجليل من أورع التابعين، ومن أشدِّهم علما، وقد أمضى حياته بهذه الطريقة .

الخاتمة :

أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه السيرُ عن التابعين الأجلاَّء باعثا لنا على طلب العلم، وعلى التخلّق بأخلاق النبيِّ عليه الصلاة السلام، كما قلتُ في أول الدرس: إذا فاتَ الإنسانَ مجدُ المال، وفاته مجدُ النسب، وفاته مجدُ الشأن الاجتماعي، فبابُ العلم مفتوحٌ لكل مَن فاتته هذه الأمجادُ، وبإمكانه أن يصل إلى أعلى المراتب عن طريق العلم .
أختم كلمتي بهذا القول: إذا أردتَ الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردتَ الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 02-10-2017, 05:44 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 19-20 : التابعي عمر بن عبد العزيز
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-09-26





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

استعبر هذا الكلام :

أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع عشر من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتابعيّ اليوم هو سيّدنا عمر بن عبد العزيز، ولعلَّه الموضوع الثاني عن هذا الخليفة، الذي عُدَّ بحَقٍّ خامس الخلفاء الراشدين، فالحديث عن هذا التابعيّ الجليل عمر بن عبد العزيز حديث ذو شُجون، فأنت لا تكاد تُلِمّ بِصُورة من صُوَر حياته الفذَّة, حتى تُسْلمك إلى أخرى أكثر بهاءً .
مرَّةً كنتُ في تَشْيِيع جنازة، دخلنا إلى المسجد, لِنُصلِّي على الجنازة، وقام أحد العلماء يريد أن يؤبِّن المُتَوفَّى، الذي لا أنساهُ أبدًا, قال: كان أخوكم مؤذِّنًا, ترحَّموا عليه، وانتهى التَّأْبين, وأنا أعرف المُتوفَّى رحمه الله تعالى إنسانًا حياتهُ غنِيَّة مُتْرفةٌ، وفي بيته ما لذَّ وطاب، له دخْلٌ كبير، وجالَ في أوروبا كلَّها، مُتمتِّع بالحياة في أعلى درجة، ولكن اسْتوْقفَتْني كلمة المؤبِّن, أنَّه ما استطاع أن يقول إلا كلمتين: كان أخوكم مؤذِّنًا، ترحَّموا عليه, فقلتُ في نفسي: الإنسان عليه أن يدَعَ أعمالاً صالحةً, يتحدَّث الناس عنه خمس دقائق أقلّ شيء، عشر دقائق، فكلَّما عظم الإنسان يصبح الحديــث عنه ذا شُجون، يمكن أن نتحدَّث عن الصحابة الكرام سنوات، وعن التابعين سنوات، وتؤلَّف الكتب والمجلَّدات، وتُحلَّلُ الشَّخصِيات، تُدْرس المواقف، وتوصف الملامح، فالإنسانُ العظيم هناك مَن يتحدّث عنه إلى أمدٍ طويل .
فهذا الخليفة الراشد، كتُبٌ مؤلَّفة عن حياته، وتحليلات لِشَخصِيَّاته، ووصْفٌ لبيانه، فالإنسان سيَمْضي، بقيَت بطولته أن يدعَ أثرًا في الحياة، والدليل قول الله عز وجل:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة يس الآية: 12]

أيها الأخ الكريم، دقِّقْ في حياتك الدنيا، الحديث عن بيْتك, لا يُقال عند الموت؛ عن مساحته, وتَزْييناته، الحديث عن دَخلَك، والحديث عن ملاذَّك، وهذا كلّه لا يمكن يُقال عند الموت، لا يُقال عند الموت إلا الأعمال الطيّبة التي تركتها، الآثار الإيجابيّة التي حقَّقْتها، الخدمات الجلّة التي قدَّمتها للإنسانيَّة، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام:

((إذا مات ابن آدم, انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

فالمؤمن العاقل يبحث ويسعى, لِتَرْك أثرٍ يُخلِّدُه بعد الموت، ومَن ترك أثرًا طيِّبًا إيجابيًّا, كأّنه ما مات .
قبل حين؛ تُوفِّيَ أحد علماء دمشق، وكانت التَّعزيَة في الجامع الأموي، وأذكر أنَّ وزير الأوقاف وقتها قدَّمَ بِشارة للمُعزِّين، أنَّ ابن هذا العالم عُيِّن خطيبًا لهذا المسجد، فلمّا ألقى ابنهُ كلمةً، قلتُ: واللهِ، الأب ما مات, ما دام قد تركَ عالمًا، وخطيبًا، وداعِيَةً إلى الله عز وجل ، معنى ذلك أنّ الأب لم يمُت .
فأنت أيها الأخ الكريم, إذا تركْت عملاً طيِّبًا فما مِتَّ، ولا تموت، يقول سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه: (يا بنيّ, ماتَ خزان المال, وهم أحياء, -التخطيط جيّد، والقلب جيّد، والنِّسَب من أعلى النِّسَب- قال: مات خزَّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة) معنى ذلك أنَّ الإنسان عليه أن يدَعَ أثرًا في حياته .
نحن بعد أربعةً عشرة قرْنًا, نتحدَّث عن هذا الخليفة العظيم بكلّ طيبٍ، إذًا: هو لمْ يمُتْ.
مرَّةً سألتُ طُلاَّبي عن اسم تاجر, عاش سنة ألف وثمانمئة وثلاثة وثمانين في دمشق ، وله عندي علامة تامَّة, فما تذكَّر أحد إطلاقًا, فقلت لهم: وأنا معكم لا أعرف, العلماء باقون ما بقي الدَّهر، القوَّاد العظام، والفاتحون، والذين تركوا بصماتٍ على الإنسانيّة، هؤلاء ما ماتوا ، لذلك اِجْهَدوا أن تعملوا عملاً, يُخلِّدُكم إلى أبد الآبدين، وما من عملٍ أعظم من أن تضع؛ علمًا نافعًا، أو ولدًا صالحًا، أو صدقةً جاريَة .

إليكم هذه الصور الثلاث الأخرى التي يرويها لنا الرواة عن الخليفة عمر بن عبد العزيز :

1- ما رواه دكين بن سعيد الدارمي :

هناك ثلاث صُوَرٍ عن هذا الخليفة العظيم؛ الأولى يَرْويها دُكَيْن بن سعيد الدارمي, أحد الشعراء الرجاز البداة، وهذا شاعر تعامل مع هذا الخليفة, يروي هذه القصَّة، قال: (امْتدَحْتُ عمر بن عبد العزيز, يوم كان واليًا على المدينة، فأمر لي بِخَمس عشرة ناقةً من كرائم الإبل ، فلمَّا صِرْن في يدي, تأمَّلْتهنّ فراعني منظرهنّ، وكرهْتُ أن أمْضي بهنّ وحدي في فِجاج الأرض, خوْفًا عليهِنّ، ولم تَطِبْ نفسي بِبَيْعِهِنّ، وفيما أنا كذلك, قدِمَت علينا رُفْقةٌ تبتغي السَّفر نحْوَ دِيارنا في نَجد، فسألتهم صحبةً، فقالوا: مرحبًا بك، ونحن نخرج الليلة, فأعِدَّ نفسك للخروج معنا، فمَضَيْت إلى عمر بن عبد العزيز مُوَدِّعًا، فألْفَيْتُ في مجلسهِ شيخَين لا أعرفهما ، فلمَّا هَمَمْتُ بالانصراف، الْتفتَ إليّ، وقال: يا دُكَين, إنَّ لِيَ نفسًا توَّاقة، فإذا عرفْت أنِّي بلغت أكثر مِمَّا أنا فيه الآن فأْتِني، ولك منِّي البرّ والإحسان .
-أيها الأخوة الكرام، أتظنّ أنّ المؤمن غير طَموح؟ والله الذي لا إله إلا هو لطموح المؤمن الواحد يعْدل طموح ملايين من أهل الدنيا، لأنَّ أهل الدنيا يطْمحون إلى الدنيا، والدنيا زائلة، ولكنَّ المؤمن يطْمحُ لِحَياةٍ أبدِيَّة بعد الموت، فأيُّهما أشدُّ طموحًا؟ المؤمن نفسهُ توَّاقة وطموحة، وهِمَّتُهُ عالِيَة، وعزيمتهُ صلبة، المؤمن لا يشيخُ أبدًا، ولو بلغَ من الكِبَر عِتِيًّا، نفسهُ شابَّة؛ لأنَّ هدفهُ كبير، وطموحهُ كبير، ونفسيَّتُهُ عالِيَة جدًّا، لِدَرجة أنَّه لا يرضى بالأكل والشرب فقط كعامَّة الناس، يريد أن يُحقِّق مبدأً، ويعيشُ لِهَدفٍ نبيل- .
فقلتُ: أشْهِدْ لي بذلك أيها الأمير؟ فقال: أُشْهِدُ الله تعالى على ذلك، أيْ إذا أتَيْتني, وأنا في مرتبةٍ أعلى من هذه المرتبة, لك مِنِّي البرّ والإحسان، -هذا الكلام كان لمَّا كان واليًا- فقلتُ: من خلقهِ؟ -أيْ أريد شاهدًا من خلْقه- فقال: هذين الشَّيْخَين، فأقْبلْتُ على أحدهما، وقلتُ: بأبي أنت وأمِّي, قلْ لي: ما اسْمك حتى أعْرفك؟ فقال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب, فالْتَفَتُّ إلى الأميــر، وقلتُ: لقد اسْتسْمَنْتُ الشاهد, -أي هذا الشاهد جيّد- ثمَّ نظرْتُ إلى الشيخ الآخر, وقلتُ: ومن أنت جُعِلْتُ فداك؟ فقال: أبو يحيى مولى الأمير، فقلْت: وهذا شاهدٌ من أهله، كان شاعرًا ذو دعابة .
قال: ثمَّ حيَّيْت, وانْصرفْتُ بالنُّوق إلى ديار قومي في نَجْد، قال : فرمى الله فيهنّ البرَكة, حتى اقْتَنَيْتُ من نِتاجهنّ الإبل والعبيد، -أي هذه الخمس عشرة ناقة طرحَ الله فيهنّ البرَكة- ثمَّ دارَت الأيَّام دوْرتها، فبَين أنا بِصَحراء ثلجٍ من أرض اليَمامة في نجْد، إذْ ناعٍ ينعي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك, فقلْتُ للناعي: ومَن الخليفة الذي قام بعدَهُ؟ فقال: عمر بن عبد العزيز، فما إن سمعْتُ مقالتهُ, حتَّى شدَدْتُ رحالي نحو بلاد الشام، فلمَّا بلغْتُ دمشق, لقيتُ جريرًا منْصرفًا عند الخليفة فحيَّيْتُهُ, وقلــتُ: من أين يا أبا حمزة؟ فقال: من عند خليفة يعطي الفقراء، ويمنعُ الشعراء, اِرْجِعْ من حيث أتَيْتَ, فذلك خير لك، فقلتُ: ليَ شأنٌ غير شأنِكم، أنا لي وضْع خاصّ، لي معه شاهدين وعهْد، فقال: أنت وما تريد, فانطلقتُ حتى بلغتُ دار الخليفة، فإذا هو في باحة الدار، وقد أحاط به اليتامى, والأرامل, وأصحاب الظلمات، فلم أجِد سبيلاً إليه من تزاحمهم عليه, فرفعْتُ صوتي مرتفعًا:

يا عمر الخيرات والمكارم وعمر الدسائع العظائم
-الدسائع جمعُ دسيعة، وهي الجفنة العظيمة، والقدر الذي يُقدَّم فيه الطعام- .
قال:
إنِّي امرؤٌ من قطنٍ من دارم طلبْتُ دَيني من أخي المكارم
فنَظَرَ إليّ مَولاه أبو يَحيى نظْرة طويلة، ثمَّ الْتفتَ إليه, وقال: يا أمير المؤمنين, إنَّ عندي لهذا البدويّ شهادةً عليك, كان أحد شهوده مولاه أبو يحيى، فقال: أعرفها, ثمَّ الْتفتَ إليّ وقال: اُدْنُ مِنِّي يا دُكَين، فلمّا صِرْت بين يديه مال عليّ, وقال: أتَذْكرُ ما قلتهُ لك في المدينة: من أنَّ نفسي ما نالَت شيئًا قطّ، إلا أنَّها تاقَتْ إلى ما هو أعلى منه؟ فقلتُ: نعم، يا أمير المؤمنين, فقال: وهذا أنا ذا نِلْتُ غايَةَ ما في الدنيا، وهو المُلك، فنَفْسي الآن تتُوقُ إلى غايَة ما في الآخرة، وهي الجنَّة .
-ومرَّةً قال: (تاقَت نفسي إلى الإمارة, فلمَّا بلغْتُها, تاقَت نفسي إلى الخلافة، فلمَّا بلغتها, تاقَت نفسي إلى الجنَّة، ولئن كان الملوكُ يجعلون الملك سبيلاً لِبُلوغ عزِّ الدنيا، فلأجْعلنَّهُ سبيلاً إلى بلوغ عزّ الآخرة) هؤلاء حجَّة على من سِواهم، يمكن أن تكون ملكًا، ويمكنُ أن ترقى إلى الجنَّة، الجنَّة لا تغلقُ أمام أحد، ولو كان ملكًا-.
ثمَّ قال: يا دُكَين، إنّي والله ما رزأْتُ - أخذْتُ - المسلمين في أموالهم درهمًا ولا دينارًا منذ وُليتُ هذا الأمر، وإنِّي لا أملكُ إلا ألف درهمٍ, فَخُذْ نصفها، واتْرُك ليَ نصْفها, فأخذْتُ المال الذي أعْطانيه، فو الله ما رأيْتُ أعظمَ منه بركةً) .
هذه أوَّل صورة، شاعر أعْطاه يوم كان أميرًا خمس عشرة ناقة، فلمَّا صار خليفة, أعطاه خمسمئة دينار من ماله الشَّخصي، وهو يُقسمُ أنَّه ما أخذ دينارًا واحدًا من مسلمٍ من رعِيَّتِهِ .
سيّدنا عمر بن الخطّاب قال هذا، قال: (أيّها الناس، لكم عليّ خمسُ خِصال, خُذوني بهنّ؛ لكم عليّ أن لا آخذ من أموالكم شيئًا إلا بِحَقِّها، ولكم عليّ أن لا أنفقَ هذا المال إلا بِحَقِّه ، وإذا غِبْتُ في البعوث، فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، ولكم عليَّ أن لا أُجمِّركم في البعوث) .

2- ما رواه قاضي الموصل يحيى بن يحيى الغساني :

الصورة الثانيَة: يرْويها قاضي الموصِل يحيى بن يحيى الغسَّاني، يقول: (بينما عمر يطوف ذات يومٍ في أسواق حمص, يتفقَّد الباعة، ولِيَتَعَرَّف على الأسعار, إذْ قام إليه رجلٌ, عليه برْدان أحمران قطريَّان, وقال: يا أمير المؤمنين، لقد سمعتُ أنَّك أمرْت من كان مظلومًا أن يأتِيَك, فقال: نعم، وها أنا قد أتَيْتُكَ، وها قد أتاك رجل مظلومٌ بعيد الدار، فقال عمر: وأين أهلك؟ فقال: في عَدَن، فقال عمر: إنَّ مكانك من مكان عمر لبعيدٌ، ثمَّ نزل عن دابَّتِهِ, ووقفَ أمامه, وقال: وما ظلامتُكَ؟ فقال: ضَيْعَةٌ لي - بستان - وثَبَ عليها رجل مِمَّن يلوذون بك، وانْتَزَعَها مِنِّي، فكتَبَ عمر كتبًا إلى عروة بن محمَّد واليه على عَدَن, يقول فيه:
أما بعد، فإذا جاءك كتابي هذا, فاسْمَع بيِّنَة حامِلِه, فإن ثبتَ له حقّ, فادْفَعْ له حقَّه، ثمَّ ختَمَ الكتاب، وناولَهُ الرجل، فلمَّا همَّ الرَّجل بالانصراف, قال له عمر: على رِسْلِك، إنَّك قد أتَيْتنا من بلدٍ بعيد، ولا ريْبَ في أنَّك اسْتنفذْتَ في رحلتك هذه زادًا كثيرًا، وأخلقْتَ ثيابًا جديدة، ولعلَّه نفقَت لك الدابة، ثمَّ حسب ذلك كلَّه, فبلغَ ذلك أحدَ عشر دينارًا, فدَفَعَها إليه، وقال: أَشِعْ هذا في الناس، قلْ للناس: إنّ عمر أعطاني نفقة السَّفَر، حتى لا يتثاقلَ مظلومٌ عن رفْعِ ظُلامتِهِ بعد اليوم, مهما كان بعيد الدار) .

3- ما رواه زياد بن ميسرة المخزومي :

وأما الصورة الثالثة: هذه الصـورة يرويها العابد الزاهد زِياد بن ميْسَرَة المخزومي, بِالولاء، فيقول: (أرسلني موْلاي عبد الله بن عياش من المدينة إلى دمشق للِقاء أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في حوائج له، وكانت بيني وبين عمر صِلَةٌ قديمة, ترجعُ إلى عهْد ولايتِهِ على المدينة، فدخلْت عليه, فإذا عندهُ كاتبٌ يكتب له، فلمَّا صرْتُ في عتبة الحجرة, قلْتُ: السلام عليكم، فقال: وعليكــم السلام ورحمة الله يا زِياد, ثمَّ مضَيْتُ نحْوهُ خَجِلاً، لأنّي لم أُسلِّمْ عليه بإمرة المؤمنين، فلمَّا انْتَهيْتُ إليه قلتُ: السَّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته، عدَّلَ, فقال: يا زِياد, إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل، فما الحاجة إلى الثاني؟ -المؤمن يتعلَّق بالحقائق، وبِجَوْهر الحياة .
أيها الأخوة الكرام، المؤمن إذا أحْكم اتِّصالهُ بالله عز وجل يسْتغني عن ثناء الناس، وعن تعظيمهم، وعن تبْجيلهم، وعن توْقيرهم، لا يتعلَّق بهذا إلا من أقصى قلبه من الاتّصال بالله عز وجل، وأساسًا أكبر نقطة ضَعْف في الإنسان اسْتِجداء المديح، طبْعًا فقْرُهُ الداخلي يحملُهُ على اسْتِجداء المديح، لو أنَّه وصلَ إلى شيءٍ من الله عز وجل، إلى السكينة التي أخبر الله عنها، إلى الصَّلوات التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة الآية: 103 ]

لو أنَّ الإنسان أشْرقَت نفسهُ بِنُور الله عز وجل, لا يهتمّ بهذه الشَّكْليَّات، ولا بهذه العبارات، فهي عندهُ لا تقدِّم ولا تؤخِّر- .
فقال: يا زِياد, إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل، فما الحاجة إلى الثاني؟ فكان كاتبُهُ إذْ ذاك يقرأُ عليه مظالمَ جاءتْهُ من البصرة مع البريد، فقال لي: اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك، فجلسْتُ على خشبة الباب .
-بالمناسبة الإنسان العظيم طبيعي، والإنسان الصغير إذا عظُمَ فجأةً يتكلَّف, فلو جلسْت مع النبي صلى الله عليه وسلَّم، دخل عليه أحدهم, فأصابتْه رعدة, فقال:

((إنما أنا ابن امرأة, كانت تأكل القديد بمكة))
كلَّما الْتقيْت مع العظماء رأيتهم قريبين منك، حتى إنَّه قيل: ما من أحدٍ خالَطَ النبي صلى الله عليه وسلَّم, إلا ظنَّ أنَّهُ أقربُ الناس إليه, وهذه من عظمة النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل عنه: ما رآهُ أحدٌ بديهةً إلا هابهُ، وما خالطهُ إلا أحبَّه، لكنَّك إذا خالطتَهُ, ترى نفسكَ قريبةً منه جدًّا، وتراه قريبًا منك، فالتَّكَلُّف ليس من صفات المؤمنين، لا تتكلَّف التَّصنّع والكهنوت, هذا ليس من صفات المؤمنين، ويتناقض مع الفطرة السليمة، فأنت عظيمٌ جدًّا, إذا كنت طبيعيًّا- .
فقال لي: اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك، فجلسْتُ على خشبة الباب, والكاتب يقرأ عليه ، وعمر يتنفَّس الصُّعداء من الهمّ، فلمَّا فرغَ كاتبهُ من قراءة الرِّقاع التي معه، وانطلقَ إلى شأنه، قام عمر من مجلسِهِ, ومشى إليه، حتى جلسَ بين يديّ عند الباب، ووضعَ يديْه على ركبتي، ثمَّ يقوم سيّدنا عمر بن عبد العزيز بنفسه عند هذا المولى الذي جاءهُ من المدينة، وقد أرجأهُ قليلاً, لِيَحلّ قضايا المظالم، يبدو أنَّه غفل، فقال لِزِياد: هنيئًا لك يا زياد، لقد اسْتدفأْتَ بِمَدْرعتِكَ، واسْترحْتَ مِمَّا نحن فيه, الخلافة كانتْ عبئًا .
-سيّدنا عمر قال: (لسْتُ خيرًا من أحدكم، ولكنَّني أثقلكم حِمْلاً، والله لو تعثَّرَتْ بغلةٌ في العراق, لحاسبني الله عنها، لِمَ لمْ تفْسِح لها الطريق ياعمر؟!) .
مرَّةً حرمَ نفسهُ أكلَ اللَّحْم مدّةً طويلة، فأصبحَ في بطنهِ صوتًا، فقال: (قَرْقِرْ أيُّها البطْن أو لا تُقَرْقِرْ، فو الله لن تذوق اللَّحْم, حتى يشبعَ منه صِبْيَة المؤمنين) .
مرَّةً دخلتْ عليه زوجتهُ فاطمة، فرأتْهُ يبكي في مُصلاَّه، قالتْ له: (ما لكَ تبكي؟ فقال : دعيني وشأني، فلمَّا ألحَّتْ عليه، قال: إنِّي وُلِّيتُ هذا الأمْر، فذكَرْتُ الفقير الجائع، والضَّعيف ، وذو الحاجة، والأسير، والمظلوم، وذا العِيال, فعَلِمْتُ أنَّ الله سيُحاسبني عن هؤلاء جميعًا، وأنّ حجيجَهـم دوني رسولُ الله، فلهذا أبكي، دعيني وشأني)- .
وكانت عليَّ مدْرعة صوف، ثمَّ طفقَ يسألني عن صُلَحاء أهل المدينة؛ رِجالهم ونسائهم واحدًا واحدًا، فما ترك منهم واحدًا إلا وسألني عنه، ثمّ سألني عن أشياء كان أمرَ بها في المدينة, حينما كان واليًا عليها، فأخبرتهُ عن كلّ ما سأل، ثمَّ تنهَّد وقال: يا زياد, ألا ترى إلى ما وقع فيه عمر؟ فقلتُ: إنِّي أرجو لك في ذلك خيرًا ‍وأجْرًا، فقال: هيهات, ثمَّ بكى, حتى رثَيْتُ له، وقلتُ: اِرْفِق بِنَفسك يا أمير المؤمنين, فإنِّي لأرجو لك خيرًا كثيرًا, فقال: ما أبْعَدَ ما ترْجوهُ يا زياد!.
قال: لقد أصْبح في وُسعي أن أشْتِمَ ولا أُشْتَم، وأن أضْربَ ولا أُضرَب، وأن أوذِيَ الناس, ولا يؤذيني أحد، -مَن بإمكان مجابهة الملك؟ ومن بإمكانه أن يضربهُ؟ منْصب الملك أعلى منصب- ثمَّ بكى كرَّةً أخرى حتى جعلتُ أرثي له، ولقد أقمْت عندهُ أيامًا ثلاثة, حتى قضى ما أرسلني به مولاي، فلمَّا هممْتُ بالانصراف, زوَّدني بِكتابٍ إلى سيّدي يسألهُ فيه: أن يبيعني منه، ثمَّ أخرج من تحت فراشه عشرين دينارًا، وقال: اسْتَعِن بهذا المال على دنياك، ولو كان لك حقّ في الفيء لأعْطَيناك، فأبيْتُ أن آخذ المال منه، فقال: خُذْهُ فما هو من مال المسلمين, إنَّما هو من نفقتي، فامْتنعْتُ عن أخذه، ولكنَّه ما زال بي حتى أخذتهُ منه, ومضَيْتُ، فلمَّا بلغْت المدينة, دفعْت بكتاب أمير المؤمنين إلى مولاي، ففضَّه، وقال: إنَّما سألني أن أبيعك له لِيُعْتِقَكَ, فلِمَ لا أكون أنا المُعْتِقُ لك؟ ثمّ أعْتقَهُ) .

كيف يصل الإنسان بعمله إلى الجنة, وكيف تتحول العادات إلى عبادات ؟

أيها الأخوة الكرام، هذا نموذج, وهو أنَّه ما من عملٍ على وجه الأرض, إلا ويمكن أن يكون طريقًا إلى الجنَّة، وهذه عظمة الإسلام .
وقد قلتُ لكم سابقًا: الإنسان في عمله, ومهنته، وحرفته، ووظيفته، ومنصبهُ، كرسيّه في الجامعة، منصبه في الطب، تجارته، صناعته، العمل الذي ترتزق منه, إذا كان في الأصل مشروعًا، وسلكْت به الأساليب المشروعة التي بيَّنها الله، أيْ لم تكذب، ولم تغشّ، ولم تُدلِّسْ، ولم تظلِم، ولم تحْتكِر، ولم تستغلّ، إذا كان العمل في الأصل مشروعًا, وسلكْت به الأساليب المشروعة، ولم يشْغلْك عن فريضة, أو واجبٍ, أو طلب علْم، وأردْت به كفاية نفسك, وأهلك، وخدمة المسلمين, انقلب العمل إلى عبادة .
فهذا الخليفة العظيم, جعل من هذا المنصب العالي, طريقًا إلى الجنَّة، وكلّ واحد يستطيع أن يجعل, ممَّا أقامه الله فيه، طريقاً إلى الجنة, الله أقامك تاجرًا, أو موظَّفًا، مدرِّسًا، طبيبًا، بائعًا، أيّ عملٍ أقامك الله به, بإمكانك أن تجعلهُ طريقًا إلى الجنَّة، والحياة محدودة وقصيرة، وهذه الحياة مزرعة الآخرة, فانتَبِهوا أيّها الأخوة .
أيها الأخوة، العادات إذا رافقتْها النوايا الطَّيِّبَة, انقلبَت إلى عبادات، فكلّنا نأكل، ونشرب، وننام، ونسكن في بيت، ولنا عمل، ونتنزَّه أحيانًا، يمكن أن تكون نزهتك مع أولادك عبادة، إذا نوَيْتَ أن تُكْرمهم، وأن تمكِّن علاقتهم بك، وأن تضعَ اللّقمة في فم زوجتك, هي لك صدقة، أن تجلس مع أهلك, تؤْنسهم بِحَديثك, هو لك صدقة .
فالإنسان إذا عرف الله عز وجل, فكلّ ذلك محْسوم، كلّ شيءٌ يعمله, هو عملٌ صالح يرقى به، فالعِبرة أن تعرف الله تعالى أوَّلاً، وأن تعرف سرّ وجودك ثانيًا، وغاية وجودك، الآن كلّ حركاتك وسكناتك أعمال صالحة، حتى الأعمال التي تظنّها عاديّة، أن تشتري بيتًا لابنك، أطْعم أهله، ودعا أخوانه إلى طعام، أخذ أهله إلى نزهة، ارتدى ثيابًا جديدة، بصفته مسلمًا، فالظهور بمظهر أنيق واجب، فالأعمال العاديّة بالنوايا الطَّيّبة تنتقل إلى عبادات، والأعمال الجليلة تنقلب إلى عبادات .
خليفة المسلمين قال: (الناس يتَّخذون الملك ليكون طريقًا إلى الدنيا، وأنا أتَّخذه طريقًا إلى الآخرة))
فيمكن لأيّ عملٍ على الإطلاق، طبعًا إذا كان مشروعًا، أن يكون لك طريقًا إلى الجنَّة ، فعلى الإنسان مراجعة حساباته، ويجتهد في معرفة الله، ومعرفة كتابه ومنهجه، حتَّى تنقلب حياته إلى مغانمَ, لا إلى مغارم، فهناك مَن يموت، قال تعالى:
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾

[ سورة الكهف الآية: 105]

العبرة أن تعرف ربّك، وأن تعرف منهجه، وبها تصير حركاتك كلّها صالحة، عملك، وبيتك، وتربية أولادك، إطعامك لأهلك، نشاطك الاجتماعي, كلّه في سجلاّت الأعمال الصالحة.

ما هي العبرة التي نستفيدها من قصة سيدنا عمر بن عبد العزيز ؟

أيها الأخوة, فهذا الدرس عن سيّدنا عمر بن عبد العزيز, تؤكِّد قصته: أن المؤمن طموح لأعلى درجة، ولكن طموح المؤمن لا ينتهي عند الدنيا، بل ينتهي إلى الآخرة، فالدنيا مَطِيَّة، والحياة جميلة، لكن لمَن عرف الله .
يقول أحد العارفين بالله : (مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا، وغادروها، ولم يعرفوا أجْمل ما فيها) .
يقول أحد العارفين بالله: (ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري؛ إن حبسوني فحَبسي خَلوَة، وإن أبعدوني فإبعادي سِياحة، وإن قتلوني فقتْلي شهادة) وهذه دعوة لطيفة من الله عز وجل، قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل الآية: 97]

أنت بِمَعرفة الله تجعل حياتك ذات معنى، لذلك حياة العظماء عظيمة جدًّا، هل تصدِّقون أنَّ الله سبحانه وتعالى أقْسمَ بماذا؟ بِعُمُر النبي, قال تعالى:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 72]

خالق الكون يُقْسمُ بِعُمُر النبي، فالعُمْر قد يكون قصيرًا جدًّا، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى الدنيا، وعاش فيها ثلاث وستِّين سنة، قلبَ وجْه الأرض، وعمَّت الفضيلة في القارَّات الخمْس .
لذلك الإنسان إذا أراد أن يتْرك شيئًا في الحياة, الله عز وجل يعينه على ذلك، ويكرمه، فما علينا إلا أن نتحرَّك، والله معنا .
أنت تحرَّك؛ اُتْرك عملاً صالحًا، اُدْعُ إلى الله، دُلَّ الناس على الله، أتْقِن عملك، وانْصح المسلمين، أما الإنسان الذي لا عمل له، فلا شيء له عند الله تعالى، فحجْم الإنسان عند الله بِحَجم عمله الصالح .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 02-10-2017, 11:17 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 20-20 : التابعي محمد بن الحنفية بن الإمام علي كرم الله وجهه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-10-06





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ماذا نستفيد من هذه القصة التي وقعت بين محمد بن الحنفية وأخيه الحسن بن علي ؟

أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس العشرين من دروس التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتابعيّ اليوم هو محمد بن الحنفيّة بن الإمام عليّ كرَّم الله وجهه .
وقعَت بين محمد بن الحنفيَّة وأخيه الحسن بن عليّ جَفْوَة، فأرْسل بن الحنفيّة إلى الحسن يقول: (إنَّ الله فضَّلَك عليّ، فأُمّك فاطمة بنت محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلّم، وأمي امرأة من بني حنيفة، وجدّك من أمّك رسول الله، وصفوته من خلقه، وجدّي لأمِّي جعفر بن قيس، فإذا جاءك كتابي هذا, فَتَعال إليّ وصالِحني, حتى يكون لك الفضْل عليّ في كلّ شيء؟ فما إن بلغَتْ رسالته الحسن, حتى بادر إلى بيته وصالحَهُ) .
هذه القصَّة أريد أن أقف عندها قليلاً؛ أوَّلاً: النبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون, معصوم بِمُفرَدِه، وأمَّته معصومة بِمَجموعها، بمعنى أنَّ كلّ إنسان يؤخذ منه، ويُرَدّ عليه, إلا صاحب القبّة الخضراء صلى الله عليه وسلّم .
الشيء الآخر: أنّ النَّسَب كما قلتُ من قبل: تاجٌ يُتَوّج به الإيمان، فإن لمْ يكن هناك إيمان, فلا معنى للنَّسَب إطلاقًا، وأكبر دليل: أنَّ أبا لهب عمّ النبي, كان مصيرهُ كما تعلمون، لمْ ينْفعهُ نسبهُ، وقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لا يأتيني الناس بأعمالك, وتأتوني بأنسابكم))
ولكن هناك سؤال: القاعدة الأصوليّة: لا مؤاثرةَ في الخير، والخير كلّه في المؤاثرة، القصَّة طريفة وتُرْوى، ولكنّك لو أردت أن تقيسها بمِقياس الأصول، مثلٌ أوْضَحُ:
لو أنَّ أخوَيْن لهما أمّ، فالأوّل لمْ يُقدِّم لها الخدَمات, لِيُفسِحَ المجال لأخيه, أن يسْبقهُ إلى هذا العمل، فَيُؤثرهُ في هذا العمل, هل هذا مقبول في الشرع؟ أبدًا, لا مؤاثرة في الخير، لا أوثرُ أحدًا على طاعة الله، لا أوثرُ أحدًا على فضل الله، لا أوثرُ أحدًا بخدمة الله، ما دام الأمر متعلّقًا بِمَرضات الله تعالى, فأنا أسبق .
فالقصّة طريفةٌ ونرويها، ولكن الإنسان ينبغي أن يعلم أنَّه لا مؤاثرة في الخير، لو قبلنا هذه القاعدة, لا أحدَ يفعل الخير أبدًا، تسأله لِمَ لمْ تفعل الخير؟ فيقول: تركْتهُ لِفُلان كي يفعله، ويكون أفضل؛ آثرْتهُ على نفسي, هذا الكلام مرفوض، ومن لهُ أمّ وأب، لِيُبادِر بِخِدْمتِهِما وبِرِّهما، ولْيَسْبِقْ أخوتَهُ جميعًا، ولا يُبالي أن يكون هو الأسبق من أخوته في هذا العمل، لا مؤاثرة في الخير، والخير كلّه في المؤاثرة، أنا أُوثر أخي في كلّ شيء، أعطيه البيت الأفضل، والمركبة الأفضل، والحانوت الأفضل، وأُعطيه حِصَّتي، فالخير في المؤاثرة، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة الحشر الآية:9]

أما أن أوْثر أخي بطاعة الله، وأوْثر أخي بالخير، فهذا لا، معنى ذلك أنّ أخاك أغلى عندك من الله، إذا آثرْت أخاك بالخير, معنى ذلك أنّ أخاك أكرمُ عليك من الله، آثرْتهُ بالخير لِيَسْبقَك إلى الله، نصيبُكَ من الله, لا ينبغي أن تؤثر به أحدًا، طاعتك لله لا ينبغي أن تدَعَها لإنسان، وهذه حقيقة .
أيها الأخوة, لا مؤاثرة في الخير، والخير كلّه في المؤاثرة، لكَ أن تؤثِرَ أخاك بالدنيا، أما أن تؤثرهُ بِنَصيبِكَ من الآخرة؛ فلا, فالقصَّة طريفة، ولكن كلّ شيءٍ نقرؤهُ, ونسْمعهُ, له منهج، وكتاب, وسنَّة, وقواعد عامَّة .

إليكم علة هذه التسمية لمحمد بن الحنفية :

في ذات يومٍ, كان الإمام عليّ كرَّمَ الله وجهه في جلْسةٍ مع النبي صلى الله عليه وسلّم ، فقال:

((يا رسول الله! أرأيْت إن ولِدَ لي ولدٌ من بعدك, أفَأُسمِّيه باسمِكَ، وأُكنِّيهِ بِكُنْيتِك؟ فقال: نعم))
ودارت الأيّام, فلَحِقَ النبي صلى الله عليه وسلّم بالرفيق الأعلى، وتَلَتْهُ بعد أشهر قليلة ابنتهُ, وريْحانتهُ فاطمة البتول أمّ الحسن والحسين، طبْعًا سيّدنا عليّ له أن يتزوَّج امرأةً بعد السيّدة فاطمة، فأسْفَرَ عليّ إلى بني حنيفة، وتزوَّج خَولة بنت جعفر بن قيْس الحنفيَّة، فولدَت له مولودًا سمَّاهُ: محمَّدًا، وكنَّاه بأبي القاسم بإذْنٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
فهذا اسمه وكنيتـهُ؛ محمّد بن القاسم بن الحنفيَّة، هذا الاسم وهذه الكنيَة بإذْن من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لكنّ الناس فيما بعد كنَّوهُ: محمَّد بن الحنفيَّة، تفريقًا له عن أخَويْه الحسن والحسين ابني فاطمة الزهراء، ثمّ عُرِف في التاريخ فيما بعد بِمُحمَّد بن الحنفيَّة.

لمحة عن نشأة الإمام محمد بن الحنفية :

وُلِدَ هذا الغلام في أواخر خلافة الصِّديق رضي الله عنه، ونشأ وتربَّى في كنف أبيه علي بن أبي طالب، وتخرَّجَ على يديه, فأخذ عنه عبادتهُ وزهادتهُ، وورِثَ منه قوَّته وشجاعته، وتلقَّى منه فصاحته وبلاغتهُ, الحدّ الأدنى أنْ يكون ابنُك مثلك، والحدّ الأدنى أن تربِّي ابنَكَ كما نشأْت أنــــت ، أن تربِّي ابنكَ على العقيـدة الصحيحة .
فإذا هو كما يقولون: (راهبٌ من رهبان الليل، وفارس من فرسان النهار، ولقد أقْحمهُ عليّ كرّم الله وجهه في حروبه التي خاضها، وحمَّلَهُ من أعبائِها ما لمْ يُحمِّلْهُ لأخَوَيْه الحسن والحسين، فما لانَتْ له قناة، وما وهَنَ له عزْم) .
ولقد قيل له ذات مرَّة: (ما لأبيكَ يُقْحِمُك في المهالك, ويولجُكَ في المضايِق دون أخوَيْك الحسَن والحسين؟ -هناك دائمًا من يوقِعُ بين الأخوة-, فقال: ذلك لأنَّ أخويَّ ينزلان من أبي منزلة عيْنيه، وأنا أنزل منه منزلة يديه, فهو يقِي عيْنيْه بيدَيه) وأساسًا من علامة النجاح بالحياة, ألاَّ تسْمحَ لأحدٍ أن يدخل بينك وبين أقرب الناس إليك .
مرَّةً سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه سألهُ رجل: (لماذا انْصاعَ الناس لأبي بكرٍ وعمر، ولم ينْصاعوا لك؟ فقال سيّدنا عليّ بِبَساطة: لأنَّ أصحابهم أمثالي، وأصحابي أمثالك) .
قال مرَّةً رجل لسيِّدنا الصِّديق: (أأنْت الخليفة أم هو؟ فقال: هو إذا شاء) لا تسْمح لإنسان يوغِر صدْركَ على إنسان تحبَّه، ولا تسمح لإنسان أن يدخل بين أخوَين، وبين شريكين ، وبين جاريْن، وبين مسلمين، لأنَّ في كلّ زمان هناك من يوقع بين الأخوة العداوة والبغضاء.
هذا الرجل عاصرَ بعض الفِتَن، فقال: (عاهدْتُ نفسي ألاّ يُرفعَ لِيَ سيْف في وجه مسلمٍ بعد اليوم) شيءٌ كبير جدًّا أن تحاربَ مسلمًا، واللهُ عز وجل قال:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 60]

أيْ يجب أن يكون دائمًا عدوّكم عدوّ الله، فإذا كان عدوّكم ليس عدوًّا لله, فهذه مصيبة كبيرة جدًّا، ومن أكبر المصائب أن تُقاتِلَ مسلمًا، ومن أكبر الجرائم أن تقاتل مسلمًا، والذي يقتل مسلمًا ليس له توبةً إطلاقًا, فهو خالدٌ مخلّدٌ في النار، بنَصّ القرآن الكريم .

محمد بن الحنفية يبايع معاوية على الخلافة :

لمَّا آلَ الأمر إلى معاوِيَة بن أبي سفيان, بايعَهُ محمّد بن الحنفيّة على السَّمع والطاعة في المنشط والمكْره، رغبةً في رأب الصَّدع، وجمْع الشَّمل، وعزّة الإسلام والمسلمين، معنى ذلك هناك مصالح عليا، فهذه مُفضَّلَة ومُقدَّمة على المصالح الخاصَّة، والإنسان بِقَدْر إخلاصه يؤْثر مصْلحة مجموع المسلمين على مصالح الأفراد، طبعًا هناك خلاف عميق بين والدِهِ وبين معاوية، ومع ذلك لمّا آل الأمر إلى معاويَة, بايعَهُ رأْبًا للصَّدع، وجمْعًا للشَّمْل، وإعزازًا للإسلام والمسلمين .
أيها الأخوة, لا بدّ على كلّ واحدٍ منكم، أن يقدِّم المصْلحة العامَّة للمسلمين على المصْلحة خاصَّة لجَماعة معيَّنة، فيجب أن ترْأبَ الصَّدع، وتلمّ الشَّمْل، وأن تُعزِّز الوحدة فيما بين المسلمين، وأن تقرِّبَ فيما بينهم، لا أن تُباعِد، ويجب أن تجْمع بينهم، لا أن تُفرِّق، ويجب أن تكون عَوْنًا على اللِّقاء، لا عوْنًا على التَّفْرقة، وهذا ينبعُ من إخلاصك، كلَّما نما إخلاصك, تنمو معه الرغبة في رأب الصَّدع، ولمّ الشّمل، وتوحيد الكلمة، دائمًا التَّفرقة من الشيطان، يقول عليه الصلاة والسلام:

((ليس منا من فرَّق))
فتعميق الخلاف من الشيطان، والتباعد من الشَّيطان .
معاوِيَة بن أبي سفيان اسْتَشْعر صِدْق هذه البيْعة وصفاءها، واطمأنَّ إلى صاحبها أشدَّ الاطمئنان, ممَّا جعلهُ يسْتزيرُ - أيْ يدْعوه لِزِيارته - .
أيها الأخوة، إذا وقَعَت فتنة, هنيئًا لِمَن كان بعيدًا عنها، لأنَّ إذا كانت هناك فتنة بين المؤمنين, فهذا إشْكال كبير، وإيَّاك أن تكون طرفًا فيها، والإنسان السعيد هو من يبتعِد، لأنَّ هذا شيءٌ كبير عند الله عز وجل، أن تكون طرفًا في تأجيجها، إذا كان الأمر بين المسلمين انْسَحِب، وصحابة كثر, لمَّا رأوا الفتنة بين المسلمين, انْسحبوا وآثروا السَّلامة .

من الطرائف :

ومن طريف ما يُرْوى: أنَّ ملِكَ الروم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يقول: (إنّ الملوك عندنا تُراسِلُ الملوك، ويُطْرفُ بعضهم بعضًا بِغَرائبِ ما عندهم، ويُنافسُ بعضهم بعضًا بِعَجائب ما في ممالكِهم، فهل تأذن لي بأن يكون بيني وبينك بما يكون بينهم؟ -ملك الروم يستأذن معاوية بن أبي سفيان خليفة المسلمين, أن يكون بين الملكين مراسلات, وإطراف ومساجلات, ومسابقات, وما شاكل ذلك- فأجاب معاوية بالإيجاب، وأذِنَ له .
فوجَّهَ إليه ملك الروم رجلين من عجائب الرِّجال؛ أحدهما طويل مفرِط في الطول، جسيم موغِل في الجسامة، حتى لكأنَّه دوْحةٌ باسقة في غابة، أو بناء مبني, -جسمه غير معقول, كأن يكون مترين وعشرين سنتيمتر- والثاني قويّ غاية القوَّة، صُلْب متين, كأنَّه وحشٌ مفترس، وبعثَ إليه معهما رسالة يقول فيها: أفي مملكتك من يُساوي هذين الرجلين طولاً وقوَّةً؟ فقال معاوية لِعَمْرو بن العاص: أما الطويل فقد وجدْت من يُكافئُهُ ويزيد عليه، وهو قيس بن سعْد بن عبادة, وأما القويّ فقد احْتجْتُ إلى رأيِكَ فيه, فقال عمرو: هناك رجلان, غير أنَّ كليهما عنك بعيد هما: محمَّد بن الحنفيَّة، وعبد الله بن الزبير، فقال معاوية: إنَّ محمّد بن الحنفيّة ليس عنَّا بِبَعيد, فقال عمرو: ولكن أتظنّ أنَّهُ يرضى على جلالة قدْره، وسموّ منزلته, أن يُقاوِي رجلاً من الروم على مرأى من الناس؟ فقال: إنَّه يفعلُ ذلك، وأكثر من ذلك, إذا وجدَ في ذلك عزًّا للإسلام .
-سيّدنا رسول الله, جاءهُ مرَّةً من يُفاخرهُ بالشِّعر، فقال: (قُمْ يا حسَّان, فأجِبْ الرجل) أي هناك مواطن, لمَّا يبرز المسلم ويتفوَّق, فهذا العزّ ليس له، وإنَّما لِمَجموع المسلمين- .
ثمّ إنّ معاوية دعا كلاًّ من قيس بن سعْد، ومحمّد بن الحنفيَّة، فلمَّا انْعقَد المجلس, قام قيس بن سعْد, فنَزَعَ سراويله، ورمى بها إلى العلْج الرومي، وأمرهُ أن يلبسها, فلبسَها, فغطَّتْ إلى ما فوق ثَدْييْه, فضَحِكَ الناس منه, -معناه أنَّه أطْول- .
وأما محمّد بن الحنفيَّة فقال للترجمان: قلْ للرومي: إن شاء فلْيَجلِسْ، وأكون أنا قائمًا ، ثمَّ يعطي يدهُ, فإما أن أُقيمهُ، وإما أن يُقْعِدَني, وإن شاء فلْيَكُن هو القائم وأنا القاعد، فاخْتار الرومي القعود، فأخذ محمّد بن الحنفيَّة بيَدِهِ, وأقامه، وعجَزَ الروميّ عن إقعاده, فذبَّتْ الحَميَّة في صدْر الرومي، واختار أن يكون هو القائم, ومحمّد هو القاعد، فأخذ محمَّد بيَدِهِ، وجبذهُ جبْذةً, كادت تفْصلُ ساعدهُ من كتفِهِ، وأقْعدهُ في الأرض، فانْصرف العلجان الروميان إلى ملكهما مَغلوبَين مخذولين) ‍‍.
المجتمع المسلم فيه كلّ شيء، والحقيقة طلب العلم فرْض عَين، أما الاختصاص الآخر فهو فرْض كفاية، فيَجِب أن يكون عندنا أقوياء مترْجِمون، كلّ اختصاص المسلمون بِحاجة إليه، ووُجوده فرْض كفاية، إذا قام به البعض, سقط عن الكلّ .
ما هو سبب الانتقام بين عبد الله بن الزبير وبين عبد الملك بن مروان, ولماذا أمر عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية ومن معه من بني هاشم أن يلزموا شعبهم في مكة ؟
والأيَّام دارَتْ مرَّةً ثانيَة، ولَحِقَ معاوية, وابنه يزيد، ومروان بن الحكم, إلى جوار ربِّهم، وآلتْ زعامة بني أميَّة إلى عبد الملك بن مروان، فنادى بنفسه خليفة للمسلمين, فبايعَهُ أهل الشام، وكان أهل الحجاز والعراق, قد بايعوا لعبد الله بن الزبير .
الآن هناك مشكلة وانتقام، عبد الله بن الزبير يحكم الحجاز والعراق، وعبد الملك بن مروان يحكم بقيَّة البلاد الإسلاميّة، وطفقَ كلّ منهما يدعو منْ لم يُبايِعهُ لِبَيْعَتِهِ، ويزعم لنفسه أنّه أحقّ بالخلافة من صاحبه، فانْشقّ صفّ المسلمين مرَّةً أخرى، وهنا طلب عبد الله بن الزبير من محمَّد بن الحنفيَّة أن يُبايِعَهُ كما بايعهُ أهل الحجاز، غير أنَّ ابن الحنفيَّة لم يكن يخفى عليه, أنَّ البيْعة تجعل في عنقِهِ لِمَن يُبايِعُه حقوقًا كثيرة، منها: سلّ سيْفِهِ دونه، وقتال مخالفيه، وما مخالفوه إلا مسلمين قد اجْتهدوا؛ فبايعوا لغير من بايَع، فهو ما أراد أن يكون ورقةً رابحةً في يدي أحد الطَّرفَين .
أيها الأخوة, هذه نقطة مهمَّة جدًّا، وأنا أتمنَّى على أهل العِلْم، والدعاة إلى الله، وعلى العلماء, أن يمْتَنِعوا أن يكونوا ورقةً رابحةً بيَدي الأقوياء، وأن تفوق هؤلاء جميعًا، اربأ بِعِلمِك على أن يكون مطِيَّةً لإنسان, اِرْبَأ بمكانتك عن أن تكون أداةً بيَدِ إنسان، وورقةً رابحةً لِجِهة دون أخرى, فهذا التابعيّ الجليل ما قبِل أن يكون ورقةً رابحة بيَدِ أحد الفريقين .
فقال لعبد الله بن الزبير: (إنَّك لَتَعْلم علْم اليقين أنَّه ليس لي في هذا الطلب أرَبٌ ولا مأرب، وإنَّما أنا رجل من المسلمين, فإذا اجْتمعَت كلمتهم عليك, أو على عبد الملك, بايعْتُ من اجْتمعَت كلمتهم عليه، أما الآن فلا أُبايِعُك، ولا أُبايِعُهُ .
فجعل عبد الله يُعاشرهُ، ويُلايِنُهُ تارةً، ويعرض عنه, ويُجافيه تارةً أخرى، غير أنّ محمّد بن الحنفيَّة ما لبث أن انْضمَّ إليه رجالٌ كثيرون رأَوا رأيَهُ, وأسْلموا قيادهُم إليه, حتى بلغوا سبعة آلاف رجل مِمَّن آثروا اعتزال الفتنة .
وكان كلَّما ازْداد أتباع بن الحنفيّة عددًا, ازْداد بن الزبير منهم غيظًا، فألحَّ عليه بطلبِ البيعَة، فلمَّا يئس من ذلك، أمرهُ هو ومن معه من بني هاشم وغيرهم, أن يلْزموا شِعْبهم بِمَكّة ، وجعل عليهم الرّقباء، -يعني إقامة جَبريَّة, فالإنسان هو الإنسان، والحاكم هو الحاكم، والقويّ هو القويّ- .
ثمّ قال لهم: والله لتُبايِعُنّ أو لأهدِّدنَّكم، ثمّ حبسهم في بيوتهم، حتى إنَّه هدّدهم بالقتل ، عند ذلك قام إليه جماعة من أتباعه, وقالوا: دعنا نقتل ابن الزبير، ونُريح الناس منه, فقال: أفنوقِد نار الفتنة التي من أجلها اعْتزَلنا، ونقتل رجلاً من صحابة رسول الله, ومن أبناء صحابته؟ لا, والله لا نفعل شيئًا ممَّا يُغضب الله ورسوله) .
ما فعل عبد الملك حينما علم بشأن محمد بن الحنفية, وهل حقق عبد الملك من جراء خطته شيئاً ؟
لمَّا بلغ عبد الملك بن مروان ما يعانيه محمّد بن الحنفيّة ومن معه من بأس ابن الزبير, رأى الفرصة سامحةً لاسْتِمالتهم إليه، فالتنافس دائمًا من صالح الضعيف، فأرسل إليه كتابًا مع رسول من عنده، لو كتبه لأحد أبنائه لما كان أرقّ لهْجةً، ولا ألطفَ خِطابًا، وكان ممَّا جاء فيه : (لقد بلغني أنَّ ابن الزبير قد ضيَّقَ عليك، وعلى من معك الخِناق، وقطع رحمك، واسْتخفَّ بِحَقِّك، وهذه بلاد الشام مفتوحة أمامك, تستقبلك أنت ومن معك على الرحْب والسّعة، فانزِل فيها حيث تشاء، تلقى بالأهل أهلاً، وبالجيران أحبابًا، وسوف تجد عارفين لحقِّك، مقدِّرين لفضلك، واصلين لرَحِمِك إن شاء الله, طبعًا هو كان يريد أن يستميلهُ .
سار محمّد بن الحنفيَّة ومن معه مُيمِّمين وجوههم شطر بلاد الشام، فلمَّا بلغوا أبلة استقروا فيها، وأبلة شمال بلاد العقبة، فأنزلهم أهلها أكرَمَ منْزِل، وجاوروهم أحْسنَ جِوار، وأحبُّوا محمَّد بن الحنفيَّة، وعظَّموه لما رأوا من عُمْق عبادته, وصدْق زهادته، فطفقَ يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويُقيم فيهم الشعائر، ويصلح ذات بينهم، -وهكذا المؤمن، أينما جلس, يصلحُ بين المسلمين، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، في إقامته, وسفره، وفي إبعاده، كما قال أحد العارفين: ماذا يصنع أعدائي بي؟ جنَّتي في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن سجنوني فسِجني خلوة، وإن قتلوني فقتْلي شهادة- .
فلمَّا بلـغ ذلك عبد الملك بن مروان, شقّ عليه الأمر، واستشار خاصَّته، فقالوا: ما نرى أن تسمح له أن يقيم في مملكتك، وسيرته كما علمْت, يستقطب الناس من حوله، وكلَّما امتدَّ به العمر, زادتْ جماعته، ولا مصلحةَ أن يقيم في مملكتك، فإما أن يُبايِعَ لك، وإما أن يرجع من حيث جاء، فكتـب إليه عبد الملك يقول: إنّك قد قدمْت بلادي, فنزلْت في طرفٍ منها، وهذه الحرب قائمة بيني وبين عبد الله بن الزبير، وأنت رجل لك بين المسلمين ذِكْر ومكانة، وقد رأيتُ ألاّ تقيم في أرضي إلا إذا بايعتني، فإن بايعْتني فلك منِّي مئة سفينة, قدِمَت عليّ أمس من القلْزَم, فخُذْها بما فيها، وبمن فيها، ولك معها ألف ألف درهم مع ما تفرضه من فريضة لنفسك, ولأولادك, ولذوي قرابتك, ومواليك, ومن معك, -إغراء عجيب! ملايين وسفن كلّها لك على أن تُبايِعَني- فإن لمْ تُبايِعني, فارْجِع من حيث أتَيْتَ، وإن أبيْت, فتحوَّل عنِّي إلى مكان, لا سلطان لي عليه .
فكتب إليه محمَّد بن الحنفيَّة يقول: من محمّد بن علي إلى عبد الملك بن مروان, سلامٌ عليك، وإنِّي أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليك، أما بعد:
فلعلَّك تتخوَّف منِّي، وكنتُ أحْسبُ أنَّك عارفٌ بِحَقيقة موقفي من هذا الأمر، ووالله لو اجْتمعَت عليَّ هذه، وإنّي لما أبيْت أن أبايِع عبد الله, أساء جِواري، ثمّ كتبتَ إليّ تدعوني إلى الإقامة في بلاد الشام، فنزلت بِبَلْدةٍ من أطراف أرضك برُخص أسعارها، وبعْدها عن مركز سلطانك، فكتبت إليه ما كتبت به، ونحن منصرفون عنك إن شاء الله) .
ما هي النكبة التي وقع فيها محمد بن الحنفية, وكيف تخلص منها, ومتى بايع عبد الملك بن مروان بيعة الخلافة ؟
انْصرف محمّد بن الحنفيّة برِجاله وأهله عن بلاد الشام، وطفق كلَّما نزلَ بِمَنزلٍ يُزْعج عنه، ويُدعى إلى الرحيل عنه، وكأنَّه لم تكْفهِ همومه كلّها، فشاء الله أن يختبرهُ بِهُموم أخرى, أشدّ وقْعًا، وأثْقلَ وطأةً .
في الحقيقة أنا اخترت هذه القصّة بهذه الصفحة فقط، لأنَّ هذه الصَّفحة أعلِّق آمالاً كبيرة، الآمال أن نقف عند الكتاب والسنَّة, وألاّ نزيد شيئًا .
ذلك لأنّ جماعةً من أتباعه مِمَّن في قلوبهم مرض، وآخرون مِمَّن في عقولهم غفلة, جعلوا يقولون: (إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أوْدع صدْر عليّ وآله كثيرًا من أسرار العلم ، وقواعد الدِّين, وكنوز الشريعة، وإنَّه خصَّ آل البيت بما لمْ يُطلع غيرهم عليه، فأدرك الرجل العامل العالم الأريب ما يحمله هذا الكلام في طيَّاته من انحراف، وما يمكن أن يجرَّه على الإسلام والمسلمين من مخاطر وأضرار .
فجَمَعَ الناس وقام فيهم خطيبًا، حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيّه محمد صلوات الله, وسلامه عليه، ثمَّ قال: يزْعم بعض الناس أنَّ عندنا معشر آل البيت علْمًا خصَّنا به رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولمْ يُطْلع عليه أحدًا غيرنا، وإنَّا والله ما ورِثْنا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا ما بين هذين اللَّوْحين، وأشار إلى المصحف, كان أمامه مصحف فيه دفَّتين , وإنَّ من زعمَ أنَّ عندنا شيئًا نقرؤُهُ إلا كتاب الله؛ فقد كذب))
سيّدنا النبي عليه الصلاة والسلام كُسفَت الشمس في عهده يوم مات إبراهيم، فقال بعض أصحاب النبي: لقد كُسِفَت حزْنًا عليه, فجمع أصحابه وقال:
((إنَّ الشمس والقمر آيتان لا ينبغي ....))
إذا كنت صادقًا وأمينًا على الوحي، وأمينًا على دين الله, لا تسْمح ببِدْعةٍ تُقال على لِسانك، ولا توصَفُ بها أنت، دائمًا بيِّن الحقيقة، إذا كنت مخلصًا، لكنَّ أناسًا كثيرون يُحاطون بِهالةٍ كبيرة، ويعرفون أنَّها غير صحيحة ويسكتون, لماذا يسكتون؟ لأنَّهم يرتفعون بها, لكنّ إخلاصك لله, ينبغي أن يكون أقوى .
لكنَّ أتباعهُ بدؤوا يُسلِّمون عليه ويقولون: (السلام عليك يا مهديّ, فيقول: نعم، أنا مهديّ إلى الخير، وأنتم مهديُّون إليّ إن شاء الله تعالى، ولكن إذا سلَّم عليّ أحدكم, فلْيُسمِّني باسْمي، وليقُلْ: السلام عليك يا محمَّد) ما قبِلَ أن يكون المهْدي، وما قبِلَ أن يكون قد خُصّ بِعِلْم لم يُخصَّ به بقيَّة أصحاب رسول الله, وهذا هو الإخلاص، فإيَّاك أن تقبلَ بِدْعةً أو مبالغةً ، إيَّاك أن تقبلَ تعظيمًا يرفعُك فوق قدْرك، أو تقبلَ قداسةً لا تستحقّها، عندئذٍ تكون قد اشتريْت بالدِّين الدنيا .
لمْ تطلْ حَيْرةُ محمَّد بن الحنفيَّة في المكان الذي يستقرّ فيه هو ومن معه، فقد شاء الله عز وجل أن يقضِيَ الحجّاج بن يوسف الثَّقفي على عبد الله بن الزبير، وأن يُبايِعَ الناس جميعًا لعبد الملك بن مروان، فما كان منه إلا أن كتب إلى عبد الملك يقول: (إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من محمّد بن عليّ، أما بعد: فإنِّي لمَّا رأيْتُ هذا الأمر أفْضى إليك، وبايعَكَ الناس, كنتُ كَرَجُلٍ منهم, فبايَعْتُكَ لواليكَ في الحجاز، وبعثْتُ لك بِبَيْعتي هذه مكتوبةً، والسلام عليكم .
-لمَّا انتهَتْ الفتنة، وآل الأمر إلى عبد الملك بايعَهُ بيْعةً مكتوبةً، ولم يعد عليه تَبِعَة، فلو بايعَهُ قبل انتهاء الفتنة, كانت عليه مسؤوليَّة المحاربة معه، وأن يقتل المسلمين من أجله، فلمَّا اسْتقرَّ الأمر على ذلك, بايعَهُ بيْعةً مكتوبة- .
فلمَّا قرأ عبد الملك الكتاب على أصحابه، قال له أصحابهُ: واللهِ لو أراد أن يشقّ عصا الطاعة، ويُحْدثَ في الأمر فتْقًا, لقدَرَ على ذلك، معه أتباع وعدد كبير، وهو في مَنْأى عنك، ولما كان عليه من سبيل، فاكْتُب إليه بالعهد، والميثاق، والأمان، وذمّة الله ورسوله؛ أن لا يُزْعَجَ، أو يُهاج هو أو أحد من أصحابه، وكتب عبد الملك إلى الحجّاح, يأمرهُ بِتَعظيمه, ورِعايَة حرمتهِ, والمبالغة في إكرامه) .

خلاصة القول عن محمد بن الحنفية :

هذا نموذج لإنسان, بعيد عن الفتنة، وبعيد عن الانحِياز, لفئة دون أخرى، وبعيد أن يكون ورقةً رابحةً, بيَدِ جهة من أهل الدنيا، وبعيد على أن يُسْهم في سفْك دماء المسلمين، ابتعَدَ, ودفَعَ الثَّمَنَ باهظًا، فلمَّا انتهى الأمر بايعَ، وهذا موقف حكيم .
أيها الأخوة, إلا أنَّ محمّد بن الحنفيَّة لم يعِشْ بعد ذلك طويلاً، فقد اختارهُ الله إلى جِوارهِ راضِيًا مرْضِيًا .

العبر التي نستخلصها من قصة محمد بن الحنفية مع عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن

أيها الأخوة، أثْمَنَ شيء في الحياة: أن تنام على وِسادتك، وليس على عاتقك شيء؛ لا دماء، ولا حقوق مغتصبة، ولا أموال، ولا تبني مجْدك على أنقاض الناس، ولا تبني مالك على فقرهم، ولا أمنَكَ على خوفهم، ولا غناك على فقرهم، ولا حياتك على موتهم، وهذه هي البطولة أن ترضيَ الله عز وجل، وأن تكون بعيدًا عن التَّبِعات .
وقد أردْتُ من هذه القصَّة: الموقف الحكيم الذكيّ الواضح الأمين على هذا الشرع، فما سمحَ لأتباعِهِ أن يُعظِّموه، ولا أن يُقال له المهدي، ولا أن يرفعوه فوق مقامه، ولا أن يسمح أن يُقال عن والده, أنَّه خُصَّ بعِلْم ما خُصَّ غيره به من أصحاب رسول الله، فقد كان وقَّافًا عند كتاب الله، وكلّ إنسان داعِيَة صادق ومخلص, لا يسمح لأحد أتباعِهِ أن يزيد من حجمه على حساب عقيدته أبدًا, هذا هو المطلوب الآن .
علاجنا في العودة إلى الكتاب والسنَّة، وعلاجنا في أن تعْطِيَ كلّ شيءٍ حجمهُ الحقيقي، لا أن تزيد وتبالغ، ولا أن تذل وتحتقر، دائمًا كن موضوعيًّا، واعْطِ الوصف الصحيح ، العلم في تعريفه: الوصف المطابق للواقع مع الدليل .
هذه قصَّة التابعي الجليل محمد بن الحنفيَّة بن سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #21  
قديم 02-11-2017, 10:27 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

حفصة بنت سيرين

ولدت حفصة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان سنة 31 هجرية.

وأبوها سيرين مولى الصحابي أنس بن مالك، ووالدتها مولاة الصديق أبو بكر، وحضر زفاف والديها ثلة من أكابر الصحابة، وتولت تحضير أمها في ليلة عرسها ثلاث من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخوها التابعي الجليل محمد بن سيرين.



قَرَأَتْ القرآن الكريم، وتدبرتْ معانيه وعمرها اثنتا عشرة سنة، وكان أخوها "محمد بن سيرين" إذا استشكَل عليه شيء من القرآن الكريم قال: اذهبوا إلى حفصة، واسألوها كيف تقرأ؟ واشتهرت حفصة بالزهد، والصبر الجميل على طاعة اللَّه وعبادته، وكانت كثيرة الصيام، طويلة القيام، تدخل مسجدها تصلي فيه، وتتعبد بقراءة القرآن، ولا تخرج من بيتها إلا لحاجة أو لمقابلة من يأتون ليستفتونها، ويتعلمون منها. وكانت تقرأ نصف القرآن كل ليلة وتصوم السنة الا العيدين، واذا قامت الليل في العشر الاواخر من رمضان لبست كفن لها كانت تحتفظ به..



وكانت محدثة جليلة لها باع كبير في رواية الحديث النبوي، فقد رَوَتْ عن انس بن مالك واخوها يحيى وام عطية الانصارية وغيرهم، وروى عنها اخوها محمد وقتادة وغيرهم وقد اعتبرها ابن حبان ويحيى بن معين من الثقات

توفيت رحمها الله تعالى سنة 101 هجري عن عمر يناهز السبعين عاما...

رحمها الله ورحم النساء المسلمات المؤمنات في كل زمان ومكان

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 02-11-2017, 11:05 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية (29 هـ - 106 هـ) تابعية مدنية، وواحدة من رواة الحديث النبوي.


سيرتها

ولدت عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بن عدس النجارية الأنصارية سنة 29 هـ[1] في المدينة المنورة، ولجدها سعد بن زرارة صُحبة، وهو أخو الصحابي أسعد بن زرارة أحد نُقباء الأنصار،[2] أما أمها فهي سالمة بنت حكيم بن هاشم بن قوالة.[3] نشأت عمرة وأخواتها في حجر أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر،[1][2][3] وسمعت منها الحديث النبوي، وتفقّهت على يديها، حتى أصبحت ممن يُطلبون لأخذ حديث عائشة، حتى أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز حينما قرر أن يجمع الحديث ويُدوّنه أمر قاضي المدينة وقتها ابن أختها أبي بكر بن حزم قائلاً: «انظر ما كان من حديث رسول الله Mohamed peace be upon him.svg، أو سُنَّة مَاضِيَةٍ أو حديث عمرة، فاكتبه. فإني خشيت دُرُوسَ العلم، وذهاب أهله».[3]

اختُلف في سنة وفاة عمرة، فقيل توفيت سنة 98 هـ،[2] وقيل سنة 106 هـ، وعمرها يومئذ 77 سنة.[1] تزوجت عمرة بنت عبد الرحمن من عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان النجاري الأنصاري،[4] وأنجبت منه ولدها أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وهو أيضًا من الثقات في رواية الحديث النبوي.[1][3]


روايتها للحديث النبوي
◾روت عن: عائشة بنت أبي بكر وأم سلمة[3] ورافع بن خديج وأختها لأمها أم هشام بنت حارثة بن النعمان[2] وعبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي ومروان بن الحكم وحبيبة بنت سهل وحمنة بنت جحش.[1]
◾روى عنها: ابن شهاب الزهري وحفيد أختها عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ويحيى بن سعيد الأنصاري[3] وابنها أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري وولداه حارثة بن أبي الرجال ومالك بن أبي الرجال وابن أختها القاضي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابنه محمد بن أبي بكر[2] ورزيق بن حكيم وسعد بن سعيد الأنصاري وسليمان بن يسار وعبد ربه بن سعيد الأنصاري وعروة بن الزبير وعمرو بن دينار وابن أخيها يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ورائطة المزنية وفاطمة بنت المنذر بن الزبير.[1]
◾الجرح والتعديل: قال عنها الذهبي: «كانت عالمة، فقيهة، حُجّة، كثيرة العلم»، وحين أوصى القاسم بن محمد بن أبي بكر الزُهري قال له: «يا غلام، أراك تحرص على طلب العلم، أفلا أدلك على وعائه؟»، فقال: «بلى»، فقال: «عليك بعمرة؛ فإنها كانت في حجر عائشة»، فقال الزهري: «فأتيتها فوجدتها بحرًا لا ينزف»،[2] وقال علي بن المديني: «عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة، الأثبات فيها»، وقد وثّقها يحيى بن معين والعجلي، وذكرها ابن حبان في كتاب «الثقات»، كما روى لها الجماعة.[

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 02-14-2017, 05:31 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

عطاء بن يسار (29 هـ - 103 هـ) تابعي مدني، وأحد رواة الحديث النبوي.


سيرته

ولد أبو محمد عطاء بن يسار في المدينة المنورة سنة 29 هـ[1] في خلافة عثمان بن عفان، وكان أبوه يسار من سبي فارس، وهو مولى لأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث،[2] أكثر عطاء من السماع من صحابة النبي محمد والتابعين، ولازم مسجد النبي،[3] وكان يجلس في المسجد ليقصّ على المسلمين قصص يعظهم بها.[1]

توفي عطاء بن يسار سنة 103 هـ[3] وهو ابن أربع وثمانين سنة.[1]


روايته للحديث النبوي
◾روى عن: أبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة بنت أبي بكر وأبي هريرة وأسامة بن زيد[3] وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وخوات بن جبير وأبي واقد الليثي وأبي رافع مولى النبي محمد وعبد الله بن سلام وزيد بن خالد الجهني وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر بن الخطاب وميمونة بنت الحارث وأبي مالك الأشجعي وعبد الله بن عباس وكعب الأحبار وأبي عبد الله الصُنابحي[4] وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ورفاعة بن عرابة الجهني وأبي سهلة السائب بن خلاد الأنصاري وعامر بن سعد بن أبي وقاص وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن الحكم السلمي وأبي الدرداء وأبي ذر وأبي قتادة الأنصاري وأم حرام بنت ملحان وأم سلمة.[1]
◾روى عنه: زيد بن أسلم وصفوان بن سليم وعمرو بن دينار وهلال بن علي وشريك بن عبد الله بن أبي نمر[3] وإسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب وبكر بن سوادة الجذامي وبكير بن عبد الله بن الأشج وحبيب بن أبي ثابت وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب وعبيد الله بن مقسم وعمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ومحمد بن أبي حرملة ومحمد الباقر ومحمد بن عمرو بن حلحلة ومحمد بن عمرو بن عطاء ومحمد بن يوسف الكندي ومسلم بن أبي مريم ويزيد بن عبد الله بن قسيط وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد.[1]
◾الجرح والتعديل: قال مالك بن أنس: «كان ثقة، كثير الحديث»، وقد وثقّه يحيى بن معين وأبو زرعة الرازي والنسائي، كما روى له الجماعة.[1]


،،،،،،،،


أبو أيوب سليمان بن يسار مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث (34 هـ - 107 هـ) تابعي مدني، وأحد رواة الحديث النبوي، وواحد من فقهاء المدينة السبعة من التابعين.






سيرته

ولد أبو أيوب سليمان بن يسار في المدينة المنورة سنة 34 هـ في خلافة عثمان بن عفان، وكان أبوه يسار من سبي فارس، وهو مولى لأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث،[1] وقيل أن سليمان نفسه كان لها عبدًا ثم كاتبها على حريته.[2] نبغ سليمان في تلقي العلم في المدينة، حتى صار أحد فقهاء المدينة السبعة من التابعين.[3] وقد ولاّه عمر بن عبد العزيز سوق المدينة حين كان عمر واليًا للمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك.[1][2]

توفي سليمان بن يسار سنة 107 هـ،[1] وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.[2][4]


روايته للحديث النبوي

روى عن: زيد بن ثابت وأبو واقد الليثي وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبيد الله بن عباس وعبد الله بن عباس وعائشة بنت أبي بكر وأم سلمة وميمونة بنت الحارث وعروة بن الزبير[2] وحسان بن ثابت وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ورافع بن خديج وأبي رافع مولى النبي وحمزة بن عمرو الأسلمي وأبي سعيد الخدري والربيع بنت معوذ وكريب مولى ابن عباس وعراك بن مالك وأبي مراوح الغفاري وعمرة بنت عبد الرحمن ومسلم بن السائب بن خباب[1] وجعفر بن عمرو بن أمية الضمري وطارق قاضي مكة وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله وأخيه عبد الملك بن يسار ومالك بن أبي عامر الأصبحي ومسعود بن الحكم الزرقي والمقداد بن الأسود وأبي عبد الله المدني مولى الجندعيين وفاطمة بنت قيس الفهرية.[5]
◾روى عنه: أخوه عطاء بن يسار وابن شهاب الزهري وبكير بن عبد الله بن الأشج وعمرو بن دينار وعمرو بن ميمون بن مهران وسالم أبو النضر وربيعة الرأي وأبو الأسود يتيم عروة ويعلى بن حكيم ويعقوب بن عتبة وأبو الزناد وصالح بن كيسان ومحمد بن عمرو بن عطاء ومحمد بن يوسف الكندي ويحيى بن سعيد الأنصاري ويونس بن يوسف وعبد الله بن الفضل الهاشمي وعمرو بن شعيب ومحمد بن أبي حرملة وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وخثيم بن عراك بن مالك[1] وأسامة بن زيد الليثي وجعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب وحاضر بن المهاجر وخالد بن أبي عمران وزيد بن أسلم وسعيد بن زياد المكتب وصالح بن سعيد المؤذن وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن دينار وعبد الله بن سعد الأنصاري وابنه عبد الله بن سليمان بن يسار وعبد الله بن فيروز الداناج وعبد الله بن يزيد الهذلي وعمران بن أبي أنس ومحمد بن عبد الرحمن بن عبيد مولى آل طلحة ومكحول الشامي ونافع مولى ابن عمر ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي ويزيد بن أبي حبيب.[5]
◾الجرح والتعديل: قال ابن سعد: «كان ثقة، عالمًا، رفيعًا، فقيهًا، كثير الحديث»،[2] وقال أبو زرعة الرازي: «ثقة، مأمون، فاضل، عابد»، وقال النسائي: «أحد الأئمة»،[4] وقد وثّقه يحيى بن معين،[1][4] وروى له الجماعة.[6]


مكانته الدينية

قال عنه الذهبي: «كان من أوعية العلم»،[1] وقال الزُهري: «كان من العلماء»،[5] وقال أبو الزناد: «كان ممن أدركت من فقهاء المدينة وعلمائهم ممن يرضى وينتهى إلى قولهم سعيد بن المسيب وعروة والقاسم وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار، في مشيخة أجلة سواهم من نظرائهم أهل فقه وصلاح وفضل»،[1][4] وقال الحسن بن محمد بن الحنفية: «سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب»،[2] وقال مالك بن أنس: «كان سليمان بن يسار من علماء الناس بعد سعيد بن المسيب، وكان كثيرًا ما يوافق سعيدًا، وكان سعيد لا يجترئ عليه».[1][4] وقد ذكر أبو الزناد أنه كان يجتهد في الصوم، فقال: «كان سليمان بن يسار يصوم الدهر، وكان أخوه عطاء يصوم يومًا، ويفطر يومًا».[1]

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 02-18-2017, 02:06 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى (97 هـ-161 هـ) فقيه كوفي، وأحد أعلام الزهد عند المسلمين، وإمام من أئمة الحديث النبوي، وواحد من تابعي التابعين، وصاحب واحد من المذاهب الإسلامية المندثرة، والذي ظل مذهبه متداولاً حتى القرن السابع الهجري، والذي قال عنه الذهبي: «هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد مصنف كتاب الجامع»، كما قال عنه بشر الحافي: «سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما».

نشأ سفيان الثوري في الكوفة وتلقّى العلم بها، وسمع من عدد كبير من العلماء، حتى صار إمامًا لأهل الحديث في زمانه. طلبه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ومن بعده ابنه المهدي لتولي القضاء، فتهرّب منهما وأعياهما، حتى غضبا عليه وطاردوه حتى توفي متخفيًا في البصرة سنة 161 هـ.






حياته

نشأته وطلبه للعلم

ولد سفيان الثوري سنة 97 هـ،[1] في خلافة سليمان بن عبد الملك[2][3] في خراسان، حيث كان أبوه مشاركًا في الحملات التي كانت ترسل إلى هناك، كما يُذكر أن جده مسروق شهد موقعة الجمل في صفوف جيش علي بن أبي طالب.[4] أما عن نسبه، فاسمه سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي بن عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن عامر بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر.[5] كان أبوه سعيد بن مسروق الثوري من أصحاب عامر الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن، ويُعدُّ من ثقات الكوفيين، وهو في عداد صغار التابعين. أخذ أبوه بيده في البداية، ثم توسّع سفيان في تلقّي العلم حتى قيل أن تعداد شيوخه 600 شيخ،[6] وقد كانت أمه أيضًا حريصة على تفرّغه لتلقي العلم، فقد رُوي أنها قالت له: «اذهب، فاطلب العلم حتى أعولك بمغزلي، فإذا كتبت عدة عشرة أحاديث، فانظر هل تجد في نفسك زيادة، فاتبعه، وإلا فلا تبتغينّ».[7] وقد ذاع صيت سفيان، ونوّه الكثيرون بذكره منذ صغره لفرط ذكائه وحفظه، حتى أنه جلس وحدّث وهو ما زال شابًا،[1] بل وقال الوليد بن مسلم أنه رأى الثوري بمكة يُستفتى، ولم يكن شعر لحيته قد نبت بعد.[8]

محنته

بعد أن مات أبو حنيفة في سجون الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور لرفضه تولّي القضاء، سأل المنصور عمن يلي أمر القضاء، فأشاروا عليه بسفيان الثوري وأخبروه بأنه أعلم أهل الأرض، فأرسل في طلبه وهو يتهرّب حتى اضطر إلى الخروج من الكوفة إلى مكة سنة 155 هـ،[2] فأرسل المنصور في الأقاليم بمنادٍ يقول: من جاء بسفيان الثوري فله عشرة آلاف، ففر الثوري إلى البصرة،[4] وعمل متخفيًا في حراسة أحد البساتين حتى عرفه الناس وهموا به،[9] فخرج منها إلى اليمن، وهناك اتُّهم بالسرقة، ودفعوه إلى معن بن زائدة والي اليمن الذي سأله عن حاله فعرفه، وخيّره بين الإقامة والرحيل.[10] فرحل إلى مكة مرة أخرى موسم حج سنة 158 هـ الذي تصادف أن جاء فيه أبو جعفر حاجًا. بلغت أبا جعفر أنباء عن وجود الثوري بمكة، فأرسل إلى واليها يطالبه بالقبض على الثوري وصلبه، فلما علم الثوري، تعلق بأستار الكعبة وأقسم على الله ألا يُدخِل المنصور مكة، فإذ بالمنصور يمرض ويموت قبل أن يدخلها.[11][12] ثم خلف المهدي أباه المنصور، فأرسل إلي الثوري وطلب منه كما طلب أبيه بأن يلي القضاء، وكتب للثوري عهدًا بذلك. رمى الثوري العهد في النهر، فرّ إلى البصرة مجددًا، واستخفى في دار يحيى بن سعيد القطان، ثم انكشف أمره بعد أن توافد طلاب الحديث على الدار، فعاد إلى الكوفة وتخفّى في دار عبد الرحمن بن مهدي. رصد المهدي جائزة لمن يأتيه برأس الثوري،[10][13] فظلّ الثوري هائمًا يتنقّل بين البلاد متخفيًا، وبعث في وضعيته تلك إلى المهدي كتابًا قال فيه: «طردتني وشرَّدتني وخوفتني، والله بيني وبينك، وأرجو أن يخير الله لي قبل مرجوع الكتاب»، فمات سفيان قبل أن يأتيه كتاب المهدي بالأمان.[14]

وفاته

كانت وفاة الثوري في شعبان 161 هـ في البصرة،[2][3][15] وهو متخفٍ في دار بشر بن منصور السليمي.[16] فأُخرجت جنازته على أهل البصرة فجأة، فشهدها جمع كبير من الناس، وصلى عليه عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر بحسب وصية الثوري.[4][17] لم يُعقّب سفيان الثوري ولدًا، حيث كان له ابن، مات قبله،[18] فجعل كل شيء له لأخته وولدها، ولم يورث أخاه المبارك شيئًا.[13][19] وكان للثوري من الكتب «الجامع الكبير» و«الجامع الصغير» و«الفرائض»، إضافة إلى رسالة تناقلها طلابه كان قد وجّهها إلى عباد بن عباد الأرسوقي.[20]


روايته للحديث النبوي
◾روى عن: إبراهيم بن عبد الأعلى وإبراهيم بن عقبة وإبراهيم بن محمد بن المنتشر وإبراهيم بن مهاجر البجلي وإبراهيم بن ميسرة وإبراهيم بن مزيد الخوزي وأجلح بن عبد الله وآدم بن سليمان وإسرائيل أبو موسى وأسلم المنقري وإسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي وأبي هاشم إسماعيل بن كثير والأسود بن قيس وأشعث بن أبي الشعثاء والأغر بن الصباح وأفلت بن خليفة وإياد بن لقيط وأيوب السختياني وأيوب بن موسى والبختري بن المختار وبرد بن سنان وبريد بن عبد الله بن أبي بردة وبشير أبو إسماعيل وبشير صاحب ابن الزبير وبكير بن عطاء وبهز بن حكيم وبيان بن بشر الأحمسي وتوبة العنبري وثابت بن عبيد وأبو المقدام ثابت بن هرمز وثور بن يزيد الرحبي وثوير بن أبى فاختة وجابر الجعفي وجامع بن أبي راشد وأبي صخرة جامع بن شداد وجبلة بن سحيم وجعفر بن برقان وجعفر الصادق وجعفر بن ميمون وحبيب بن أبي ثابت وحبيب بن الشهيد وحبيب بن أبي عمرة وحجاج بن فرافصة والحسن بن عبيد الله النخعي والحسن بن عمرو الفقيمي وحصين بن عبد الرحمن السلمي وحكيم بن جبير وحكيم بن الديلم وحماد بن أبي سليمان وحمران بن أعين وحميد بن قيس المكي وحميد الطويل وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي وخالد بن سلمة الفأفاء وخالد الحذاء وخصيف بن عبد الرحمن الجزري وأبو الجحاف داود بن أبي عوف وداود بن أبي هند وأبي فزارة راشد بن كيسان ورباح بن أبي معروف والربيع بن أنس والربيع بن صبيح وربيعة الرأي والركين بن الربيع وزبيد اليامي والزبير بن عدي وزياد بن إسماعيل المكي وزياد بن علاقة وزيد بن أسلم وزيد بن جبير وزيد العمي وسالم الأفطس وسالم أبو النضر وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة وسعيد بن إياس الجريري وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني الصغير وأبوه سعيد بن مسروق وسلم بن عبد الرحمن النخعي وسلمة بن دينار وسلمة بن كهيل وسلمة بن نبيط وسليمان بن مهران الأعمش وسليمان التيمي وسماك بن حرب وشبيب بن غرقدة البارقي وشريك بن عبد الله بن أبي نمر وشعبة بن الحجاج وصالح بن صالح بن حي وصالح مولى التوأمة وصفوان بن سليم والضحاك بن عثمان وأبو سنان ضرار بن مرة الشيباني وطارق بن عبد الرحمن وطريف أبو سفيان السعدي وطعمة بن غيلان وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله وعاصم بن أبي النجود وعاصم بن عبيد الله وعاصم بن كليب وعاصم بن سليمان الأحول وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن جابر البصري وعبد الله بن الحسن المثنى وعبد الله بن دينار البهراني وأبو الزناد وعبد الله بن الربيع بن خثيم وعبد الله بن السائب الكوفي وعبد الله بن سعيد المقبري وعبد الله بن شبرمة وعبد الله بن شداد الأعرج وعبد الله بن طاووس وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين وعبد الله بن عثمان بن خثيم وعبد الله بن عطاء وعبد الله بن عون وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن أبي لبيد وعبد الله بن محمد بن عقيل وعبد الله بن أبي نجيح وعبد الأعلى بن عامر وعبد الرحمن بن ثروان وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم وعبد الرحمن بن عابس بن ربيعة وعبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني وعبد الرحمن بن علقمة المكي وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر وعبد العزيز بن رفيع وعبد الكريم بن مالك الجزري وعبد الكريم أبو أمية وعبد الملك بن أبي بشير وعبد الملك بن أبي سليمان وابن جريج وعبد الملك بن عمير وعبدة بن أبي لبابة وعبيد الله بن أبي زياد وعبيد الله بن عمر العمري وعبيد بن الحسن وعبيد بن مهران المكتب وعبيد الصيد وعثمان بن حكيم الأنصاري وأبو حصين عثمان بن عاصم وأبو اليقظان عثمان بن عمير وعثمان بن المغيرة الثقفي وعثمان البتي وعطاء بن السائب وعكرمة بن عمار وعلقمة بن مرثد وعلي بن الأقمر وعلي بن بذيمة وعلي بن زيد بن جدعان وعمار الدهني وعمارة بن القعقاع وعمر بن سعيد بن أبي حسين وعمر بن محمد بن زيد وعمر بن يعلى وعمرو بن دينار وعمرو بن عامر الأنصاري وعمرو بن قيس الملائي وعمرو بن مرة وعمرو بن ميمون بن مهران وعمرو بن يحيى بن عمارة وعمران بن مسلم بن رياح الثقفي وعمران بن مسلم الجعفي وعمران البارقي وعمران القصير وعمير بن عبد الله بن بشر الخثعمي وعون بن أبي جحيفة والعلاء بن خالد الأسدي والعلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب والعلاء بن عبد الكريم اليامي وعياش العامري وعيسى بن عبد الرحمن السلمي وعيسى بن أبي عزة وعيسى بن موسى الجرشي وغالب أبو الهذيل وغيلان بن جامع وفرات القزاز وفراس بن يحيى الهمداني وفضيل بن غزوان وفضيل بن مرزوق وفطر بن خليفة وقابوس بن أبي ظبيان وأبو هاشم القاسم بن كثير وقيس بن مسلم وقيس بن وهب وكليب بن وائل وليث بن أبي سليم ومحارب بن دثار وابن إسحاق ومحمد بن أبي أيوب الثقفي ومحمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن أبي حفصة ومحمد بن راشد المكحولي ومحمد بن الزبير الحنظلي ومحمد بن سعيد الطائفي ومحمد بن طارق المكي وابن أبي ذئب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ومحمد بن عجلان ومحمد بن عقبة ومحمد بن عمر بن علي ومحمد بن عمرو بن علقمة وأبو الزبير المكي ومحمد بن المنكدر ومخارق الأحمسي والمختار بن فلفل ومخول بن راشد ومزاحم بن زفر ومصعب بن محمد بن شرحبيل ومطرف بن طريف ومعاوية بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله ومعاوية بن صالح الحضرمي ومعبد بن خالد ومعمر بن راشد ومغيرة بن مقسم الضبي ومغيرة بن النعمان والمقدام بن شريح بن هانئ ومنصور بن حيان الأسدي ومنصور بن صفية ومنصور بن المعتمر وموسى بن أبي عائشة وموسى بن عبيدة الربذي وموسى بن عقبة وميسرة بن حبيب وميسرة الأشجعي وأبو حمزة ميمون الأعور ونسير بن ذعلوق ونهشل بن مجمع ونوح بن أبي بلال وهارون بن عنترة وهشام بن إسحاق بن كنانة وهشام بن حسان وهشام بن عائذ بن نصيب وهشام بن عروة وهشام بن أبي يعلى وواصل الأحدب ووبر بن أبي دليلة وورقاء بن إياس والوليد بن قيس السكوني ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي ويحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن هانئ بن عروة المرادي ويزيد بن أبي زياد ويزيد بن يزيد بن جابر ويعلى بن عطاء ويونس بن عبيد وأبو إسحاق السبيعي وأبو إسحاق الشيباني وأبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم وأبو جعفر الفراء وأبو جناب الكلبي وأبو الجويرية الجرمي وأبو حيان التيمي وأبو خالد الدالاني وأبو روق الهمداني وأبو السوداء النهدي وأبو شهاب الحناط الكبير موسى وأبو عقيل مولى عمر بن الخطاب وأبو فروة الهمداني وأبو مالك الأشجعي وأبو هارون العبدي وأبو هاشم الرماني وأبو يحيى القتات وأبو يعفور العبدي.[6] وأسامة بن زيد الليثي وإسماعيل بن أمية وإسماعيل بن أبي خالد وإسماعيل بن سميح وسمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن وسهيل بن أبي صالح وعثمان بن الحارث والفضيل بن عياض وأبي سعيد محمد بن مسلم بن أبي الوضاح المؤدب.[5]
◾روى عنه: سليمان بن مهران الأعمش وأبان بن تغلب ومحمد بن عجلان وابن جريج وجعفر الصادق وجعفر بن برقان وأبو حنيفة النعمان وعبد الرحمن الأوزاعي ومعاوية بن صالح وابن أبي ذئب ومسعر بن كدام وشعبة بن الحجاج ومعمر بن راشد وإبراهيم بن سعد الزهري وأبو إسحاق الفزاري وأحمد بن يونس اليربوعي وأبو الجواب الأحوص بن جواب الضبي وأسباط بن محمد القرشي وإسحاق بن يوسف الأزرق وابن علية وأمية بن خالد وبشر بن السري وبشر بن منصور السليمي وبكر بن بن عبد الله بن الشرود الصنعاني وبكير بن شهاب الدامغاني وثابت بن محمد العابد وثعلبة بن سهيل وجرير بن عبد الحميد وجعفر بن عون والحارث بن منصور الواسطي والحسن بن محمد بن عثمان والحسين بن حفص الأصبهاني وحصين بن نمير وحفص بن غياث وحماد بن دليل المدائني وحماد بن عيسى الجهني وحميد بن حماد وخالد بن الحارث الهجيمي وخالد بن عمر القرشي وخلف بن تميم وخلاد بن يحيى ودبيس بن حميد الملائي وروح بن عبادة وزهير بن معاوية وزيد بن أبي الزرقاء الموصلي وزيد بن الحباب وسفيان بن عقبة وسفيان بن عيينة وأبو داود الطيالسي وسهل بن هاشم البيروتي وأبو الأحوص سلام وشعيب بن إسحاق الدمشقي وشعيب بن حرب المدائني وعباد السماك وعبثر بن القاسم وعبد الله بن داود الخريبي وعبد الله بن رجاء المكي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن نمير وعبد الله بن الوليد العدني وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرحيم بن سليمان وعبد الملك الذماري وعبدة بن سليمان وعبيد الله الأشجعي وعبيد الله بن عمرو الرقي وعبيد الله بن موسى وعبيد بن سعيد الأموي وعلي بن أبي بكر الإسفذني وعلي بن الجعد وعلي بن حفص المدائني وعلي بن قادم وعمرو بن محمد العنقزي وعيسى بن يونس وأبو الهذيل غسان بن عمر العجلي والفضل السيناني والفضيل بن عياض والقاسم بن الحكم العرني والقاسم بن يزيد الجرمي ومالك بن أنس وأخوه المبارك بن سعيد الثوري ومحمد بن بشر العبدي ومحمد بن الحسن الأسدي ومحمد بن عبد الوهاب القناد ومحمد بن كثير العبدي ومصعب بن ماهان ومصعب بن المقدام وأبو همام محمد بن محبب الدلال ومحمد بن يوسف الفريابي ومخلد بن يزيد الحراني ومعاذ بن معاذ العنبري ومعاوية بن هشام القصار ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي ومهران بن أبي عمر الرازي وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي ومؤمل بن إسماعيل ونائل بن نجيح والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني وهارون بن المغيرة الرازي ووكيع بن الجراح والوليد بن مسلم ويحيى بن آدم ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سليم الطائفي ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية ويحيى بن يمان ويزيد بن أبي حكيم العدين ويزيد بن زريع ويزيد بن هارون ويعلى بن عبيد الطنافسي ويوسف بن أسباط ويونس بن أبي يعفور العبدي وأبو أحمد الزبيري وأبو بكر الحنفي وأبو داود الحفري وأبو سفيان المعمري وأبو عامر العقدي[1] وأحمد بن عبد الله بن يونس وأبو أسامة حماد بن أسامة وخصيف بن عبد الرحمن الجزري وزائدة بن قدامة وسليمان بن بلال اليامي وصيفي بن ربعي الأنصاري وأبو عاصم النبيل وضمرة بن ربيعة وطلحة بن سليمان الرازي وعبد الرزاق بن همام وغالب بن فائد الأسدي المقرئ والفضل بن دكين وقبيصة بن عقبة وابن إسحاق.[5]
◾الجرح والتعديل: عدّه شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة وأبو عاصم النبيل ويحيى بن معين وغيرهم «أمير المؤمنين في الحديث»،[1][21] وقال فيه شعبة بن الحجاج: «سفيان أحفظ مني»،[1][22] وقال يحيى بن سعيد القطان: «سفيان أثبت من شعبة، وأعلم بالرجال»، وقال أيضًا: «ما رأيت أحدًا أحفظ من سفيان، ثم شعبة»، وقال يحيى بن معين: «لم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش ومنصور وأبي إسحاق من الثوري»، وقال سفيان بن عيينة: «أصحاب الحديث ثلاثة ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه»،[19][21][22] وقال: «ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري»،[19] وقال أبو حاتم الرازي: «سفيان فقيه حافظ زاهد إمام، هو أحفظ من شعبة»، قال أبو زرعة الرازي: «سفيان أحفظ من شعبة في الإسناد والمتن»،[18] بينما قال الذهبي أنه: «كان يدلس في روايته، وربما دلس عن الضعفاء».[19]
وقد اعتبر العجلي أحسن إسناد الكوفة رواية سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله بن مسعود،[5] التي قال عنها ابن المبارك: «إذا جاءك سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، فكأنك تسمعه يعني من النبي Mohamed peace be upon him.svg»،[23] كما وثّقه ابن سعد حيث قال عنه: «كان ثقة مأمونًا ثبتًا كثير الحديث حُجّة»،[3] كذلك وثّقه يحيى بن معين فقال: «سفيان الثوري ثقة»،[24] وقال النسائي عنه: «هو أجل من أن يقال فيه ثقة»،[25] وقال أبو أسامة حماد بن أسامة: «سفيان الثوري حُجّة»،[26] وقد روى له الجماعة.[2]

قراءة وتفسير القرآن

كان الثوري عالمًا بالقرآن وتفسيره، متقنًا لقرائته، فقد رُوي عنه أن قال: «سلوني عن المناسك والقرآن، فإني بهما عالم»،[8] وقد عدّ له شمس الدين الداوودي في كتابه «طبقات المفسرين» تفسيرًا وصفه بالشهير، وقال أن هذا التفسير رواه عنه أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي.[27] وقد ختم سفيان الثوري القرآن عرضًا على القاريء حمزة الزيات أربع مرات.[6] كما كان مستديمًا في قراءة القرآن، فقد روى عبد الرزاق الصنعاني: «كان الثوري قد جعل على نفسه لكل ليلة جزءً من القرآن، وجزءً من الحديث، فيقرأ جزئه من القرآن، ثم يجلس على الفراش، فيقرأ جزئه من الحديث، ثم ينام»،[28] وعُرف عن الثوري انخراطه وانعزاله عن الدنيا عند قرائته للقرآن، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: «كنت لا أستطيع سماع قراءة سفيان من كثرة بكائه».[15]


مكانته الدينية

اعترف الكثيرون بفضل سفيان الثوري، وأنزلوه منزلة عالية، واعترفوا بفضله. فقد وصفه الذهبي بأنه: «شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه»،[6] وقال عبد الله بن المبارك: «كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان»،[29] وقال أيوب السختياني: «ما لقيت كوفيًا أفضله على سفيان»، وقال يونس بن عبيد: «ما رأيت أفضل من سفيان. فقيل له: فقد رأيت سعيد بن جبير وإبراهيم وعطاء ومجاهدًا، وتقول هذا؟! قال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان»،[22] وقال عبد الرحمن بن مهدي: «ما رأت عيناي أفضل من أربعة، ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفا من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك»،[30] وقال يحيى بن سعيد القطان: «ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي. وإذا خالفه سفيان، أخذت بقول سفيان»،[1][22] وقال أيضًا: «سفيان الثوري فوق مالك في كل شيء»،[4] وقال عباس الدوري: «رأيت يحيى بن معين، لا يقدم على سفيان أحدًا في زمانه، في الفقه والحديث والزهد وكل شيء»،[22] وقال عبد العزيز بن أبي رزمة: «قال رجل لشعبة: خالفك سفيان. فقال: دمغتني»،[1][22] وقال المثنى بن الصباح: «سفيان عالم الأمة وعابدها»،[21] وقال ابن أبي ذئب: «ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري»[1] وقال بشر الحافي: «كان الثوري عندنا إمام الناس»، وقال أحمد بن حنبل: «أتدري من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري، لا يتقدمه أحد في قلبي»، وقال سفيان بن عيينة: «جالست عبد الرحمن بن القاسم وصفوان بن سليم وزيد بن أسلم، فما رأيت فيهم مثل سفيان»،[19] وقال الأوزاعي: «لو قيل: اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه، لاخترت لهم سفيان الثوري»،[26] وقال يحيى بن أكثم: «كان في الناس رؤساء. كان سفيان الثوري رأسًا في الحديث، وأبو حنيفة رأسًا في القياس، والكسائي رأسًا في القراء، فلم يبق اليوم رأس في فن من الفنون»،[11] وقال وكيع بن الجراح: «كان سفيان بحرًا»،[18] وقال أبو بكر الخطيب عنه: «كان إمامًا من أئمة المسلمين وعلمًا من أعلام الدين، مُجمعًا على أمانته بحيث يستغني عن تزكيته مع الإتقان والحفظ، والمعرفة والضبط، والورع والزهد».[2]


فقهه ومذهبه

كان لسفيان الثوري مذهبه الفقهي الخاص الذي تبعه جمع من المسلمين مدة طويلة من الزمن،[31] وكان من أتباعه بشر الحافي المتوفي سنة 227 هـ،[32] وبقي له أتباع في خراسان حتى زمن ابن تيمية، ثم اندثر.[33] وقد ذهب جزء كبير من آراء سفيان الفقهية حيث أوصى سفيان قبل وفاته إلى عمار بن سيف بأن يمحو كتبه ويحرقها.[20] وقد اعتمد الثوري في مذهبه الفقهي على ما صحّ عنده من الأحاديث،[34] كما اعتمد الثوري أيضًا في مذهبه على مناهج أخرى مساعدة في بعض المسائل مثل الأخذ بإجماع العلماء كرأيه في مسألة استئناف المرأة عدتها إذا طلقها زوجها ثم راجعها ثم طلقها قبل الدخول بها،[35] والاجتهاد كرأيه في جواز المسح على الخُفّ وإن كان مقطوعًا قطعًا كبيرًا،[36] والقياس كرأيه في صحة الظهار بغير الأم من المحارم ولو من الرضاع،[37]

غير أن الثوري كان على مذهب أهل الكوفة في زمانه في النبيذ،[19] وكان في مذهبهم، أن خمر العنب قليله وكثيره مُحرّم، بينما خمر غير العنب لا يُحرّم إلا إذا أسكر.[38] رغم ثبوت حديث نبوي يقول: «كل مُسكر خمر، وكل مُسكر حرام».[39] وقد نفى عبد الرحمن بن مهدي المزاعم التي تقول بأن الثوري كان يشرب النبيذ، فقال: «يزعمون أن سفيان كان يشرب النبيذ. أشهد لقد وُصف له دواء، فقلت: نأتيك بنبيذ؟ فقال : لا، ائتني بعسل وماء».[40]


عقيدته

كان لعقيدة سفيان الثوري بعد الملامح الواضحة التي بيّنها في أقواله، كعقيدته في الإيمان التي قال عنها: «الإيمان قول وعمل»،[41] وعقيدته في عدم جواز القطع بالإقرار لأحد بأنه من أهل الجنة أو النار إلا للعشرة المبشرين بالجنة، لقوله في وصيته لشعيب بن حرب: «يا شعيب بن حرب. لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار، إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله Mohamed peace be upon him.svg، وكلهم من قريش»،[42] وعقيدته في مسألة صفات الله التي آلى ألا يخوض فيها، ونصح بتمريرها كما هي.[40] وقد إتهم الثوري بأن فيه تشيُّع يسير[19] رغم تقديمه لأبي بكر وعمر، ذلك لكونه كان يُقدّم علي على عثمان.[11]

وقد كان الثوري حاسمًا في آرائه حول الفرق التي عاصرته، فقد رُوي أن رجلاً جاءه فسأله: «رجل يُكذّب بالقدر، أأصلي وراءه؟ قال سفيان: لا تقدموه، قال: هو إمام القرية ليس لهم إمام غيره، قال: لا تقدموه، لا تقدموه، وجعل يصيح»، كما سمع عبد الله بن المبارك سفيان الثوري يقول: «الجهمية كفار، والقدرية كفار»، وقال المؤمل بن إسماعيل، سمعت سفيان الثوري يقول: «خالفتنا المرجئة في ثلاث. نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل. ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله».[41] كما كان عقيدته في مسألة خلق القرآن واضحة، فقال: «من قال إن Ra bracket.png قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ Aya-1.png La bracket.png مخلوق فهو كافر».[43]


زهده وورعه

قال شعبة بن الحجاج: «ساد سفيان الناس بالورع والعلم»،[1][12] وقال قبيصة بن عقبة: «ما جلست مع سفيان مجلسًا إلا ذكرت الموت، ما رأيت أحدًا كان أكثر ذكرًا للموت منه»،[12] وقال الذهبي: «قد كان سفيان رأسًا في الزهد والتأله والخوف، رأسًا في الحفظ، رأسًا في معرفة الآثار، رأسًا في الفقه. لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين».[19]

كان لسفيان الثوري آرائه الخاصة بالزهد، فيروى عنه قوله: «ليس الزهد بأكل الغليظ، ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل، وارتقاب الموت»،[44] ويقول: «الزهد زهدان: زهد فريضة، وزهد نافلة. فأما الفريضة، فإنه واجب عليك، وهو أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة والتزين للناس. وأما زهد النافلة، فهو أن تدع ما أعطى الله تعالى من الحلال، فإذا تركت شيئًا من ذلك صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله عز وجل، وإن أردتم أن تدركوا ما عند الله عز وجل، فكونوا في هذه الدنيا بمنزلة الأضياف»،[45] كما كان يقول: «المال داء هذه الأمة، والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جر العالم الداء إلى نفسه، فمتى يبرئ الناس؟».[4]

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 02-18-2017, 02:25 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

عبد الله بن المبارك المروزي (118 هـ-181 هـ) عالم وإمام مجاهد مجتهد في شتى العلوم الدينية والدنيوية.






اسمه ومولده وموطنه

اسمه عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي. عن العباس بن مصعب قال: كانت أم عبد الله بن المبارك خوارزمية وأبوه تركي، وكان عبداً لرجل من التجار من همذان من بني حنظلة.[1] عن الحسن قال: كانت أم ابن المبارك تركية، وكان الشبه لهم بيناً فيه وكان ربما خلع قميصه فلا أرى على صدره أو جسده كثير شعر.[2]

مولده قال أحمد بن حنبل: ولد ابن المبارك سنة ثمان عشرة ومائة هجرية. وقال خليفة: وفيها -يعني ثمان عشرة ومائة- ولد عبد الله بن المبارك. وقال بشر بن أبي الأزهر: قال ابن المبارك ذاكرني عبد الله بن إدريس السن فقال: ابن كم أنت فقال: إن العجم لا يكادون يحفظون ذلك ولكني أذكر أني لبست السواد وأنا صغير عندما خرج أبو مسلم قال: فقال لي: قد ابتليت بلبس السواد. قلت: إني كنت أصغر من ذلك، وكان أبو مسلم أخذ الناس كلهم بلبس السواد الصغار والكبار.[3] وكان أبو مسلم في بداية الدولة العباسية قد ألزم الرعية كباراً وصغاراً بلبس السواد، وكان ذلك شعارهم إلى آخر أيامهم.

موطنه : مرو وهي من مدن خراسان

من كتبه : الزهد و الرقائق كتاب الجهاد وله مؤلفات اخرى لم تطبع بعد...


نشأته

نشأ ابن المبارك في أسرة متواضعة؛ فقد كان أبوه أجيرًا بسيطًا يعمل حارسًا لبستان أحد الأثرياء، غير أن والده هذا كان سبب رخائه أورثه المال وافرا مدرارا. إن المتأمل لهذا المال الذي وصف بأنه مدرارا ليعلم أنه سبب الخير كله، فقد اكتسبه "والده المبارك" بجد وجهدٍ وكفاح وصبر، فكان ثمرة يانعة مقنعة لرجل ورع، حريص على أداء حق العمل، فلم يرض إلا أن يشغل كل وقته في العمل تحريًا للأجر الحلال، فلم يتطلع يومًا للأكل من البستان، وهو ما يكتشفه صاحب البستان ويتعجب له. ففي إحدى زياراته طلب منه بعنب يأكلها، فجاءه بواحدة، فوجدها حامضة، فطلب منه واحدة أخرى، فكانت كذلك، فقال له: كم لك في هذا البستان وأنت لا تعرف الحامض من الحلو؟ فقال مبارك – صادقًا –: وكيف أعرف وأنا لم أذق شيءًا منه!! فتعجب صاحب البستان، وقال: ألا تتمتع ببعض ما هو تحت يديك؟! قال مبارك: لم تأذن لي في ذلك.. فكيف أستحل ما ليس لي؟! سكت الرجل مندهشًا وقال له: فقد أذنت، من الآن فكل! كان الأب صالحًا فاستخرج عبد الله كنزًا، وحصّل علما وأدبًا وفقها ما زالت تتوارثه الأجيال! ومن المهم أن ابن المبارك ولد في السنة 118 هـ في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وكانت أمه خوارزمية فطلب العلم وهو ابن عشرين سنة فأقدم شيخ لقيه هو الربيع بن أنس الخراساني تحيل ودخل إليه إلى السجن فسمع منه نحوا من أربعين حديثا ثم ارتحل في سنة إحدى وأربعين ومئة وأخذ عن بقايا التابعين وأكثر من الترحال والتطواف وإلى أن مات في طلب العلم وفي الغزو وفي التجارة والإنفاق على الإخوان وتجهيزهم معه إلى الحج، وعاش إلى سنة 181 هـ حيث توفي في خلافة هارون الرشيد.


منهجه العلمي

اتفقت جميع المصادر على أنه كان طلاّباً للعلم نادر المثال، رحل إلى جميع الأقطار التي كانت معروفة بالنشاط العلمي في عصره. فيه يقول عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: كان ابن المبارك ربع الدنيا بالرحلة في طلب الحديث، لم يدع اليمن ولا مصر ولا الشام ولا الجزيرة والبصرة ولا الكوفة»، وقد شهد له أحمد بن حنبل بذلك أيضاً.

كان ابن المبارك يقول: «خصلتان من كانتا فيه نجا: الصدق، وحب أصحاب محمد». وقد كان ينشد العلم حيث رآه ويأخذه حيث وجده، لا يمنعه من ذلك مانع، كتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وتجاوز ذلك حتى كتب العلم عمن هو أصغر منه. وقد روي أنه مات ابن له فعزاه مجوسي فقال: ينبغي للعاقل أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد أسبوع. فقال بن المبارك : اكتبوا هذه.

بلغ به ولعه بكتابة العلم مبلغاً جعل الناس يعجبون منه، فقد قيل له مرة: كم تكتب؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد. وعابه قومه على كثرة طلبه للحديث فقالوا: إلى متى تسمع؟ فقال إلى الممات. وعمل على جمع أربعين حديثا وذلك تطبيقا للحديث النبوي القائل: (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء)نسأل الله أن يجمعنا به على خير...

ولم يكن ابن المبارك يهتم بالجانب الكمي في جمع العلم فحسب، بل كان اهتمامه يتوجّه إيضاً إلى الانتقاء النوعيّ له، دافعه في ذلك أمانة العلم والاستبراء للدين، لذلك كان التثّبت العلمي هو المنهج الذي التزم به ابن مبارك وأخضع له كل ما كان يصل إليه من أحاديث، حيث كان يتحرّى ما يقبل منها وما يردُّ من خلال اسنادها.

كما حرص على دراسة الصّحيح من أحاديث رسول الله "" والاشتغال بها على غيرها, حيث قال" لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه".

وقد أورد ابن المبارك في كتاب الزهد بعض الأحاديث الضّعيفة، وذلك لأنه يرى جواز العمل في الحديث الضعيف في فضائل الأعمال.


شيوخه وتلامذته
◾شيوخه

قال الذهبي




عبد الله بن المبارك
أقدم شيخ لقيه هو الإمام أبو حنيفة التابعين وأكثر.[4]


عبد الله بن المبارك


وقال ابن الجوزي




عبد الله بن المبارك
أدرك ابن المبارك جماعة من التابعين منهم هشام بن عروة، إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وعبد الله بن عون وخالد الحذاء، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة في آخرين.[5]


عبد الله بن المبارك


قال بن عساكر




عبد الله بن المبارك
قدم دمشق وسمع من الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، وأبي عبد رب الزاهد، عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهشام بن الغاز، وعتبة بن أبي الحكم الهمداني وإبراهيم بن أبي عبلة، وأبي المعلى صخر بن جندل البيروتي، وصفوان بن عمر وعمر بن محمد بن زيد العسقلاني، والحكم بن عبد الله الأيلى، ويحيى بن أبي كثير، وابن لهيعة، والليث بن سعد، وسعيد بن أبي أيوب، وحرملة بن أبي عمران، وأبي شجاع سعيد بن زيد والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، ويونس بن أبي اسحاق، ومجالد بن سعيد، وهشام بن عروة، وزائدة بن قدامة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عبيد الله بن موهب، وأسامة بن زيد الليثي وابن عجلان، وابن جريح ومعمر، ويونس بن يزيد، وموسى بن عقبة، وهشام بن سعد، ومحمد بن اسحاق، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، والمبارك بن فضالة، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وعوف الأعرابي، وشعبة وهشام بن حسان، وعاصم بن سليمان الأحول، وعبد الله بن عون، وخالد الحذاء، وغيرهم[6]


عبد الله بن المبارك

◾تلامذته

قال الحافظ بن كثير




عبد الله بن المبارك
وعنه - أي روى عنه - الثوري، ومعمر بن راشد، وأبو اسحاق الفزاري، وجعفر بن سليمان الضبعي، وبقية بن الوليد، وداود بن سليمان، والوليد بن مسلم، وأبو بكر بن عياش وغيرهم من شيوخه وأقرانه. ومسلم بن إبراهيم، وأبو أسامة وأبو سلمة التبوذكي، ونعيم بن حماد، وابن مهدي، والقطان، واسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وإبراهيم بن اسحاق الطالقاني.... وغيرهم[7]


عبد الله بن المبارك



من أقوال علماء عصره

قال نعيم بن حماد : كان ابن المبارك يُكثر الجلوس في بيته، فقيل له : ألا تستوحش ؟ فقال : كيف استوحش وأنا مع النبي وأصحابه ؟

- قال أشعث بن شعبة المصيصي : قدم الرشيد الرقة، فانجفل الناس خلفَ ابن المبارك، وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب، فقالت : ماهذا ؟ قالوا : عالم من أهل خراسان قدم، قالت : هذا والله المُلكُ، لا ملكُ هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرط وأعوان.

- قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق : سمعت أبي قال : كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، وفيقولون : نصحبك، فيقول : هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويُقفل عليها، ثم يكتري له ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال يُنفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مُروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول ، فيقول لكل واحد : ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرفها ؟ فيقول : كذا وكذا فيشتري لهم، ثم يخرجهم إلى مكة فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم : ما أمرك عيالُك أن تشتري لهم من متاع مكة ؟ فيقول : كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يُخرجهم من مكة، فلا يزال يُنفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فيجصص بيوتهم وأبوابهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسرّوا دعا بالصندوق، ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صُرته عليها اسمه.

- قال سفيان الثوري : إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام.

- قال ابن عُيينة : نظرت في أمر الصحابة، وأمر عبد الله، فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي ، وغزوهم معه.

- قال القاسم بن محمد بن عباد : سمعت سُويد بن سعيد يقول : رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة، ثم استقبل القبلة، فقال : اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المُنكدر عن جابر عن النبي أنه قال : ((ماء زمزم لما شُرب له))وهذا أشربه لعطش القيامة، ثم شربه.

- قال نعيم بن حماد : كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء، لا يجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه.

- قال أبو حاتم الرازي : حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال : كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة فطعنه فقتله فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو هو. فقال : وأنت يا أبا عمرو ممن يُشنع علينا.

- وقال أبو حسان عيسى بن عبد الله البصري : سمعت الحسن بن عرفة يقول : قال لي ابن المبارك : استعرت قلماً بأرض الشام، فذهبت على أن أرده فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه.

- قال أسود بن سالم : كان ابن المبارك إماماً يُقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك فاتهمه على الإسلام.

- قال النسائي: لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك ولا أجل منه ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه.[8]

- عن الحسن بن عيسى، قال: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، ومحمد بن النضر فقالوا : تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا : العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.

- قال حبيب الجلاب : سألت ابن المبارك، مأخير ما أعطي الإنسان ؟ قال : غريزة عقل، قلت : فإن لم يكن ؟قال : حسن أدب، قلت : فإن لم يكن؟ قال : أخٌ شفيق يستشيره، قلت : فإن لم يكن ؟ قال : صمت طويل، قلت : فإن لم يكن ؟ قال : موت عاجل.

- عن عبد الله قال :إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئة لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن.

- قيل لابن المبارك : إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا ؟ قال : أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم فما أصنع معكم ؟ أنتم تغتابون الناس.

- وجاء أن ابن المبارك سُئل : من الناس ؟ فقال : العلماء، قيل : فمن الملوك ؟ قال : الزهاد، قيل : فمن الغوغاء ؟ قال : خزيمة وأصحابة (يعني من أمراء الظلمة)، قيل : فمن السفلة ؟ قال : الذين يعيشون بدينهم.

- وعنه قال : إن البصراء لا يأمنون من أربع : ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع فيه الرب عز وجل، وعمر قد بقي لا يُدرى مافيه من الهلكة، وفضل قد أُعطي العبد لعله مكر واستدراج، وضلالة قد زينت يراها هدىً، وزيغ قلب ساعة فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر.

- عن ابن المبارك قال : من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته


أثر العلم على شخصيته واخلاقه

اولا 1- الورع والخشية: كان القاسم بن محمد يكثر السفر مع ابن المبارك، فلم يكن يلحظ زياده في عبادته على غيره، فيعجب من ذلك وكثيراً ما تحدّثه نفسه: بما فضل هذا الرجل علينا حتى نال هذه الشهرة بين الناس؟ فبينما هم في ليلة على عشاء انطفأ السراج، فقام بعضهم وأخذ السراج وخرج به يستصبح، وحينما عادوا نظر القاسم بن محمد إلى عبد الله بن مبارك فرأى الدموع قد بلّلت وجهه ولحيته، فقال في نفسه: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة .. تذكّر القيامة!.

2- نشر العلم.

3- الحكمة في القول والفعل.

4- الزهد مع الغنى.

5- الفقه في الإنفاق.

حكي عنه رحمه الله عليه أنه قال: «خرجت للغزو مرة فلما تراءت الفئتان خرج من صف الترك فارس يدعو إلى البراز فخرجت إليه فإذا قد دخل وقت الصلاة قلت له: تنح عني حتى أصلي ثم أفرغ لك فتنحى فصليت ركعتين وذهبت إليه فقال لي: تنح عني حتى أصلي أنا أيضا فتنحيت عنه فجعل يصلي إلى الشمس فلما خر ساجدا هممت أن اغدر به فإذا قائلا يقول:"وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا" فتركت الغدر فلما فرغ من صلاته قال لي لما تحركت؟ قلت: أردت الغدر بك قال: فلم تركته؟ قلت لأني أمرت بتركه. قال الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالإيمان وآمن والتحق بصف المسلمين. فقد دعته أخلاقه ألا يغدر بأعدائه فكانت بركة أخلاقه أن انضم عدوه إلى الإسلام بعد أن كان من المحاربين له».


من أقواله وحكمه
◾الدنيا سجن المؤمن، وأعظم أعماله في السجن الصبر وكظم الغيظ، وليس للمؤمن في الدنيا دولة، وإنما دولته في الآخرة!
◾ليس من الدنيا إلا قوت اليوم فقط
◾سئل عن قول لقمان لابنه: (إن كان الكلام من فضة فإن الصمت ذهب)، فقال: معناه لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب!!
◾كان يكثر الجلوس في بيته فقيل له: ألا تستوحش ؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي وأصحابه؟
◾كان يعتزل مجالس المنكر واغتياب الناس فقيل له: إذا صليت معنا لم لا تجلس معنا؟ قال: أذهب مع الصحابة والتابعين. قيل له: ومن أين الصحابة والتابعون؟ قال: أذهب أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، فما أصنع معكم وأنتم تغتابون الناس!
◾كما كان مستجاب الدعوة، فقد دعا للحسن بن عيسى وكان نصرانياً: اللهم ارزقه الإسلام، فاستجاب الله دعوته فيه.
◾قال ابن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).


رؤى الناس في حقه

قال زكريا بن عدي: رأيت بن المبارك في المنام فقلت: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي برحلتي في الحديث! ورؤى الثوري في المنام فقيل له: ما فعل الله بك ؟ قال: رحمني.. فقال له: ما حال عبد الله بن المبارك ؟ فقال: هو ممن يلج على ربه كل يوم مرتين..

قال محمد بن فضيل بن عياض : رأيت عبد الله بن المبارك في المنام فقلت : أي الأعمال وجدت أفضل ؟ قال : الأمر الذي كنت فيه ، قلت: الرباط ، والجهاد ؟ قال نعم - قلت : فأي شيء صنع بك ربك ؟ قال : غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة وكلمتي امرأة من أهل الجنة أو امرأة من الحور العين .

هذا ما رآه الصالحون و(رؤيا المؤمن جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة) كما يقول رسول الله . فرحمة الله ورضي عنه وما أصدق قول الشاعر فيه:

جمال ذي الأرض كانوا في الحياة، وهم...... بعد الممات جمال الكتب والسير (نظرت في أمر الصحابة وأمر بن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبتهم النبي وغزوهم معه) هذا ما قاله ابن عيينه


مكان وفاته

توفي في مدينة هيت بمحافظة الانبار بغرب العراق سنة 181 هجرية وقبره معلوم وقد شيد الناس على قبره

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 02-18-2017, 02:39 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

مالك بن دينار. هو أبو يحيى مالك بن دينار البصري، من أعلام التابعين، قال الذهبي: «علم العلماء الأبرار، معدود في ثقات التابعين. ومن أعيان كتبة المصاحف، كان من ذلك بلغته.»


حياته

( محدث ولد في الكوفة)



ولد في أيام عبد الله بن عباس، وسمع من أنس بن مالك في بلاده، وحدث عن سعيد بن جبير والحسن البصري وآخرين، وحدث عنه سعيد بن أبي عروبة وطائفة سواه. وثقه النسائي وغيره، واستشهد به البخاري. وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة للهجرة، وقال ابن المديني: سنة ثلاثين ومائة للهجرة.

كان أبو يحيى البصري من الذين اشتهروا بزهدهم، وكثرة ورعهم حتى بات مضرب المثل في ذلك، وقدوة السالكين في طريق تحتاج إلى الكثير من جهاد النفس والهوى. والقدرة على تخطي العبودية لشهوات الدنيا وملاذها. كان على غاية القناعة والرضا بالقسمة بعدًا عن الشبهات، وورعًا من أن يناله رشاش الإثم عن طريق المال؛ لذا كان حريصًا على أن يأكل من كسب يده، فيكتب المصاحف بالأجر كما أشرنا، ويرضى بالقليل عملاً بسنة الأنبياء، وما رغب به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وروي عنه قوله: "قرأت في التوراة: إن الذي يعمل بيده طوبى لمحياه ومماته". ولقد رزق الدأب على السير في طاعة مولاه جل وعلا، يبتغي الوصول إلى المعرفة الحقة وهو معرفة الله عز وجل. قال رحمة الله عليه: "خرج أهل الدنيا من الدنيا، ولم يذوقوا أطيب شيء فيها، قالوا: وما هو يا أبا يحيى؟ قال: معرفة الله".

أما عن صلته بالقرآن الكريم: فقد حملت إلينا كتب التراجم الكثير الطيب من ذلك مصداقًا لقوله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون". ومما قاله في ذلك: "إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة" ثم قال: "خذوا فيقرأ ويقول: اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه".

وكان من الطبيعي أن يسائل نفسه ويسائل حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبهم، ماذا أثمر من الخير الذي ينعكس على جوارحهم وسلوكهم... إلى أي مدى كان قائدهم إلى الجنة، ومرابع القرب عند الله عز وجل.

حدث جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: «يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض. فإن الله ينزل الغيث من السماء إلى الأرض فيصيب الحسَّ فتكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها من أن تهتز وتخضر وتحسن، فيا حملة القرآن: ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ أين أصحاب سورة؟ أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما؟»

وكان له قدرة عجيبة في التأثير وإيصال الموعظة إلى القلوب بحاله وبقلمه. قيل: دخل عليه لص فما وجد ما يأخذه، فناداه مالك: لم تجد شيئاً من الدنيا أفترغب في شيء من الآخرة؟ قال: نعم. قال: توضأ، وصل ركعتين، ففعل، ثم جلس وخرج إلى المسجد، فسئل مالك من ذا؟ فقال: جاء ليسرق فسرقنا.

ومن نظراته: ما كان يرى من أن الصدق يبدو في القلب ضعيفاً، فيتفقده صاحبه ويزيده الله. ويتفقده صاحبه ويزيده الله حتى يجعله بركة على نفسه، ويكون كلامه دواء للخاطئين، يذكر ذلك ثم يقول: أما رأيتموهم؟ ويرجع إلى نفسه فيقول: بلى! والله لقد رأيناهم: الحسن، وسعيد بن جبير وأشباههما. الرجل منهم، يحيي الله بكلامه الفئام من الناس. ومن هذه النظرات ما نراه في قوله: "يا هؤلاء إن الكلب إذا طرح إليه الذهب والفضة لم يعرفهما، وإذا طرح إليه العظم أكب عليه، كذلك سفهاؤكم لا يعرفون الحق".

والمؤمن –على فرحه بفضل الله- حزين القلب على ما يكون من تقصيره، ومخافته من هول يوم القيامة، لذا فإن من خراب القلب –كما يرى ابن دينار- أن يكون خالياً من هذا الحزن. انظر إليه يقول: "إذا لم يكن في القلب حزن خرب، كما إذا لم يكن في البيت ساكن يخرب". وهذه الخشية من الله سمة من سمات الصديقين الذين يرون كأن كل وعيد في القرآن، إنما ينصب على رؤوسهم هم وحدهم، وكأن كل قارعة تتهدد العصاة إنما تتهددهم وحدهم، ومن هنا كان تأثرهم بقراءة القرآن خصوصاً آيات العذاب التي تحمل التهديد والتخويف تنفطر لها قلوبهم، وتهتز لها نفوسهم فيناجون الله، ويبكون، ويتخشعون، حتى ثبت عن عمر أنه كان يقرأ بعض الآيات في صلاته فيظل فترة بعدها طريح الفراش. وفي هذا الباب: حدث المغيرة بن حبيب ختن مالك بن دينار أنه قال: يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار ولا أدري ما عمله. قال: فصليت العشاء الآخرة ثم جئت فلبست قطيفة في أطول ما يكون الليل. قال: وجاء مالك فقرب رغيفه فأكل ثم قام إلى آخر الصلاة، فاستفتح ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: "إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار" فو الله ما زال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فإذا هو على تلك الحال يقدم رجلاً ويؤخر أخرى يقول: "يارب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرّم شيبة مالك بن دينار على النار" فما زال كذلك حتى طلع الفجر. ومن وصاياه قوله: "إن من الناس ناساً إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم، فكونوا من قراء الرحمن بارك الله فيكم".


قصة توبته

روى ابن قدامة في كتاب التوابين ـ القصة غير مسندة وهي ضعيفة ومنكرة ولا تصح حسب قول كثير من العلماء -:




مالك بن دينار
وروى عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته فقال كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر ثم إنني اشتريت جارية نفيسة ووقعت مني أحسن موقع فولدت لي بنتا فشغفت بها فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبا وألفتني وألفتها قال فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني كان عليه وهرقته من ثوبي فلما تم لها سنتان ماتت فأكمدني حزنها فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة الجمعة بت ثملا من الخمر ولم أصل فيها عشاء الآخرة فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت ونفخ في الصور وبعثرت القبور وحشر الخلائق وأنا معهم فسمعت حسا من ورائي فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعا نحوي فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام فقلت أيها الشيخ أجرني من هذا التنين أجارك الله فبكى الشيخ وقال لي أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه فوليت هاربا على وجهي فصعدت على شرف من شرف القيامة فأشرفت على طبقات النيران فنظرت إلى هولها وكدت أهوي فيها من فزع التنين فصاح بي صائح ارجع فلست من أهلها فاطمأننت إلى قوله ورجعت ورجع التنين في طلبي فأتيت الشيخ فقلت يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل فبكى الشيخ وقال أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك أبو قال فنظرت إلى جبل مستدير من فضة وفيه كوى مخرمة وستور معلقة على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة باليواقيت مكوكبة بالدر على كل مصراع ستر من الحرير فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربا والتنين من ورائي حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه فإذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت فأشرف علي من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار وقرب التنين مني فتحيرت في أمري فصاح بعض الأطفال ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه فأشرفوا فوجا بعد فوج وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم فلما رأتني بكت وقالت أبي والله ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت يا أبت ((ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله))الحديد 16 فبكيت وقلت يا بنية وأنتم تعرفون القرآن فقالت يا أبت نحن أعرف به منكم قلت فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني قالت ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم قلت فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي قالت يا أبت ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء قلت يا بنية وما تصنعون في هذا الجبل قالت نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم قال مالك فانتبهت فزعا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله عز وجل وهذا كان سبب توبتي

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 02-18-2017, 02:45 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

مُجاهِد بْن جَبْر (ويُقال: جُبير) (21-104 هـ - 642-722م) مولى السائب بن أبي السائب المخزومي القرشي. ويعرف اختصاراً في المصادر والكتب التراثية بمجاهد. وهو إمامٌ وفقيه وعالمُ ثقة وكثير الحديث، وكان بارعاً في تفسير وقراءة القرآن الكريم والحديث النبوي.[1]


شيوخه ومن روى عنهم الحديث

روى مجاهد الكثير عن ابن عباس، كما عرض عليه القرآن ثلاث مرات، وكان خلال كل مرة يقف عند كل آية فيسأله عنها، كيف كانت؟ وفيم نزلت؟. كما أخذ عن ابن عباس إضافة إلى قراءة القرآن تفسيره، وكذلك أخذ عنه الفقه. وروى مجاهد عن عائشة وعن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وعن أبي سعيد الخدري.


رواته والذين أخذوا عنه

روى الحديث عن مجاهد الكثيرون ومنهم عكرمة وطاووس وعطاء بن السائب وسليمان الأعمش وعمرو بن دينار وجماعة آخرون. أما قراءة القرآن فقد قرأ عليه ثلاثة من أئمة القراءات، وهم ابن محيصن، وابن كثير، وأبو عمرو بن علاء البصري.


مناقبه

كان مجاهد من أعلم الناس بالقرآن حتى أن الإمام الثوري قال خذوا التفسير من أربعة: مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك. وله كتاب في التفسير يقال تفسير مجاهد ويقول بعض المفسرين أن من منهجه في ذلك الكتاب أنه كان يسأل أهل الكتاب ويقيد فيه ما يأخذه عنهم، ووما يذكر عنه أنه كان شغوفاً بالغرائب والأعاجيب ولأجل ذلك فقد ذهب إلى بئر برهوت في حضرموت ليتقصى ما علمه عنه، كما أنه بنفس هذا الدافع ذهب إلى بابل يبحث بها عن هاروت وماروت

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 02-18-2017, 03:21 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

الإمام الحافظ إمام بيروت وسائر الشَّام والمغرب والأندلُس أبو عمرو عبدُ الرحمٰن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي، فقيه ومُحدّث وأحد تابعي التابعين وإمام أهل الشام في زمانه. أُضيف إلى ألقابه لقب إمام العيش المُشترك في لُبنان في العصر الحديث، لِما مثَّلته مواقفه في عصره من تسامح مع المسيحيين واليهود من أهل الشَّام، ولُقِّب بِشفيع النصارى لِموقفه الحازم في مُواجهة والي الشَّام والخليفة العبَّاسي أبو جعفر المنصور، اللذان عزما على إجلاء أهالي جبل لبنان المسيحيين بعد أن ثارت جماعة منهم وتمرَّدت على العبَّاسيين وشقَّت عصا الطاعة، فرفض الأوزاعي إجلاء هؤلاء كُلُّهم طالما أنَّ فئةً منهم فقط كانت من ثارت، ووقف بوجه الخِلافة بِعناد مُذكرًا أهل السُلطة بالعدل بين الناس وأنَّ خطأ فئة لا يستوجب مُعاقبة الجماعة، فأُبطل هذا القرار، وسلم أهالي جبل لُبنان من تعسُّف السُلطة، وحفظوا لِلأوزاعي جميله.[1]

على الأرجح وُلد الأوزاعي في بعلبك، وعاش فترة من صباه في قرية الكرك البقاعيَّة يتيمًا فقيرًا، ثُمَّ انتقل مع أُمِّه إلى بيروت. وكان قبل ذلك قد عاش مع عائلته في دمشق، وتنقَّل بين حلب وحماة وقنسرين وسواها. أُطلق عليه اسم «الأوزاعي» نسبةً إلى «الأوزاع» وهي قبيلة يمنيَّة حميريَّة من بطن ذي الكلاع من قحطان. نزل أفرادٌ منها في دمشق قرب باب الفراديس، وقد أُطلق على المنطقة التي نزلوا فيها اسم قرية «الأوزاع». لم يذكر المُؤرخون والفُقهاء والعُلماء شيئًا عن والد الإمام الأوزاعي باستثناء ما أشار إليه الإمام نفسه، ولا عن والدته أو أخواله، غير أنَّهم أشاروا إلى أنَّ كان له عمٌّ واحد، والثَّابت أنَّهُ تزوَّج أكثر من مرَّة، ورُزق بِثلاث بنات وصبيٍّ واحد، وكان له حفيدين من بناته بِحسب الظاهر.[2]

عاش الأوزاعي في عهدين سياسيين هامين، فشهد نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وعاصر من الخُلفاء: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد، وأبو العباس السفاح، وأبو جعفر المنصور. وكانت الفترة التي عاشها الإمام الأوزاعي تزخر بِالعلم والعُلماء والفُقهاء والقُرَّاء والمُحدثين، ومن أبرز عُلماء تلك الفترة الأئمَّة: مالك بن أنس، وجعفر الصادق، وسفيان الثوري، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبو حنيفة النعمان، والليث بن سعد، وسواهم. وكان الأوزاعي من المُتفوقين علميًّا وفقهيًّا وجُرأةً على الكثير من عُلماء عصره، وقد أفتى وهو في الثالثة عشرة من عمره في مسائل فقهيَّة، بينما أفتى وهو في السابعة عشرة من عمره في مسائل عقائديَّة. وكان الأوزاعي مؤمنًا أشد الإيمان بالقاعدة الإسلامية «الرحلة في طلب العلم»، لذا تنقل في مُدن الشَّام وفي اليمامة والبصرة والمدينة المنورة وبيت المقدس، وحجَّ أكثر من مرة، لِذلك فقد تعمَّق في العُلوم الدينيَّة والشرعيَّة بِشكلٍ لافتٍ لِلنظر. أمَّا فيما يختص بالقضاء فقد رفض الأوزاعي منصب القضاء في العصرين الأُموي والعبَّاسي، فلمَّا وُلي زمن يزيد بن الوليد جلس مجلسًا واحدًا ثُمَّ استعفى، إيمانًا منه بِأنَّ القضاء مسؤوليَّة إسلاميَّة ضخمة لا يُمكن لِأي إنسان أن يتحمَّل وزر مسؤوليَّتها.[3]

وكان الأوزاعي من كبار الأئمَّة المُدافعين عن الإسلام والسُنَّة النبويَّة، لا سيَّما في فترة تزايد البدع والجدل والانحراف عن القُرآن والسُنَّة،[4] كما كان حريصًا على الجهاد والرباط والدفاع عن المظلومين وعن الحق، وكان استقراره في ثغر بيروت بدافع الرباط ورد الاعتداءات عن ديار الإسلام، وكانت الفترة التي قضاها في بيروت أكثر سني حياته المُنتجة والغزيرة، ففيها طوَّر مذهبه، وانتشر في كافَّة أنحاء الشَّام وانتقل إلى المغرب والأندلُس، لِيكون خامس مذاهب أهل السنة والجماعة، لكن لم يُكتب لمذهبه البقاء، فاندثر بعد أن لم يهتم تلامذته بتدوينه والحفاظ عليه، فحل مكانه المذهب الحنفي والشافعي في الشَّام والمالكي في المغرب والأندلس. توفي الأوزاعي في بيروت سنة 157 هـ، وكانت جنازته كبيرة وقيل أن من شارك فيها من المسيحيين واليهود كان أكثر ممن شارك من المسلمين، وأنَّ قسمًا من هؤلاء أشهر إسلامه يومها. دُفن الأوزاعي في قرية «حنتوس» جنوب بيروت، وشُيِّد على قبره مقام ومسجد عُرف بِمسجد الإمام الأوزاعي، ومع مُرور السنوات تغيَّر اسم القرية حتَّى أصبحت تُعرف بـ«الأوزاعي»، وشكَّلت جُزء من بيروت الكُبرى مع مرور الزمن.

تقديرًا لإنجازات الإمام الأوزاعي ورمزيَّته في بيروت، أُنشأت كُليَّة لِلدراسات الإسلاميَّة في المدينة سُميت على اسمه: كُليَّة الإمام الأوزاعي لِلدراسات الإسلاميَّة، وتمَّ إصدار طابع بريدي تذكاري سنة 2009م عن وزارة الاتصالات في لُبنان بعد موافقة مجلس الوزراء، وتبنَّت بلديَّة بيروت اقتراح المؤرخ الدكتور حسان حلاق بتسمية ساحة سوق الطويلة في وسط بيروت التجاري بساحة الإمام الأوزاعي، وبإعادة ترميم زاويته القائمة في ذات الساحة منذ عصره حتَّى اليوم.[5]



نشأته


ولد أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد[6] بن عبد عمرو الأوزاعي[7] سنة 88 هـ.[8] ولكن اختلف المؤرخون لسيرته حول محل مولده، فقيل أن مولده كان ببعلبك،[6] ومنشأه بقرية الكرك بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت.[9] وقيل أن منشأه كان بدمشق حيث سكن خارج باب الفراديس[10] بمحلة الأوزاع،[6] على أية حال، نُسب الأوزاعي إلى محلة الأوزاع وهي من أرباض دمشق، وسميت بذلك نسبة إلى الأوزاع وهم بطن من بطون همدان[8] وهو من أنْفَسِهم،[11][12] وقيل إنما سميت بالأوزاع لأن سكانها بقايا من قبائل شتى[8][13] غير أن البخاري قال: «لم يكن من الأوزاع بل نزل فيهم»،[8][14] وهو ما رجّحه الهيثم بن خارجة بقوله أن الأوزاعي: «ابن عم يحيى بن أبي عمرو السيباني لُحًّا، إنما كان ينزل قرية الأوزاع»،[8][14][15] كناية عن انتمائه لقبيلة سيبان الحميرية الحضرموتية. ذهب أبو زرعة الدمشقي إلى أبعد من ذلك حين قال أن: «اسم الأوزاعي عبد العزيز بن عمرو بن أبي عمرو، فسمى نفسه عبد الرحمن، وكان أصله من سبي السند، نزل في الأوزاع، فغلب عليه ذلك».[8][16]

مات أبو الأوزاعي وهو صغير،[9] ثم تحولت به أمه إلى بيروت.[6] ولمّا شبّ خرج الأوزاعي في حملة إلى اليمامة، وبينما هو يُصلّي في مسجدها، إذ رآه يحيى بن أبي كثير وهو يُصلّي، فاستحسن صلاته، فسأله يحيى عن حاله، وتحدّث إليه، فأُعجب الأوزاعي بعلم يحيى، وترك ديوان الجند، ولزم يحيى بن أبي كثير يستقي من علمه، ويكتب عنه،[15][17] حتى عدّوا الأوزاعي من أروى الناس عن يحيى بن أبي كثير وأكثرهم أخذًا عنه،[18] كما سمع من غيره من مشايخ أهل اليمامة.[11][12] وبعد فترة نصحه يحيى بالرحيل إلى البصرة، فرحل إليها سنة 110 هـ ليسمع من الحسن البصري ومحمد بن سيرين، فوجد الحسن قد مات، وابن سيرين في مرض موته، ومكث أيامًا ثم مات، ولم يسمع منه.[17] غير أنه سمع من قتادة بن دعامة وغيره من علماء البصرة، ثم جال في البلاد يطلب العلم فسمع من عطاء بن أبي رباح في مكة، ومن محمد الباقر في المدينة المنورة، ومكحول والزُهري في الشام وغيرهم الكثير.[19]


شيوخه وتلاميذه

سمع الأوزاعي في البصرة والكوفة ومكة والمدينة المنورة ودمشق واليمامة من عطاء بن أبي رباح وأبي جعفر محمد الباقر وعمرو بن شعيب ومكحول وقتادة والقاسم بن مخيمرة وربيعة بن يزيد القصير وبلال بن سعد والزهري وعبدة بن أبي لبابة ويحيى بن أبي كثير وأبي كثير السحيمي اليمامي وحسان بن عطية وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ومطعم بن المقدام وعمير بن هانئ العنسي ويونس بن ميسرة ومحمد بن إبراهيم التيمي وعبد الله بن عامر اليحصبي وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة والحارث بن يزيد الحضرمي وحفص بن عنان وسالم بن عبد الله المحاربي وسليمان بن حبيب المحاربي وشداد أبي عمار وعبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الواحد بن قيس وأبي النجاشي عطاء بن صهيب وعطاء الخراساني وعكرمة بن خالد وعلقمة بن مرثد وابن المنكدر وميمون بن مهران والوليد بن هشام[19] وسليمان بن موسى وهارون بن رئاب والمطعم بن المقدام والعلاء بن الحارث ويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني وعبد الواحد بن عبد الله بن بشر ويحيى بن عبيد الله وعمرو بن مرة وقرة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن حرملة وعبد الله بن سعد ومعاوية بن سلمة النصري وثابت وعطية ابني معبد [10] وعثمان بن أبي سودة والمطلب بن عبد الله بن حنطب وأسامة بن زيد الليثي ويزيد الرقاشي وإبراهيم بن مرة وأيوب بن موسى وأبي معاذ صاحب أبي هريرة وموسى بن يسار وسليمان الأعمش وغيرهم الكثير من التابعين.[20]

وروى عنه ابن شهاب الزهري ويحيى بن أبي كثير (وهما من شيوخه) وشعبة والثوري ويونس بن يزيد وعبد الله بن العلاء بن زبر ومالك وسعيد بن عبد العزيز وابن المبارك وأبو إسحاق الفزاري وإسماعيل بن عياش ويحيى بن حمزة القاضي وبقية بن الوليد والوليد بن مسلم والمعافى بن عمران ومحمد بن شعيب وشعيب بن إسحاق ويحيى القطان وعيسى بن يونس والهقل بن زياد ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو المغيرة الحمصي وأبو عاصم النبيل ومحمد بن كثير المصيصي وعمرو بن عبد الواحد ويحيى البابلتي والوليد بن مزيد العذري[19] وسفيان بن حبيب وسويد بن عبد العزيز ويزيد بن السمط وسلمة بن العيار وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة ومحمد بن يوسف وأبو خليد عتبة بن حماد وسهل بن هاشم البيروتي والوليد بن سلمة الأردني ومعاوية بن يحيى أبو عثمان وعبيد الله بن موسى وعقبة بن علقمة ونصر بن الحجاج وعباد بن جويرية ومسلمة بن علي وأبو المنهال حبيش بن عمر الدمشقي طباخ المهدي وعباد بن عباد الخواص وعبيد بن حبان الجبيلي وعبد الله بن عبد الملك الشامي وموسى بن أعين والحارث بن عطية المصيصي وعبد العزيز بن الوليد بن سليمان بن أبي السائب وعمرو بن أبي سلمة وبشر بن بكر وعبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين والمزاحم بن العوام بن مزاحم وصدقة بن عبد الله ويحيى بن عبد الله بن الضحاك ورواد بن الجراح ومحمد بن القاسم الأسدي وأيوب بن سويد ومحمد بن عيسى بن القاسم بن سميع وعمارة بن بشر وعلي بن ربيعة البيروتي وعمرو بن هاشم ومبشر بن اسماعيل الحلبي وإسحاق بن أبي يحيى الكعبي وسلمة بن كلثوم وعثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق[20]


وفاته وإرثه

يوم الأحد 28 صفر[21] سنة 157 هـ،[12][22] دخل الأوزاعي حمام بيته وهو شيخ كبير شارف على السبعين، وأدخلت معه امرأته كانونًا فيه فحم وأغلقت عليه امرأته باب الحمام غير متعمدة، لئلا يصيبه البرد، ولم يقو على فتح الباب، فاستسلم لأمره وتوجّه إلى القبلة، ومات مختنقًا.[23][24] توفي الأوزاعي ولم يترك إلا سبعة دنانير، وما كان له أرض ولا دار.[25] وقال الحسن بن جرير بن عبد الرحمن الصوري أنه أخبره من حضر جنازة الأوزاعي أنه شيعها أهل أربعة أديان المسلمون واليهود والنصارى والقبط.[26] ويُروى أن رجلاً قال لسفيان الثوري رأيت كأن ريحانة من الشام رفعت فقال سفيان الثوري إن صدقت رؤياك، فقد مات الأوزاعي، فعرف ذلك اليوم فوجدوا موت الأوزاعي فيه.[27]

ويُذكر أن الأوزاعي تزوج وأنجب، ولكن المعلومات عن زوجاته وأولاده شحيحة. فلم يذكر ابن عساكر عن زوجته سوى أن اسمها «جويرية»،[28] ويبدو أنه تزوجها ثيّبًا حيث ورد في ترجمة أبي سعيد يحيى بن عبد الله البابلتي في سير أعلام النبلاء أن الأوزاعي كان زوجًا لأمه.[29] كذلك ورد أن للأوزاعي ابنًا اسمه «محمد» وصفه ابن عقبة أنه «من أعبد خلق الله»[30] كما أن له ابنة اسمها «رواحة» كانت تروي الحديث عن أبيها.[31]



أما عن صفته، فقد وصفه محمد بن عبد الرحمن السُلمي أحد معاصريه بأنه كان فوق الربعة، خفيف اللحم، به سمرة، يخضب بالحنا.[17] وقد رُوي أن الأوزاعي كان يُحيي الليل صلاة وقرآنًا وبكاء،[32] ويجتهد في العبادة حتى أنه كان لا يُكلّم أحدًا بعد صلاة الفجر حتى يذكر الله، فإن كلمه أحد أجابه.[33]

وقد رثاه بعضهم قائلاً:[34]



جاد الحيا بالشام كل عشية قبرًا تضمن لحده الأوزاعي
قبر تضمن فيه طود شريعة سقيًا له من عالم نفاع
عرضت له الدنيا فأعرض مقلعًا عنها بزهد أيما إقلاع

أما عن موروث الأوزاعي من المؤلفات والتصانيف، فهي ليست بالكثير. ربما لضياع جانب كبير من كتبه التي احترقت زمن الرجفة، وهي زلزلة عظيمة أصابت الشام سنة 130 هـ، وهلك فيه خلق كثير،[35] وعزوف الأوزاعي نفسه عن إعادة كتابتها،[36] رغم أنه أول من دوّن العلم بالشام.[22] غير أن كتب التراجم والسير حفظت بعض المعلومات عن بعض كتبه مثل «مسند الإمام الأوزاعي» الذي ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون،[37] و«سير الإمام الأوزاعي» وهو مطبوع ضمن كتاب الأم للشافعي.[38] وقال عنه الذهبي أن به نحو الألف حديث، إضافة إلى الألوف من الأحاديث المرسلة والموقوفة،[39] وذكر له ابن النديم في الفهرست كتابي «السنن في الفقه» و«المسائل في الفقه»،[40] إضافة إلى كتاب «سير الأوزاعي» الذي احتوى على بعض المسائل الفقهية، ولم يبق منه نسخ الآن، والذي تكفّل أبو يوسف القاضي بالرد على بعض تلك المسائل في كتابه «الرد على سير الأوزاعي».[41] وقد اهتم غير واحد بالترجمة للأوزاعي، لعل أشهرها قديمًا ترجمة أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن زيد الحنبلي له في كتابه «محاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي»،[42] إضافة إلى عدد من المعاصرين مثل «الإمام الأوزاعي شيخ الإسلام وعالم أهل الشام» لعبد الستار الشيخ[43] و«الإمام الأوزاعي فقيه أهل الشام» لعبد العزيز سيد الأهل.[44]

وبعيدًا عن موروثه من التصانيف والكتب، فقد كثُر كلام الأوزاعي ومواعظه ورسائله التي تناقلتها ألسنة الوُعّاظ والعلماء،[45] فقد روى الوليد بن مزيد أنه سمع الأوزاعي يقول: «إذا أراد الله بقوم شرًا فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل»،[46] ورُوي أن الأوزاعي قال: «لا ينبغي للإمام أن يخص نفسه بشيء من الدعاء، فإن فعل فقد خانهم»،[47] وقال: «نتجنب من قول أهل العراق خمسًا، ومن قول أهل الحجاز خمسًا. من قول أهل العراق شرب المسكر، والأكل عند الفجر في رمضان، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، وتأخير العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة أمثاله، والفرار يوم الزحف. ومن قول أهل الحجاز استماع الملاهي، والجمع بين الصلاتين من غير عذر، والمتعة بالنساء، والدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين يدًا بيد، وإتيان النساء في أدبارهن»،[48] وقوله: «كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد Mohamed peace be upon him.svg والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله.»[49]


منزلته العلمية

كانت منزلة الأوزاعي عند معاصريه عالية خاصة في الشام[16] التي كان أمره فيهم أعز من أمر السلطان.[42] كذلك أثنى الكثير من علماء وفقهاء المسلمين على شخص الأوزاعي، فقال ابن سعد: «كان ثقة، خيّرًا، فاضلاً، مأمونًا كثير العلم والحديث والفقه، حُجّة»،[8][12] وقال عبد الرحمن بن مهدي: «إنما الناس في زمانهم أربعة حماد بن زيد بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام»،[50][51] وقال الشافعي: «ما رأيت رجلاً أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي»،[50] وقال الوليد بن مسلم: «ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي»،[52] وقال أبو إسحاق الفزاري: «ذاك رجل كان شأنه عجبًا، كان يسأل عن الشيء عندنا فيه الأثر، فيرد - والله - الجواب، كما هو في الأثر، لا يقدم منه ولا يؤخر»،[36] وقال أيضًا: «ما رأيت احدا كان أشد تواضعًا من الأوزاعي ولا أرحم بالناس منه وان كان الرجل ليناديه فيقول لبيك»[53] وقال أيضًا: «ما رأيت مثل رجلين الأوزاعي والثوري. فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، وأما الثوري فكان رجل خاصة نفسه. ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي»،[54] وقال سفيان بن عيينة: «كان الأوزاعي إمام» (يعني إمام زمانه)،[15][54] وقال ابن حبان عنه: «أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وحفظًا وفضلاً وعبادة وضبطًا مع زهادة»،[7] وقال عيسى بن يونس: «كان الأوزاعي حافظًا»،[55] وقال مالك بن أنس: «الأوزاعي إمام يقتدى به»،[56] وقال صدقة بن عبد الله: «ما رأيت أحدًا أحلم ولا أكمل ولا أجمل فيما حمل من الأوزاعي»[57] وقال موسى بن يسار: «ما رأيت أحدًا أنظر، ولا أنقى للغل عن الإسلام من الأوزاعي»[58] وقال أبو حفص الفلاس: «الأئمة خمسة الأوزاعي بالشام والثوري بالكوفة ومالك بالحرمين وشعبة وحماد بن زيد بالبصرة»[59] وقال يحيى بن معين: «العلماء أربعة، الثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي»[60] وقال بقية بن الوليد: «أنا الممتحن الناس بلأوزاعي، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سُنَّة، ومن طعن عليه عرفنا أنه صاحب بدعة»،[61] وقال إسحاق بن راهويه: «إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنة»، فسر الذهبي قوله بأنه يقصد بذلك أن اجتماعهم على رأي في مسألة فهو الحق غالبًا.[62]

كما دلّلت بعض الروايات على علوّ منزلة الأوزاعي عند علماء عصره، فقد روى أحمد بن حنبل أنه: «دخل سفيان الثوري والأوزاعي على مالك، فلما خرجا قال مالك: أحدهما أكثر علمًا من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة»، علّق عليها الذهبي بقوله: «يعني الأوزاعي للإمامة»،[63] وأردف ابن حنبل قائلاً: «لم يكن لمالك في سفيان رأي».[64] كما قال عبد الله بن المبارك: «لو قيل لي: اختر لهذه الأمة، لاخترت سفيان الثوري والأوزاعي، ولو قيل لي: اختر أحدهما، لاخترت الأوزاعي؛ لأنه أرفق الرجلين».[50][53] ورُوي أنه بلغ سفيان الثوري وهو بمكة مقدم الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طوى،[65] وقال الختلي: «رأيت شيخًا راكبًا على جمل، وآخر يقوده، وآخر يسوقه، وهما يقولان أوسعوا للشيخ. فقلت: من الراكب؟، قيل: الأوزاعي. قلت: من القائد؟، قيل: سفيان الثوري، قلت: فمن السائق؟ قيل: مالك».[66] كما عدّ شيخ الجرح والتعديل ابن أبي حاتم الأوزاعي من العلماء النُقّاد الذين نقدوا رواة الحديث، وأسسوا لعلم الرجال.[67]

إلا أن كتب التراجم لم تخل من بعض الانتقادات لشخص الأوزاعي، فهذا إبراهيم الحربي يسأل أحمد بن حنبل قائلاً: «ما تقول في مالك؟» قال: «حديث صحيح، ورأي ضعيف»، قال: «فالأوزاعي؟»، قال: «حديث ضعيف، ورأي ضعيف»، قال: «فالشافعي؟»، قال: «حديث صحيح، ورأي صحيح»، قال: «ففلان؟» قال: «لا رأي، ولا حديث».[50] فسّره البيهقي بقوله: «قوله في الأوزاعي حديث ضعيف، يريد به بعض ما يحتج به، لا أنه ضعيف في الرواية. والأوزاعي ثقة في نفسه، لكنه قد يحتج في بعض مسائله بحديث من عساه لم يقف على حاله، ثم يحتج بالمراسيل والمقاطيع، وذلك بيّن في كتبه».[68]


مذهبه


نبغ الأوزاعي في تحصيل العلوم، حتى أنه جلس للفتيا سنة 113 هـ،[69] وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة.[70] ومنذئذ اجتمع حوله طلاب العلم وأفتى فيما ورد لديه من مسائل حتى أن الهقل بن زياد قال: «أفتى الأوزاعي في سبعين ألف مسألة، وسُئل يومًا عن مسألة، فقال: ليس عندي فيه خبر»، يعني بذلك أن فتواه الأخرى بناها على أخبار عنده.[71] تشكّل بذلك مذهب الأوزاعي الفقهي المستقل الذي عمل به فقهاء الشام والمغرب والأندلس[72] إلى أدخل القاضي أبو زرعة محمد بن عثمان الثقفي الدمشقي مذهب الشافعي إلى دمشق، وكان يهب لمن يحفظ «مختصر المزني» مائة دينار،[73] فبدأ في الانحسار، إلا أنه بقي شائعًا في الشام حتى المائة الرابعة من الهجرة.[74] أما الأندلس، فقد دخلها مذهب الأوزاعي على يد صعصعة بن سلام الدمشقي،[75] وظلّ أهل الأندلس على مذهبه إلى أن أدخل زياد بن عبد الرحمن اللخمي مذهب مالك إلى الأندلس، فساد فيها[76] حتى اندثر مذهب الأوزاعي تمامًا من الأندلس في زمن الحكم الربضي.[42] ورغم اندثار مذهب الأوزاعي إلا أنه لا تزال له بعض المسائل الفقهية في أمهات الكتب.[77]

أما عن منهجه في مذهبه، فهو يتضح مما رواه الأوزاعي عن مكحول في قوله: «القرآن أحوج إلى السُنّة من السُنّة إلى القرآن».[78] حيث استنبط الأوزاعي من هذا القول أهمية دور السُنّة في تفسير نصوص القرآن، وتفصيل مُجمله، وتخصيص عام القرآن بما ثبت لديه من الحديث مثل إفتاءه بحرمان الولد القاتل من الميراث[79] عملاً بحديث: «لا يرث القاتل شيئًا».[80][81]

لجأ الأوزاعي في بعض المسائل الفقهية التي تعارضت فيها الآثار الواردة في المسألة الواحدة إلى ترجيح الرأي[82] كمسألة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه التي تناظر فيها الأوزاعي وسفيان الثوري في مكة حيث رأى الأوزاعي ترجيح حديث الزُهري عن سالم عن أبيه قوله: «رأيت النبي Mohamed peace be upon him.svg يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع يديه بين السجدتين»[83] فيما احتج الثوري بحديث يزيد بن أبي زياد الهاشمي عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب قوله: «أن رسول الله Mohamed peace be upon him.svg كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود».[84] فغضب الأوزاعي وقال للثوري: «أتعارض حديث الزُهري بحديث يزيد بن أبي زياد، وهو رجل ضعيف؟» فاحمرّ وجه الثوري وقال للأوزاعي: «لعلك كرهت ما قلت؟»، قال الأوزاعي: «نعم»، ثم قال الأوزاعي: «قم بنا حتى نتلاعن عند الركن أينا على الحق»، فسكت الثوري.[85][86]

كما كان الأوزاعي يرى في فقهه بإجماع الصحابة كرأيه بأنه لا يجوز شراء شيء من الأرض الموقوفة على المسلمين بعد فتحها،[87] فقال الأوزاعي: «أجمع رأي عمر وأصحاب النبي Mohamed peace be upon him.svg لما ظهروا على الشام على اقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها، ويؤدون خراجها إلى المسلمين. ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض طوعًا ولا كرهًا، وكرهوا ذلك مما كان من إتفاق عمر وأصحابه في الأرضين المحبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين لا تباع ولا تورث، قوة على جهاد من لم تظهر عليه بعد من المشركين».[88] كما رأى الأوزاعي بوجوب العدة على المرأة إذا خلا بها الرجل بعد العقد عليها وإن لم يُصبها، ثم طلقها، محتجًا بقضاء الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر: «أن العدة تجب على كل من خلا بها زوجها، وإن لم يمسها»[89] وهو ما لم يره الشافعي لقوله تعالى:
Ra bracket.png
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا Aya-49.png
La bracket.png
.[90]

عمل الأوزاعي أيضًا في مصادر تشريعه بما يصح لديه من أقوال الصحابة ما لم يجد في قول الصحابي ما يخالفه من قول صحابي آخر، وإن تعددت أقوالهم في المسألة الواحدة تخيّر بما لا يخرج عنها في مجموعها.[91] كما اجتهد الأوزاعي أيضًا في بعض المسائل كفتواه بأن أقل إقامة لاحتساب الصلاة صلاة سفر إثنى عشر يومًا،[92] وهو ما علق عليه ابن المرتضي في كتابه «البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار» بقوله: «ولا يعرف له مستند شرعي، وإنما هو اجتهاده من نفسه».[93] وفي قول الأوزاعي: «لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث»،[94][95] وهو ما أكّده بقوله: «أعربوا الحديث، فإن القوم كانوا عربًا».[96] كذلك أخذ الأوزاعي بالقياس في بعض المسائل كقوله بأن الصائم لو أفطر بالأكل والشرب، فقد وجب عليه ما يجب على المفطر بالجماع من القضاء والكفارة.[97] وعمل أيضًا بسد الذرائع مثل إفتاءه بأن زكاة الغنم لا تسقط إن باعها صاحبها قبل أن يحول عليها الحول فرارًا من الزكاة،[98] خوفًا من أن يتعمد الأثرياء اللجوء إلى ذلك لإسقاط زكاتهم.[99]


الأوزاعي والحكام

كان الأوزاعي على علاقة طيبة بمعاصريه من الأمويين حتى أن الخليفة الأموي يزيد بن الوليد استقضاه، فجلس الأوزاعي مجلسًا واحدًا، ثم استعفى، فأُعفي.[62][100] غير أنه بتولّي العباسيون الأمر، أفحشوا في قتل وتتبُّع الأمويين، واضطهاد من كانت لهم الحظوة عند الأمويين. ثم أن عبد الله بن علي لما دخل دمشق سنة 134 هـ، أرسل في طلب الأوزاعي، فتباطأ عليه ثلاثة أيام، ثم دخل عليه.[101] ولما دخل الأوزاعي على عبد الله وجده على سريره وفي يده خيزرانة، وجنده المتشحين بالسواد يحيطونه، وسيوفهم مصلّتة. فسلم عليه الأوزاعي فلم يرد، ثم بادره عبد الله بالسؤال قائلاً: «يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة أرباط هو؟»، فردّ الأوزاعي بحديث النبي محمد: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فقال عبد الله: «يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟»، فرد بحديث النبي محمد: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، فقال عبد الله: «ما تقول في أموالهم؟» فقال الأوزاعي: «إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي»،[102] فقال: «أليس الخلافة وصية لنا من رسول الله Mohamed peace be upon him.svg قاتل عليها علي بصفين؟»، قال: «لو كانت وصية من رسول الله Mohamed peace be upon him.svg ما حكم علي الحكمين»، فنكس عبد الله رأسه،[103] وعرض على الأوزاعي القضاء، فاعتذر.[102]

لم يتردد الأوزاعي في مراجعة الحكام بالنصح والإرشاد متى ما رأى منهم حيدًا عن الصواب، فقد ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه «الأموال» أن جماعة من أهل الذمة في جبل لبنان نكثوا عهدهم وتمردوا، فأخذهم الوالي العباسي صالح بن علي بالشدة، فحاربهم وأجلاهم، لم يرضَ الأوزاعي بما حلّ بهم، وكتب إلى الوالي رسالة طويلة يقول فيها: «قد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، مما لم يكن تمالأ عليه خروج من خرج منهم، ولم تطبق عليه جماعتهم، فقتل منهم طائفة، ورجع بقيتهم إلى قراهم، فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة؟ فيخرجون من ديارهم وأموالهم؟ وقد بلغنا أن من حكم الله عز وجل أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة، ثم يبعثهم على أعمالهم، فأحق ما اقتدي به ووقف عليه حكم الله تبارك وتعالى، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله Mohamed peace be upon him.svg وقوله: «من ظلم معاهدًا، أو كلفه فوق طاقته، فأنا حجيجه»، ومن كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها، فإنهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة، ولكنهم أحرار أهل ذمة، يرجم محصنهم على الفاحشة، ويحاص نساؤهم نساءنا من تزوجهن منا القسم والطلاق، والعدة سواء».[104] ويُروى أن نصرانيًا أهدى إليه يومًا جرة عسل، فقال له: «يا أبا عمرو تكتب لي إلى والي بعلبك؟»، فقال الأوزاعي: «إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك»، قال: «فرُدّ الجرة»، وكتب له الأوزاعي، فوضع الوالي عنه ثلاثين دينارًا.[105]

وحدث في أيام المنصور أن كان قيصر الروم إن وقع في يده أسرى من المسلمين يطلب الفداء، إلا أن أبا جعفر المنصور كان يأبى الفداء. فشقّ ذلك على الأوزاعي، وكتب كتابًا بليغًا لأبي جعفر في ذلك يذكّره فيه بالله، فرَقَّ المنصور، وأمر بالفداء.[106] حظي الأوزاعي لدى المنصور بمنزلة خاصة، فكان المنصور يُعظّمه ويصغي إلى وعظه ويُجلّه.[107] كانت صنعة الأوزاعي الكتابة والترسُّل،[8] وقد حظيت رسائله بإعجاب معاصريه لفصاحتها وبلاغتها، ويذكر أن المنصور كان يحتفظ برسائل الأوزاعي التي ترد عليه، فكانت تنسخ في دفاتر، وتوضع بين يدي المنصور،[95] فيتعجب منها، ويُكثر النظر فيها استحسانًا لألفاظها.[

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 02-18-2017, 03:31 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي الزهري أبو بكر المدني، سكن الشام.[1] ولد سنة ثمان وخمسين بعد الهجرة، في آخر خلافة معاوية، وهى السنة التي ماتت فيها عائشة زوجة الرسول محمد. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، أسند الزهري أكثر من ألف حديث عن الثقات ومجموع أحاديث الزهري كلها 2200 حديث.[1]

نشأ فقيراً فأكب على العلم، ولازم بعض صغار الصحابة وعلماء التابعين، فمن الصحابة أمثال:أنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي، ومن التابعين، فقهاء المدينة السبعة، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم من كبار التابعين.

قال أحمد بن حنبل: أصح الأسانيد الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه.

توفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة 124 هـ ودفن بشغب، آخر حّد الحجاز وأول حد فلسطين.



أوصافه

أحمر الرأس واللحية وفي حمرتها انكفاء قليلا كأنه يجعل فيه كتما وكان أعيمش وعليه جميمة.[2]


حياته

عالم جمع الكثير من العلوم أشهرها علم القرآن والسنة وأنساب العرب[3]، اشتهر بقوة ذاكرته وجودة حفظه، وكان يكره أكل التفاح ويقول: إنه ينسى ،وكان يشرب العسل ويقول: إنه يذكر [2]، كان يسأل الصحابة عن الأسئلة طلباً للحديث، وكان يأتي المجالس من صدورها.


قيل عنه
◾قال أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازى: ليس فيهم أجود مسنداً من الزهري.
◾قال الذهلى، عن عبد الرزاق: قلت لمعمر : هل سمع الزهري من ابن عمر ؟ قال :نعم، سمع منه حديثين.[2]
◾قال أبو حاتم : لا يصح سماعه من ابن عمر ولا رآه، ورأى عبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه.[4]
◾قال محمد بن سعد: كان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا.
◾قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري : جالست سعيد بن المسيب ثمان سنين تمس ركبتى ركبته.
◾قال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: ما سبقنا ابن شهاب بشئ من العلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره، ويسأل عما يريد، وكنا تمنعنا الحداثة.
◾قال عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري : ما استعدت حديثا قط، ولا شككت في حديث إلا حديثا واحدا، فسألت صاحبى فإذا هو كما حفظت.


شيوخه

حدثَ محمد بن مسلم الزهري عن كل من [5]:

◾أبان بن عثمان بن عفان
◾إبراهيم بن عبد الله بن حنين
◾إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
◾إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
◾أنس بن مالك
◾أويس بن أبي أويس
◾ثابت بن قيس الزرقى
◾ثعلبة بن أبي مالك القرظى
◾جابر بن عبد الله (مرسل)
◾جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى
◾حبيب مولى عروة بن الزبير
◾حرملة مولى أسامة بن زيد
◾الحسن بن محمد ابن الحنفية
◾حصين بن محمد الأنصاري السالمى
◾حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب
◾حفص بن عمر بن سعد القرظ
◾حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
◾حميد بن عبد الرحمن بن عوف
◾حنظلة بن على الأسلمى
◾خارجة بن زيد بن ثابت
◾خالد بن أسلم
◾خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد
◾رافع بن خديج (مرسل)
◾الربيع بن سبرة بن معبد الجهنى
◾ربيعة بن عباد الديلى
◾سالم بن عبد الله بن عمر
◾السائب بن يزيد
◾سحيم مولى بنى زهرة
◾سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان
◾سعيد بن المسيب
◾سلمان أبى عبد الله الأغر
◾سليمان بن أرقم
◾سليمان بن يسار
◾سنان بن أبي سنان
◾سنين أبى جميلة
◾سهل بن سعد الساعدى
◾صالح بن عبد الله بن أبي فروة
◾صفوان بن عبد الله بن يعلى بن أمية
◾صفوان بن يعلى بن أمية
◾الضحاك الهمدانى المشرقى
◾ضمرة بن عبد الله بن أنيس الجهنى
◾طارق بن مخاشن
◾طاووس بن كيسان
◾طلحة بن عبد الله بن عوف
◾عامر بن سعد بن أبي وقاص
◾أبى الطفيل عامر بن واثلة
◾عباد بن تميم
◾عباد بن زياد
◾عبادة بن الصامت (مرسل)
◾عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
◾عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
◾عبد الله بن ثعلبة بن صعير
◾عبد الله بن الحارث بن نوفل
◾عبد الله بن صفوان بن أمية
◾عبد الله بن عامر بن ربيعة
◾عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل
◾عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
◾عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر الزهرى
◾عبد الله بن عمر بن الخطاب
◾عبد الله بن كعب بن مالك
◾عبد الله بن محمد بن الحنفية
◾عبد الله بن محيريز الجمحى
◾عبد الله بن وهب بن زمعة
◾وهب بن عبْد زمعة
◾عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب
◾عبد الرحمن بن أزهر الزهرى
◾عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك
◾عبد الرحمن بن عبد القارى
◾عبد الرحمن بن كعب بن مالك
◾عبد الرحمن بن ماعز
◾محمد بن عبد الرحمن بن ماعز
◾عبد الرحمن بن مالك بن مالك بن جعشم المدلجى
◾عبد الرحمن بن هرمز الأعرج
◾عبد الرحمن بن هنيدة
◾عبد الكريم بن الحارث المصري
◾عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
◾عبيد الله بن أبي رافع
◾عبيد الله بن كعب بن مالك
◾عبيد الله بن عبد الله بن ثعلبة الأنصاري
◾عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور
◾عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
◾عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
◾عبيد الله بن عياض المدني
◾عبيد بن السباق
◾عثمان بن إسحاق بن خرشة
◾عروة بن الزبير
◾عطاء بن أبي رباح
◾عطاء بن يزيد الليثى
◾عطاء بن يعقوب مولى ابن سباع
◾عقبة بن سويد الأنصاري
◾علقمة بن وقاص الليثى
◾على بن الحسين بن على بن أبي طالب
◾على بن عبد الله بن عباس
◾عمارة بن أكيمة الليثى
◾عمارة بن أبي حسن المازنى
◾عمارة بن خزيمة بن ثابت
◾عمر بن ثابت الخزرجى
◾عمر بن عبد العزيز
◾عمر بن محمد بن جبير بن مطعم
◾عمرو بن أبان بن عثمان بن عفان
◾عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي
◾عمرو بن سليم الزرقى
◾عمرو بن شعيب
◾عمرو بن عبد الله بن أنيس الجهنى
◾عمرو بن عبد الرحمن بن أمية
◾عنبسة بن سعيد بن العاص
◾عوف بن الحارث بن الطفيل
◾عياض بن خليفة
◾عيسى بن طلحة بن عبيد الله
◾القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
◾قبيصة بن ذؤيب
◾كثير بن العباس بن عبد المطلب
◾مالك بن أوس بن الحدثان
◾المحرر بن أبي هريرة
◾محمد بن جبير بن مطعم
◾محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ
◾محمد بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي
◾محمد بن سويد الفهرى
◾محمد بن عباد بن جعفر المخزومى
◾محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل
◾محمد بن عبد الله بن عباس
◾محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان
◾محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل
◾محمد بن عروة بن الزبير
◾محمد بن المنكدر
◾محمد بن النعمان بن بشير
◾محمود بن الربيع
◾محمود بن لبيد
◾مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهرى
◾المطلب بن عبد الله بن حنطب
◾نافع بن أبي أنس
◾نافع بن جبير بن مطعم
◾نافع مولى ابن عمر
◾نافع مولى أبى قتادة
◾نبهان مولى أم سلمة
◾نملة بن أبي نملة الأنصاري
◾الهيثم بن أبي سنان المدني
◾يحيى بن سعيد بن العاص
◾يحيى بن عروة بن الزبير
◾يزيد بن الأصم
◾يزيد بن هرمز
◾يزيد بن وديعة الأنصاري
◾أبى الأحوص مولى بنى ليث
◾أبي إدريس الخولانى
◾أبي أمامة بن سهل بن حنيف
◾أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة
◾أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
◾أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر
◾أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
◾أبي حميد مولى مسافع
◾أبي خزامة
◾ابن أبي خزامة
◾أبى سلمة بن عبد الرحمن
◾أبى سنان الدؤلى
◾أبى عبيد مولى ابن أزهر
◾أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة
◾أبى عثمان بن سنة الخزاعى
◾أبى هريرة (مرسل)
◾عمرة بنت عبد الرحمن
◾هند بنت الحارث الفراسية



تلاميذه

حدث عن محمد بن سالم الزهري كلاً من[5] :-

◾أبان بن صالح
◾إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع
◾إبراهيم بن سعد الزهرى
◾إبراهيم بن أبي عبلة
◾إبراهيم بن نشيط الوعلانى
◾إبراهيم بن يزيد الخوزى
◾أسامة بن زيد الليثى
◾إسحاق بن راشد الجزرى
◾إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة
◾إسحاق بن يحيى الكلبى العوصى
◾إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة
◾إسماعيل بن أمية
◾أيوب بن موسى
◾أيوب السختيانى
◾برد بن سنان الشامى
◾بكر بن سوادة الجذامى
◾بكر بن وائل
◾بكير بن عبد الله بن الأشج
◾ثابت بن ثوبان
◾ثعلبة بن سهيل
◾جبير بن أبي صالح
◾جعفر بن برقان
◾جعفر بن ربيعة
◾جويرية بن أسماء
◾الحارث بن فضيل
◾الحجاج بن أرطاة
◾حفص بن حسان
◾أبو معيد حفص بن غيلان
◾حفص بن الوليد الحضرمى
◾حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف
◾أبو صخر حميد بن زياد الخراط
◾حميد بن قيس الأعرج
◾خالد بن يزيد المصري
◾دويد بن نافع
◾الربيع بن حظيان
◾ربيعة بن أبي عبد الرحمن
◾روح بن جناح
◾زمعة بن صالح
◾زياد بن سعد
◾زيد بن أسلم
◾زيد بن أبي أنيسة
◾سالم الأفطس
◾سعد بن سعيد الأنصاري
◾سعيد بن بشير
◾سعيد بن عبد العزيز
◾سعيد بن أبي هلال
◾سفيان بن حسين
◾سفيان بن عيينة
◾سليمان بن أرقم
◾سليمان بن داود الخولانى
◾أبو سلمة سليمان بن سليم الكنانى
◾سليمان بن كثير العبدى
◾سليمان بن أبي كريمة
◾سليمان بن موسى
◾سهيل بن أبي صالح
◾شعيب بن أبي حمزة
◾صالح بن أبي الأخضر
◾صالح بن كثير
◾صالح بن كيسان
◾صدقة بن يسار
◾صفوان بن سليم
◾ضرار بن عمرو الملطى
◾عبد الله بن بديل
◾عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
◾عبد الله بن دينار
◾عبد الله بن زياد بن سمعان
◾عبد الله بن عبد الرحمن الجمحى
◾عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى
◾عبد الله بن محمد بن عقيل
◾عبد الله بن مسلم بن شهاب الزهرى
◾عبد الجليل بن حميد اليحصبى
◾عبد الرحمن بن إسحاق المدني
◾عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان
◾عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة
◾عبد الرحمن بن حسان الكنانى
◾عبد الرحمن بن خالد بن مسافر
◾عبد الرحمن بن عبد العزيز الأمامى
◾عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى
◾عبد الرحمن بن نمر
◾عبد الرحمن بن يزيد بن تميم
◾عبد الرحمن بن يزيد بن جابر
◾عبد السلام بن أبي الجنوب
◾عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون
◾عبد الملك بن جريج
◾عبد الوهاب بن أبي بكر
◾عبيد الله بن أبي زياد الرصافى
◾عبيد الله بن عمر العمرى
◾عتبة بن أبي حكيم
◾عثمان بن أبي رواد
◾عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى
◾عثمان بن عمر بن موسى التيمى
◾عراك بن مالك
◾عطاء بن أبي رباح
◾عقيل بن خالد الأيلى
◾عكرمة بن خالد المخزومى
◾عمارة بن أبي فروة
◾عمر بن عبد العزيز
◾عمر بن يزيد النصرى
◾عمرو بن الحارث المصري
◾عمرو بن دينار
◾عمرو بن شعيب
◾العلاء بن الحارث
◾عياض بن عبد الله الفهرى
◾فليح بن سليمان
◾القاسم بن هزان الخولانى الدارانى
◾قتادة بن دعامة
◾قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل
◾الليث بن سعد
◾مالك بن أنس
◾محمد بن إسحاق بن يسار
◾محمد بن الحجاج بن أبي فتلة الخولانى
◾محمد بن أبي حفصة
◾محمد بن صالح التمار
◾محمد بن عبد الله بن أبي عتيق
◾محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب الزهرى
◾محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب
◾محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة
◾أبو جعفر محمد بن على بن الحسين
◾محمد بن على بن شافع
◾محمد بن عمرو بن حلحلة
◾محمد بن المنكدر
◾محمد بن الوليد الزبيدى
◾مرزوق بن أبي الهذيل
◾مسرة بن معبد اللخمى
◾معاوية بن سلام
◾معاوية بن يحيى الصدفى
◾معقل بن عبيد الله الجزرى
◾معمر بن راشد
◾منصور بن المعتمر
◾موسى بن عقبة
◾موسى بن على بن رباح اللخمى
◾موسى بن عمير القرشى
◾موسى بن يسار الدمشقى
◾أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر
◾النعمان بن راشد الجزرى
◾النعمان بن المنذر الدمشقى
◾هشام بن سعد
◾هشام بن عروة
◾هشيم بن بشير
◾هلال بن رداد الطائى
◾الوليد بن محمد الموقرى
◾يحيى بن سعيد الأنصاري
◾يزيد بن أبي حبيب المصري
◾يزيد بن رومان
◾يزيد بن زياد الدمشقى
◾يزيد بن عبد الله بن الهاد
◾يزيد بن يزيد بن جابر
◾يعقوب بن عتبة الثقفي
◾يوسف بن يعقوب بن الماجشون
◾يونس بن يزيد الأيلى
◾أبو أويس المدني
◾أبو أيوب
◾أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهرى
◾أبو الزبير المكى
◾أبو سلمة العاملى
◾أبو على بن يزيد الأيلى



وفاته

قال إبراهيم بن سعد، وابن أخى الزهري، والهيثم بن عدى، والواقدى ،و خليفة بن خياط، وعلى ابن المديني، وأبو نعيم، ويحيى بن بكير، وعمرو ابن على، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن سعد، وأبو عمر الضرير :مات سنة أربع وعشرين ومئة.

و كذلك قال محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنى، وغير واحد عن سفيان بن عيينة. زاد الواقدى، وغيره : لسبع عشرة مضت من رمضان، وهو ابن اثنتين وسبعين.

و قال الزبير بن بكار : مات بشغب ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومئة ،و هو ابن اثنتين وسبعين سنة.[3] ْ

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 02-18-2017, 03:36 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,271
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع القرشي المعروف بـ(ابن كثير)، عالم مسلم، وفقيه، ومفت، ومحدث، وحافظ، ومفسر، ومؤرخ، وعالم بالرجال، ومشارك في اللغة، وله نظم .كان والده (عمر بن كثير) خطيب مسجد جامع بمدينة (بصرى) ويعود اصله إلى (البصرة) التى نزح منها إلى الشام.


بداية حياته

ولد في سوريا سنة 701 هـ كما ذكر ذلك في كتابه البداية والنهاية[2]

وكان مولده بقرية "مجدل" من أعمال بصرى من منطقة سهل حوران -درعا حاليا- في جنوب دمشق.


طلبه للعلم

انتقل إلى دمشق سنة 706 هـ في الخامسة من عمره، وتفقه على الشيخ إبراهيم الفزازي الشهير بـابن الفركاح وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم ومن أحمد بن أبي طالب وبالحجار ومن القاسم بن عساكر وابن الشيرازي واسحاق بن الامدى ومحمد بن زراد ولازم الشيخ جمال يوسف بن الزكي المزي صاحب تهذيب الكمال وأطراف الكتب الستة وبه انتفع وتخرج وتزوج بابنته.

قرأ على شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرا ولازمه وأحبه وانتفع بعلومه وعلى الشيخ الحافظ بن قايماز وأجاز له من مصر أبو موسى القرافي والحسيني وأبو الفتح الدبوسي وعلي بن عمر الواني ويوسف الختي وغير واحد.


عقيدته


الأشاعرة والسلفية في أمر معتقده. فأما الأشاعرة فزعموا أنه أشعري العقيدة حيث ذكر الحافظ بن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة, ص17 ج1 باب الهمزة (وهو حرف الألف) قصة حدثت بين ابن القيم وابن كثير عندما قال ابن كثير لإبن القيم "أنت تكرهني لأنني أشعري فقال له لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك إنك أشعري وشيخك ابن تيمية", كما أن ابن كثير تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية، وشرط واقفها أن يكون أشعري العقيدة -انظر طبقات السبكي [1]

و رأى السلفية أنه كان واضحا وجليا أن ابن كثير سلفي الأعتقاد في غالب بل كل مؤلفاته, فكان يصرح بها, ولعل المتتبع البسيط لتفسيره (تفسير القرآن العظيم) يرى بوضح وبدون أدنى لبس أنه على عقيدة شيخه ابن تيمية. وكذلك ما كتبه في أول كتابه الجليل "البداية والنهاية" عن علو الله على عرشه وإثبات صفة العلو والفوقية لله العلي القدير.

أما ما أثير حول كونه أشعريا, لقبوله مشيخة دار الحديث الأشرفية التي شرط وقفها أن يكون المدرس فيها أشعريا, فهو شرط غير ملزم، وقد ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية علماء سلفيون من قبله: مثل الحافظ جمال الدين المزي والحافظ أبو عمرو بن الصلاح.

أما ما رواه الحافظ ابن حجر فهي كما قال نادرة وقعت بينهما، ولم تكن في مقام البيان والإقرار. ولا مانع من كون هذه الكلمة على فرض صحتها أنها خرجت منه على سبيل الفكاهة فهذا الحافظ ابن حجر يقول عنه في الدرر الكامنة : (وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن بسببه. وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة. سارت تصانيفة في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته). فنجد الحافظ ابن حجر يقول أنه (حسن المفاكهة). والمقصود بقوله "لأنني أشعري" هو ما وضحه إبراهيم بن ابن القيم حين قال له "لو كان من رأسك إلى قدمك شعر"، أي كثرة الشعر. وهذا من باب المعاريض، وهو جائز في المفاكهة والتندر بلا ريب. فرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله الرجل في غزوة بدر من أين أنت قال أنا من (ماء). وهذا ما يسمى تعريض.

و مما يقوي رأي السلفية هو ما قاله ابن كثير بنفسه عن رجوع الأشعري عن ما قاله في العقيدة.[3]. فلو كان ابن كثير أشعرياً فهو إذاً على العقيدة التي يعتقد أن الأشعري استقر عليها آخر عمره.

كما يقوي ذلك شدة تأثره بـابن تيمية وتبجيله له وانتصاره له حتى توفي ودفن بجواره.[4] وقد خالف ابن كثير أصول الأشاعرة وردهم في كثير من المواضع, وكان مساندا لشيخه الإمام ابن تيمية وبالذات في مسائل الاعتقاد, فالذهاب إلى أنه أشعري لحادثة قبوله الوظيفة، فهو يعلم أنه لايلزم صاحب الوقف هذا الشرط في الوقف، بل إن ابن كثير نشر عقيدة السلف وخالف الأشاعرة في دروسه , وعامة تلامذته من السلفية, وأن مرد الكلام كله أن صاحب الكلام أعني السبكي, كان عدوا لدودا لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو أحد أهم الأسباب في سجن ابن تيمية, وكان ذو نفوذ وقوة عند حاكم البلاد, فسطر في كتابه ما أراد كونه أشعريا, وكان الكل من طلاب شيخ الإسلام كابن كثير وأبن القيم وغيرهم, يدركون أن مواجهة السبكي تعني سجن القلعة, وحدث هذا بالفعل للإمام ابن القيم فقد سجن هو الآخر, ولكن ابن كثير اتقى وابتعد عن مواجهة السبكي. فلايصح الاستدلال بأدلة الغريم والقرائن وهذا معلوم عند أهل الأصول والعلم.


شيوخه

◾في القرآن: ابن غيلان البعلبكي الحنبلي المتوفى سنة 730 هـ.
◾في القراءات: محمد بن جعفر اللباد المتوفى سنة 724 هـ.
◾في النحو: ضياء الدين الزربندي المتوفى سنة 723 هـ.
◾الإمام بدر الدين ابن جماعة المتوفى سنة 733 هـ.
◾المؤرخ علم الدين البرزالي المتوفى سنة 739 هـ.
◾ابن الزملكاني المتوفى سنة 727 هـ.
◾ابن قاضي شهبة المتوفى سنة 726 هـ.
◾ابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ.
◾حافظ ذلك الزمان الحافظ المزي المتوفى سنة 742 هـ.
◾الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي.
◾الشيخ أبو العباس أحمد الحجار الشهير بـ "ابن الشحنة".
◾الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الفزاري.
◾الحافظ كمال الدين عبد الوهّاب الشهير بـ "ابن قاضي شهبة".
◾الإمام كمال الدين أبو المعالي محمد بن الزملكاني.
◾الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى الشيباني.
◾الإمام علم الدين محمد القاسم البرزالي.
◾الشيخ شمس الدين أبو نصر محمد الشيرازي.
◾الشيخ شمس الدين محمود الأصبهاني.
◾عفيف الدين إسحاق بن يحيى الآمدي الأصبهاني.
◾الشيخ بهاء الدين القاسم بن عساكر.
◾أبو محمد عيسى بن المطعم.
◾عفيف الدين محمد بن عمر الصقلي.
◾الشيخ أبو بكر محمد بن الرضى الصالحي.
◾محمد بن السويدي، بارع في الطب.
◾الشيخ أبو عبد الله بن محمد بن حسين بن غيلان.
◾الحافظ أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي.
◾موسى بن علي الجيلي.
◾جمال الدين سليمان بن الخطيب، قاضي القضاة.
◾محمد بن جعفر اللباد، شيخ القراءات · شمس الدين محمد بن بركات.
◾شمس الدين أبو محمد عبد الله المقدسي.
◾الشيخ نجم الدين بن العسقلاني.
◾جمال الدين أبو العباس أحمد بن القلانسي.
◾الشيخ عمر بن أبي بكر البسطي.
◾ضياء الدين عبد الله الزربندي النحوي.
◾أبو الحسن علي بن محمد بن المنتزه.
◾الشيخ محمد بن الزراد.



تلاميذه
◾الحافظ علاء الدين بن حجي الشافعي.
◾محمد بن محمد بن خضر القرشي.
◾شرف الدين مسعود الأنطاكي النحوي.
◾محمد بن أبي محمد بن الجزري، شيخ علم القراءات.
◾ابنه محمد بن إسماعيل بن كثير.
◾ابن أبي العز الحنفي.
◾الحافظ أبو المحاسن الحسيني.
◾الحافظ زين الدين العراقي.
◾الإمام الزيلعي، صاحب نصب الراية.


مؤلفاته

تفسير القرآن العظيم، المشهور بـتفسير ابن كثير وهو أجل مؤلفاته فقد تناقلته الأمة بالقبول ويعتبر أصح تفسير للقرآن.
◾البداية والنهاية، وهي موسوعة ضخمة تضم التاريخ منذ بدأ الخلق إلى القرن الثامن الهجري حيث جزء النهاية مفقود.
◾التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل، المعروف بجامع المسانيد، جمع فيه كتابي شيخه المزي و الذهبي : (تهذيب الكمال ، و ميزان الاعتدال، و كتاب رد الهدى و السنن في أحاديث المسانيد و السنن).
◾الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث وهو اختصار لمقدمة ابن صلاح.
◾السيرة النبوية لابن كثير.
◾جامع السنن والمسانيد لابن كثير.
◾كتاب طبقات الشافعية.
◾خرج أحاديث أدلة التنبه في فقه الشافعية.
◾خرج أحاديث في مختصر ابن الحاجب.
◾كتاب "مسند الشيخين" يعني أبا بكر، و عمر.
◾له رسالة في الجهاد، وهي مطبوعة.
◾شرحه للبخاري، وهو مفقود.
◾شرع في كتاب كبير للأحكام، ولم يكمله، وصل فيه إلى كتاب الحج.


وفاته

توفي إسماعيل بن كثير يوم الخميس 26 شعبان 774 هـ في دمشق عن ثلاث وسبعين سنة. وكان قد فقد بصره في آخر حياته، وهو يؤلف "جامع المسانيد"، فأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، وفيه قال :" لازلت فيه في الليل و السراج ينونص حتى ذهب بصري معه". وقد ذكر ابن ناصر الدين أنه "كانت له جنازة حافلة مشهودة، ودفن بوصية منه في تربة شيخ الإسلام ابن تيمية بمقبرة الصوفية".
و لما مات رثاه بعض طلبته بقوله :



لفقدك طلاب العلوم تأسفوا وجادوا بدمع لا يبيد غزير





ولو مزجوا ماء المدامع بالدما لكان قليلا فيك يابن كثير

[5]


فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.