منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-11-2017, 03:37 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

السيرة - سيرة الأئمة الأربعة : الإمام أبو حنيفة النعمان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-07-14





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مدخل إلى موضوع الدرس :

أيها الأخوة الكرام، أربعة دروس إن شاء الله من نوع جديد، نحن نسمع بأبي حنيفة النعمان، وبالإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام مالك، هؤلاء الأئمة الذين اجتهدوا ، واستنبطوا الأحكام الفقهية الفرعية من الآيات والأحاديث الشريفة، هؤلاء يجب أن نقف قليلاً عند مناقبهم، لا أقول عند سيرتهم، بل عند مناقبهم .
ففي هذا الدرس سيكون الحديث عن أبي حنيفة النعمان، وفي درس آخر عن الإمام الشافعي، وفي ثالث عن الإمام أحمد، وفي رابع عن الإمام مالك .
أيها الأخوة، نبدأ بالإمام أبي حنيفة النعمان، شيء أساسيٌ من خلال هذه المناقب, يتضح لكم: أن هؤلاء الأئمة العظام، الذين فتح الله عليهم، ووضعوا أيديهم على دقائق الشريعة ، وأحكامها التفصيلية، إذا نظرت إلى ورعهم، وإلى استقامتهم، وإلى التزامهم بأحكام الشرع, وجدتَهم قمماً في هذا الموضوع .

من مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان :

1- الفقه :
فالإمام أبو حنيفة النعمان قيل عنه:
((من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عالة على أبي حنيفة))
يعني أنّ أبا حنيفة يقع في قمة الفقهاء، ليس غريباً: أن نرى أن مذهبه انتشر في الأمصار, حتى طبّق الآفاق، والشيء الذي لا يصدق: أن تلامذته هم الذين دونوا فقهه، وهذا يعني أنّ الإنسان حينما يصدق مع الله, ربما لا يتسع وقته للكتابة، لكن تلامذته الكبار هم الذين كتبوا، وقنَّنوا، وألَّفوا، ودرسوا، وحفظوا مذهبه .
أحد العلماء يقول:
((رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس))
ورأيت أفقه الناس، ماذا نستنبط؟ الدين واسع جداً، ومهما كان الإنسان عبقرياً, فإنّه يأخذ منه بطرف، وأن يحيط الإنسان بالدين كله, فهذا شيء شبه مستحيل، إلا أن كل إنسان يتفوق في جانب, وُيلِمُّ بجانب آخر، يُلِمُّ بجانب، ويتفوق بجانب، ولعل أبي حنيفة جمع في نفسه كل هذه الجوانب .
هناك مثل لطيف يقول: تعلم كل شيء عن شيء، وشيئاً عن كل شيء، فما من مسلم متبحر في الدين, إلا له جانب يظهر فيه تبحره، إنسان تراه قمةً في التفسير، إنسان آخر تراه قمةً في علم الحديث، إنسان ثالث تراه قمةً في متن الحديث، إنسان متبحر في السيرة، إنسان متبحر في علم العقيدة، إنسان متبحر في الفكر المعادي للفكر الإسلامي، يرد على كل الشبهات ، إنسان متبحر في اللغة العربية التي هي وعاء هذا الدين، لذلك قالوا: العلماء ينبغي أن يكونوا متكاملين لا متنافسين .
أجمل معنى أن كل عالم تفوق في جانب، وأَلَمَّ بجانب، والإلمام غير التفوق، العالم الثاني تفوق في الجانب الذي ألمَّ به الأول، وكان في جانبه الأول ملماً، فلو جمعنا كل العلماء لوجدناهم متكاملين، لذلك قالوا : النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها .
والحقيقة: أن كل إنسان إذا تفوق في شيء, فلا بد مِن حدٍّ أدنى في بقية الأشياء، إنسان مثلاً تفوق في علم الحديث, فلا بد من حدٍّ أدنى في علم الفقه، ولا بد من حد أدنى من علم التفسير، ولا بد من حد أدنى من علم السيرة، هناك حد أدنى وحدٌّ أعلى، تفوَّقَ في جانب وألمَّ ببقية الجوانب، هذا أكمل ما يسمى: بالثقافة الموسوعية، والثقافة الاختصاصية .
أحد العلماء يقول:
((رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس, -ماذا نستنبط؟- فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي رواد، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة))
أنا أتمنى على طلاب العلم الشباب أنْ يختار فرعًا ويتبحّر فيه، أنت طالب علم، تحضر مجالس علم، ألم يستهوك نوع من أنواع المعرفة الإسلامية؟ فاخترْ نوعاً، وتبحَّرْ فيه، ثم اقرأ عن كل شيء، فإذا اخترت نوعاً، وتبحرت فيه، ثم ألممت بكل شيء, جمعت بين الثقافة الموسوعية، والثقافة الاختصاصية، إذ ستصبح مرجعا في اختصاصك .
والحقيقة: أنّ قيمة العلم لا تعدلها قيمة، ورتبة العلم أعلى الرتب، أكبر شخص بالحياة لا ينجح إلا إذا استعان بالخبراء، فمَن هم الخبراء؟ هم العلماء، ترى القرار لا يتخذ إلا بعد أن توضع أمامه خيارات، هذا الخيار، وهذه مضاعفاته، وهذه نتائجه، لذلك قال بعضهم: اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ .
أبو حنيفة النعمان على طول باعه في العلم، ودقة استنباطه، وجولانه الرائع في الأحكام الفقهية، وكما هو في أعلى مستوى في الاستنباط، كان في أعلى مستوى في الورع، هذا الذي أردت أن أذكره لكم، أنّ الإنسان عندما يكون ورعاً, ينوِّر الله عز وجل بصيرته، ويلهمه الصواب، ويفتح الآفاق أمامه، بالتعبير الحديث تفجر طاقاته .
2- الورع :
قال عبد الله بن المبارك :
((ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة))
وكلكم يعلم أن ركعتين من ورِع خير من ألف ركعة من مخلط، أما المخلط فهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، العمل الصالح مع السيئ، الصالح له قيمة عند الله، لكن الصالح إذا اختلط مع السيء, لا تستطيع من خلاله أن تتصل بالله، لأن العمل السيء حجاب، فمثل هذا الإنسان قيمة، ولكن قيمة محدودة .
كما لو أن الإنسان اشترى عجلة سيارة، فهذه ليست سيارة, لن تستطيع أن تركبها، لن تستطيع أن تنطلق بها، لكن يمكن أن تبيعها، لها قيمة، ولكن محدودة، أما إذا ملكتَ مركبة متكاملة, فهذه تركبها وتسير بها، فالإسلام كمنهج متكامل ينقلك إلى الله، وتصل به إلى الله، تتصل بالله، تسعد بالله، تقطف ثمار هذا الاتصال، أما إذا اخترت أشياء من الإسلام أعجبتك، وهي هينة عليك، ولا تزعجك، وفعلتها, فقد تقطف ثمارها في الدنيا، أما أن تنقلك إلى الله, فهذا شيء صعب جداً، الإسلام منهج كامل، لا أقول لك: إما أن تأخذه كله، أو تدَعَهُ كله، هذا كلام أنا لا أقوله أبداً، ولكن ينبغي أن تأخذه كله، لأنّ الإسلام منهج, ينبغي أن تأخذه كله, من أجل أن تقطف ثماره، يعني الدارة يجب أن تستمر .
مثلاً: بيت فيه غسالة، مكيف، مسجلة، مروحة، براد، مكواة, فيه عشرون أو ثلاثون آلة كهربائية، إذا لم يكن التيار متصلاً، فكل هذه الآلات لا قيمة لها، أما حينما يتصل التيار, تعمل كل الآلات .
والحقيقة: أنّ تألق المسلم لا يكون إلا بطاعة الله، والإنسان يتألَّم أشدَّ الألم, حين يرى مسلمًا محجوبًا عن الله, لسبب تافه، لم ترتكب كبيرةً, ولم تقترف جريمةً، ولم تأكل مالاً حراماً ، ولم تقع في جريمة الزنا، ولا في جريمة السرقة، ولا شرب الخمر، لكن من أجل إطلاق البصر، وبعض المخالفات الاجتماعية، وبعض التساهلات في البيع والشراء، فهذه الذنوب الصغيرة تحجبك عن الله كالكبائر، فأنت مغبون جداً .
لذلك إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي مما دون ذلك, مما تحقرون من أعمالكم، يقول لك: ماذا فعلنا؟ هذه لا شيء عليها، هذه الصغائر التي نصر عليها تنقلب إلى كبائر, لذلك قال عبد الله بن المبارك:
((ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة))

3- العلم :
وقول شداد بن الحكيم:
((ما رأيت أحداً أعلم من أبي حنيفة))
العلم والورع، وإن بعض الناس قد يكون مع الخط العريض، مع السواد الأعظم، مع الدهماء، مع سوقة الناس، يحيط به عدد، يقول لك: سكان القطر ثلاثة عشر مليونًا، فلتكنْ عَلَمًا بينهم، أليس هناك أعلام في القطر ؟ لمَ لا تكون مِن هؤلاء الأعلام؟ هناك أعلام في الدنيا، وأعلام في الآخرة، هناك أعلام في الدنيا والآخرة، فالطموح من خصائص الإنسان، ما رأيت أحداً أعلم من أبي حنيفة .
وقال مكي بن إبراهيم:
((كان أعلم أهل زمانه))
وهنا نقطة دقيقة، كلنا ضعاف، كلنا لا نعلم، كلنا فقراء، كلنا لا حيلة لنا، لكنك إذا طلبت شيئاً صادقاً منحك الله إياه، فالتفاضل فيما بيننا لا في قدرات ذاتية أودعها الله فينا، لا، لكن التفاضل فيما بيننا في مدى صدقنا في طلبنا، اطلب أيها الإنسان, أتعجز أن تطلب مِن الله؟ أنا أعجب حينما يقول الله عز وجل في الحديث القدسي المروي عن أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ, حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ, نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

رب العزة يقول لك: يا عبدي, اسألني حاجتك، اطلب مني المغفرة, تُبْ لأتوب عليك ، استغفر لأغفر لك، نحن ضعاف, وربنا سبحانه وتعالى كريم، فلا تكن من دهماء الناس، ولا من سوقتهم، ولا من الخط العريض من المجتمع، ولا مع الأكثرية الجاهلة، ولا مع الأكثرية التائهة، ولا مع الأكثرية الضالة، كن مع الأقلية الواعية .

4- ما وصفه الواصفون :
قيل لأحدهم: صف لي أبا حنيفة، فقال:
((كان واللهِ شديد الذبِّ عن محارم الله - أي الدفاع, يعني أنت حجم إيمانك بحجم غيرتك على دين الله- طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهداراً ولا ثرثاراً, صائناً لدينه ونفسه، مشتغلاً بما هو فيه عن الناس, لا يذكر أحداً إلا بخير))
فقال أحد الخلفاء:
((واللهِ هذه أخلاق الصالحين))
كان والله شديد الذب عن محارم الله، طويل الصمت، والهَذَر يُوصَف به مَن كثر كلامه ، وكثر خطؤه، لكنّ أبا حنيفة طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهداراً، لا يهدر وقته بلا طائل، تقضي ساعتين أو ثلاثًا, لتشاهد أحداث قصة, فتتعب أعصابك، وتحطم نفسك، وتشتهي، ولا تستطيع، تنتهي وقد ضعفت قواك، وضعفت معنوياتك، هذا هدر للوقت، وانحدار عن الطريق الصحيح، صائناً لدينه ونفسه، مشتغلاً بما هو فيه عن الناس، فطوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس، لا يذكر أحداً إلا بخير .
النبي صلى الله عليه وسلم علمنا، والسيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, كان مع الحواريين، فإذا بجيفة في الطريق، فقالوا:
((ما أشد نتن ريحها! فقال: ما أشد بياض أسنانها))
أنت من الممكن أن تكتشف في الإنسان النواحي الإيجابية، وهذا أعظم شيء في الإنسان، هناك شخص قناص، يبحث عن الأخطاء, وعن العيوب، وعن نقاط الضعف في الإنسان، فيكبرها، ويشهر بها، ثم يفضحها، لكنْ هناك إنسان يبحث عن الإيجابيات، فيقدرها، وينميها، ثم يرعاها، وهذا هو المؤمن، يقرِّب ولا يبعِّد، ينمي ولا يحطم، يأخذ بيد الآخرين، ولا يعيب عليهم، ولا يبني مجده على أنقاضهم، ولا يذكر أحداً إلا بخير، فقال الخليفة هارون الرشيد:
((هذه والله أخلاق الصالحين))

5- أبو حنيفة لا يغتاب أحداً :
قال ابن المبارك أيضاً:
((ما أبعد أبي حنيفة من الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً قط))
طبعاً إلا إذا سئل، وعندنا رخص أساسية؛ كزواج، أو شراكة، أو إنسان مبتدع، ظلامة، أمّا سوى ذلك فكان ينزه لسانه عن غيبة أعدائه .
فقال سفيان:
((هو واللهِ أعقل من أن يُسَلِطَ على حسناته ما يذهب بها))
المشكلة أحيانا يطالعك حديث شريف صحيح تقرؤه، فمِن ضعف الإيمان لا تشعر أن هذا الحديث واقع مائة بالمائة، أما قال سيدنا سعد بن أبي وقاص:
((ثلاث أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة: ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى))
النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد بأحاديث كثيرة: أن الذي يغتاب الناس يوم القيامة يأخذ الذين اغتابهم من حسناته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي, مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ؛ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ, فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

لذلك كما قال بعض الصالحين:

((لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي لأنهم أولى بحسناتي))
وقال أحدهم أيضاً:
((أيعقل أن أغتاب أحداً فأمكنه من حسناتي؟))
عندي عقل سليم، يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً: أنك إذا اغتبت إنساناً سوف يقف يوم القيامة ليأخذ من حسناتك، فإذا فنيت هذه الحسنات طرح عليك من سيئاته .
ديننا استقامة، ديننا التزام، ديننا حسن ظن .
6- لا يأخذ الحديث إلا بما صح عن رسول الله :
أيضاً من خصائص هذا الإمام العظيم: أنه يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي يحملها الثقاة، ومِن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم، وهناك أحاديث كثيرة موضوعة، هذه تفرّق، وتشتت، وتضيع، يجب أن تحرص على صحة الحديث كما تحرص على سلامة دينك، لأن الدين في الأصل نقل، وأخطر ما في النقل صحَّتُه، لو اكتفينا بالصحاح لاجتمعنا بعد التفرق، لأحب بعضنا بعضاً، لكن ما من انحراف في السلوك, أو في العقيدة, إلا أساسه حديث ضعيف أو موضوع، الأحاديث التي وضعها الوضَّاعون هي التي تفرقنا، هي التي تضعفنا، هي التي تشتتُ شملنا، أما القرآن والسنة كما قلت من قبل، وأقول الآن: هما اللذان يجمعاننا .
وأنا أقول ولعله من باب المبالغة، قال بعضهم:
((صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنةً))
يعني أنه ما نام أبداً, فهذا خبرٌ يطرح تساؤلاً، لأن الإنسان له طاقة، وله خصائص .
لقد سمعت قولاً لسيدنا عمر، أو قصة له, أحجمتُ عن ذكرها مدة طويلة، ما توازنت مع العقل، خلاصتها: أنه لما جاءه من أذربيجان رسول عاملِه عليها، ودخل المسجد ليلاً, ولم يذهب إلى بيته, لئلا يوقظه، فرآه في المسجد، قال:
((من أنت؟ قال: أنا عمر، قال: أمير المؤمنين، قال: نعم، قال: يرحمك الله ألا تنام الليل؟ -فالنص الذي كنت قد قرأته سابقاً- قال له عمر: إني إن نمت ليلي أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي))
معنى هذا أنه لا ينام الليل ولا النهار، وهذا فوق طاقة البشر, فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((... أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

[ أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

فليس من المعقول مِن إنسان لا ينام أبداً، بل إذا لم ينَم الإنسان يومين يختل توازنه، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾

[ سورة النبأ الآية: 9-10]

فهذه الرواية -واللهُ أعلم- أنه صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة مبالَغ فيها .
وعن أبي يوسف قال:

((بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لرجل: هذا أبو حنيفة الذي لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والِله لا يتحدث الناسُ عني بما لا أفعل))
هذه الثانية توضح أن الأولى مبالغ بها .
فكان يحيي بعضاً من الليل؛ صلاةً، ودعاءً، وتضرعاً، هذه الرواية صحيحة، وتتوافق مع المنطق .
7- شهادة الناس له بالخير :
ويقول بعضهم:
((ما رأيت رجلاً خيراً من أبي حنيفة))
المؤمن الصادق مصدر خير، مصدر أمن، مصدر عطاء، بنى حياته على العطاء، محب للخير، وكما قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق، فإذا أثنى على الإنسانِ الناسُ جميعاً, فهذا دليل صلاحه، لذلك حينما أثنى بعض الصحابة على إنسان توفي زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي: وجبت، أيْ وجبت له الجنة، كما روى البخاري:
((... أَيُّمَا مُسْلِمٍ, شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ, أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ, قُلْنَا: وَثَلاثَةٌ, قَالَ: وَثَلاثَةٌ, قُلْتُ: وَاثْنَانِ, قَالَ: وَاثْنَانِ, ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

ما دام الناس يثنون عليه هذا الثناء, ففي الأعم الأغلب أنه صالح، لذلك قالوا: ما رأيت رجلاً خيراً من أبي حنيفة، وأبو حنيفة أفضل أهل زمانه .

8- من صفاته أيضاً: أنه يكثر الصلاة, ويعظم الأمانة, وأنه صاحب مروءة :
وقال ابن عيينة:
((كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً))
الصلاة عماد الدين، وفي الدين قضية هامة، أنه مبني على شيئين؛ على سلوك صحيح، وعلى اتصال بالله، وأحياناً الإنسان يميل إلى الضغط، ويميل إلى فهم الدين فهمًا مضغوطًا، قال الله عز وجل:
﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾

[ سورة مريم الآية: 31]
الدين حركة نحو الله، وحركة نحو الخلق، نحو الخلق خدمةً، ونحو الله اتصالاً، إذا أردت أن تلخص الدين كله في كلمتين: فهو إحسان للمخلوقين، واتصال بالخالق، لذلك قال ابن عيينة:
((كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً، وأعظمهم أمانةً، وأحسنهم مروءةً))
وفي الحديث الصحيح عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((مَا خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ, وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))

[ أخرجه أحمد في مسنده]

أحياناً الإنسان يهدر دينه كله بكلمة، كلمة كذب، بإخلاف وعد, بنقض عهد، بخيانة أمانة، يهدر دينه، قولوا له: إنه أبطل جهاده مع رسول الله .
بصراحة هناك أعمال إذا فعلها الإنسان, تحوِّل عباداتِه وأعمالَه الصالحةَ إلى الحاوية، صلاته، وصيامه، وأذكاره, وحضور المساجد، إذا كان يغدر، يأخذ ما ليس له، يكذب، يحتال، إنسان تمكن بقوته أن يأخذ بيتاً ثمنه خمسة عشر مليوناً بتسعمئة ألف، بعد أن تملكه، بل بعد أن اغتصبه, عرضه للبيع بخمسة عشر مليون, وهو لا يقطع الصلوات في المساجد، السيدة عائشة تقول: قولوا له:

((إنه أبطل جهاده مع رسول الله))
قولوا لمثل هذا الإنسان: إنه أبطل عمله، وأبطل صلاته .
دقق أيها الأخ، من علامات آخر الزمان: أن الإنسان يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، يبيع دينه بيمين غموس كاذبة، يبيع دينه ببيت يغتصبه، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة الآية: 24]

قال ابن عيينة:

((كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً، وأعظمهم أمانةً، وأحسنهم مروءةً))
عندنا في ميزان الأخلاق: كلمة مروءة، وكلمة لؤم .
والحقيقة: هذه أخلاق جامعة؛ الخسة، والدناءة، والبخل، والكبر، والأنانية، تُجمَع في كلمة لؤم, بينما الكرم، والعطف، والرحمة، والشفقة، والشجاعة، والإقدام، والعفو، تجمع في كلمة مروءة، فالمروءة مجمع الفضائل، واللؤم مجمع الرذائل .
لذلك فالذي سرق الفرس قال له صاحبها:
((لقد وهبت لك هذه الفرس، ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن تُشيعَ هذا الخبر في الصحراء، فتذهب منها المروءة، وفي ذهابها يذهب أجمل ما فيها))
حياتنا أجمل شيء فيها؛ أنْ يكون لك جار محب، إذا سافرت يحفظ أهلك، أجمل شيء في الحياة؛ أخ في الله معك دائماً, يعينك، سند لك، مستشار لك، معين بأفكاره، بعواطفه ، بماله، بنصيحته، الحياة من دون قيم, لا قيمة لها، والحياة من دون تعاون, جحيم لا رحمة فيها، والحياة من دون حب, لا خير فيها .
ذات يوم أقيم حفل وداع لأستاذ في الجامعة، كان أستاذا لنا، الحفل كان موفقاً جداً، بعد أن أُلقِيت الكلمات في الإشادة بعلمه وفضله, قام هو خطيباً، فقال: كل إنسان لا يشعر بحاجة إلى أن يُحِب الآخرين، أو أن يُحَب مِن قِبَل الآخرين، ومن لا يحِب ولا يُحَب, فليس من بني البشر, ليس إنسانًا، بل هو وحش شرس .
يجب أن تشعر بحاجة هي أن تحِب، ماذا تحِب؟ أن تحب الله، أن تحب الحقيقة، أن تحب الأنبياء الكُمَّل، قمم البشر، أن تحب المؤمنين، أن تحب الكاملين، أن تحب المحسنين، إذا كان قلبك لا يخفق بحبٍ لإنسان كامل, فأنت لست من بني البشر، وينبغي أن تشعر بحاجة لا إلى أن تُحِب فحسب، بل إلى أن تُحَب أيضًا، يجب أن تعطي من وقتك، ومن مالك، ومن عواطفك، ومن مشاعرك، ومن نصيحتك، فالإنسان الذي لا يجد في نفسه حاجة إلى أن يُحِب، ولا إلى أن يُحَب, فهذا ليس من بني البشر .
حياة من دون حب, كزرع بغير ماءٍ، حياة من دون قيم, لا قيمة لها، من دون أخ في الله, صادق لا يكذبك، صالح لا يخونك، مخلص نحوك, لا خيرَ لها، أنتم لا تعرفون قيمة أن يكون لك أخوة في المسجد، هذه نعمة، واللهِ لا تقدر بثمن .
مرة جاءتني بطارية تُشحن بالكهرباء، فلم أشحنها، وأنا بحاجة إلى أن أستعملها, ترى ضوءها خافتًا، يكاد ينطفئ، وحينما أشحنها جيداً, يصبح ضوءها كالشمس, قلت: هذا حال المؤمن أيضًا، فلا بد له من شحن، أنت لا تقلل من قيمة هذا الدرس، درس العلم شحن، تشحن عواطفك، تشحن مشاعرك، تشحن أفكارك، تأخذ طاقة جديدة وتُغسَل أيضاً، لأنك دخلت إلى بيت الله عز وجل، ألا إنّ الإنسان إذا دخل بيت جاره أو صديقه, فإنّه يكرمه, ويضيفه، ولو بالماء، فالحد الأدنى شربة ماء, وإذا دخلت إلى المسجد, فأنت في بيت من بيوت الله، وحقٌّ على المزور أن يكرم الزائر، لكن الله لا يضيفك شيئًا تأكله، بل يقذف بالسعادة, فإذا هي تملأ نفسك طمأنينة، وتوفيقًا في حياتك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ, وَإِذَا خَرَجَ, فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))

[ أخرجه مسلم في الصحيح]

9- أمانته :
قال ابن عيينة:
((ما رأيت أحسن أمانة من أبي حنيفة، مات وعنده ودائع بخمسين ألفاً، فما أضاع منها دينارًا واحدًا))
وقد تشعر أن فلاناً إن استودعته مالك, فكأنه في جيبك، هذا شعور دقيق، بأنه لا يمكن أن يخون الأمانة، هذا الإيمان .
فأخواننا التجار يكون عندهم موظفون، يقول لك: هذا الموظف أخطاؤه كبيرة، ولكن له ميزة كبيرة جداً، أنه أمين، هذه تُنسِي كل سيئة، أنا من باب التعليقات أقول لمن عنده عمل تجاري، أو عمل صناعي، وعنده موظفون: إذا عندك رجل أمين وذكي، فمهما أغدقت عليه، فأنت الرابح، أمّا إذا كان ضمن العمل موظف قليل أمانة, فهذه مشكلة كبيرة جداً .
10- حلمه :
يقول ابن المبارك:
((ما رأيت رجلاً أحلم من أبي حنيفة، ولا أحسن سمتاً منه))
لقد كاد الحليم أن يكون نبياً، لأنّ الحلم سيد الأخلاق، وإنّه مهما اُسْتُفِزَّ الحليمُ لم يُسْتَفَزَّ، أحياناً تجد إنساناً كالسفينة في عباب الماء، كأنها جبل، الأمواج الصغيرة تتكسر على جدرانها، أما القارب الصغير فأقلُّ موجة تقلبه، فهناك إنسان كالقارب الصغير، وهناك إنسان كالسفينة الشامخة، كأنها جبل في البحر، هناك شخص لا تهزه الأحداث، ولا تستخفه التقلُّباتُ، وهناك إنسان تستخفه الدنيا، إذا آتاه الله منها شيئاً فوق طاقة تحمله, اختلَّ توازنُه .
11- التشبيه الذي وصف به أبو حنيفة :
قال:
((كان أبو حنيفة بين العلماء كالخليفة بين الأمراء))
أيْ كان سيد العلماء، ومن علامات فهمه الدقيق أنْ قيل عنه:
((كان أبو حنيفة رجل فهمٍ متثبتاً، إذا صح عنده الخبر عن رسول الله, لم يَعْدُهُ إلى غيره))
ممكن أن تذكر لإنسان حديثًا صحيحًا قطعيَ الدلالة، ويفكر بكلام شخص معاصر, أن هذا الكلام أصح من كلام رسول الله, معنى هذا أنه لا إيمان له إطلاقاً، قال تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 65]

فعلامة الإيمان أن تستسلم لحكم رسول الله، وهذه آية ثانية:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 36]

قضية بَتَّ فيها القرآن، وقضية أدلى بها النبي العدنان، لمجرد أن تضعها على بساط البحث، وأن تخضعها للمناقشة، فأنت لست مؤمناً، لأنه ما كان لمؤمن ولا لمؤمنة الخيرة في ذلك .

12- علمه بتفسير الحديث :
وعن أبي يوسف:
((ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة، كان مثلاً يقول في مسألة: ما عندكم فيها من الآثار؟ فنذكر ما عندنا ويذكر ما عنده؛ ثم ينظر فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر, أخذ بالأكثر، وإن تكافأت أو تقاربت, نظر فاختار))
استنباط الحكم الفقهي، قد تجد أشخاصًا يريدون أن يفهموا الأحكام الفقهية من الحديث مباشرةً، دون أن يعودوا إلى هؤلاء العلماء الكبار، كأنهم أهدروا عمل ألف عام، وهذا مثل يصح في هذا المجال، لو أردنا أن نصنع طائرات الآن، واستقدمنا إلى بلادنا أعظم معمل، فهل نبدأ بصنع طائرةٍ من تجربة العباس بن فرناس، أم من تجربة أحدث شركة طيران؟ هل من المعقول أن تهدر جهود ألف عام على الأرض، وتبدأ من العباس بن فرناس، وتصنع لنفسك جناحين، ثم تهبط ميتًا، أم تأخذ أحدث شركة، وتنظر أين وصلوا؟ فإذا أحَبَّ الإنسان أن يلغي كل الفقه، وكل الاجتهاد، ويبحث هو عن الحكم الشرعي من الحديث مباشرةً، فكأنه أهدر جهود العلماء في ألف وخمسمئة عام .
لذلك كان أبو حنيفة كما قيل:
((ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة))

13- اجتهاده :
قال:
((كنا نختلف في المسألة، فنأتي أبا حنيفة، فنسأله، فكأنما يخرجها من كمه فيدفعها إلينا))
أحيانا الإنسان يفكر، ويقول: اتركها لي, حتى أراجعها، وقد تطرح سؤالاً على إنسان، وتجد الجواب جاهزًا، كأنه أمامه، كأنه أخرجه من كمه، هذه علامة علم عالية، علم راسخ .
سمعت أبا حنيفة يقول:
((ما جاء عن رسول الله فعلى العين والرأس - لأنه معصوم-, وما جاء عن أصحاب رسول الله اخترنا -لأنهم غير معصومين -, وما كان غير ذلك, فنحن رجال وهم رجال))

14- صنعته :
قالوا:
((كان أبو حنيفة خزازاً))
فروي أن رجلاً جاءه, فقال:
((يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز، قال: ما لونه؟ قال: كذا وكذا، قال: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، فما دارت الجمعة حتى وقع، فجاء الرجل وقال له أبو حنيفة: قد وقعت على حاجتك، ثم أخرج إليه ثوباً، فأعجبه ، قال: يا أبا حنيفة, كم أزن للغلام؟ قال: درهماً، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا، والله إني اشتريت ثوبين بعشرين ديناراً ودرهمًا، فبعت أحدهما بعشرين ديناراً، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق, فأخذه))
يعني أعطاه إياه بدرهم، لأنه قال له: يا أبا حنيفة أحسن بالبيع .
جاءت امرأة إلى أبي حنيفة بثوب تعرضه عليه, قال:
((بكم تبيعينه؟ قالت: بمائة درهم، قال لها: هو خير من ذلك، قالت: بمائتين، قال: هو خير من ذلك، قالت: بثلاثمائة، قال: هو خير من ذلك، قالت: بأربعمائة، قال: هو خير من ذلك، وأنا آخذه بأربعمائة، حتى أربح به))
كان لأبي حنيفة شريك، فباع شريكه متاعًا، وكان في هذا المتاع عيبٌ، فقال له:
((إذا بعت هذا الثوب, فأَبِنْ عيبه، فالشريك باعه، ولم يُبِنْ عيبه، فلما علم أبو حنيفة, تصدَّق بثمن المتاع كله))
لأنّ البيع صار فيه شبهة، ولم يعرف من اشتراه, ليبيِّن له العيب .
15- تقاه :
وقال عنه يحيى بن سعيد:
((كنت إذا رأيت أبا حنيفة علمت أنه يتقي الله))
الحقيقة: يجب ألاّ نقول عن إنسان: إنه صاحب دين, إذا كان يصلي فقط، بل يجب أن ترى دينَه في حديثه، وفي غض بصره، وفي استقامته، والدين لا يؤخذ من عبادات شكلية ، بل يؤخذ من سلوك يومي .
16- العقل الذي كان يتمتع به :
قال:
((لو وُزِنَ عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم))
هذه من نعم الله الكبرى: أن يؤتى الإنسان عقلاً راجحاً، وكان أبو حنيفة يتبين عقله؛ في منطقه، ومشيه، ومدخله، ومخرجه .
يقول أبو حنيفة نقلا عن أبي يوسف, قال: قال لي أبو حنيفة:
((لا تسألني عن أمر الدين، وأنا ماش، ولا أنا قائم، ولا أنا متكئ، فإن هذه الأماكن, لا يجتمع فيها عقل الرجل))
فالإنسان أحيانا بعد خطبة مضنية, يُسأَل سؤالاً متعلقًا بالرضاع، أو بالميراث، فليعلمْ هذا الإنسان أنّ السؤال يحتاج الجواب عنه إلى فترةِ هدوء، وجلسة، وكتابة، أما أنْ يسأل وهو ماشٍ سؤالاً معقَّدًا في المواريث، فالإنسان السائل من حكمته أن يسأل في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، وفي الحالة المناسبة، فقد يطرح الإنسان سؤالاً في وقت غير مناسب، ويشعر أن الجواب مضطرب، لأن الوقت غير مناسب، والمكان غير مناسب، والحال غير مناسب، فلا تسألني عن أمر الدين، وأنا ماش، ولا أنا قائم، ولا أنا متكئ، فإن هذه الأماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل .
ومرة أجاز أبو جعفر المنصور أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم, فلما قدم عليه بغداد قال:
((يا أمير المؤمنين، إنني غريب في بغداد، وليس لي منزل، فاجعلها في بيت المال، وليس عندي مكان أحفظها فيه, فإذا خرجت من بغداد أخذتها، قال له أبو جعفر: ليكن ذلك، فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته، فقال أبو جعفر: لقد خدعنا أبو حنيفة))
يعني ما أخذ المال، وأعاده إليه بلطف .
مرة كان أبو حنيفة عند أبي جعفر المنصور، وعنده قاضٍ من أعداء أبي حنيفة، كان ينكر عليه، فسأله سؤالاً محرجًا، قال له:
((إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ، أأقتله أم أتريث؟ -سؤال محرج, إذا قال له: لا تقتله، واعصِ أمرَ الخليفة, وقع في مشكلة، وإذا قال له: اقتله فقد أغضب الله عز وجل- قال له الخليفة: على الحق أم على الباطل في هذا الأمر؟ فالكرة رُدَّت إلى القاضي، فقال له: على الحق، فقال له: كن مع الحق، فلما خرج, قال أبو حنيفة: أراد أن يقيدني فربطته))
قال له مرةً أبو جعفر:
((يا أبا حنيفة لو تغشيتنا, تعال إلى عندنا, قال: ولمَ أتغشاكم، وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء؟ قال له: إنك إن قربتني فتنتني, وإن أبعدتني أزريتني))
أيْ حقرتني .
ومرة دخل عليه خارجيان، والخوارج يُكَفِّرون بالذنب الصغير، فقالا له، وسيوفهما عليه ليقتلا:
((فلان فعل كذا وكذا، مسلم أم كافر؟ فإذا قال لهم: كافر قتلوه، وإذا قال لهم: مسلم, قتلوه أيضًا، -لأنهم يعتقدون أنه كافر- فقال لهم: هذا الرجل يهودي أم نصراني؟ فقالا: لا, هو مسلم، قال: هذا هو الجواب، لقد أوتي عقلاً راجحاً))
ويعني أن المتهم لديهم مسلم ، ولا يُقتل .

وفاته :

أيها الأخوة الكرام، قالوا:

((يوم مات أبو حنيفة, صُلِّيَ عليه ست مرات, من كثرة الزحام، وكان الناس يزورون قبره أكثر من أربعين يوماً بعد وفاته))
وروى أحدهم أنه رأى أبا حنيفة في النوم بعد موته، قال:
((يا أبا حنيفة, إلام صرت؟ قال: إلى رحمة الله تعالى، قلت: بالعلم، قال: هيهات للعلم شروط وآفات، قَلَّ من ينجو منها، ولكن بمَ؟ قال: بقول الناس ما لم أكن عليه))
يعني بما كان يُعمل من علمه، فبهذا نجا .

الخاتمة :

أردت من هذا الدرس أن نأخذ فكرة عن هذا الفقيه الكبير، الذي يتردد اسمه على الألسنة كثيراً في كل يوم، أخي أنا حنفي، هذا مذهب أبي حنيفة، أبو حنيفة كان على قدر علمه, كان ورعاً عاملاً مطَبِّقًا، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء العلماء الكبار العاملون قدوةً لنا في حياتنا .

والحمد لله رب العالمين

__________________
در مع الحق حيث دار
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-11-2017, 05:15 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

السيرة- سيرة الأئمة الأربعة- الدرس 1-2: الإمام الشافعي1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-07-21





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

من مناقب الإمام الشافعي :

1- شدة تأثر الناس به :
أيها الأخوة الكرام، بدأنا في الدرس الماضي الحديثَ عن مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، وقد استخلصنا من مناقب هذا الإمام الكبير أحد أكبر أعلام الفقه: أن العلم والعمل صنوان لا يفترقان، وننتقل اليوم إلى الإمام الشافعي، ومحور الدرس مناقبه لا حياته، فحياته لها شأن آخر، أما مناقبه؛ ما قيل في خصاله، وفي علمه، وفي أدبه، وفي ورعه, لعل هذا الإمام الكبير يكون قدوةً لنا أيضاً .
قال أحدهم:
((كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ القرآن))
المراد إذا أردنا أن نبكي بكاء الرحمة .
الإنسان أحياناً يشعر بحاجة لا إلى علم يملأ ذهنه، أحياناً يشعر بحاجة إلى حال يغذي قلبه، العلم يملأ العقل، والذكر يملأ القلب، فالعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الذكر، والإنسان إذا ظن أن الدين حقائق، ووجهات نظر، وأدلة، وبراهين، وغاب عنه أن الدين حب, وأن الدين اتصال بالله، وإقبال عليه، وغابت عنه هذه الحقيقة, فقد غاب عنه شطر الدين .
قالوا: إذا أردنا أن نبكي، إذا أردنا أن نتصل بالله، والبكاء من خلال الاتصال بالله, يعدُّ علامةً أكيدةً على صدق الاتصال، البكاء ليس إرادياً، أن يبكي الإنسان خاشعاً، أن يبكي إذا قرأ القرآن الكريم، أن يبكي إذا ناجى ربه، إذا توسل إليه، أن يبكي إذا استغفره، وإذا تفكر في خلقه، فهذه علامة طيبة، وأصحاب النبي كانوا بكَّائين، والعين التي لا ينهمر منها دمع من خشية الله, عين فيها مشكلة، وقلب صاحبها قاسٍ كالحجارة أو أشدّ .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))

[ أخرجه الترمذي في سننه]

فمن لوازم الإيمان الصادق: البكاء، ومن لوازم الاتصال بالله الحقيقي: البكاء، وقد قال بعض أصحاب النبي: بكينا حتى جفت مآقينا .
فكان هؤلاء يقولون: إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض:

((قوموا بنا إلى هذا الفتى المطَّلبي، يقرأ علينا القرآن، فإذا أتيناه، واستفتح بالقرآن, تساقط الناس بين يديه من شدة بكائهم))
لكن هناك نقطة دقيقة جداً: الإنسان إذا قرأ القرآن, وكان صافياً، إذا قرأ القرآن, وكان منيباً، إذا قرأ القرآن, وكان متصلاً إذا قرأ القرآن، وكان مستقيماً, عندئذٍ تكون لقراءته حلاوةٌ تحرك القلوب، خشوعك حينما تسمع القرآن، لا من نغم القارئ، ولكن من خشوع قلب القارئ، خشوع قلب القارئ ينتقل إلى قلبك الذي يستمع، فلذلك حينما يقرأ القرآن حرفةً, وحينما يقرأ القرآن تجارةً، بأجر حينئذٍ, يفقد القرآنُ روحانيته .
فكان هؤلاء يقولون: إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض:
((قوموا بنا إلى هذا الفتى المطَّلبي، يقرأ علينا القرآن، فإذا أتيناه، واستفتح بالقرآن, تساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته، فإذا رأى ذلك, أمسك عن القراءة))
أنت أمَا سبق لك أن سمعتَ القرآن من قارئ خاشع، ودمعت عيناك؟ أمَا قرأت القرآن، وخشع قلبك، فهذا من علائم الإيمان، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 2]

أخواننا الكرام، اسمحوا لي أن أقول هذه الكلمة، وأرجو ألاّ تكون قاسية: إذا وقفت للصلاة، ولم تشعر بشيء، أو قرأت القرآن، ولم تشعر بشيء، أو جلست تذكر الله، ولم تشعر بشيء, فاعلم أن هناك حجاباً بينك وبين الله، وأن هذا الحجاب بسبب مشكلة، مخالفة، معصية ، سوء ظن، شرك، إلى آخره، فالإنسان يتعاهد قلبه، لا يبقى هكذا؛ معلومات, حضور مجالس العلم، فكرة، حجة، هذا شيء جيد جداً، وشطر الدين ذكرُ الله عز وجل، قال تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد الآية: 28 ]

أكبر شيء يحرِّكك إلى الله, هذا القلب الممتلئ حباً لله، الممتلئ خشيةً له، الممتلئ إنابةً له، الممتلئ شوقاً إليه، لا تغفل، فقيمة الحال بطريق الإيمان، الحال شيء مهم جداً، الحال مشكلته مثل كهرباء السيارة، إذا انقطع تيار الكهرباء تتوقف السيارة، هذا إذا أصر الإنسان على معصية، أو على صغيرة، لكن إذا لم يكن هناك إصرار, فلا مشكلة، أما إذا أصر على معصية, وقع الحجاب، وبقي الإسلام ثقافة، وعادات، وتراثًا، إذا لم يكن لديك اتصال بالله عز وجل, فَقَدْتَ أجمل ما في الدين، أجمل ما في الدين؛ أن تشعر أنك من الله قريب، لذلك فعن عبادة بن الصامت أنه قال:

((أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان))
فلذلك أخواننا الكرام، عندما يضحي الإنسان بشهواته, فله قربٌ من الله، وحينما يرتكب الإنسان كبيرة ويُحجَب, نقول: هذا الحجاب يتناسب مع هذه الكبيرة، أما معظم المسلمين فلا يزنون، ولا يسرقون، ولا يشربون الخمر، ولا يقتلون، فما الذي يحجبهم؟ الصغائر، غير معقول أن تُحجَب عن خالقك، أن تُحجَب عن ربك لصغيرةٍ ترتكبها، ضعها تحت قدمك، عندئذٍ ربنا سبحانه وتعالى يتجلى على قلبك .
فكان هؤلاء يقولون: إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض:
((قوموا بنا إلى هذا الفتى المطّلبي, يقرأ علينا القرآن، فإذا أتيناه، واستفتح بالقرآن, تساقط الناس بين يديه من شدة بكائهم))
أنـت بربك إذا كنت منيباً، وتلـوت القرآن, تشعـر لصوتك حلاوة وجاذبية، القرآن نفسه, تسمعه من إنسان غافل, فلا تتأثر له، تسمعه من إنسان مؤمن, يكاد قلبك يذوب من شدة الخشوع .
2- الشافعي يتكلم بالفتوى وهو ابن خمس عشرة سنة :
وقال الربيع بن سليمان:
((كان الشافعي يفتي, وله خمسة عشر عامًا، وكان يحيي الليل إلى أن مات))
هذه نصيحة لأخواننا الذين عندهم أولاد، فقدْ يكون عندك طفل متألق، ذاكرته قوية، منيب، ذكي القلب، طيب الفؤاد، فهذا الطفل يحتاج إلى عناية خاصة، فلعله يكون داعيةً كبيراً ، عالماً كبيراً، قارئاً كبيراً, محدثاً كبيراً، مصلحاً كبيراً، وأثمن شيء تملكه؛ أن يكون لك ابن صالح، ينفع الناس من بعدك, قال تعالى :
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾

[ سورة الإسراء الآية: 78]

أخواننا الكرام، لا يليق بنا أن نقف بالصلاة من دون خشوع، لا يمكن أن يقبل الله هذه الصلاة، توقفت، وتوضأت، واقتطعت من وقتك ما اقتطعت، فلِمَ لا تتقن الصلاة؟ بعض أنواع الصلوات تلف كالثوب الخرق، ثم يضرب بها وجه صاحبها، تقول له: ضيَّعتني، ضيّعك الله كما ضيعتني، فإذا وقفت للصلاة, فاجتهد أن تتصل بالله، وأن تتأمل معاني ما تقرأ، فالحد الأدنى؛ أن تتأمل معاني ما تقرأ، وأن تركع خاضعاً، وأن تسجد مستعيناً، وأن تقرأ الآيات متمعناً، لأن الآية الكريمة تقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

[ سورة النساء الآية: 43]

الإنسان السكران كان يصلي قبل أن تحرّم الخمر تحريمًا قطعيًا، فلا يعلم ما يقول، فالإنسان إذا لم يعلم ما يقول, كان في حكم السكران، فعن عمار بن ياسر أنه قال:

((إن العبد ليصلي الصلاة, لا يكتب له سدسها، ولا عشرها, وإنما يكتب للعبد من صلاته, ما عقل منها))
أيها الأخوة، قال أحد العلماء، قال جعفر ابن أخي: سمعت عمي يقول:
((كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي, وهو شاب, أن يضع له كتابًا في معاني القرآن، يجمع فيه قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتابَ الرسالة))
كتاب الرسالة للإمام الشافعي, يعدُّ أول كتاب في أصول الفقه، وأصول الفقه كما قيل : العلماء العاديون أمام علماء الأصول كالأمِّيِّين، فهو أعلى علم، علم كيف تستنبط الأحكام الشرعية من النصوص الكلية؟ كتاب الرسالة للإمام الشافعي, يعدّ أول كتاب في أصول الفقه، واسمه الرسالة .
3- دعاء أحمد بن حنبل له :
الإمام أحمد بن حنبل كان يقول:
((ستةٌ أدعو لهم سَحَراً، الشافعي أحدهم))
أنت تصلي تدعو لمن؟ لمن تحب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

دعاء الأخ لأخيه في ظهر الغيب لا يُردُّ، أنت قد تدعو لأخيك في حضرته؛ مجاملةً, أو خوفاً، أو تملقاً، أو إرضاءً، ولكنك لا تدعو له في غيبته إلا إذا كان محسناً .
الإمام أحمد بن حنبـل كان يقول:

((ستةٌ أدعو لهم سَحَراً، الشافعي أحدهم))
فإذا علّمك أخ، أو أكرمك بشيء، أو قدّم لك شيئًا، ودعوتَ له, فهذا من الوفاء، ليس ثمّة إنسان أحسن لإنسان إلاّ ويقدِّم له مساعدة، أحيانًا يدُلُّه على خير، يجد له عملاً، أو يزوجه، فإذا جاءك خير من إنسان, فادع له بظهر الغيب، لأن دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترُّد, فالإنسان يعوِّد نفسه أن يدعو لمن أحسن إليه، وأن يقول: جزاك الله عني كل خير .
قال عبد الله بن أحمد:
((كان أبي يدعو للإمام الشافعي، ويكثر له الدعاء، فقلت له: ومن الشافعي؟ فقال: الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظرْ هل لهذين من خلف، أو منهما عوض؟))
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا))

[أخرجه أبو داود في سننه]

(مَن): لا تعني واحدًا، بل تعني الجمع، جاء مَن تحبه، قد تعني أناسًا كثيرين تحبهم، فالإمام الشافعي كان من مجدِّدي هذا الدين .
وكان أحمد بن حنبل لا يميل إلى أحد كما يميل إلى الإمام الشافعي، انظر إلى الأئمة الكبار، لا يتحاسدون، ولا يتنافسون، ولا يطعن بعضهم في بعض، بل كان كل منهم يعجب بالآخر، ويثني عليه، ويمدحه في حضرته، وفي غيبته، وإنّ الحسد من صفات ضعاف الخلق ، فالإمام أحمد بن حنبل كان يثني على الشافعي، وكان لا يميل إلى أحد كما يميل إلى الإمام الشافعي .

4- قوله حجة عند بعض العلماء :
وتذاكر بعض العلماء في مسألة فقال بعضهم:
((لا يصح فيها حديث، قال: إن لم يصح فيها حديث, ففيه قول للشافعي))
لشدة علمه، ودقته، وقوة استنباطه، وحجته .
قول الإمام الشافعي يعد حجة عند بعض العلماء, هكذا قالوا:
((الشافعي كلامه صواب))

5- عقله الواسع :
وقال أبو عبيد:
((ما رأيت رجلاً أعقل من الشافعي))
والحقيقة: ما مِن إنسان أعقل ممن يعمل لساعة الفراق، ولا أحَدَ أعقل ممّن يعمل لآخرته، ولا أحَدَ أعقل ممن يطيع الله، لا أَحَدَ أعقل ممن يؤثر رضى الله على هوى نفسه، ولا أعقل ممن يبذل في الدنيا .
مرة قال لي رجل: إذا رفّه المسلمُ نفسَه زيادة فهل عصى الله؟ قلت له: هذا المال الزائد عن حاجتك, يمكن أن يجعلك ترقى به في الجنة إلى أعلى عليين، فإذا استهلكته في الدنيا تكون مغبوناً، خذ من المال ما تحتاج، ودع الباقي، فَلَأَنْ ترقى في الجنة، وتصل إلى أحد قصورها الكبيرة, خير لك مِن الدنيا وما فيها .
6- اللقب الذي لقب به :
حتى إن بعضهم قال:
((الشافعي إمام))
فمن الممكن أن تقول: فلان عالم، أو حافظ، وفلان محدِّث، وفلان فقيه، وفلان أصولي، وفلان عالم عقيدة، وفلان عالم بمتن الحديث، وفلان قاضٍ، وفلان مجتهد، أما كلمة إمام, فكبيرة جداً، يعني إمام عصره .
فقال بعضهم: الشافعي إمام، إمام لعصره، فالإنسان أحياناً يغار من أخ فاقه في الدنيا، يغار من إنسان حاز الدنيا، ولا يغار من إنسان حاز الآخرة، أو حاز علماً عظيماً، أو عملاً طيباً، أو ذكْراً عطراً، أو فهماً لكتاب الله، أو حفظاً لسنة رسول الله، أو دعوة إلى الله .
7- تفوقه على أهل زمانه :
وقال أبو ثور:
((من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس؛ في علمه, وفصاحته، ومعرفته، وثباته، وتمكنه, فقد كذب، كان وحيد عصره، وفريد زمانه))
والإنسان قد يكون في العصر وحيدًا ، هذه مرتبة عالية جداً، وقد يكون له أنداد، وأمثال كثيرون، وأحياناً ينفرد عالِم في التفوق في عصره، حتى يقال عنه: إنه وحيد عصره، وفريد زمانه، ويبدو أن الشافعي كان وحيدَ عصره ، وفريدََ زمانه .
8- لم يعوض الزمان رجل كالشافعي :
قال:
((كان الشافعي, مُنقَطع القرين في حياته, فلما مضى لسبيله, لم يُعوض بدلا منه))
الحقيقة: الله ينزع العلم بموت العلماء، يموت العالم, فلا يأتي خلف له، لذلك قال أحد العلماء: عندنا عالم جليل، يحضر درسه ثلاثون أو أربعون رجلاً، فلما توفاه الله, سار في جنازته مليون إنسان .
وهناك عالم آخر ذو دعابة, قال: يا أخوان, أنا أسامحكم في الجنازة، فتعالوا وأنا على قيد الحياة، واحضروا درسي، الناس يميلون إذا مات العالم إلى تقديسه، ولكن النفع وهو حيٌّ يُرزَق، فجالسوه وهو بين أظهركم، تعلموا منه، وخذوا منه، واستفتوه، واهتدوا بدعوته، فلذلك قالوا: كان الشافعي, مُنقَطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله, لم يُعوض بدلا منه .
9- ما وصفه الواصفون :
وهنا نقطة هامة عن الإمام الشافعي، وهي أنك قد تقرأ كتابًا لإنسان فتمتلئ تعظيماً لمؤلفه، فيه دقة، ونصوص، وأدلة، وعمق، وتعليل، وتفسير، وشمول، واستيعاب، وحجة قوية، وضع يده على الجرح، ولامسَ شغاف القلب، فترك أثرًا، فإذا التقيت بهذا الإنسان, تتفاجأ أنه أقل من كتابه .
أنا كنت أقول: أحياناً تلتقي بإنسان, له باع طويل في العلم، لكن معاملته ليست كما ينبغي، فتقول: ليت أخلاقه كعلمه، وأحياناً تلتقي بإنسان أخلاقه عالية، ولكن علمه قليل, فتقول : ليت علمه كأخلاقه .
النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى سيدنا زيد الخير, قال:
((لله درك يا زيد، أيّ رجل أنت؟ ما وُصِفَ لي أحد فرأيته, إلا رأيته دون ما وصف, إلا أنت))
قد تسمع عن إنسان، ثم تلتقي به, فتراه أصغر ممّا وُصف لك، تسمع عن مكان، ثم تذهب إليه, فتجده أقلَّ مما وُصِفَ لك، وتسمع عن آلة، فتشتريها وتستعملها, فإذا هي أقلُّ مما ذكر لك، أكثر الناس وصفُهم أكبر من واقعهم، فإذا التقيت به كان بحجمٍ أقل .
حدثني أخ درس في الجامعة علم النفس، وفيها أحد أكبر علماء النفس في قطر عربي ، فهذا العالم له مئات الكتب له، قال لي: اسمه كبير جداً، وفي أحَد المؤتمرات حضر هذا العالم، وجلس معه في جلسة, فرآه دون كتبه .
هنا القول:
((ما رأيت أحداً إلا وكُتُبُه أكبر من مشاهدته، إلا الشافعي, إن شاهدته فهو أكبر من كُتُبِه))
أحياناً تقرأ كتابًا, فترى أن الكتاب أكبر من مؤلفه، نحن اتفقنا ليكن علمك كأخلاقك، لكي لا يقال: ليت علمه كأخلاقه، أو ليت أخلاقه كعلمه .
10- حجته في المناظرة :
قال أحدهم:
((لو أن الشافعي, ناظر على هذا العامود, الذي من حجارة, على أنه خشب, لغلب من يناقشه, لاقتداره على المناظرة))
أي عنده حجة قوية جداً .
وبالمناسبة: فإنّ الله عز وجل ما اتخذ ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلّمه، والآية الكريمة:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 83]

قد يأتي إنسان له براعة في الكلام، يكلم مؤمنا، ويستخف به، ينقض له كلامه في جلسة، ويكون الشخص مبتدعًا، منحرفًا، خبيث النفس، أفكاره منحرفة، فإنّ تتكلم وتؤثر في الناس، يفاجئك بسؤال يحرجك به، هذه مشكلة .
لذلك أثمن شيء أن تتعلم، أحياناً تخسر مائة شخص بمناظرة، أنت لا توطن نفسك لتجلس مع مؤمنين، تضطر أن تجلس مع أناس منكرين، مع أناس عقيدتهم زائغة، مع أناس دنيويين، هؤلاء عندهم حجج واهية، ينقضون بها كلام أهل الحق، فلما لا يكون مع الإنسان حجة قوية, يضعف مركزه .
قالوا:

((لو أن الشافعي, ناظر على هذا العمود, الذي من حجارة, على أنه من خشب, غلب خصمه, لاقتداره على المناظرة))
وكان الحميدي إذا جرى عنده ذكر للشافعي, يقول:
((حدثنا سيد الفقهاء الشافعي))

11- ما قال المزني عن الشافعي :
وقال الشافعي عن نفسه:
((سُمَّيتُ في بغداد ناصرَ الحديث))
والآن سوف يأتي معنا كلام مهم جداً على علم الكلام، المُزَني يقول:
((ما رأيت أحسن وجهاً من الشافعي، وكان ربما قبض على لحيته, فلا تفضل عن قبضة))
لحيته وفق السنة .
يجب أن نعلم علم اليقين, أن وجه الإنسان صفحة نفسه، أحيانا تقرأ في وجهٍ الطُّهرَ، وتقرأ في وجه البراءة، وتقرأ في وجه الشوق إلى الله، وتقرأ في وجه الإقبال على الله، فالإنسان يتألق من وجهه، أنت اذكر الله ربع ساعة، صلِّ صلاة متقنة، اقرأ القرآن، وانظر إلى وجهك, تراه متألقاً، تراه كالبدر، كان عليه الصلاة والسلام يتألق وجهه كالبدر ليلة النصف .
12- الكمال الذي وصل إليه :
وقال معمر بن راشد: سمعت المأمون يقول:
((قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء فوجدته كاملاً))
وعند الإمام الغزالي بحثٌ عن صفة الإمام الكامل، فهو إنسان وفق الكتاب والسنة، منضبط بأقواله, وأفعاله, وأحواله, واتصاله بالله عز وجل, وورعه الشديد، وقيامه بالواجبات الدينية، دخله حلال، فإنسان بهذا المستوى إنسان عظيم .
الحقيقة: أن الأنبياء معصومون، إلا أن الأولياء محفوظون، ومعنى أنهم محفوظون؛ أي لا تضرهم معصية، بمعنى أنهم إذا زلّت قدمهم، فسريعاً ما يتوبون إلى الله عز وجل، ويستغفرون .
13- ما قال عنه سفيان بن عيينة :
كان سفيان بن عيينة, إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا, التفت إلى الإمام الشافعي ويقول:
((سلوا هذا))
إذا سئلتَ سؤالا لا تعرف جوابه, فدُلَّ على مَن يجيب عنه، وهذه صفة العلماء، قد يكون الإنسان في الفقه متفوقًا، وأنت متفوق في التفسير، إنسان متفوق في المواريث، وآخر في التجويد متفوق، سئلتَ سؤالاً متعلقًا بالتجويد, فقل: اسألوا فلانًا, فهو أعلم مني، هذه من صفات العلماء، ليس ثمة إنسان, يعلم كل شيء، فالذي يعلم كل شيء, لا يعلم شيئاً، دائماً هناك اختصاص، أنت تتفوق في شيء، وحَوِّل الناس إلى مَن هو مختص بهذا الشيء .
الشافعي أول من قال:
((الخلفاء خمسة: أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, وعمر بن عبد العزيز))
أول من وصف سيدنا عمر بن عبد العزيز, بأنه خامس الخلفاء الراشدين, هو الإمام الشافعي .
14- الشافعي لم يبتغ الهوى في أي شيء تكلم به خلال حياته :
قال أحدهم:
((لم يُحفَظ في دهر الشافعي أنه تكلم في شيء من الأهواء))
فمَن قدوته في هذا؟ النبي عليه الصلاة والإسلام، ماذا قال الله عنه؟ قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

[ سورة النجم الآية: 3-4]

صدقوني، وأنا لا أحنث إن شاء الله؛ أنّ تسعين بالمائة من كلام الناس, ينطلق من أهوائهم، يمدحون ما عندهم، ويذمّون ما ليس عندهم، الأم تمدح بناتها فقط، ويكون بناتها في حال وسط، تجعل من بناتها في أعلى مستوى، يمدح الأب أولاده، يمدح صنعته، وقد تكون وسطًا، فهذا كلام ينطلق من الهوى، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى, فنحن مفروض علينا أن نقتدي بالنبي، وأن نقول الحقيقة .
وكنت أضرب مثلاً: هذا قدح ماء من بللور صافٍ، لعله أجنبي، إذا قلت لي: كريستال ثمنه ألف ليرة، فأنت ما كنت منصفًا، لكنك تكلمت بالأهواء، وإذا قلت لي: هذه صفيحة عليها صداء أيضاً, لم تكن منصفًا، فالعلم هو الوصف المطابق للواقع، أكثر الناس إذا أحبوا شخصًا جعلوه ملك، وإذا فسخت خطبة ابنتهم, أصبح الخاطبُ أسوءَ إنسان في الأرض، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

((أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا, عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا, وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا, عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا))

[أخرجه الترمذي في سننه]

كن معتدلاً في مدحك وذمك .

من أقوال الشافعي :

1- وصفه للعلوم :
يقول الشافعي:
((من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه))
والله هذا قول رائع، الحساب يعطيك رياضة ذهنية, اللغة والأدب تعطيك رقة في الطبع، الحديث يعطيك قوة في الحجة, الفقه يعطيك مكانة في المجتمع، القرآن يعطيك قيمة في المجتمع .
أنت اقرأ القرآن، وتعلم الفقه، واحفظ الحديث، واقرأ الأدب واللغة، وتعلم الحساب, من أجل أن تجمع المجد من كل أطرافه .
2- الزاد الذي حذر منه الشافعي :
للشافعي كلمة رائعة يقول:
((بئس الزاد إلى المعاد العدوانُ على العباد))
الإنسان لو سأل نفسه: ماذا ادخرت إلى آخرتك؟ هل لك عمل صالح؟ إنفاق، دعوة إلى الله، تعليم، رعاية للأبوين، رعاية للأيتام، تدرس في سبيل الله، تصبر على الناس ابتغاء وجه الله، هل لك عمل يكون زادك إلى الله، أم - لا سمح الله ولا قدر- تكون من ذوي العدوان على العباد؟ بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد .
3- مقولته عن المراء في الدين :
ويقول الشافعي أيضاً:
((المراء في الدين؛ يقسي القلب، ويورث الضغائن))
هناك شخص مثلاً: يحب المراء، يحب المشاحنة والمجادلة في قضايا صغيرة وجانبية ، يكبرها، ويرمي الناس بالكفر والشرك، بأخطاء طفيفة، فهذا إنسان عدواني، هذا يتخذ الفكر سلاحًا له، وما ضل قوم بعد إذ اهتدوا إلا أوتوا الجدل, والمشاحنة، وتسفيه الآراء، والطعن في الأشخاص، وتقييم الآراء، والتقليل من شأنها، هذا كله من علامات الجهل، لك أن تبدي رأيك دون مغالاة .
أنا لي طريقة, أتمنى أن أوضحها لكم, واسمها: أسلوب التدخل الإيجابي: لا تهاجم أحدًا، وإياك أن تطعن في أحد، ولا تسفه آراء أحد، أنت قدم الشيء الإيجابي فقط، قدم البضاعة الجيدة، فهي وحدها تكشف زيف الأُخرى، لا تقيِّم الآخرين، قدم الشيء الثمين، قدم حجة قوية، قدم تطبيقًا عمليًا، قدم قدوة حسنة فقط، إياك أن تطعن في أحد .
أنت حينما تقدم كأس جيد جداً، وإنسانًا آخر قدم كأس غير جيد، وغير صاف، فهُمْ يختارون الأفضل، لا تقل له: هذا سيء، فهو عنده حس، وسيكشف أنه سيء، تدخل مع الناس تدخلاً إيجابيًا، ودع السلبيات، لأن الأمة الآن بحاجة إلى وحدة صف، بحاجة إلى اجتماع كلمة، بحاجة إلى أن نتعاون فيما اتفقنا، بحاجة إلى أن يعذر بعضنا بعضاً في ما اختلفنا، بحاجة إلى التكاتف، بحاجة إلى أن نلتقي عند المتفق عليه، نحن بحاجة إلى أن نلتقي عند الأصول, عند الجذع الواحد الموحد، دعكم من الخلافات، ما الذي فتت المسلمين؟ تسفيه آراء الآخرين، الطعن، المشاحنة، العدوان، البغضاء، الحسد .
سألني أخٌ يومًا سؤالاً, فقال: فلان إنسان مبتدع، اتَّهم فلانًا بكذا وكذا، فما قولك؟ كلامه غلط، هو إنسان جاهل، وهذا الصواب، فأثار ضغائن، وأجَّجَ أحقادًا, لم تكد تنتهي .
أحد علماء حمص الأجلاء, توفي رحمه الله، سمعت عنه, أنه لا يجيب عن سؤال في موضوع, أضيف إلى عالم, وإنْ سألتَ, فليكن سؤالك من دون أن تنسبه لمعيَّن، ووطِّن نفسك ألاّ تجيب عن سؤال في موضوع أُلصِق بعالم, لعله ما قال هذا الكلام، وأنت غلطت .
عندنا مشكلة الأتباع، هذه مشكلة كبيرة جداً، فالأتباع يسيئون ثلاث مرات؛ يسيئون الفهم، ويسيئون النقل، ويسيئون التصرف، فمن أجل ألاّ تُفتت الأمة، وألاّ تشرذم، وألاّ نضعف، وألاّ يعادي بعضنا بعضاً، وألاّ يطعن بعضنا ببعض، فلا تجب عن سؤال في موضوع أُضِيفَ إلى عالم .
أمّا لو سألتني: ما قولك في الشفاعة؟ لقلتُ لك: رأيي في الشفاعة، ما قولك في هذا الحديث: هل هذا الحديث صحيح أم موضوع؟ فلان, قال على المنبر: هذا الحديث صحيح، فهل هو صحيح أم هو موضوع؟ يا بني, هذا الحديث موضوع، يقول: سألنا, وقالوا: الحديث الذي قلته موضوع، هكذا يفعل بعض الناس .
ترى الأتباع كلٌّ ينحاز إلى شيخه، ويدافع عنه, ويطعن في الآخرين، وتنشب معركة، ونحن في غنى عنها، عاهدوا أنفسكم ألاّ تقبلوا فكرة مضافة إلى عالم، اسألن ألف سؤال، ولكن بلا ذكر عالم، ما قولك فيمن يقول: كذا وكذا؟ ما قولك بالفكرة الفلانية؟ بالحديث الفلاني؟ هذا شيء جميل جداً، وهذا الشيء يريح, وتنتهي كل مشاكلنا, ونبقى يحب بعضنا بعضاً، ويعاون بعضنا بعضاً، ينصر بعضنا بعضاً، يقدر بعضنا بعضاً .
4- مقولة قالها تدل على إخلاصه :
فمن إخلاص الشافعي, أنه قال:
((وددت أن الناس تعلموا هذا العلم دون أن ينسب إلي))
طبعاً إذا اخترعت شيئًا، والثاني أخذ الاختراع، وادَّعاه لنفسه، فصاحبه الأول يتألم، ويقول لك: هذا تزوير، إلا في الدين, خذ العلم، وانسبه لنفسك، وأنا أسامحك، ولكن علِّم الناس، فقدْ ترى إنسانًا, يأخذ من كتابٍ خطبةً ويلقيها, فيعتقد الناس أنه هو الذي كتبها، قل: إنك أنت الذي كتبتها، ونحن نسامحك، ولا مانع .
أحيانا أسمع أن أناسًا أخذوا بعض الكتب، وخطبوا منها، ونجحوا نجاحًا كبيرًا، وما قالوا: إن هذه الخطبة مأخوذة من هذا الكتاب، ولا مانع، أنت تريد الحق أن ينتشر، وانتشر الحق، فقط في أمور الدين هناك تسامح .
5- تحذيره في الخوض في أصحاب الرسول :
وقال أيضاً:
((لا تخوضُنَّ في أصحاب رسول الله، فإن خصمك هو النبي غداً))
ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا؟))
يعني رئيسَيْ أركان اختلفا في موضوع استراتيجي، وجندي غرّ دخل البارحة إلى الجيش، فهل هذا أهلٌ ليفهَمَ مَن هو على حق؟ .
ممرض صغير, هل هو أهل أن يفصل بين جراحين للقلب، أيهما أصوب؟ نحن جئنا متأخرين، كان الله في عوننا، فنحن لسنا أهلاً أن نقول: فلان أصوب أم فلان؟ .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي, لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي, فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا, مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

6- أمانته العلمية :
بقي موضوع أخير في الإمام الشافعي، وهنا سؤال يطرح نفسَه: لو أنّ إنسانًا تعلم من إنسان شيئًا، وهذا الإنسان يحبه حباً جما إلى أعلى درجة، ثم فوجئ أن في الحديث الشريف توجيه خلاف ما تعلم، فماذا يفعل؟ هل يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمة، أم يرجع إلى سنة النبي؟ .
اسمعوا ما قال الشافعي، قال:
((إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله، فقولوا بالسنة، ودَعُوا ما قلته))
وله قول آخر:
((فاضربوا بكلامي عُرض الحائط))
وأنا أقول لكم: إذا سمعت توجيهًا من إنسان، مهما كان كبيراً، مهما كان عظيماً في نظرك، مهما كان موثوقاً، ثم اكتشفت أن سنة النبي الصحيحة خلاف ذلك، وبقيت متمسكاً بكلام هذا العظيم، مخالفاً سنة النبي الكريم، فأنت لست مؤمناً، أنت مع أشخاص لا مع رسول الله، أنت مع الأهواء لا مع دين الله، أنت مع ما يعجبك لا مع تقنع به .
قال:
((إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله، فقولوا بالسنة، ودَعُوا ما قلته))
قال له رجل:
((تأخذ بهذا الحديث يا أبا عبد الله؟ قال: متى رويت عن رسول حديثاً صحيحاً، ولم آخذ به؟ والأصح من هذا, متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً صحيحاً، ولم آخذ به, فأشهدكم أن عقلي قد ذهب؟))
إذا رويت لكم حديثًا صحيحًا، ولم آخذ به, فاعتبروني مجنونًا .
وقال مرة:
((أي سماء تظلني, وأي أرض تقلني, إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم أقل به؟!))
بربك كم حديث حفظته, ولم تطبقه، ولم تأخذ به؟ .
له قول آخر: كل حديث عن النبي, فهو قولي, وإن لم تسمعوه مني .
قال الشافعي:
((الحديث مذهبي))
هل هناك إنسان معصوم غير النبي؟ ليس مِن إنسان مأمور أن نتبعه غير النبي، عصمه الله، وأمرنا أن نتبعه، قال تعالى:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر الآية: 7 ]

هل لك خيار, إذا وُجِدَ عندك إمكان أن تختار إنسانًا, مهما بدا لك كبيراً، مهما بدا لك عظيماً، أعطاك توجيهًا خلاف النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تعبأ بقول المعصوم, الذي لا ينطق عن الهوى، لم تعبأ بقول سيد الأنبياء، فأنت لا تعرف الله، ولا تعرف رسوله، أنت تمشي مع أشخاص لمصالح، أو لعصبية عمياء، أو لاعتزاز بالباطل، أما إذا كنت مخلصاً في طلب الحق، فلمجرد أن تطَّلع على حديث رسول الله, تقف عنده، ولا تعبأ بقول أحد، كائناً من كان .

من أطاع الرسول فقد أطاع الله :

أخواننا الكرام, الحكم بيننا كلامُ رسول الله، مشكلة بين زوجين، فالنبي قال: كذا، النبي قال:

((لا تحمروا الوجوه))
لا تخجل إنسانًا، كان عليه الصلاة والسلام لا يواجه إنساناً بما يكره، ممكن أن تقول له كلامًا تحرجه به، تصغره، تجتمعون في جلسة، وتقول له: أخي حديثك لم يعجبني، هذه ثقيلة، أين الرقة؟ هذا الكلام ليس صحيحًا، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يواجه أحداً بما يكره، كان يصعد المنبر، ويقول:
((ما بال أقوام يفعلون كذا))
ويكون الرجل الذي عمل السوءَ واحدًا، يجب أن تنصحه، ويجب ألا تحرجه، ولا تخجله، ولا تصغره، فقال على المنبر:
((ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا))
هذه سنة, فإذا أنت تتكلم العكس, فهذه مشكلة .
أما إذا أردت أن تواجه الناس بما يكرهون, فأنت مخالف لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً إلا إذا وُجدَ خطأ كبير، كإنسان قال: كلامًا خاطئا، فأنا بأدب أقول له: هناك رأي آخر، هل معك دليل؟ هل معك حجة؟ تعلموا من سيدنا الحسن والحسين، لما شاهدا إنسانًا يتوضأ، وأخطأ في الوضوء، فطلبا منه أن يحكم بينهما في وضوءهما، فلما رأى وضوءهما قال: أنا الذي أخطأت .
قد تجد ألف أسلوب لتوجه الناس, ويحبوك، ولا تجرحهم، هذه تحتاج إلى لباقة عالية جداً؛ أن توجه إنسانًا راكضًا, يريد أن يلحق الصلاة مع رسول الله، فشوّش على المصلِّين، ولكنه أدركَ الركعة، فالنبي ماذا يقول له؟ إذا عنفه قد يحرجه، قال له النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))


[أخرجه البخاري في الصحيح]

لقد قيَّم له عمله، وأثنى على حرصه، ونبهه ألاّ يعود، هكذا الدعوة .
أخواننا الكرام, قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 31]
علامة حبك لله, اتباعك للنبي، قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة القصص الآية: 50]

استجابتنا للنبي, هي عينُ استجابتنا لله .
كنا في عقد قران قبل أن آتي، فطرحت موضوع المولد، قلت في كلمة ألقيتها، قال تعالى:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

[ سورة هود الآية: 120]

قلت: إذا كان قلـب النبي، وهو سيد الأنبياء والمرسلين, يزداد ثبوتاً إذا قصت عليه قصة نبي دونه، فكيف بمؤمن مقصِّر في آخر الزمان، تتلى عليه قصة سيد الأنبياء؟ أليست هذه الآية أقوى دليل على مشروعية الاحتفال بعيد المولد؟ الاحتفال بعيد المولد ليس عبادةً ، إنما هو سلوك اجتماعي, ينسحب على إطعام الطعام، وعلى تذكير الناس بسيد الأنام، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[ سورة سبأ الآية: 46]

هكذا والله الإمام الشافعي, إمام عظيم, يجب أن نقف عنده درساً آخر، له أقوال رائعة جداً، هؤلاء أئمتكم العظام، هؤلاء الذين نقتدي بهم، نقتبس من استنباطاتهم، ومن أحكامهم الفقهية, التي استنبطوها من كتاب الله, وسنة رسوله .

والحمد لله رب العالمين


ملاحظة . انا لست مع الاحتفال بيوم المولد النبوي

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-11-2017, 05:45 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

السيرة- سيرة الأئمة الأربعة- الدرس 2-2: الإمام الشافعي 2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-07-28





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

وقفة متأنية :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا مع الإمام الشافعي، وقبل أن نمضي في متابعة الحديث, عن مآثره، وعن مناقبه الرفيعة, لا بد من وقفة قصيرة في موضوع متعلق بأعلام المسلمين .
فالدنيا لها سقف، مهما كنتَ تملك من المال، فقدرتك على الاستمتاع بالحياة الدنيا محدودة، لو أنك تملك آلاف الألوف, هل تستطيع أن تأخذ فوق حاجتك؟ القدرة على الاستمتاع في الحياة الدنيا محدودة، الدنيا لها سقف, أما إذا عملت للآخرة, ليس هناك سقف .
الإمام الشافعي عاش قرابة خمسين عاماً، يعني ليس مِن يوم من ألف سنة ولا الآن, إلا ويذكر الإمام الشافعي عشرات ألوف المرات، اجتهاداته، أقواله، حكمه، مناقبه، فضائله، يا ترى هذه البطولة انفرد بها أم أنها متاحة للجميع؟ إذا انفرد بها تنشأ أسئلة كثيرة، أما إذا كان هذا متاحاً لكل البشر, عندئذٍ نحن نلوم أنفسنا على التقصير .
النقطة الدقيقة في هذا الموضوع: أن الناس لا يتفاوتون في قدراتهم، بل يتفاوتون في طلباتهم، كلنا ضعاف، وكلنا فقراء إلى الله عز وجل، بقدر طلبك الصادق من الله عز وجل, الله عز وجل يعطيك من القدرة والإمكان والأهلية ما يحقق هذا الطلب، فنتفاوت جميعاً في صدقنا في طلبنا، فإنسان يعيش مثلاً مائة وثلاثين سنة, تافهاً جداً، لا يترك أثراً، ولا خَلَفًا صالحًا، ولا إنجازاً، ولا عملاً طيباً، وإنسان يعيش خمسين سنة, يملأ الدنيا علماً .
ألم يسأل أحدكم نفسه هذا السؤال: ما الذي يحول بيني وبين أن أكون عَلَماً من أعلام الأمة، وهل الإمام الشافعي من جبلة أخرى؟ لا، من خصائص أخرى؟ لا، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾

[سورة الأعراف الآية: 189]

بل إن النبي عليه الصلاة والسلام من بني البشر، قال: اللهم إنني بشر، ولولا أنه تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر .
فالسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الإنسان في أمر الآخرة يقنع بالقليل؟ يقنع بركعات يؤديها، معلومات يفهمها، لم لا يتفوق؟ باب البطولة مفتوح على مصراعيه، وباب النبوة مغلق، لا نبي بعدي، وباب الصديقية مغلق، قال عليه الصلاة والسلام:

((ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر))
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
دعك من باب النبوة، ومن باب الصديقية، أن تكون مؤمناً كبيراً, فهذا بين يديك، ربنا هو ربهم، وإلهنا هو إلههم، ومنهجنا هو منهجهم، إذاً: نحن يمكن لنا أن نسعى للآخرة، ثم دقق النظر في هذه الآيات:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[ سورة المطففين الآية: 26]

هنا مجال التنافس، مجال طلب العلم، مجال تعليم العلم، مجال تقديم خدمات للمسلمين ، مجال نشر الحق، قال تعالى:

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

[ سورة الصافات الآية: 61]

هذا الإمام الشافعي، والإمام الغزالي، هل هما من نوع آخر؟ صدق الغزالي مع الله عز وجل, فصدقه الله، إحياء علوم الدين, يعد أكبر مرجع في علم النفس الإسلامي، من لم يقرأ الإحياء, فليس من الأحياء، كما يقولون، كتاب قيم, أملاه من ذاكرته، صدق الله فصدقه .
أيها الأخوة، وكل واحد منا بقدر صدقه, ينال من توفيق الله وعونه، سحرة فرعون جاؤوا لينقضوا معجزة سيدنا موسى، فلما رأوا العصا أصبحت ثعباناً مبيناً, آمنوا، قال تعالى:

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾

[ سورة طه الآية: 70-71]

فالذي أتمنى أنْ تعلموه, أن الإمام الشافعي إنسان عظيم، فهل هو من طبيعة أخرى؟ لا والله، من جبلة خاصة؟ لا والله، الخصائص واحدة، والإمكانات واحدة، لكنه طلب من الله طلباً نحن ما طلبناه، وقد أعطاه الله على قدر طلبه، والله يعطي ويزيد، وهناك أمثلة كثيرة يمكن أن تصل إلى أعلى درجة، لا بقدراتك الذاتية، بل بما يؤهلك الله به من قدرات، وهذا التأهيل متعلق بطلبك الصادق .
إذا لم يحدِّث أحدُنا نفسَه بنشر الحق، والدعوة إلى الله، فأين مكانه عند الله؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد, فبمَ تلقى الله إذاً؟ .

كيف قسم الشافعي وقته في الليل ؟

كيف قسّم الشافعي وقته في الليل ؟
ولنَعُدْ إلى الإمام الشافعي، قال الربيع:

((كان الشافعي قد جزَّأ الليل؛ فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام))
في الدين شيئان؛ اتصال، وخدمة، وعمل صالح، من السهل جداً أن يطغى العمل الصالح على عبادتك، ومن السهل جداً أن تطغى عبادتك على العمل الصالح، إن طغت العبادة على العمل الصالح, اختل التوازن، وإن طغى العمل الصالح على العبادة, اختل التوازن أيضًا ، والأكمل: أن توازن بين العبادة والعمل الصالح .
هناك منزلقات، فالإنسان من خدمة إلى خدمة، من مشروع إلى مشروع، إلى تأسيس مسجد، إلى رعاية أيتام، من تأسيس جمعية على حساب اتصاله بالله، عباداته ضعيفة، صلواته غير متقنة، اتصاله بالله غير مكين، يأتي إنسان آخر, يعتني بقلبه وبأذكاره، ولكن ليس له عمل صالح، فكذلك إن طغت العبادة على العمل الصالح, اختل التوازن، وإن طغى العمل على العبادة, اختل التوازن .
البطولة: أن توازن بين عبادتك وبين عملك الصالح، الصلاة على وقتها، المبالغة في الاستقامة، وأداء العبادات، ثم الانطلاق إلى الأعمال الصالحة، لا تنسوا أن من أدعية النبي دعاءين اثنين, وأنت في أحد حالين؛ إما أنك في المسجد، وإما أنك خارج المسجد, وإذا كنت في المسجد, فاسمعْ للحديث الشريف، فعن أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ, فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))

[ أخرجه مسلم في الصحيح]

خارج المسجد أعمال صالحة، كسب رزق، تربية أولاد، خدمة الخلق، ضمن المسجد تتلقى من الله التجلي والرحمات .
فالإمام الشافعي كان قد جَزَّأ الليل، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، يعني عمل واتصال، الاتصال شحن، والعمل غنى، أنت غني بقدر أعمالك الصالحة، وأنت قريب بقدر اتصالك بالله، فلا بد من شحن لهذه النفس، ولا بد من أداء لهذه الأعمال الصالحة .

من أضرار الشبع في الطعام :

أضرار التخمة
يقول الإمام الشافعي:

((ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرةً واحدة، فأدخلت يدي فتقيأتها, لأن الشبع يثقل البدن، ويقسِّي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف عن العبادة))
فإذا اعتاد الإنسان أكلاً قليلاً, يشعر بنشاط على أداء الصلوات، ويستيقظ براحة، فالإنسان يجرب أن يأكل وفق السنة، أكلاً معتدلاً قليلاً، وأن يأكل كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، يشعر براحة، ونشاط منقطع النظير .
لذلك: أول بدعةٍ ابتدعها المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (الشبع) .




الشافعي لم يحلف بالله لا صادقاً ولا كاذباً :

شيء آخر من مناقب الإمام الشافعي إذ يقول:

((ما حلفت بالله لا صادقاً، ولا كاذباً))
لماذا؟ لأن الله عز وجل قال:

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

[ سورة المائدة الآية: 89]

عود الناس على أن كلامك مصدقٌ بلا يمين، ويقع معظمُ الناسُ في خطأ, من أجل أن يقوِّيَ المرءُ كلامه, يلجأ إلى الأيمان المغلظة، وهذه العادة كرهها الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، بل كان يدفع دينارَ ذهب، إذا حلف يميناً صادقاً، وهو لا يكذب إطلاقاً، لأن الله عز وجل قال:

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

[ سورة المائدة الآية: 89]

كرم الشافعي :

كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم
وقال عمرو بن السواد:

((كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام))
والحقيقة: أنّ الدينار والدرهم محك، قال: أتعرفه؟ قال: نعم، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: هل جاورته؟ قال: لا، قال: هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: إذًا: أنت لا تعرفه .
فموضوع المال؛ أنْ يضبط الإنسان كسبه، ويضبط إنفاقه، وهذا شيء أساسي في حياة المؤمن، إذا سافر إنسان مع أخوانه, فهو دقيق في الدفع، ألا يدفع؟ ليس معقولاً، قدمت له هدية, ما يكافئك عليها؟ ليس معقولاً، فكلما كان إيمان الإنسان قويًا، يصبح ورعه المالي شديدًا جداً .
أنا أذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام انقطع عنه الوحي أسبوعين, فقال: يا عائشة, لعلها تمرةٌ أكلتها من تمر الصدقة, وجد على السرير تمرةً فأكلها, فالإنسان كلما كان ورعاً في النواحي المالية, كلما كان الطريق إلى الخالق سالكاً .
قدم الشافعي صنعاء, فضربت له خيمة، ومعه عشرة آلاف دينار، فجاء قوم فسألوه فأعطاهم، فما قلعت الخيمة، حتى أنفق كل ما معه،
((لمن هذا الوادي يا رسول الله؟ قال: هو لك ، قال: أتهزأ بي؟ قال: والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر))
الإنسان دائما يتألّف بالعطاء قلوب الناس، الأشخاص الماديون إن أعطيتهم أسِرتَهم، دائماً هذه قاعدة: العطاء يقرب، وهناك عطاء يبعد، فإذا كان الإنسان متفلتًا, فالمال يمكن أن يعينه على المعاصي، وهذا العطاء يبعده عن الله، وبعض الناس يكون المال عزيزًا عليه، لكنه منضبط، إن أعطيته قرَّبتَه .

كلمة حق قالها الشافعي :

وعن الربيع قال, سمعت الشافعي, يقول:

((من استُغضِب فلم يغضب, فهو حمار، ومن استرضي فلم يرضَ, فهو شيطان))
إنسان يسترضيك، يعتذر إليك، يقدم المعذرة، يقول لك: سامحني لم أكن منتبهاً، وأنت لا ترضى، فمن استرضي فلم يرض, فهو شيطان، خالق الكون إذا استرضِيَ رضيَ، الله كيف يسترضى؟ بالصدقة، بالتوبة .

((صدقة السر تطفئ غضب الرب))

((باكروا بالصدقة, فإن البلاء لا يتخطاها))
يعني إذا إنسان لا سمح الله زلَّت قدمه، فماذا يفعل؟ ييأس؟ اليأس كفر، لا تيأس، واسترضِ ربك بالتوبة، واسترضه بالصدقة، إذا أذنب العبدُ مرة واحدة, فالتوبة منه سهلة جداً ، أما إذا زلّت القدم ثانيةً، ووقعت في الذنب نفسه, كيف تسترضي الله عز وجل؟ بالتوبة الثانية مع الصدقة، لأن الحسنات يذهبن السيئات .
عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ, وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا, وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ))

[ أخرجه أحمد في مسنده]

استرضي ربك بالتوبة بعد الذنب
المؤمن حكيم يعالج نفسه دائماً، يعرف كيف يكون له اتصال بالله, وإذا حجب عن الله عز وجل, فالله يُسترضَى، إذا كان الله غاضباً على مؤمن لزلّةٍ زلّ فيها, استُرِضيَ ربنا بالتوبة والصدقةِ، فإنّ صدقة السر تطفئ غضب الرب، باكروا بالصدقة, فإن البلاء لا يتخطاها، الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير .
يجب أن تعرف أنك مخلوق للجنة، والمؤمن عنده أوسع باب يدخل به على الله تعالى، هو باب التوبة، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الزمر الآية: 53]

لو جئتني بملء السموات والأرض خطايا, غفرتها لك ولا أبالي .
سمعت الشافعي يقول:

((من استغضب, فلم يغضب, فهو حمار))
فهو ليس من بني البشر .
قال أبو زرعة:
((مات الثوري، ومات معه الورع، ومات الشافعي، وماتت معه السنن، ويموت أحمد بن حنبل، وتظهر البدع))
في الإسلام أعلام، العلماء الأعلام, هؤلاء منارات الهدى في الحياة، فلذلك قال بعضهم: إنّ القائد بيبرس, قال:
((والله ما استقر ملكي, حتى مات العز بن عبد السلام))
قيل للحسن البصري:
((بمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي))
بالورع والزهد، والمثل الأعلى .

من نوادر التاريخ :

يقول أحدهم:

((واللهِ ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى هو مثل نفسه))
انظروا إلى التفوق، والذي أرجوه ألاّ يكون هذا الدرسُ, درسَ قصة، ولا درس اطلاع، الوقت ثمين جداً، ولكنه درس تحفيز، أنت من أي نوع؟ أنت تملك المقومات, لتكون علماً من أعلام الأمة .
ذات مرة: ذكرت لكم قصة أعيدها, لأن فيها فائدة، إنسان بالخامس والخمسين سنة، تمنى أن يكون عالماً، وهو أمِّيٌّ، لا يقرأ ولا يكتب، ركب دابته, وهو من صعيد مصر، واتجه إلى القاهرة، وفي ذهنه أنه يوجد جامع اسمه: الأزعر، فسأل أحدهم: أين الأزعر؟ فقال له المسؤول: هو الأزهر، دلوه على الأزهر، تعلم القراءة والكتابة، ثم تعلم القرآن، ثم طلب العلم ، وعاش حتى السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر ، شيخ الأزهر، أعلى علماء مصر منزلة، بدأ علمه في الخامسة والخمسين .
يا أيها الأخوة، ما أردت أن يكون هذا الدرس قصةً, ولا إعلاماً، بل أردته حافزاً للإنسان على أنْ يطلب العلم، ويعلِّم العلم، يؤلف كتابًا، يخدم الناس، لك أن تؤلف القلوب، ولك أن تؤلف الكتب، تأليف القلوب أشد تأثيراً، وتأليف الكتب أطول أمداً، والأولى أن تجمع بينهما، أن تؤلف القلوب، وتحدث عند الناس تأثيرًا عميقًا، وأن تؤلف الكتب، وتحدث تأثيرًا مديدًا .
الإمام الغزالي كان في مجلسه أربعمائة عمامة، أربعمائة عالم يحضرون درسه، ولما توفي لو لم يكن له مؤلفات, لمات ذِكْرُه، ماذا حل مكان الغزالي بعد موته؟ إحياؤه، والقرطبي أكبر مفسر للقرآن, ترك التفسير العظيم، وكأنه لم يمت، اتركْ أثرًا في دعوة إلى الله، في عمل الخير، في الشيء الطيب .

من عجائب الشافعي :

يقول الفضل بن زياد:

((ما أحد مس محبرةً ولا قلماً, إلا وللشافعي في عنقه منةَ))
قال تعالى: الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 24]

أذكر أنني حضَّرتُ مرةً خطبة من تفسير من التفاسير القيمة، وموضوع الخطب تفسير آية، فيه شرط لطيف جداً، وألقيت الخطبة، وشعرت أنها كانت ناجحة جداً، وتركت أثراً طيباً جداً، واللهِ بقيت أسبوعًا أترحم على هذا المفسر، الذي كان هو السبب في نجاح هذه الخطبة، قلت: هذا الرجل مات منذ ألف سنة, ولكن العلم مستقر في كتابه, وانتفع الناس منه من بعده، قد لا تعلم: مبلغ الآثار الطيبة التي ينشرها الله على يديك, إذا أخلصت له .
اليوم كنا في زيارة أخ، قال: كنت طالباً في التعليم الإعدادي عند مدرس لغة عربية، يُمضي عشر دقائق في كل درس عن آداب المسلم في بيته، كيف يستيقظ؟ كيف يؤدي صلواته ، كيف يتناول الطعام؟ فهو يذكر هذا المعلم، ويترحم عليه، فإذا تركت أثرًا بين الناس, فأنت أسعد الناس .
صدقوني أيها الأخوة, أن تعريف الغنى الحقيقي: هو غنى العمل الصالح، والفقر: هو فقر العمل الصالح، والغنى والفقر بعد العرض على الله .

مقولة قالها أحد اللغويين :
أما في اللغة، فقال أحد اللغويين:
((جالسنا الشافعي فما سمعت منه لحنًا قط))
لحَن أحد الأعراب أمام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:
((أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل))
وقالوا:
((جمال الرجل فصاحته))
وقال سيدنا عمر:
((تعلموا العربية فإنها من الدين))
هذه لغة القرآن، فكلما أتقنتها, أتقنت جزءًا من دينك، لأنك إذا قرأت القرآن, وكنت متقناً لهذه اللغة، فإتقانك هذا, يعينك على فهم القرآن الكريم بشكل أدق، وبشكل أوسع .
وقال بعضهم:
((ما رأيت أحداً أفوه ولا أنطق من الشافعي))
الحقيقة: أنّ ميزةَ اللغة, أنها وعاء الحق، فإذا كان الوعاء نظيفًا وجميلاً, فقد قدَّمتَ الحق للناس بشكل مرغوب فيه، أما إذا أنت ذكرت الحق بلغة عامية غير متماسكة, شوهت الحق، أحضرْ أفخر شراب، وضعه في إناء غير نظيف، فيه صدأ، لا يرغب أحدٌ في شربه، أما إذا كانت الكأس صافيةً، نظيفةً، متألقةً، لها لمعة، فهذا مما يعين على استساغة الشراب، وأنت كمؤمن, من المفروض عليك, أن تقدم الحق بقالب أدبي لغوي، وهذا يعين على إيصال الحق للآخرين، فاللغة أداة، وليست هدفاً، أما عند أهل الأدب فهي هدف، لكنها عند أهل الدين أداة، والفرق بينهما كبير، يمكن لشاعر أنْ يؤلف ديوانين من الشعر في الغزل، والهجاء, والمديح، ويضيع حياته سدى!؟ قال تعالى:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[ سورة الشعراء الآية: 224-227]

يمكن أن تستخدم اللغة أداة ووعاء، أما أن تجعلها هدفاً, فهذا خطر كبير، وقال بعضهم:

((ما رأيت أحداً أفوه ولا أنطق من الشافعي))
في المنطق والحجة، لأن الله عز وجل قال:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 83]

من المستحيل أنْ يكون المؤمن صادقًا، وليس معه حجة، مؤمن صادق لا يمكن أن يدافع عن وجهة نظره، هذا مستحيل، مؤمن صادق ما معه حجة على أحقية دينه, مستحيل .

الشافعي حجة في أهل عصره :

الشافعي حجة في أهل عصره
قال أحدهم:

((ما رأيت الشافعي، يناظر أحداً إلا رحمه، ولو رأيت الشافعي يناظرك, لظننت أنه سبع يأكلك، وهو الذي علم الناس الحِجاج))
قد يقابلك إنسان, تحترمه لورعه، أما إذا تكلم, لم تسمع له حجة، وكانت أفكاره ضعيفة جداً، ويأتي إنسان منحرف، لا يعتقد بالدين, فيصغّره ويهزمه، أنت لا تحترم رجلاً أخلاقه عالية، لكنه جاهل، هذا لا تحترمه، فلا يكون في نظرك كبيراً، أخلاقي ورع، لكنه في المناقشة لا يصمد، يأتي إنسان منحرف العقيدة, يصغره ويحطمه، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلَّمه، فالحجة من لوازم المؤمن، لأن فضل العالم على العابد, كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ, كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ, ثُمَّ تَلا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾إِنَّ اللَّهَ, وَمَلائِكَتَهُ, وَأَهْلَ سَمَوَاتِه,ِ وَأَرَضِيه,ِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْر,ِ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ))

[ أخرجه الترمذي في سننه]

كم تكون المسافة كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين آخر مؤمن, هي نفسها بين العالم والعابد، لعالم واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابد، العلم سلاح .
أحياناً ترى إنسانًا انتمى إلى مسجد، واتبع الدين، وفجأةً انتكس، وارتكبَ كلَّ الكبائر، فما تفسير ذلك؟ هذا ما اتبع العلم، وما بنى اتجاهه على علم، بنى اتجاهه على تقليد، فلما جاءت الشهوات، وكانت مقاومته هشة, انتكس، هناك ضغوط في الحياة، وهناك شهوات، لا يصمد أمام الضغوط ولا أمام الشهوات, إلا إيمان قوي أساسه علمي، والعلم سلاح كما قال النبي الكريم:

((العلم سلاحي))
فكل إنسان بنى اتجاهه على التقليد، على الانتماء العاطفي، هذا ربما لا يصمد أمام ضغط, أو أمام إغراء، أو أمام شبهةٍ، ويقف دونك ثلاثة مزالق؛ شبهة في الدين، أو ضغط اجتماعي كبير، أو إغراء شديد، أمام الإغراء، والضغط، والشبهة, تنهار قوى الإنسان، ولا يصمد أمامها، لذلك قال أحدهم:
((ما رأيت الشافعي يناظر أحداً إلا رحمه، ولو رأيت الشافعي يناظرك, لظننت أنه سبع يأكلك، وهو الذي علم الناس الحِجاج))
أحيانا: أهل الدنيا يتوهمون أن الحق معهم، وهم الذين يفهمون، وأهل الدين دراويش، وقد يتفاجؤون عندما يلتقون برجل من أهل العلم, لا يقف شيء أمامه، صاحب حجة، منطقي واقعي، طموح، متماسك مع ذاته، ليست عنده ازدواجية، ولا يكيل بمكيالين، قلبه على لسانه، سريرته كعلانيته، جلوته كخلوته .

الشافعي يحافظ على نعمة الماء :

الماء قوام الحياة والاقتصاد فيه عبادة
ويقول بعضهم:

((ما رأيت أحداً أقل صبًّا للماء في تمام من الشافعي، يستهلك أقل كمية من الماء، ويقوم بأكمل وضوء))
قد ترى رجلاً, فتح صنبور المياه, حتى النهاية في الحمام، رد على الهاتف، والصنبور مفتوح، هذا خطأ كبير .
مرة النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وبقي في الإناء فضلة ماء قليلة، فقال عليه الصلاة والسلام:
((ردوها في النهر, ينفع الله بها قومًا آخرين))
هذا أيضاً الاقتصاد في الماء، وكما يقولون: العالَم الحديث مر بحربين؛ حرب النفط، وحرب القمح، والحرب القادمة حرب الماء، فالماء أخطر شيء في الحياة، والعالَم في شحٍّ مِن المياه، الآن المفاوضات والحروب، والمشكلات والمنافسات على الماء فقط، على منابع المياه ، وحاجة الإنسان للماء مهمة جداً، فلذلك الاقتصاد في الماء حضارة، رقي، صنبور يتسرب منه الماء, يمكن للعداد أن يسجل أعدادًا متواليةً ما دام التسريب، طبعاً كما تعلمون الماء قوام الحياة، والاقتصاد في الماء من العبادة .

اسمع أيها الفقيه :

ويقول الشافعي:

((ينبغي للفقيه أن يضع التراب على رأسه, تواضعاً لله وشكراً له))
فعندما تسمع عن أقوام يعبدون الشمس، أقوام يعبدون البقر، أقوام يعبدون النار، أقوام يعبدون أعضاء الرجال في اليابان، أقوام يعبدون الموج، أقوام يعبدون الجرذان .
مع الله انت في جنة القرب
إذا عرف الإنسانُ اللهَ، وعرف كتاب الله، واستنار عقله بهذا الدين العظيم، وسلك الطريق القويم, فلا يضل ولا يشقى، لكم بشارة عند الله عز وجل، قال تعالى:
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 23]

ما دام الله قد أسمعنا, فلعله علم فينا خيراً، فهذه بشارة، إذا سمح الله عز وجل لك أن تسمع الحق، سمح لك أن تفقه، وأن تفهم أمر دينك، أعانك على طاعته، وأعانك على غض البصر، وهو من أجلِّ العبادات في هذا الزمان، أعانك على التعفف عن المال الحرام، وأعانك على أن تكون منصفاً، أعانك على أن تعطي كل ذي حق حقه، فهذه من أجلِّ النعم التي أكرمك الله بها، من أجل أن تعرف مكانتك عند الله عز وجل, اجلس مع صديق قديم، صديق له جاهلية، اجلس معه ساعة، واستمع إليه، وانظر إلى سخافته, وإلى تناقضه، وإلى شهوانيته، وإلى تفلته، وإلى شقائه, وإلى تبرمه، أنت في جنة، جنة القرب، جنة المعرفة .
إنسان أصابه مرض الريئان، ولكن من النوع الخطير والمميت، فزار طبيبًا، وأنا التقيت مع هذا الطبيب، فأراد الطبيب أن يفهم ما السبب؟ وظل يحاول معه ويستدرجه, حتى صرح له المريض بالسبب، وله زوجة وأولاد وبنات، يفعل الفاحشة الشاذة مع أناس، فهذا شقي، ترى الإنسان ما دام مستقيمًا, فهو مَلَكٌ، لأنه مالكٌ زمام أمرِه، وما دام عفيفًا, فهو يشعر بقيمته عند الله، أما حينما تزلُّ قدمه, يسقط من عين الله، ومن عين الناس، وله عقاب أليم، ولكن قد يأتي على الإنسان العقابُ الأليمُ بعد انحراف خطير، فيلاقي مِن الآلام ما لا سبيل إلى وصفه .

الشافعي يعترف للآخرين بالفضل عليه :

قال بعضهم:

((هل تعرف سُنَّةً للنبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام, لم يودعها الشافعي في كتُبَه؟ قال: لا))
لقد تقصَّى الإمام الشافعي أن تكون كتبه منطويةً على سنة رسول الله، وهو القائل:
((إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث, فكأني رأيت رجلاً من أصحاب رسول الله, جزاهم الله خيراً، حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا المنة والفضل))
النقطة الدقيقة: أننا لا نعلم عظمة هذه السنة، سيدنا سعد قال:
((ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك, فأنا واحد من الناس؛ ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً, إلا علمت أنه حق من الله تعالى))
أنت أمام كتب السنة الكثيرة، أن تقول: قال عليه الصلاة والسلام، فهذا إنسان لا يخطئ، ولا ينطق عن الهوى، هذا إنسان معصوم، هذا إنسان مشرِّع، هذا أعظم إنسان في حياتك .
أحيانا الإنسان يقضي ساعته كلها في حديث شريف، ذات مرةٍ التقيت مع رجُلين؛ أحدهما رجل متورط ورطة كبيرة، صاحبَ رجلاً غير مؤمن، جلب له مشكلة كبيرة، والثاني دعا غير مؤمن لطعامه فحسده، فقلت للثاني: لمَ لمْ تستجب لنصيحة رسول الله:
((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا, وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))
ويقول الشافعي:
((عليكم بأصحاب الحديث, فإنهم أكثر الناس صواباً))
فأنت أمام منهج، النبي يقول كذا، إذا فكرت أن هناك رأياً أصوب من رأي النبي, فأنت لا تنطوي على ذرة إيمان .

الشافعي لم يكن معتزلاً عن الناس ودليل ذلك علمه بأيامهم :

ويقول أحدهم:

((ما رأيت أحداً أعلم بأيام الناس من الشافعي))
أي بالوقائع اليومية، فالإنسان الداعية لا ينبغي أن يكون معزولاً عن الأحداث، الأحداث فيها عِبر .
ذكرت لكم من قبل: أنه يمكن أن تعرف الله من خلقه للكون، ويمكن أن تعرفه من كلامه, ويمكن أن تعرفه من أفعاله -الحوادث -, المؤمن متكامل, حتى لو تتبع أخبار ما يجري هذه الأخبار .
(بأطلنطا) قال رئيس البلدية: إن هذه البلدة أأمن بلدة بالعالم قبل افتتاح المهرجان الرياضي، ثم فوجئوا: أن هناك انفجاراً أدى إلى جرح المئات، المؤمن لا يملك المستقبل، لأنه لا يعلم الغيب فيتأدب، قالها وهو يتحدى .
فإذا كان الإنسان ذا علم, فكلامه موزون، وكلامه وفق المنهج، لقد سَمَّوْا مركبةً (اشلنجر) أي التحدي، بعد سبعين ثانية أصبحت كتلة من اللهب، فيها تسعة أشخاص، بينهم امرأة، فقضية التحدي, فيها جهل كبير، وقد يتفوّه الإنسان بكلمة كبيرة, يحطِّمه الله عز وجل بها، فتجد المؤمن متوازنًا، لا يقع في تناقض في حياته، أقواله كلها واقعية، أما غير المؤمن فيعلو ثم يسقط، يصعد إلى علٍ، ويسقط من علٍ، أما المؤمن فهو صاعد صعوداً بطيئاً مستمراً إلى أبد الآبدين، الموت نقطة على هذا الصعود, يبقى صاعداً آمنًا، فخطه البياني صاعد صعوداً متوازناً، يأتي الموت ويستمر صاعداً، الموت فقط تبديل ثياب، خلع هذا الجسد ليكون بحالة أخرى، لكنه يبقى هو هو .
هناك باليابان: منطقة أجروا اختبارات ضد الزلازل على الكمبيوتر، فهذه المنطقة جاءها زلزال، ولم يقمْ هذا الجهاز بعمله، ونكبت اليابان برقم فلكي، أضخم ثلاث شركات في اليابان, أصابها زلزال واحترقت، كلام الكفار فيه تحدٍّ، واللهُ عز وجل بالمرصاد .

حسن الأداء وقوة البيان عند الشافعي :

قال بعضهم:

((لو رأيت الشافعي, وحسن بيانه, وفصاحته لعجبت، ولو أنه ألف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها معنا في المناظرة, لم نقدر على قراءتها, لشدة فصاحته, و غرائب لفظه، غير أنه كان في تأليفه, يوضح للعوام))
تأليفه أبسط من كلامه، كلامه عميق جداً .

من أنواع البلاء الذي كان ينزل على الشافعي :

قد يكون ألمك هو سبب نجاتك
وقال عالِم آخر:

((ما لقيت أحداً لقي من السقم ما لقي الشافعي))
مرة التقيت بقريب لي، توفي رحمه الله، وأعمال صالحة، وله علم بالله عز وجل، قال: في ساعة من ساعات ضيقه، إذْ كان يعاني من أمراضٍ كثيرة، وجميعها مزمنة، فمرة كأنه يعاتب الله عز وجل، قال له: يا ربي، أنا كل حياتي مريض، قال: فوقع في قلبه: أن يا عبدي، لولا هذا المرض, لما كنت بهذا الحال، لولا هذه الأمراض, لما كنت بهذه الأحوال ضارعًا، هو الحكيم، فالإنسان عليه ألاّ يكره الشيء الذي يؤلمه، فقد يكونُ سببَ نجاته .



من المسائل التي وردت عن الشافعي في مجال العقيدة :

هناك قضية مهمة جداً عند الإمام الشافعي متعلقة بالعقيدة، قال شيخ الإسلام في كتاب عقيدة الشافعي, أنه سئل عن صفات الله تعالى, فقال: لله صفات وأسماء, جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسع أحد, قامت عليه الحجة أن يردَّها، أي إذا كان الشيء في القرآن مذكورًا، وفي السنة صحيحًا مأثورًا، فلا يمكن أن تكون مؤمناً، وأن تردها، فهذا مستحيل، لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه, فهو كافر .
مثلاً قال لك شخص: الاستقامة صعبة جداً، هذا كلام، قلت له: قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[ سورة البقرة الآية: 286]

وأصرَّ على أن الاستقامة مستحيلة أو صعبة، فماذا فعل؟ ردّ كلام الله عز وجل بعد ثبوت الحجة، وهذا شيء خطير جداً، أي قال لك:

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[ سورة البقرة الآية: 221]

خطب ابنتك رجل، أخلاقه عالية، إيمانه كبير، لكن الماديات وسط، ثم تقول: لا يسعدها إلا بالمال، فأنت ماذا فعلتَ؟ قد رددت كلام الله، أليس كذلك؟ .
لكن هناك نقطة دقيقة: كنتَ غافلا عن آية، ذكَّرك بها أحدٌ، فبعد أن تذكَّرتها, إن أصررتَ على موقفك المناقض لكلام الله, فقد كفرت، هذا كلام الإمام الشافعي، لأن الله يقول:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 36]
قال لك الله عز وجل:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾

[ سورة البقرة الآية: 276]

إذا كان يعتقد أن إنفاق المال في سبيل الله, يمحق المال، وأن استثماره ربوياً يزيده ، وذكَّرته بالآية، وأصرّ على موقفه, فقد كفر .
قال: أما قبل ثبوت الحجة, فهو معذور بالجهل، فالآية غير منتبه لها، فقد اعتقد شيئاً خلاف القرآن، والآية لم ينتبه لها، وللشافعي كلمة قال فيها:

((لا نكفر بالجهل أحداً, إلا بعد انتهاء الخبر إليه))
فالجاهل لا يكفر، ولكن يُعلم .

من نصائح الشافعي :

تعبّدوا قبل أن ترأسوا
قال الشافعي:

((تعبَّدْ قبل أن ترأَس، فإنك إن ترأست, لن تقدر أن تتعبَّد))
وهناك قول آخر مشابه:
((تعلموا قبل أن ترأسوا، فإنكم إن ترأستم, فلن تعلموا))
العلم ليس فيه حل وسط، قبل أن تلقي على الناس العلم, يجب أن تكون متمكناً، والإنسان إذا ترأس قبل أن يتعلم العلم الكافي, يصعب عليه أن يخضع لغيره، لذلك أكبر آفة تصيب من يتصدون لتعليم الناس, أنهم يبدؤون بالتعليم قبل أن يتمكنوا، فإذا وُجِّهوا إلى الصواب, رفضوا، لأنه صار من الصعب أن يتراجع، هذا من أخطاء التعليم، تعلموا قبل أن ترأسوا, فإن ترأستم فلن تعلموا، أما هناك قلة قليلة تجمع بين التعليم والتعلم، والنبي الكريم يقول:
((يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم, فقد جهل))
مرة كنا في الجامعة، وجاءنا أستاذ من تونس، يُعَدُّ من أندر علماء العربية، جاء إلى جامعتنا, ليلقي محاضرة، جمعوا طلاب السنة الرابعة في المدرج، وكان الأساتذة الذين يدرِّسوننا اللغة العربية في أول صف، أنا كنت ألاحظ إلى هؤلاء الأساتذة، فأكثرهم يستمع، إلا أن أعلمهم, جاء بورقة وقلم، وبدأ يكتب، هذا الذي يكتب, معناها عالم ويتعلم، يتعلم أمام طلابه .

ما قاله أحمد بن حنبل عن الشافعي :

وقال بعضهم، وهو أحمد بن حنبل:

((إن الله تعالى يقيِّض للناس في كل رأس مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله الكذب، فنظرنا فإذا على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائتين الإمام الشافعي))
كلما أصبح, هناك انحرافات، إضافات, يقيض الله لهذه الأمة علماء صادقين، يعيدون الدين إلى أصله، إلى نقائه .
وأنا أنصح أخوتنا الكرام، والمثل واضح بين أيديكم: نهر بردى، له نبع، وله مصب، انظر إلى منبعه، انظر إلى صفاء الماء ورقته، انظر إلى مصبه، فالماء أسود، فأنت إذا أردت أن تنهل من هذا النبع, إلى أين تذهب؟ إلى منبعه، منبع هذا الدين الكتاب و السنة .
قيل:
((لما قدم الشافعي إلى بغداد, كان في المسجد نيف وأربعون حلقة، فلما دخل بغداد, مازال يقعد في حلقة وحلقة، و يقول لهم: قال الله, وقال رسوله، وهم يقولون: قال أصحابنا, وقال فلان, وقال فلان، هو أعادهم إلى الأصل، إلى الكتاب و السنة، قال: ثم ما بقي في المسجد, إلا حلقة الشافعي))
الأصل أن تعيد الناس إلى كلام الله, وإلى سنة رسوله .

من حساد الشافعي :

وهناك دائماً حسد، فهذه قصة مفيدة جداً، قال زكريا بن يحيى:

((حدثني الحسن بن محمد الزعفراني: حج بشر المريسي ذات سنة إلى مكة، ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلاً ما رأيت مثله سائلاً, ولا مجيباً، أي الشافعي، وهو رجلٌ له حلقة دينية في بغداد كبيرة جداً، ثم قدم الشافعي إلى بغداد, فقال بعض تلامذته: هذا الذي تزعم أنه ليس مثله عالم, قد حضر إلى بغداد، قال: إنه قد تغير على ما كان عليه))
أي تراجع، هناك حسد دائماً .
فلا بد للمؤمن من كافر يقاتله، ومنافق يبغضه، ومؤمن يحسده، ونفس ترديه، وشيطان يغويه .

ما كتب على قبر الشافعي :

كُتِب على قبر الإمام الشافعي كلام طيب: هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن صلاته، ونسكه, ومحياه لله رب العالمين, لا شريك له، وبذلك أمر, وهو من المسلمين, عليه حيِا، وعليه مات، وعليه يبعث حياً إن شاء الله تعالى .
توفي أبو عبد الله ليوم بقي من رجب سنة أربع ومائتين للهجرة .
عاش حوالي خمسين عامًا، وترك كتاب الأم، وكتاب الرسالة، وترك علماً غزيراً, لا يعلمه أحد بعده .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-11-2017, 06:22 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

السيرة - سيرة الأئمة الأربعة - الدرس 1-2 : الإمام أحمد بن حنبل 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-08-04





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ماذا تعني كلمة الرباني ؟

الرباني هو من يعيش حياته في حب الله
أيها الأخوة الكرام، أنهينا في الدرس الماضي موضوع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وننتقل اليوم إلى إمام ثالث، هو الإمام الرباني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أحمد بن بلال بن أسد الدهلي الشيباني، أعني ابن حنبل، وأشدُّ ما لفت نظري كلمة الإمام الرباني:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 79]

معنى الإنسان الرباني، أي أنه لا يتحرك إلا بتوجيهات الله، لا يحب إلا لله، لا يبغض إلا لله، لا يعطي إلا لله، لا يمنع إلا لله، لا يصل إلا لله, لا يقطع إلا لله, كل حياته مشغولة بذكر الله, بالدعوة إلى الله, بخدمة الخلق إلى أن يلقى الله، والله عز وجل أمرنا أن نكون ربانيين .
فهناك إنسان رباني، وهناك إنسان شهواني، الشهواني مع مصالحه، مع نزواته، مع غرائزه، مع أهدافه الخسيسة، أما الرباني ينطلق من توجيهات الله، نفسه ليست له، فنيت نفسه في حب الله، يعطي لله، يمنع لله، يسامح لله، يغضب لله، يرضى لله، لا يتكل إلا على الله، لا يرجو إلا الله، لا يعلق الأمل إلا بما عند الله, لا يخاف إلا الله .
أيها الأخوة، يجب أن نكون جميعاً ربانيين .

ما قاله الشافعي عن أحمد :

1- عن ورعه :
قال حرملة, سمعت الشافعي, يقول:
((خرجت من بغداد، وما خلفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل))
شيء في هذه المقولة يلفت النظر، يا ترى, هل دعاتنا يعرف بعضهم قدر بعض, أم يطعن بعضهم ببعض؟ هل هناك إنصاف؟ هل عندك الجرأة الأدبية أن تقول: فلان إنسان جيد، إنسان عالم، إنسان ورع، وأنت عالم مثله، أم توجد عداوة؟ إن لم ننصف بعضنا، إن لم نعرف قدر بعضنا, نسقط جميعاً من عين الله .

2- ما قاله المزني عن أحمد نقلاً عن الشافعي :
وقال المزني: قال لي الشافعي:
((رأيت ببغداد شاباً إذا قال: حدثنا, قال الناس: صدق، قلت: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل))
أخواننا الكرام، الدعوة إلى الله دعوتان؛ دعوة إلى الله خالصة، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله من خصائصها؛ الاتباع، وإنكار الذات، والتعاون، والاعتراف بالفضل، والدعوة إلى الذات المغلفة بالدعوة إلى الله من خصائصها؛ الابتداع، والتنافس، وإنكار الفضل، والطعن في الآخرين، فقبل أن تدعو إلى الله, يجب أن تتأكد ما إن كنت حقيقةً تدعو إلى الله، أم تدعو إلى ذاتك، وأنت لا تدري .

3- ما وصفه الشافعي :
قال الزعفراني: قال لي الشافعي:
((ما رأيت أعقل من أحمد))
بالمناسبة الإنسان لا يزيد عن أن يكون عقلاً يدرك، وقلباً يحب، والنبي عليه الصلاة والسلام بحكمةٍ بالغة, ربط العقل بالقلب, فقال:
((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً))
ذات مرة ضربتُ مثلاً: لو وضعنا على طاولة قطعة الألماس, ثمنها ثمانية ملايين ليرة، هي بحجم حبة البندق, وكأس كريستال ثمنه ألف ليرة، وقلنا لك: اختَرْ، ألا أستطيع أن أكتشف عقلك من اختيارك؟ .
أتمكم عقلا, أشدكم لله خوفاً
إذا كان عقلك أرجح, اخترت قطعة الألماس, ثمنها ثمانية ملايين، فعن أبي قتادة:
((أتمكم عقلا, أشدكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمركم به، ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلكم تطوعا))
فإذا رأيت إنسانًا كل همه طاعة الله، كل همه التقرب إليه، كل همه موالاة أحبابه ، معاداة أعدائه، كل عطائه لله، كل منعه لله، كل وقته لله، لا يرضى إلا إذا رضي الله، هذا الإنسان إذا قلت له: ما أعقلك! ففعلاً ليس هناك من هو أعقل منه .
يروى أن أبا سفيان لما فتح النبي مكة المكرمة, قال:
((يا محمد, ما أعقلك، وما أرحمك، وما أوصلك، وما أحكمك!))
لذلك لا يمكن أن يسمَّى العاصي عاقلاً، ولو كان يحمل شهادة بورد، أبداً، لا يمكن أن يسمى العاصي عاقلاً، لكن يسمى ذكياً في اختصاصه، في الاحتيال، في كسب المال، في الإيقاع بين الآخرين، هو ذكي جداً، ذكاء شيطاني، أمّا أن يسمى عاقلاً, فلا، إنما الدين هو العقل، وَمَن لا عقل له لا دين له، لمجرد أن تعصي الله, فأنت مدموغ بالغباء والكفر، لقول الإمام الغزالي:
((يا نفس, لو أن طبيباً منعكِ من أكلة تحبينها، لا شك أنكِ تمتنعين- مثل واقعي؛ رجل معه ضغط شرياني، يقول له الطبيب: اترك اللحم، يقول: حاضر طبيب-, يا نفس, أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله؟ -يقول له الطبيب : اترك الملح، فلا يذوق الملح شهرين، بع بيتك، يعرضه للبيع مباشرة- يا نفس, أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله؟ إذاً: ما أكفركِ !! أيكون وعيد الطبيب -يقول له الطبيب: يصبح معك جلطة انتبه- أشد عندك من وعيد الله جهنم؟ -إذًا: الجلطة أشد وأخوف عندك من جهنم-، قال: إذاً: ما أجهلكِ!))

4- الخصال التي كانت في الإمام أحمد :
وعن الشافعي قال:
((أحمد إمام في ثماني خصال؛ إمام في الحديث، إمام بالفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر))
أما عند الفقر, فهناك تعليق جيد, يقول التجار: إذا لم تملك مكتبًا فخمًا، وسيارة غالية, فلا تستطيع أن تعمل، ولا بد لك من سمعة كبيرة، وهذه أثرها خاص بالتجارة، هذه الكلمات تشير إلى مظهر الغني، مكتب فخم، ومركبة فخمة، ومظاهر فخمة، فترى الناس يشترون، ويوكلونك وكالات، ويثقون بك، أما عند العلماء فبالعكس، كلما كان العالم أكثر زهداً, ارتفع عند الله، لأنه إذا انغمس في الرفاهية, لم يصدقه الناس، ولو ادعى الورع والزهد .

((يا محمد, أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره))
فإذا رأيت عالمًا حياته خشنة، ووسط، فهذا وسام شرف له، لأنه الورع حسن، لكن في العلماء أحسن، والسخاء حسن، لكن في الأغنياء أحسن، والتوبة حسنةٌ، لكنها في الشباب أحسن، والحياء حسن، لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والعدل حسن لكن في الأمراء أحسن .
ورد عن النبي أنه قال:
((الفقر فخري، والزهد حرفتي, واليقين قوتي، والعلم سلاحي, والمعرفة رأس مالي، والرضى غنيمتي، وذكر الله أنيسي))

[ورد في الأثر]

مناسبة هذا القول لمضمون الفقرة :

دور الامام احمد في إبطال البدعه التي ظهرت في عصره
قال بعض العلماء:

((لو أحمد بن حنبل لم يبذل نفسه لِما بذلها له, لذهب الإسلام))
وهناك أمرٌ خطير وقع في عصر الإمام أحمد بن حنبل، فقد شاعت بدعة لا أصل لها، وهي أن القرآن مخلوق، وقد اعتنق هذه البدعة الخليفة، وأي عالم لا يقر أمام الناس بهذه البدعة, يُقتل, ويسجن، ويعذب، وأكثر علماء زمانه قالوا: القرآن، والإنجيل، والتوراة، والزبور, كلها مخلوقة، كما تريدون، والقائلُ منهم يقصد أصابعه عندما يَعُدُّ هذه الكتب، ومَن قال كذلك سلِم من العذاب، إلا الإمام أحمد بن حنبل، فقدْ رفض أن يقر بهذه البدعة، فدخل السجن، وضرب، وعذب سنوات عدة، إلى أن أكرمه الله، وأظهر الحق على يديه .
قال بعض العلماء:
((لو أحمد بن حنبل لم يبذل نفسه لِما بذلها له, لذهب الإسلام))
لذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى, رأى طفلاً صغيرًا أمامه حفرة، كاد أن يقع فيها, فقال له:
((إياك يا غلام أن تقع, فقال: بل إياك أنت يا إمام أن تقع، إني إن وقعتُ وقعتُ وحدي، ولكن إنك إنْ سقطتَ, سقطَ العالَمُ معك))
أحيانًا تكون الأنظار معقودة بعالم يسقط, فيسقط الناس معه، يخيب ظنهم، أحياناً تُعلِّق الآمال على عالم، فإذا تكلم بخلاف قناعته سقط، لذلك قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

لماذا ضَنَّ الله عز وجل على هؤلاء الدعاة بالصفات الكثيرة؟ أليسوا صادقين؟ ألم يذكر أنهم صادقون؟ ألا يصلُّون؟ ألا يصومون؟ أليسوا أمناء؟ لماذا ذكر ذلك؟ قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

يخشونه فقط، لأنّ هذه الصفة اسمها في البلاغة: صفة مترابطة مع الموصوف ترابطًا وجوديًّا، فإذا ألغينا الصفة, ألغينا الموصوف .
تقول: الطائرة كبيرة، والبيت كبير، صفة عادية، قل: غالية الثمن، واليخت أيضاً غالي الثمن، قل: فخمة، والباخرة فخمة، لكن قل: تطير، فهذه الصفة تنفرد بها الطائرة، فإذا ألغيناها ألغينا الطائرة، الطائرة التي وضعت قرب مسجد الشيخ رسلان, هل تطير؟ هذه مطعم، وليست طائرة، كانت طائرة قبل هذا، ما دامت أنها لا تطير, فإذاً ليست بطائرة، بل هيكل طائرة، وربنا عز وجل لما ذكر الذين يبلغون رسالات الله، ما ذكر من صفاتهم إلا صفة واحدة، هي أنهم يخشون الله، ولا يخشون أحداً إلا الله، فإذا تكلموا بالباطل إرضاءً لمن يخشونه، وسكتوا عن الحق إرضاءً لمن يخشونه، فماذا بقي من دعوتهم؟ انتهت، ليس لنا علاقة باستقامتهم، إنه صائم، ويصلي، صادق، أمين، يهمنا إن سكت عن الحق إرضاءً لمن يخشاه, أو نطق بالباطل إرضاءً له, انتهى أمره، فهذه صفة مترابطة مع الموصوف ترابطًا وجوديًّا, قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

الدرجة العلمية التي توصل إليها الإمام أحمد :

كلمة
أحمد بن حنبل إمام الدنيا، هو إنسان مؤمن، مؤمن كبير، عالم جليل، فقيه، ثم يصل إلى أعلى مرتبة؛ إمام الدنيا .
في الكتب أحيانا يقول لك المؤلِّف: فريد عصره، ووحيد زمانه، الإمام أحمد بن حنبل وصل إلى أعلى درجة، ورغم ذلك جاءه وفد من المغرب معه ثلاثون سؤالاً، طرحوها عليه, فأجاب عن سبعة عشر سؤالاً، والباقي قال لهم: لا أدري، فقالوا: هل من المعقول أنّ الإمام أحمد لا يدري؟ قال لهم: قولوا لمن أرسلكم: إنّ الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم .
العلم هكذا، كلمة (لا أعلم) وسام شرف، هل تصدقون أن الذي يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً؟ يجب أن تكون دقيقًا في كلامك، سألوك سؤالاً دقيقًا في الفقه, اتركه للغد، راجعه ، لا تتسرع، وإنْ تعطِ جوابًا سريعًا تصغر، كلمة (لا أعلم) أفضل مليون مرة من أن تعطي فتوى غير صحيحة، لأنه تعلق الناس بك ليس شيئًا قليلا، وأنا عندي سواء أن يحرِّم شخص حلالاً، أو أن يحلل حراماً، فهما سيان، وهذا شيء يمكن أن يكون .
بالمناسبة أي إنسان يقول لك: هذا حرام, فشيءٌ سهلٌ، أما أن يقول لك: حلال، فلا بد أن يعطيك الرخصة والدليل، فقبل أن تقول: حلال أو حرام, عُدَّ إلى المليون، وارجع إلى المراجع، أو اسأل، وهذه نقطة مهمة جداً .

ما هي القدرة الذهنية التي كان يتمتع بها الإمام أحمد, وهل كان يستعين بكتاب حينما يحدث ؟

قال علي بن المديني:

((ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل, وبلغني مع ذلك أنه كان لا يحدث إلا من كتاب))
هذا الذي أمامك أمانة في عنقك .
سمعت عن خطيب أنه قادر على أنْ يلقي خطبة، ولو كان يستلقي على الفراش ، لشدة ثقافته وتمكنه، ومع ذلك لا يلقي على الناس خطبةً إلا من ورقة، فقالوا له: لماذا يا سيدي؟ قال: لأن هذه الخطبة أمانة, سوف أحاسب عنها, كلمةً كلمة، وحرفاً حرفاً .
مرة سألوا أحد رؤساء الجمهوريات في أمريكا: كم تعِدُّ لخطاب يلقى في عشر دقائق؟ قال: عشر ساعات، كم تعِدُّ لخطاب يلقى في ساعة؟ قال: ساعة، كم تعد لخطاب يلقى في ثلاث ساعات؟ قال: لا أعدُّ له إطلاقاً، عند ذلك أقول كلَّ ما يخطر على بالي, والله عز وجل جمع لك الناس، وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الجمعة الآية: 9]
مَن جمع لك الناس؟ الله عز وجل، إنّهم لم يأتوا رغبةً في شخصك، بل جاؤوا ينفذون أمرًا إلهيًّا، فما دام الله عز وجل هو الداعي, فكيف يكون إعدادك للخطبة؟ لا بد من إتقانها الإتقان كله .
قال علي بن المديني:
((ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني مع ذلك أنه كان لا يحدث إلا من كتاب))
ولنا به أسوةٌ حسنة، إن هذا العلم دين، حديث حديث، آية آية، تفسير دقيق، ضبط للنصوص، شرح أصولي، لأن هذا أمانة، إن هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون دينكم .

((ابن عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، -استقامت عقيدتهم، واستقامت نصوصهم، واستقامت أخلاقهم-, ولا تأخذ عن الذين مالوا))

أمر وجه من الإمام أحمد إلى علي بن المديني :

قال علي بن المديني:

((أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألاَّ أحدث إلا من كتاب))
مرة سيدنا عمر قال:
((كنت قد أعددت كلاماً قاله عني أبو بكر))
قال خطيب يومًا: أصعد إلى المنبر, وليس في ذهني ما أقوله، وأتركه على التيسير.
مرة قال لي شخص حضر خطبة: فتح ثمانية وعشرين موضوعًا، ولم يغلق واحدًا، خطر له خاطر قاله، وهذا خطأ فادح، حدثنا رجل توفي رحمه الله، له أب من رواد مسجد، يلاحظ شخصًا في أثناء الخطبة, يجلس على الباب الخارجي للمسجد، يتسلى مع المارة، والخطيب على المنبر، هل هذا معقول, والخطيب على المنبر؟! فجاء, وقال له: يا رجل، أنت مسلم، وحرام عليك ما تفعله، والخطبة مستمرة، والخطيب على المنبر، قال له : أنت مِن كم سنة لك في الجامع؟ قال له: ست سنوات، قال له: أنا منذ ثمانية وعشرين عامًا، فاذهبْ وأحْضِرْ لي كلمة من كلام الخطيب, حتى أكمل لك الخطبة كلها، فمنذ ثمانية وعشرين عامًا لا يوجد في الخطبة تجديد ولا جديد .
إذا كان الله عز وجل هو الذي دعا الناس إلى المسجد، فينبغي أن تعد كلامك، وإعداد الكلام احترام للحاضرين، واحترام لوقتهم، واحترام لمجيئهم، ولأشخاصهم، لأنهم اختاروك على غيرك .

أحمد بن حنبل حجة الله على خلقه :

قال أحد العلماء:

((أحمد بن حنبل حجة الله على خلقه))
يعني لو فرضنا أن الفساد عمَّ، والناس كلهم مدُّوا أيديَهم إلى الحرام، وأحد الناس يعاني من أشد أنواع الفقر، وما مد يده، فهذا حجةٌ على مَن حوله .
أحيانا يعمُّ الفساد، ويقول لك رجل: أنا أعمل بقدر الراتب، لو وجدت إنسانًا مِن ذوي الراتب المحدود يعمل بإخلاص, فهذا الإنسان حجةٌ على مَن حوله .
لكل زمان اولياء هم حجة على من عاصرهم
كل الناس يطلقون أبصارهم في الحرام، وشاب في مقتبل العمر, يغض بصره غضاً حازماً, نقول هذا الشاب: حجةٌ على الشباب، والله عز وجل في كل زمان له أولياء, هم حجةٌ على من عاصرهم، معظم الناس انحرفوا، وفلان لماذا لم ينحرف؟ .
في الزراعة قاعدة لطيفة: أنت بعت بذورًا لخمسين فلاحًا، وجاءك ثلاثة منهم يقولون: ما نبت البذر، لكنَّ واحدًا نبت عنده البذر نباتًا جيدًا، فهذا الواحد حجة على مائة، ويكون الخطأ منهم، لأنه لو كان الخطأ من البذر لما نبتتْ بذرة واحدةٌ، فالخطأ بالمزارع، لأنّ مزارعًا آخر نبت عنده البذر نباتًا جيدًا، فمعنى هذا: أن هذا المزارع حجة على بقية المزارعين .
الأنبياء حجةٌ على الخلق، فمن هو النبي؟ النبي بشر، ولولا أنه تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر، يحب كما نحب, ويشتهي كما نشتهي، ويغضب كما نغضب، ويخاف كما نخاف، ويرجو كما نرجو، ويجوع كما نجوع .
قال عليه الصلاة والسلام:
((أوذيت بالله وما أوذي أحد مثلي، وخفت بالله وما خاف أحد مثلي، ومضى علي ثلاثون ما بين يوم وليلة, لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال))
إذًا: جاع النبي، وخاف، قال تعالى:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾

[ سورة القصص الآية: 21]

هذا سيدنا موسى خرج من مصر خائفًا، فالنبي يشبع ويجوع، ويرتوي ويظمأ، ويطمئن، لولا أن النبي عليه الصلاة و السلام تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر .

اصغ السمع لهذا القول :

قال أبو الحسن الميموني، قال لي علي بن المديني بالبصرة قبل أن يمتحن، وبعد ما امتحن أحمد بن حنبل، وضرب، وحبس، وأُخرج:

((يا ميموني, ما قام أحد في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل، فتعجبت من هذا عجباً شديداً, وأبو بكر الصديق رضي الله عنه, و قد قام في الردة، وأمر الإسلام ما قام به، قال الميموني: فأتيت أبا عبيد القاسم بن سلام, فتعجبت إليه من قول علي, قال: فقال لي أبو عبيد مجيباً: بأي شيء يا أبا عبيد ذكرت له أمر أبي بكر؟ قال: إن أبا بكر وجد أنصاراً، وأعواناً، وأن أحمد بن حنبل لم يجد ناصراً واحداً))
عندما امتحن ، ودعي إلى أن يقر أنَّ القرآن مخلوق, لم يجد ناصراً واحداً، ضحى بحياته، وقال: أنا لا أقبل، هذه عقيدتي، ودخل السجن، وعُذب، وضُرب بالسياط، ولم يكن له ناصر .
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا, أنتم أصحابي, أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان, الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ, كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، أجره كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون))
إذا أحَبَّ الشاب في زماننا أن يستقيم, فأولُ مَن يعارضه أهلُه، المسلمون الذين يصلون في المساجد, منهم مَن يريد اختلاطًا، غناء، أجهزة لهو، هكذا، فإذا كان سيدنا أحمد بن حنبل له موقف رائع، وهو أنه حينما نطق بكلمة الحق، و لم يعبأ بأحَدٍ، ولم تأخذه في الله لومة لائم، لم يجد ولا ناصراً واحداً، لكن الله كان معه ثم نصره .

ما قيل عن أحمد :

قال أبو جعفر:

((كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين))
وقال بعضهم:
((ما رأيت أحداً أجمع لكل خير من أحمد بن حنبل))
أنا أردت من هذه الدروس الخمسة أو الستة, أن تقول: إنْ قلت: فلان حنبلي، فلان شافعي، فلان حنفي، فلان مالكي، أنْ تدرك أنّ هؤلاء أعلام كبار، هؤلاء جمعوا بين العلم والعمل، جمعوا بين العلم والعبادة، بين العلم والطهر، بين العلم والإخلاص، هؤلاء قدوة لنا، وهم علماء كبار، وخلاصة الأُمّة .
قصة الحجاج والحسن البصري
والإمام الحسن البصري، وأنتم جميعا تعرفون قصته، لما أدى واجب العلم، وتحدث في عهد الحجاج بكلام أغضب الحجاج، قال لمن استمع لكلامه:
((يا جبناء، والله لأسقينَّكم من دمه، أول شيء طلب السياف ليقطع رأسه, ثم قال: ائتوني به .
دخل الإمام الحسن البصري رأى الحجاج غاضباً، والسياف جاهز والنطع, تمتم الحسن البصري بكلمات ما فهمها أحد، ثم وقف الحجاج، واستقبله، وقال له: أهلاً بأبي سعيد، وأدناه من مجلسه، ثم أجلسه على سريره، وما زال يدنيه منه، ويثني عليه, حتى قال له: يا أبا سعيد! أنت سيد العلماء، ثم عطره، واستفتاه، وأكرمه، وضيفه، وشيعه .
نظر السياف، -لماذا أحضرتموني إذًا؟- فلحقه الحاجب، وقال له: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل فيك، فماذا قلت لربك؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، فاستجاب الله له، وألقى في قلب الحجاج هيبته وتعظيمه))
أخواننا الكرام، مَن هاب الله, هابه كل شيء، جرِّبْ، لا تخش إلا الله، وسيسبغ الله عز وجل عليك الهيبة والجلال .
يروون قصة سمعتها من رجل, لا يزال حيًّا يرزق، هذا الرجل يكون والده التلميذ الأول للشيخ بدر الدين الحسني، الذي أرسل إليه السلطان عبد الحميد الصدر الأعظم, الدولة العثمانية كانت تبسط سلطانها على الدول العربية كلها، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، مدة أربعمائة عام, وهي دولة تحكم دول شمالَ أفريقيا بأكملها، والشرق الأوسط بأكمله، والعراق, وإيران, والحجاز، فما قيمة صدرها الأعظم -رئيس وزارتها-؟ شخصية كبيرة جداً، فلهيبة الشيخ بدر الدين عند السلطان, أرسل له الصدر الأعظم, يدعوه لحضور احتفال في استانبول.
ركب البارجة، وتوجه نحو بيروت، ثم ركب مركبة إلى دمشق، ودخل على الشيخ, ينقل له دعوة السلطان, لحضور الاحتفال في استانبول، قال له: يا با, أنا لا أحب هذه الزيارات، من شدة هيبته, كان إذا رفض شيئاً, لا يجرؤ أحد أن يعيد عليه الطلب، وكذا الحال إنْ قلت: ليس لديّ رغبة، وأنا مشغول، ومع ذلك يسحبونك بسيف الحياء، شئتَ أم أبيت، سلم عليه، واعتذر منه .
رجع هذا راكبًا البارجة، ووصل إلى الإسكندرون، ثم تذكّر أنّ الصدر الأعظم، يأتي إلى الشام، ويدعو عالماً، ثم يذهب معه، فكَبُرَت عليه أن يرجع خائبًاً، فقرر أنْ يرجع، ويأخذه بالقوة، فرجع خمسة أيام أخرى بالبحر، وصل للشام, دخل عليه، وكان يصلي، فسلم، وقال له: يا با, أنت رجعت، فارتبك، وقال له: نسيت أن أقبل يدك سيدي، فرجعتُ لأقبِّلها، فدَقِّق النظر رعاك الله .
على قدر الطاعة، على قدر الاستقامة، على قدر الإخلاص, يلبسك الله ثوبَ التقوى والهيبة، وأحياناً تجد رجلاً ليس له قدر أبداً، لكثرة معاصيه وتقصيره، فمن اتقى الله, هابه كل شيء .
الظاهر بيبرس، هذا القائد الذي ردّ المغول، من أكبر القواد، ردّ أكبر هجمة تترية على المسلمين وبلادهم، قال:
((واللهِ ما استقر ملكي, حتى مات العز بن عبد السلام، لشدة هيبته))

سؤال وجه إلى بشر بن الحارث :

قلت لبشر بن الحارث:

((ألا صنعت كما صنع أحمد بن حنبل، عندما وقف موقفاً حازماً من موضوع خلق القرآن؟ فقال: تريد مني مرتبة النبيين, لا يقوى بدني على هذا، حفظ الله أحمد بن حنبل بين يديه، ومن خلفه، ومن فوقه، ومن أسفل منه، وعن يمينه، وعن شماله، فالله قد حفظه))
إذا كان الله معك فمن عليك, وإذا كان عليك فمن معك؟ .

انظر إلى هيبة الإمام أحمد في قلوب الخلق :

قال بعضهم: سمعت بشر بن الحارث, يقول: سئل عن أحمد بن حنبل بعد المحنة فقال:

((أأنا أسأل عن أحمد بن حنبل؟ أُدْخِلَ الكير - أي السجن- فخرج ذهباً أحمر))
أي خرج ذهباً، ولماذا الألماس غالٍ؟ هناك قطعة ألماسٍ بثمانية ملايين، حجمها قدر حبة البندق, لماذا؟ لأن الألماس أساسه فحم، ولكنه تحمل ضغطاً بشكل غير معقول، ضغطٌ وحرارة, حوَّلت الفحم ألماسا، فكل واحد منا إذا تحمل ضغطاً وحرارة يصبح ألماسا، لا تصبح ألماسا إلا تحت الضغوط الشديدة، والاستقامة، والتحمل، فأنت معد لجنة عرضها السموات والأرض، هذه لا تأتي بركعتين بلا وضوء، ولا بليرتين تعطيهما فقيرًا، لا بد من انضباطٍ كاملٍ، يصحبه صبرٌ، قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 2]

مستحيل لا بد مِن فتنة، قال: أُدخِل الإمام أحمد الكير، فخرج منه ذهباً أحمر ، لذلك:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية: 216]

بعض الأئمة قال:

((بستاني في صدري، ماذا يستطيع أن يفعل أعدائي بي؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟))
لذلك قال بعضهم:
((في الدنيا جنة, مَن لم يدخلها, لن يدخل جنة الآخرة))
أية جنة في الدنيا؟ جنة القرب، أنت استقمْ على أمره، وأطِعْه، وأخلص له، ثم انظر كيف يقربك, و كيف يسعدك, وكيف يدافع عنك, وكيف يلقي عليك ثوب الهيبة؟ .

من علامة الحب والبغض لأحمد بن حنبل :

قال بعضهم:

((إذا رأيتم الرجل, يحب أحمد بن حنبل, فاعلموا أنه صاحب سنة))
فعَن سَلْمَانَ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((يَا سَلْمَانُ, لا تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي))
هذا كلام غير معقول، أنْ يبغض رسول الله، مثلاً قال:
((حب الأنصار مِن الإيمان، وبغضهم من النفاق))
إنسان مؤمن، مخلص، مُتَفَانٍ في محبٌّ لله، متفان في طاعته، إن كنت تكرهه, فهذه علامة نفاق، وإن كنت تحبه, فهذه علامة إيمان .
محبتك للصالحين دليل على ايمانك
قال:
((إذا رأيتم الرجل, يحب أحمد بن حنبل, فاعلموا أنه صاحب سنة، -مطبق للسنة- وإذا رأيت الرجل, يقع في أحمد بن حنبل, فاعلم أنه مبتدع، إذا وُجِد إنسان يكرهه فاعلم أنه مبتدع))
نحن الآن عندنا سنة نبوية مطهرة، فلو أنّ إنسانًا أعطاك توجيهًا خلاف السنة، و أنت قبلت هذا التوجيه، ورفضت السنة، فهل عندك إيمان؟ لا والله لا إيمان لك، هل يعلو عندك إنسان على رسول الله؟.
قال لي أخ, كان في مؤتمر مفتي دولة بأوروبا الشرقية، يضع خاتمَ ذهبٍ كبيرًا قال: جلس قريبًا مني، قال له: يا أستاذ، يا إمام, الذهب حرام على الرجال، وذكر له حديثًا لرسول الله، فقال له: هناك قول للإمام أبي حنيفة بالجواز، قال له: هل هذا معقول؟ قال له : عجيب أمرك! أنا أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال الإمام أبو حنيفة، إذاً: لا يعرف الفرق بين الرجلين .
يقول الإمام الشافعي:
((الحديث مذهبي، فإذا جاء الحديث خلاف كلامي, فاضربوا بكلامي عُرض الطريق))
الحديث قاعدة، أنا أؤكد على هذا، لو تلقيت توجيهاً من أكبر إنسان في الأرض، افرضه من شيخك، ووجدت حديثاً صحيحاً خلاف كلام شيخك، فماذا تعمل؟ يجب أن تلقي بكلام شيخك عُرض الطريق، وأن تأخذ بحديث رسول الله، هذا هو الإيمان، قد يكون مخطئًا، فهو ليس معصوماً، والأصل في التشريع قولُ النبي عليه الصلاة والسلام، فكل واحد منكم يتلقى توجيهاً يخالف توجيهات النبي، ثم ينفذِّها، ولا يعبأ بتوجيهات النبي, فكأن الإيمان قد خُلِع من قلبه، النبي معصوم بأقواله، وأفعاله، وإقراره، وأحواله، لا ينطق عن الهوى، كلامه وحي غير متلو، بنص القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

[ سورة النجم الآية: 3-4]

ما الأشياء التي حصل عليها أحمد بن حنبل ؟

وقال بعضهم:

((ما أعلم في أصحابنا أفقهَ منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه, وزهد، وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم، والفقه، والزهد، والمعرفة، وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه))
الإنسان لماذا يحسد؟ إذا قلت لي الحسد جبلة بالإنسان، أنا لي اعتراض، من خلق هذه الجبلة؟ هل مِن أحَدٍ غير الله ؟ لماذا خلق هذه الجبلة في الإنسان؟ وهل الله عز وجل يخلق في الإنسان صفة سيئة، ويحاسبه عليها؟ مَنْ عنده جواب على هذا السؤال؟ الله أقره وقال:
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾

[سورة الفلق الآية: 5]

أصل الحسد حيادي، لمَ خلقه الله في الإنسان؟ خلَقَهُ مِن أجل أنْ يغار من أخيه، من أجل أن يتنافس معه في الخير، نحن نقرأ عن أحمد بن حنبل، ألا يجب أن نغار، ونكون مستقيمين، ورعين، نتعلم، نعلم، نقف موقفًا جريئًا لا نتخاذل، والحقيقة: أنّ الحسد انحرافٌ للغيرة المشروعة، كيف أنه يوجد زواج وزِنا؟ ربنا سبحانه هو الذي صمم الأنثى ، فلماذا صممها؟ لتكون زوجة، هل صممها لتكون *****؟ لا، هذا انحراف، وهي حيادية ، فقدْ أعطاها صفاتها لتكون زوجةً .
وحينما خلَقَ ربنا في الإنسان روحَ التنافس، أو تسميه تنافسًا، تسميه غيرة، تسميه حسدًا، تسميه غبطة، هلْ أتألّم إنْ سمعتُ عن رجل فاقني؟ لا، بل يجب أن أكون مثله، أصل هذه الجبلة مشروع، وجيد جداً، إما أنْ تنحرفَ هذه الجبلة عند أهل الدنيا فتكون حسداً، وإما أنْ تستقيم عند أهل الدين فتكون غبطة .
فالعلماء قالوا: المؤمن يتمنى أن يكون كمن تفوق عليه في أعمال الآخرة، إنسان حفظ كتاب الله، إنسان طلب العلم، علم العلم، الله رفع شأنه، أنتَ تألمتَ لأنك دونه، فحثثتَ الخطا كي تكون مثله .

الحصيلة العلمية التي توصل إليها الإمام أحمد في العلوم :

قال:

((أحصينا استشهادات أحمد في العلوم, فوجدناه يحفظ سبعمائة ألف حديث، أحد العلماء جمعوا كتبه، وقسموا صفحات كتبه على حياته، فكان يكتب كل يوم تسعين صفحة، منذ أن ولد حتى مات))
أنت كم صفحة تقرأ في اليوم؟ يجب أن نغار جميعًا، قال تعالى:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[ سورة المطففين الآية: 26]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

[ سورة الصافات الآية: 61]

اقتطع وقتاً لطلب العلم
وإن قلت: أنا عندي عمل شاق، نقول لك: نظِّمْ وقتك، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، نظم وقتك، لا بد من أن تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله، وقتاً لمعرفة منهجه، وقتاً لطلب العلم, وقتاً لتربية أولادك، وقتاً كي ترقى به عند الله .
هناك نقطة أحب أن أعلق عليها تهمنا جميعاً:
لو تخيلنا رجلاً سافر إلى بلد أجنبي ليأخذ دكتوراه، وهو فقير، فلو أخذ دكتوراه في اختصاص نادر جداً، يرجع ليشغل أعلى منصب في بلده، ويتقاضى أعلى دخل، هذا مثل افتراضي، نحن نركز على المثل، يرجع رأساً ليسكن أفخر بيت بالشام، وله في المصيف بيت، ويركب أفضل سيارة .
فهناك يجب أن يعمل في بلاد الغرب ويدرس، وجد عملاً مثلاً بألف فرنك لمدة ساعتين, فهذا دخلٌ يكفيه، وجد عملاً لأربع ساعات، ولكن الأجر بأربعة آلاف فرنك، واللهِ هذا أفضل، وجد عمل لست ساعات بستة آلاف فرنك، وجد عملاً ثماني ساعات، وهو يفرح بهذا الدخل الاستثنائي، ولكن على حساب الدكتوراه والعلم، ثم لو وجد عملاً كحارس لأربع وعشرين ساعة بعشرين ألف فرنك, فهل يكون رابحًا بها؟ .
دققوا في المثل، أي إذا كان عملك قد امتص كل وقتك، وأعطاك مليونًا, فأنت أكبر خاسر، عندئذ ألغيتَ وجودك، وألغيت هويتك، كيف تعرف الله؟ كيف تعبده؟ كيف تدعو إليه؟ فالدخل إذا كبر جداً على حساب الآخرة, أصبح أكبر خسارة، لا بد من وقت فراغ، يجب أن تنفقه في طاعة الله .

من أخلاق الإمام أحمد بن حنبل :

قال:

((قدم صديق لنا من خراسان، فقال: إني اتخذت بضاعة، ونويت أن أجعل ربحها لأحمد بن حنبل، فكان ربحها عشرة آلاف درهم، أردت حملها إليه، ثم قلت: حتى أذهب إليه، فأنظر كيف الأمر عنده؟ ذهبت إليه, فسلمت عليه، فقلت: فلان، فعرفه، فقلت: إنه ابتاع بضاعة، وجعل ربحها لك، وهو عشرة آلاف درهم، فقال: جزاه الله عني خيراً، نحن في غنى وسعة، وأبى أن يأخذها))
لقد كان إماماً في الفقه والتعفف والتجمل, وبهذا يرقى الإنسان، أبى أن يأخذها .
قال:
((حُمل إلى الحسن ميراثه من مصر مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله! هذا من ميراث حلال فخذها, فاستعن بها على علتك، قال: لا حاجة لي بها, أنا في كفاية, فردَّها، ولم يقبل منها شيئاً))
وهذا بعض ورعه .
رحم الله أحمد بن حنبل، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 02-11-2017, 08:56 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

السيرة - سيرة الأئمة الأربعة - الدرس 2-2 :الإمام أحمد بن حنبل2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-08-11





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

سؤال ورد :

ما هي الفائدة من طرح دروس الأئمة الأربعة؟
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع الإمام الجليل أحمد بن حنبل، إلا أن أحد الأخوة الكرام سألني: ما الحكمة من هذه الدروس التي تتعلق بالأئمة الأربعة، الذين يكثر الحديث عنهم في كل مجلس علم، وفي كل درس فقه، وفي كل جامعة, وفي كل كلية؟ .
أيها الأخوة، أضرب لكم المثل التالي: إنسان عنده آلة, صنعت عام ألف وتسعمائة وثلاثين، متواضعة جداً، يعمل بها، صاحب هذه الآلة, إن لم يزر معملاً أرقى من المعمل الذي صنعت به، يظن أن هذه الآلة أرقى آلة في العالم، وعندئذٍ لا يطوِّرها، أما حينما يطلع على معامل أحدث، وأكبر، وأسرع، وأدق, وأكثر فائدةً، تصغر آلته في نظره، وهو الآن يصغر معها إن بقي على ما هو عليه .
الإنسان إذا انفتح على الآخرين، واطلع على ما عندهم، قرأ عن العلماء السابقين، المحققين, العاملين، المخلصين، المتبحرين يصغر, إلا أنه الآن يصغر من أجل أن يكبر، أما لو عزل نفسه عن دراسة أحوال العلماء, والفقهاء، والدعاة، والذين رفعوا راية هذا الدين، إذا عزل نفسه عن هؤلاء العظام, يكبر في نفسه، ويظن أنه أكبر الناس، وهو في الحقيقة أصغرهم، فبين أن تصغر لتكبر، وبين أن تتوهم أنك كبير، ولست في الحقيقة كبيراً، لما يخرج الإنسان يتحجم، ولما يتحجم, يرسم هدفًا كبير لنفسه, يسعى إليه .
أحيانا الإنسان يقتدي بهؤلاء العلماء بجرأتهم، بإخلاصهم، بورعهم، بتواضعهم، بتعففهم، بتقشفهم، بزهدهم، بصدق توكلهم، بحرصهم على رضاء الله عز وجل، يقتدي بهم، والإنسان أحياناً يستفيد من خبرات الآخرين، من هو العاقل؟ هو الذي لا يجعل من نفسه ضحيةً لمعلوماته، قد تتعلم فكرةً أو حقيقةً على حساب نفسك, فأنت الضحية، إذًا: تعلمت بعد أن ضحيت، أما العاقل يستفيد من خبرات الآخرين, لهذا قالوا: السعيد من اتعظ بغيره, والشقي لا يتعظ إلا بنفسه .
إذاً: نحن مع الانفتاح لا مع الانغلاق، مع الإطلاع لا على التقوقع, مع التعاون لا مع التنافس، مع أن تكون جندياً في جيش، لا أن تتوهم أنك قائد جيش، ولا يوجد جيش إطلاقاً .

ثقة الناس بابن حنبل :

أثمن شيء قد تمتلكه هو ثقة الناس
أيها الأخوة، ما زلنا مع الإمام أحمد بن حنبل، عن سليمان بن حرب أنه قال لرجل:

((سل أحمد بن حنبل ما يقول في مسألة كذا، فإنه عندنا إمام))
فأحمد بن حنبل ما الذي اكتسبه؟ اكتسب ثقة الناس، وصدقوني أن أثمن شيء تمتلكه ثقة الناس، لأنهم إذا وثقوا فيك, أمكنك أن توجههم، وأمكنك أن تعلمهم، وأمكنك أن ترعاهم، فلذلك أعيد وأكرر ألف تصرف ذكي وحكيم ودقيق يشد الناس إليك، لكن تصرفًا واحدًا أحمق ينفرهم منك، ولعل في الآية الكريمة خير مؤيد لهذه الفكرة، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 159]

بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، بهذا اللين اجتمعوا نحوك ، انضموا إليك، وثقوا بك، جعلوك قدوةً لهم، جعلوك أسوةً لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب، لو لم تستقر الرحمة في قلبك, لكان مكان الرحمة القسوة, إذاً: لانفضوا من حولك، فاعفُ عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر .
الناس ليسوا أغبياء، من ظن أن الناس أغبياء, فهو وحده الغبي، الناس يعرفون الحق من الباطل، يعرفون المخلص من غير المخلص, يعرفون الصادق من الكذاب، يعرفون المنتفع من عمل ما من غير المنتفع، ويعرفونه بحدسهم .
في بعض الدول الأجنبية نظام المحلفين، نأخذ من الطريق خمسين رجلاً لا على التعيين من حِرَفٍ متنوعة، ومن ثقافات متنوعة، نعرض عليهم قضية قضائية معقدة، نقول لهم : ما رأيكم؟ رأيهم رأي الفطرة، رأيهم رأي بسيط، لكنه صادق، القاضي أحياناً يعرض القضية على خمسين محلفاً، وهؤلاء يدلون بآرائهم، وفي الأعم الأغلب تأتي آراؤهم صحيحة، لأنهم ليسوا مع هؤلاء، وليسوا مع هؤلاء، لا يتعرضون إلى ضغوط شديدة, فتغيِّرَ مجرى أحكامهم .

إليكم محتوى هذه الفقرة :

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول:

((قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين ، فمضيت إلى عبد الرزاق في قريته، وتخلف يحيى، فلما ذهبت أقرع الباب, قال لي جارٌ له بقّالٌ: لا تدقَّ الباب، فإن الشيخ يهاب، -عندنا الإمام النووي من نوى، أبو سليمان الداراني من داريا، يوجد علماء اشتهرت القرية التي ولدوا فيها، النيسابوري من نيسابور، أكثر العلماء الكبار كانوا من قرى، ولكن هذه القرى أصبحت علماً في تاريخ العلم- .
قال: فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج, فوثبت وقبَّلتُ يديه، وفي يدي أحاديث انتقيتها، فسلمت عليه، وقلت: حدثني بهذه يرحمك الله، فإنني رجل غريب، قال: ومن أنت؟ قال: أنا أحمد بن حنبل, فتقاصر وضمَّني إليه، وقال: بالله, أنت أبو عبد الله ؟! ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم الليل، فقال للبقال: هلم المصباح، وكان عبد الرزاق يؤخر صلاة المغرب))
إن تواضعت لله رفعك
فالمقصود: أين وصل صيته؟ إلى صنعاء، حيث استقبله هذا العالم الجليل، وتقاصر أمامه.
فكن كما يرضي الله عز وجل، واترك الأمر لله، فإنّ الله عز وجل هو الذي يرفعك ، فلا ترفع نفسك، إن رفعتها خفضك الناس، أمّا إن تواضعت لله, رفعك الله عز وجل، عندنا آية بهذا المعنى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[ سورة الشرح الآية: 1-4]

ترى علماء كبارًا؛ هذا أصله قصاب، وهذا نجار، هذا دولاتي، نسمع بعالم كان يعمل (دولاتيًا)، فلما توفي مشى في جنازته أكثر من ألف إنسان، ورفعنا لك ذكرك، وكل آية تتوجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكل مؤمن منها نصيب, بقدر إيمانه واستقامته، إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً, ويضع به آخرين، وهذا حقٌّ وصدقٌ .

انظر إلى هذا الموقف من إسماعيل :

قال بعضهم: أخبرني عبد الله بن المبارك، وكان شيخاً قديماً، قال:

((كنت عند إسماعيل، فتكلم إنسان بشيء, فضحك بعضنا، وثَمَّ أحمد بن حنبل, قال: فأتينا إسماعيل, فوجدناه غضبان، فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟))
انظرْ إلى العلماء الصادقين، إنهم ملوك .
وهنا نقطة مهمة: إنّ الأقوياء في الأرض ملكوا الرقاب، بإشارة يحركون ملايين الناس، أما الأنبياء فقد ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك الرقاب، وبين أن تملك القلوب .
زارنا ضيف من دولة آسيوية، فالذي رافقه, اعتذر له, أن المطاعم مغلقة اليوم، لأنه يوم عيد مولد رسول الله، قال هذا الرجل: من كم سنة ولد؟ فقال له: من ألف وخمسمائة عام، فصعق, هل من المعقول أنّ إنسانًا من ألف وخمسمائة عام لا تزال ذكراه عطرة في قلوب الناس؟ الأنبياء ملكوا القلوب، أنت يكفي أن تقف أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وتنظر إلى مئات الألوف الذين يمشون أمام قبره ويبكون، ماذا أعطاهم هذا الإنسان, ولم يشاهدوه؟ ماذا أعطاهم؟ هل أعطاهم المال؟ كماله رفعه .

انظر إلى عظمة أحمد في قلب يزيد بن هارون :

من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم
قال بعضهم:

((ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد بن حنبل, ولا أكرم أحداً مثله، كان يقعده إلى جنبه, ويوقره, ولا يمازحه))
أخوانا الكرام، إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، إنسان مسلم, وقور, مستقيم، هل تصدق أنك إذا أكرمته, فكأنك أكرمت الله عز وجل؟ مجتمع المؤمنين مجتمع منضبط، مجتمع فيه محبة، فيه توقير، فيه احترام، فيه مهابة .
والله مرة دخلنا إلى بيت, أذكر ذلك كثيراً، أحد أخواننا أحب أن يشتري بيتًا، فقال لي: هل تذهب معي لتشاهد البيت؟ قلت له: نعم، دخلنا إلى غرفة, فيها جهاز اللهو, مفتوح على مسلسل، وأمامه ولد مستلقٍ على ظهره، رجلاً فوق رجل, يتابع المسلسل، دخلت أنا، ومعنا اثنين، فلم يتحرك، ما هذا الأدب؟ أين أخلاق المسلمين؟ .
النبي الكريم رأى شاباً يمشي أمام شيخ، فقال له:
((من هو؟ قال: أبي، قال: لا تمشِ أمامه، ولا تقعد قبله، ولا تناده باسمه))
لنا أخ أرسلوه في بعثة إلى فرنسا في دورة تدريبية، قال لي: أحببت أن أتعلم البراتيك، وقف على نهر السين، ووجد شابًا هائمًا، يتعلق نظرُه بمياه النهر، فسأله عن اسمه، وعن مشكلته، قال له: آه, لي في الحياة أمنية واحدة، قال له: ما هي؟ قال: أن أقتل أبي، قال له : ولمَ؟ قال: لأني أحب فتاةً فأخذها مني، انظروا إلى هذا الأب، وإلى هذا الابن .
الأب في الإسلام مقدس، هل تصدقون أن الله سبحانه وتعالى ينتظر من عبده أن يذكره كما يذكر أباه؟ فهل ثمّة آية في هذا المعنى؟ قال تعالى:
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾

[ سورة البقرة الآية: 200]
معنى هذا أنّ الأب مقدس، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾

[ سورة التوبة الآية: 24]

بدأ بالأب، لأنه مصدر الاعتزاز الاجتماعي، أنا ابن فلان، وفي الفقه قضية تحيِّر الناس، وهي أنّ الابن إنْ مات في حياة أبيه، فأولاد هذا الابن المتوفى لا يرثون شيئاً، كيف؟ لكن فات هؤلاء حكمة الشارع العظيم، والنبي قال:

((العم والد))
لو أن هذا الأب نصيبه خمسون ألفًا، والأعمام أعطوا أولاد المتوفى خمسين ألفًا وانتهى الأمر، فالشرع قال: لا، الابن الذي يموت في حياة أبيه لا يأخذ شيئاً، لكن أعمام أولاده الصغار, مكلفون برعاية أولاد أخيهم, حتى نهاية الحياة، وهذا أفضل وأكمل، ولكن الناس الآن أكثروا في قطع الأرحام، ويجري العمل شرعًا بالوصية الواجبة، أما الأكمل أن العم والد، وعليه رعايتهم، وليأخذ هو الخمسين ألفًا من الميراث .

أقوال شتى :

يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمه دينها
يقول عبد الرزاق:

((ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل، وما رأيت مثلَه، وما قدم علينا مثلُه))
ربنا عز وجل يبعث على كل مائة عام, مَن يجدِّد لهذه الأمة دينها، وليس معنى هذا أنه واحد، لكن (مَن) تعني أكثر من واحد، وفي كل بلد, هناك رجل مجدِّد، كلما فرغ الدين من مضمونه، وبقي منه الطقوس، والشكليات، والحركات، والاحتفالات، والأناشيد، والولائم، والمزاهر، والكلابيات، والمسابح، والعطور، والمسواك، ولكن لا تقوى، ولا استقامة، تدخل إلى محل تجاري تجد: استقم كما أمرت، ومن تاب معك، والحقيقة لا تجد أيّةَ استقامة .
مرة كنت أصلي في مسجد، وهذه القصة قديمة من عشرين سنة، وهذا المسجد في أحد مصايف الزبداني، فمشيت مع رجل يتجه نحو سيارته، فلما وصلت, وكنتُ قد ظننته إنسانًا ملتزمًا, فوجدت امرأة متفلتة أشدَّ التفلت، كيف جمع بين خروج زوجته، وبين ارتياده المسجد؟.
قال يحيى بن معين:
((واللهِ ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، وليس في شرق ولا غرب مثله))
وقال بعضهم:
((أجاب أحمد بن حنبل عن ستين ألف مسألة بأخبرَنا وحدَّثنَا))
ستون ألفاً مسألة أجاب عنها بالأحاديث، أخبرنا وحدثنا، هؤلاء الذين يحملون السنة, أناس عظام جداً ، هؤلاء الذين نقلوا لنا سنة رسول الله, يجب أن نحترمهم احتراماً كبيراً .
قال بعضهم:
((أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خُيِّل إليَّ أن الشريعة لوح بين عينيه))
أي قضية يجبُّ عنها، وحاجة الناس إلى العالم كحاجتهم إلى الهواء، حاجة الناس إلى الدين حاجتهم إلى الهواء, لأنه كتلة من لحم ودم, فيها شهوات, تريد أن تأكل أطيب الطعام، تريد أن تتزوج، تريد أن تعلو في الأرض، فإذا كانت بلا منهج، فالفساد واقع، بلا منهج يعتدي، العدوان من لوازم أي إنسان يتحرك بلا منهج، فالمنهج أساسي .
وإليكم هذا السؤال: طريق كله منعطافات، وعلى اليمين وديان، وعلى الشمال جبال، وفي الطريق نفسه؛ صخور, وتلال، وحفر، فحاجة هذه المركبة إلى مقود ماسَّة وضرورية، وحاجتها إلى سائق حكيم لازمةٌ حتمًا، لمجرد أن يغفل السائق, يقع الحادث لا محالة، ولمجرد أن يتعطل المقود, يقع الحادث وقوعًا حتميًّا، والإنسان في الحياة الدنيا دونَه مزالق كثيرة، النساء مزلق، المال مزلق، التجارة مزلق، الزواج مزلق، النزهة مزلق .

((يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً, يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل))

الإمام أحمد حجة الله في خلقه :

قال إسحاق:

((إني لأقيس أحمد إلى كبار التابعين، وهو حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، ولا يُدرَك فضلُه))
أخواننا الكرام, هناك نقطة مهمة جداً: في كل مجتمع، في المدرسة، في كل دائرة، ومستشفى، لله عز وجل فيه حجةٌ على بقية الناس، يجعل هناك رجلاً مستقيمًا، والضغوط نفسها، ضِيق الدخل نفسه، القسوة نفسها، المغريات نفسها، ومع ذلك فالمؤمن علَم يطبِّق منهج الله عز وجل في كل مكان، في كل مجتمع، في كل مؤسسة، في كل مستشفى، في كل دائرة إنسان مستقيم .
أحياناً يقولون: في الغابات الكثيفة إذا قلعوا أشجار غابة، أو قلعوا أشجارًا للاستعمالات الخشبية, يُبقُون علامات، وحدودًا بين الأراضي، وربنا عز وجل في كل مجتمع له علامات، فالمؤمن حجة الله على مَن في هذه الدائرة، الكل يأخذون مالاً حراماً، وهو لا يأخذ، بل الدنيا تحت قدمه، أنت أنصحك لوجه الله: كن أنت الحجة، وإياك أن تكون أنت المحجوج .

نبوغ الإمام أحمد :

قال بعضهم:

((لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمه))
هذا الكلام أسوقه للآباء ، أحياناً يكون للأب طفل؛ فيه تفتح كبير، وذكاء، وطيب، وبراءة، فهذا الطفل له مستقبل كبير، فإياك أن تسوقه وأخوته بعصًا واحدة، إذا توافرتْ في الطفل علائمُ الذكاء, والنجابة, وطلب العلم، وحَفِظَ كتابَ الله صغيرًا، فهذا الطفل يجب أن تكرِّس كل حياتك من أجله، وانتبِهْ فقد يكون داعية كبيرًا، أو مصلحًا اجتماعيًا بارزًا، أو معلمًا جليلاً، وكل هذه الخصائص والأعمال في صحيفتك، أسوق هذه النصيحة للآباء الذين عندهم أبناء متميِّزون، ألمعية، تعلق بالدين .
كرّس حياتك لطفلك الذكي
أجد عندنا كثيرًا من الأخوة الصغار الذين أسمع منهم إجاباتٍ صعبٌ أنْ تُصدَّق، إجابة محكمة دقيقة، بلغة فصيحة، وهم صغار جداً، وهذه علامات نجابة، فكل أب له ابن بهذا المستوى, يجب أن يقف حياته، وإمكاناته, وكل جهوده, من أجل تفجير طاقات ابنه، ليكون امتدادًا له، وليكون خليفة له .
قال بعضهم:
((لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمه))
وربنا عز وجل له حكمة بالغة، يعطي مؤشرات مبكرة، فترى في الطفل النجيب علائم النجابة في سن مبكرة، نحن يهمنا أن نكشف العبقريات، نكشف الطاقات العالية، نكشف الألمعية في الأبناء، فكل أب يهمل ابنه, والله يعد في حقه مجرماً، لأن الابن أكبر ثروة يملكها الأب, والدليل اسمعوا هذا الحديث:
((خير كسب الرجل ولده))
الإنسان قد يحصل مالاً، يكسب سمعة، تجارة واسعة، مرتبة علمية عالية، ينشئ مسجدًا، يعمر ميتمًا، يؤلف كتابًا، النبي يقول:
((خير كسب الرجل ولده))
اهتم بدين أطفالك وليس دنياهم فقط
من ربّى ولده صغيراً سُرَّ به كبيراً، يدخل على قلب الأب من السرور والبهجة الشيء الكثير, إذا رأى ابنه مؤمناً, مستقيماً، صالحاً، متوازناً، ممّا لا سبيل إلى وصفه, وإذا اختار أن يغترب إلى بلاد المشركين ، واكتشف أن لابنته صاحباً، أو أن ابنه ينحرف انحرافاً خطيراً، أو انحرافاً شاذاً، يدخل على قلبه من الألم ما لا سبيل إلى وصفه، فالآباء إذا أرادوا أن يسعدوا, فعليهم بتربية أبنائهم على القيم الإسلامية، وإذا أرادوا أن ينجوا من الكآبة, فليُرَبُّوا أبناءهم تربية رشيدة حكيمة، لذلك هناك مثل بسيط في التعليم .
إذا كان لدى الطالب امتحان في هذا الكتاب، فيمكنه أنْ يستلقي، ويقرأه تصفحًا، فإذا أمكن أن نعطي للجهد وحدات, نقول: لقد بذل جهداً في قراءة هذه الكتاب، فالقراءة الأولى بنسبة خمسة بالمائة، بعد أن ينتهي من قراءته, لم يذكر ولا كلمة منه، وكأنه لم يقرأه، أما إذا جلس على طاولة، وأمسك بيده قلم رصاص، ولخص كل فكرة، ووضع خطًّا تحت الأفكار الرئيسية، ووضع أسئلة مقترحة في كل فصل، وأعاد الأفكار، وكتبها، فقدْ بذل خمسة وثمانين بالمائة من الجهد، بمعنى أنه يمكن أن يذكر كلَّ أفكار الكتاب .
الشيء نفسه في تربية الأولاد, يمكن أن تبذل جهدًا بسيطًا في تربية الأولاد، كأنْ يسأل الأبُ ابنَه: هل نجحت يا بني؟ فيقول: نعم، نجحت، تسأل والدَه: في أي صف ابنك؟ يقول: واللِه لا أذكر، ثم يسأل ابنَه: يا بني, أنت في أي صف أنت؟ فلا يعرف ابنه في أي صف هو، نجح أم لم ينجح، هذه مشكلة، أما عندما يكون للأب عناية بالغة، ولاسيما في دين الابن، انظر كيف أنّ أكثر الناس يهتمون بدنيا أبنائهم، ولا يهتمون بدينهم، فإذا أهملوا دين أبنائهم، وتفلَّت أبناؤهم من منهج الله, يشبُّون وهم لا يعرفون حق آبائهم، أحياناً أب يقف حياته كلها من أجل ابنه، فيسافر خارج البلاد، ويتزوج بأجنبية، ويأخذ إقامة دائمة، وينسى أباه وأمه ، وكأن الذي ربّاه ما فعل شيئاً، إذًا: الإسلام منهج كامل .

عطر جلستك بذكر الصالحين :
قال بعضهم:
((إني لأتزين بذكر أحمد بن حنبل))
بصراحة هل يوجد رجل منا ليس له سهرة مع أقربائه، أو لقاء، أو وليمة، أو أمسية، أو نزهة؟ لا تجد إنسانًا إلا وعنده أقل من لقاء أو لقاءين في الجمعة مع أقربائه، هذا اللقاء ماذا ينبغي أن تقول فيه؟ هناك موضوعات تبعث في النفس الضيق، التشاؤم، والسوداوية، وهناك موضوعات تزين المجلس، بل إن عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات، فحاولْ في كل جلسة أن تحدث الناس عن عالم جليل، له أعمال طيبة، له موقف نبيل، له كرم، له شجاعة، له فصاحة، له قوة منطق، حاول أن تذكر أشخاصاً تفوقوا على أقرانهم, ترى أن الناس تعلقوا بهم, واستبشروا .
والحقيقة: أنّ الإنسان إما أن يرتفع، وإما أن يسقط، إذا حدثتنا عن الساقطين نسقط معهم، وإن حدثتنا عن المتألقين نتألق معهم، إن حدثنا عن أناس انحرفوا, لعل الانحراف يُزَيَّنُ لنا، لذلك اجتهدْ أن تجعل في كل مجلس حديثاً عن الصالحين، وصحابة رسول الله يشغلون قمة القائمة .

ماذا تفهم من هذا القول ؟

قال أحدهم:

((دخلت على ذي النون السجن، ونحن بالعسكر، فقال: على أي حال سيدنا))
يعني أحمد بن حنبل، العظيم عظيم .
دخل السجن قالوا: إذا لسعت الحشرة حصاناً, تبقى الحشرة حشرةً، والحصان حصاناً، لا ينتقص من قدر الحصان أنْ لسعته حشرة، ولا يزيد من قيمة الحشرة أنها لسعت حصاناً، الحشرة حشرة, والحصان حصان، العظيم عظيم لو دخل السجن، فقال: على أي حال سيدنا، يعني أحمد بن حنبل .

إليكم ما قاله الدهلي عن الإمام أحمد :

اقتدِ بشخص تذكرك رؤيته بالله
قال الدهلي:

((جعلت أحمد إماماً فيما بيني وبين الله))
أنت مؤمن تسعى إلى الله، فيجب أن يكون الشخص بينك وبين الله قدوة لك، تسأله فيجيبك، وتقتدي بأفعاله، وتتخلق بأخلاقه، وتأنس بالقرب منه، وتذكِّرك رؤيته بالله، فعن عمر بلفظ:
((خياركم الذين إذا رُؤوا ذُكِر اللهُ بهم))

[أخرجه البيهقي في سننه]

إذا رأى رجل شخصًا شهوانيًّا, تقفز نفسُه إلى الشهوات التي يمارسها، وإذا رأى إنسانًا حجمه المالي كبير, تقفز نفسه إلى بيته, وسيارته، وتجارته، وأرباحه، أما إذا رأيت ولياً لله تذكّرَ اللهَ مباشرةً، عن عمر بلفظ:

((خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم))

[أخرجه البيهقي في سننه]

ما توصل إليه أحمد من العلوم :

قال النسائي:

((جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث, والفقه، والورع، والزهد، والصبر))
ودائماً إنْ التقينا بإنسان علْمُه دقيق جداً، ولكن معاملته غير راقية, نقول: ليت أخلاقه كعلمه، أحياناً تلتقي بإنسان أخلاقه عالية جداً، لكن معلوماته متواضعة، تقول: ليت علمه كأخلاقه، أما هذا الإنسان فقد جمع بين المعرفة بالحديث، وبين الفقه, والورع، والزهد، والصبر، فهذه هي البطولة, لذلك لا ينصر هذا الدينَ إلا مَن أحاطه مِن كل جوانبه، ورع، وزهد، وصبر، وجرأة، واستقامة, وعلم، ومعرفة، وتحقق .

متى تألق الإمام أحمد ؟

عن المزني قال:

((سئِل عن أحمد بن حنبل: متى تألق؟ فقال: يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين))
الإنسان قد يتألق بموقف تألقًا رائعًا جداً، سيدنا أحمد بن حنبل تألق يوم المحنة، محنة خلق القرآن .

انظر إلى نصيحة العلماء فيما بينهم :

قال العباس: سمعت أبا جعفر الأنباري, يقول: لما حُمِل أحمدُ بن حنبل, -يراد به المأمون- أُخبِرتُ فعبرتُ الفرات إليه، فإذا هو في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر, تعني -أي أتعبت نفسك- فقلت: ليس هذا عناء، قال: فقلت له: يا هذا, الآن أبو جعفر الأنباري, لما علم أن أحمد بن حنبل, حُمل إلى المأمون, ليعترف أن القرآن مخلوق، وإلا أدخل إلى السجن, أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فو الله إن أجبت إلى خلق القرآن, ليجيبنَّ بإجابتك خلقٌ مِن خلقِ الله كثيرٌ .
في بعض البلاد الإسلامية أفتى عالِمٌ بجواز الفائدة، والإيداع بالبنوك، ففي اليوم التالي أُودِع في البنوك أربعة وثمانون مليارًا، ألم يقل له:

((يا غلام, إياك أن تسقط, قال: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط، الغلام قال: إني إنْ سقطتُ سقطتُ وحدي، ولكن إن سقطتَ أنتَ سقط معك العالَم))
بلد إسلامي صدرت فتوى من المفتي بجواز الاستثمار الربوي، فردّ عليه في اليوم التالي ثمانية وعشرون عالماً، لكن الأموال أودعت, وإن لم تُجِب, ليمتنعنّ خلقٌ من الناس كثيرٌ، ومع هذا فإن الرجل –المأمون- إن لم يقتلك، فإنك تموت، ولا بد من الموت، فاتَّقِ الله، ولا تجبهم إلى شيء، فجعل أحمد يبكي، وهو يقول: ما شاء الله، ما شاء الله .

انظر إلى طعام أحمد :

image
قال صالح بن أحمد بن حنبل ابنه الثاني:

((ربما رأيت أبي يأخذ الكسرة, ويجعلها في قصعة، ويصب عليها الماء، ثم يأكلها بالملح))
كان متقشفاً جداً، وكان يأكل من عمل يده، وكان دخله قليلاً، مع كل هذا العلو في الأرض، ومع كل هذه السمعة الطيبة، ومع كل هذا التعظيم, كان فقيراً .

الصفات الخلقية التي يجمعها الإمام أحمد في نفسه :

الحقيقة: أن الحديث عن هذا العالم الجليل حديث يطول، والأقوال فيه كثيرةٌ جداً، قال :

((كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جُهل عليه حلم، واحتمل، ويقول: يكفيني الله، ولم يكن بالحقود ولا العجول، كثير التواضع، حسن الخُلقِ، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظٍّ، وكان يحب في الله، ويبغض في الله، وإذا كان في أمرٍ مِن الدين, اشتد له غضبه، وكان يحتمل الأذى من الجيران))

وفاته :

يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل:

((توفي أبي رحمه الله يوم الجمعة ضحوةً، ودفناه بعد العصر, باثنتي عشرة ليلة من ربيع الآخر، سنة إحدى أربعين ومائتين للهجرة، وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وكنا قد صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار))
قال:
((مرض أبو عبد الله تسعة أيام، وكان ربما أذِن للناس, فيدخلون عليه أفواجاً، يسلمون عليه, ويردُّ بيده، وتسامع الناس، وكثروا، فأغلق الباعة دكاكينهم))
وقد قيل:
((مشى في جنازته أكثر من ثمانمئة ألف))

خاتمة الدرس :

أيها الأخوة، الناس بعلمائها، والعلماء بورعهم، ولا يكون العالم عالماً إلا إذا كان ورعاً، أمّا كمعلومات؛ فأيُّ إنسان يحصّل المعلومات، فهي ثقافة، أما قيمته ففي ورعه، والباب مفتوح، وكل إنسان ممكن أن يقتدي بهذا الإمام العظيم، وكلُّ إنسان يمكن أن يطلب العلم، ويتعلَّم, ويرقى عند الله، ودائماً المؤمن طموح، وعلو الهمّة من الإيمان، وهؤلاء الأعلام قدوة لنا, فأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهؤلاء الذين مضوا إلى ربهم، وقد تركوا آثاراً عظيمة، والإنسان قيمته بما أحدث من أثر .
ذات مرة أخ من أخواننا حضر فترة طويلة عندنا، ثم توفي، أخبرني ابنه صباحاً توجهت إلى موعد الصلاة عليه في جامع في آخر الحي، فأبَّنه رجل من أهل العلم، ماذا قال؟ قال: أخوكم أبو فلان، كان مؤذناً، ترحموا عليه، أنا دهشت إلى هذا التأبين السريع، إذًا: ماذا سيتكلم؟ هل يتكلم عن مساحة بيته؟ عنده تزيينات من جبصين، أثاث فخم جداً، كل دنياه غير خاضعة للحديث عنه، قلت في نفسي: اعمل عملاً يستطيع المؤبِّن أن يتكلم عنك بأقل مِن خمس دقائق، أنت سوف تؤبن فلانًا، ماذا ستقول عنه؟ إذا لم يكن له عمل صالح، فليس له أثر ، إذًا: فلتكنْ لك خدمة في سبيل الإسلام، لتُذكَر من خلالها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ, أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ, أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))

[أخرجه الترمذي, النسائي, أبو داود, الدارمي في سننهم]

مرة سألت طلابي سؤالاً, فقلت: أعطوني اسمَ تاجر كبير, عاش في الشام عام ألف وثمانمائة وخمسة وسبعين، انتظرت دقيقتين, فلم يجب أحد منهم، فقلت لهم: وأنا لا أعرف أحدًا، أما سيدنا عمر، صلاح الدين الأيوبي، أبو حنيفة، الشافعي، أحمد بن حنبل، فهؤلاء الرجال ذِكْرُهم على الألسنة، مِن هنا قال سيدنا علي:

((يا بني، مات خزان المال، وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر))
يقولون لك: عُقِد قرانٌ في الشيراتون، كلف ستين مليونًا، فالحديث عن هذا العقد، وعن هذا البذخ, حديث بمعرض الذم لا المدح، دفعٌ وذلٌّ، يروون أن إنسانًا دفع ليرةً ذهب، وغداً يدفع ليرتين ليس لها قيمة إلا مع الإخلاص، ومهما أردت أن تنتزع إعجاب الناس بالمال, طريق مسدود، لا ارتقاء فيه .
وقد دعيتُ إلى عقد قران يوم الجمعة عقب صلاة الفجر بمسجد, وكان هناك تجلٍّ عمَّ الحاضرين، ومن دون صالات، من دون تكاليف، فالأمور كلما تبسطت, كلما كانت أقرب إلى الواقع، فاللهم ألهمنا الرشاد والسداد .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02-11-2017, 09:26 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

السيرة- سيرة الأئمة الأربعة: الإمام مالك
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-08-18





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما هو عنوان هذا الدرس ؟

أيها الأخوة الكرام، آخر الأئمة الفقهاء الأعلام، الإمام الحافظ, شيخ الإسلام, أبو عبد الله, مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وهم حلفاء عثمان بن عبيد الله التيمي, أخو طلحة بن عبيد الله, أحد العشرة المشهود لهم بالجنة .
أيها الأخوة، ذكرت في الدرس الماضي: أن العبرة لا بالأشخاص، ولكن بالقواعد التي يمكن أن نستنبطها من حياة هؤلاء العظماء، لأن في حياة كل عظيم مبادئ، في حياة كل عظيم قيم، فنحن إذا وضعنا أيدينا على المبادئ التي اعتنقوها، والقيم التي حكمت أفعالهم, تعلَّمنا منهم الشيء الكثير .

ما قاله الشافعي عن الإمام مالك :

كل امام تفوق في شيء
الإمام أبو عبد الله الشافعي, يقول:

((إذا جاء الأثر فمالكٌ النجم))
بالمناسبة: هذا يقودنا إلى قول العلماء: بأن أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم معصومة بمجموعها, بمعنى أنها متكاملة، فكل إمام نبغ في شيء, فالأولى أن نعترف له فيما نبغ به، إمام آخر نبغ في شيء آخر، إذا انطلق المسلمون في علاقاتهم من أئمتهم, ومع دعاتهم، ومع علمائهم، إلى أن كل واحد منهم وفقه الله في باب من أبواب العلم، وتفوق فيه, وهو على علم بالأبواب الأخرى، فهنا التفوق، وأن هؤلاء العلماء متكاملون، يكمل بعضهم بعضا، وهم أُسرة واحدة، لكُنّا في خير كثير، ولكنّا في غنى عن كل هذه الخصومات، والتقييمات الساذجة التي تجري بين الدعاة .
الخطأ الكبير: أن تعتقد أن واحداً, يعلم كل شيء، فهذا شيء مستحيل، بل إنّ المقولة الصحيحة هي أنّ الإنسان الذي يعلم كل شيء لا يعلم شيئًا، الاختصاص أساسي في حياة الإنسان .
الكلمة: إذا جاء الأثر، يعني طرحت النصوص، أحاديث صحيحة, فمالكٌ النجم، الأول مثلاً: إذا جاء الاستنباط, فالإمام أبو حنيفة الأول، إذا جاء تاريخ الصحابة مثلاً: فالشافعي الأول, فكل إمام تفوق في شيء, وكان في الحد المعتدل في الأشياء الأخرى .

لولا مالك لذهب علم الحجاز :

قالوا:

((لولا مالك لذهب علم الحجاز))
علم الحجاز يعني علم الأثر، هؤلاء الذين نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الذين حفظوا الدين، لذلك علماء الحديث لهم فضل كبير، لأن الله عز وجل تولى حفظ القرآن الكريم، ومِن متممات حفظ القرآن الكريم حفظ سنة النبوية، وهؤلاء العلماء الأعلام الذين حفظوا السنة لهم فضل على هذه الأمة .

أئمة الناس في زمانهم, من هم ؟

وقال بعضهم:

((أئمة الناس في زمانهم أربعة؛ الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بالبصرة))
أي أن الله عز وجل رب العباد جميعاً، يحب كل عباده، لذلك الدعاة, والعلماء، والمصلحون، والقضاة، والمفتون، والمجتهدون، هؤلاء المجددون للدين، وزَّعهم ربنا جل جلاله توزيعاً جغرافياً، واللهُ عز وجل أجلُّ وأكرمُ مِن أن يخص بلدةً واحدة بكل العلم، وأن يحرم الباقين من العلم، يوجد توزيع دقيق جداً .
لذلك استمعوا إلى مقولة أحد العلماء: لا يستطيع إنسان مهما علا شأنه أن يحتكر الدين، لا إنسان, ولا جماعة، ولا طائفة، ولا مذهب، ولا قطر، ولا مصر، ولا إقليم، ولا حقبة ، ولا فئة، ولا أمة، الدين كالهواء للناس، لا يمكن أن يحتكر، الله عز وجل يجعل في كل بلد، وفي كل إقليم، وفي كل حي علمًا وعلماء .
وأنا أقول لكم في كل بلد إسلامي, علماء مخلصون, عاملون، يؤدون واجباتهم التي أوكلها الله إليهم، فمن السذاجة أن تقول: الدين في هذا المكان، وليس في أي مكان آخر، لكنْ قد يشتد الإقبال على الدين في بلد، ويقلّ في بلد آخر، أمّا أن ينعدم, فهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على خلقه دائماً، كيف تقام الحجة على خلقه؟ بأنْ يكون في كل مكان علماء عاملون .
الشيخ محيي الدين له كلمة مكتوبة إلى جانب قبره:
لكل عصر واحد يسمو به وأنا لهذا العصر ذاك الأوحد
نحن لا علاقة لنا بهذه الشطحة، ولكن لكل عصرٍ مسلم يسمو به الله، جعل لكل عصر من ينهض بهذا الدين، من يجدد هذا الدين، من يعيد إلى الدين صفاءه، من يعيد إلى الدين نقاءه ، من يضع يده على جوهر الدين، من يبث به الروح التي فقدت مع تأخر الأيام، هذه النقطة الثانية، أنا أذكر الأقوال, وأنطلق منها, إلى قواعد عامة .

الشافعي يعترف بالفضل لمالك عليه :

يعرف الفضل أهل الفضل
وقال ابن أبي عمر العدني سمعت الشافعي, يقول:

((مالك معلمي، وعنه أخذت العلم))
فإذا اعترفتَ بالفضل لأولي الفضل, فهل تقلُّ مكانتك؟ أبداً، إذا اعترفت أنك استفدت من هذا العالم, وأنك أخذت العلم عنه, فهل هذا يدعو إلى أن تجرح مكانتك بين الناس؟ كلا .
كان صلى الله عليه وسلم يجلس إلى جانبه سيدنا علي كرم الله وجهه، فلما دخل أبو بكر, قام له, فتبسم النبي, وسرَّ سروراً عظيماً، فعن أنس رضي اللّه عنه:
((إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ لأَهْلِ الْفَضْلِ أَهْلُ الْفَضْلِ))
.
فجزءٌ من علمك أن تعرف أخبار الآخرين، جزء من دينك أن تنصف الناس، جزء من عدالتك, ألاَّ تجحد فضل أحد .

انظر إلى أدب مالك مع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام :

الآن استمعوا إلى هذا الأدب الرفيع، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

[ سورة الحج الآية: 32]

كان مالكُ بن أنس, إذا أراد أن يخرج ليحدثُ الناس, توضأ وضوءَه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوةً، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك, فقال:

((أوقِّر به حديث رسول الله))
أكاد أقول لكم: بقدر معرفتكم بالله، وتعظيمكم له, تعظمون شعائره، هل تصدقون: أن الإنسان إذا ألقى المصحف على الطاولة إلقاءً, يريد بهذا أن يهينه, فقد كفر؟ هذا كفرٌ عملي، هناك كفر قولي، وهناك كفر سلوكي، فيكفي أن تضع المصحف على الطاولة بعنف, أنْ يكون كفرًا عمليًا .
مثلاً: أكثر الناس يقول لك: في السوق أدفع بالتي هي أحسن، ويكون له دينٌ على رجل، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن تستخدم آية من القرآن الكريم لغير ما أنزلت له، كذلك لك صديق اسمه يحيى، فتقول: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، هذا استخفاف بالقرآن الكريم، لا تستخدم آية لشأن من شؤون حياتك، فلذلك كلما ازداد الأدب في الإنسان, عبر عن عِظَمِ إيمانه بالله عز وجل .
هناك صحابي جليل يقول:
((والله منذ صافحت يدي هذه يدَ رسول الله, ما مست عورتي طول حياتي))
هذه اليد التي صافحت يدَ رسول الله, أبقاها طاهرةً نقيةً من كل شيء يشينها .
للإمام مالك وصفٌ آخرُ:
((كان مالك بن أنس: إذا أراد أن يجلس للحديث؛ اغتسل، وتبخر ، وتطيَّب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه؛ زجره))
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 2 ]

أين توقير النبي؟ هذا حديثه، كان يفهم من هذه الآية: أن الإنسان إذا جلس في مجلس حديث رسول الله, لا ينبغي أن يرفع صوته, لأنك في حياة النبي, لا ينبغي أن ترفع صوتك أمامه، وبعد حياة النبي, لا ينبغي أن ترفع صوتك في مجلس يتلى فيه حديثه، أرأيتم إلى هذا الأدب؟ هذا أدب آخر .

مالك من أولئك العلماء الذين يعلمون بعلم الرجال :

قالوا:

((ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وما أشد علمه بشأنهم))
لأن هذا الحديث أساسه السند، فإذا كان الإنسان كذابًا، مزورًا، مدلسًا، مشكوكًا في أخلاقه, تكلموا فيه جرحًا وتعديلاً .
وبالمناسبة: علماء الحديث يقيِّمون الناس وفق مبدأين؛ العدل والضبط، العدل صفة نفسية، والضبط صفة عقلية، قد يكون الإنسان شديد العدالة، لكنه ضعيف الضبط، قد يكون شديد الضبط, ضعيف العدالة، وكلكم يعلم أن العدالة تسقط وتجرح .

((مَن عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم، وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوَّته، وحرمت غيبته))
معنى هذا أن الظلم يسقطها ، والكذب يسقطها، وإخلاف الوعد يسقطها .
لديك كأس بللور، أتيت بمطرقة، وحطمتها، فهذا معناه سقوط العدالة، وأحياناً هذه الكأس تُشعَر، وتبقى كأساً، إلا أنه سقطت قيمتها، العدالة إما أن تسقط, أو أن تجرح، تجرح بأشياء كثيرة تعرفونها جميعاً، وذكرتها لكم كثيراً, ولقد ذكرها المحدِّثون والفقهاء، تجرح بأكل لقمة من حرام، تجرح بتطفيف بتمرة، تجرح بحديث عن النساء، بتنزه في الطرقات، بصحبة الأراذل، تجرح في المشي حافياً، في البول في الطريق، تجرح بارتفاع الصوت في البيت، تجرح بإطلاق البرذون، أو إطلاق العنان للفرس، هذه كلها تجرح العدالة .
لذلك: كان الإمام مالك مِن أعلم العلماء بالرجال، والحقيقة: هذا علم تنفرد به الأمة الإسلامية، فلا توجد أمة عندها علم الجرح والتعديل إلا الأمة الإسلامية، وكذلك علم الرجال كالأمة الإسلامية، لدرجة أن الذي يكذب على فرسه, لا يمكن أن يأخذ المحدِّثون عنه حديث رسول الله، أوهَمَهَا أن في ثوبه شعيراً كي تأتي إليه، فلما وصل إليه طالب العلم لم يجد الشعير، فتركه وعاد إلى المدينة، عاد إلى المدينة من البصرة، قضى فيها أشهرًا في طريقه إلى البصرة, ليتلقى حديثاً عن رجل، فإذا بهذا الرجل, يكذب على فرسه، فتركه وعاد إلى بلده.

سؤال وجه إلى مالك :

سُئل مالك عن رجل:

((أتعرف فلانًا؟ فقال مالك: أرأَيتَه في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقةً, لرأيته في كتبي))
شيء رائع جداً أنه ما ذكر في كتبه إلا رجالاً ثقاة .
وقال علي:
((لا أعلم مالك ترك إنساناً, إلا إنساناً في حديثه شيء، يعني صفة غير لائقة))
نحن في الحقيقة مدينون بالفضل إلى علماء الحديث، لدرجةٍ تفوق حد الخيال، لأنهم الذين حفظوا الدين لنا، لأن القرآن الكريم أحكام كلية، بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، وفصّلها، وقيد مطلقها، خصص عامها، حدد مفاهيمها، فإذا ضاع الحديث, ضاع الدين، والله عز وجل يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر الآية: 7]

قال:

((كل من روى عنه مالك بن أنس فهو ثقة))
وله كتاب شهير اسمه: موطأ الإمام مالك ، كلكم يعرف ذلك .

من فتاوى مالك :

قال:

((سأل أحدهم: مَن في المدينة اليوم يفتي؟ قال: ما ثم مثل فتىً من ذي أصبح, يقال له: مالك بن أنس))
حتى درجتْ تلك المقولة الشهيرة:
((لا يُفتَى ومالك في المدينة))
.
يقال: إن من أدق فتاويه:
((أن مغسلةً كانت تغسل امرأةً، -واللهُ أعلم بصحة هذه القصة، لكن لها معنى دقيق- يد هذه المغسلة التصقت بجسد الميت، ولا سبيل إلى نزعها، جرت محاولات يائسة، ويد المغسلة وجسم الميتة شيء واحد، اقترحوا قطع لحم الميتة، أو اقترحوا قطع جزء من يد المغسلة، ثم سألوا الإمام مالك, فقال: هذه المغسلة اغتابت هذه الميتة، واتهمتها بالزنا، فقال: اضربوها ثمانين جلدة، ومع الضربة الثمانين, فَكَّتْ يدها عن جسدها))
قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

[ سورة النور الآية: 23]

قذف المحصنة يهدم عمل مئة سنة
هذا من فتاوى الإمام مالك، لأن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة، فقبل أن تتهم امرأة بالزنا, عدَّ إلى المليار، إلا أن ترى بعينك كل شيء، وليس سمعت, وقيل، لا تجد إنسانًا ليس له خصوم، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 6]

قضية أعراض المسلمين لها عند الله شأن كبير، قال تعالى:

﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾

[ سورة النور الآية: 15]

فلذلك صوناً لأعراض الناس، ومنعاً للقيل والقال، ومنعاً للإنسان أن يخوض فيما لا يعينيه الشرع، قرَّرَ الشرعُ أنّ من قَذَفَ محصنةً, جُلِد ثمانين جلدة .
وأغرب من ذلك: لو أن ثلاثة رجال رأوا بأعينهم حادثة الزنا، ولم يأتوا برابع, جُلِدَ الثلاثة، فالشرع دقيق، وأعراض المسلمين ليست مباحة، ولا يجوز أن تلوكها الألسن، الإنسان قبل أن يقول: جارتنا، زوجة فلان، ويعمل الصدرَ من قميصه هكذا، فاحفظوا هذه المقولة:

((قذفُ محصنةٍ يهدم عمل مائة سنة))

إذا لم يدون العلم يضيع :

قدم علينا الزهري، فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدثنا نيفاً وأربعين حديثاً، ثم أتيناه الغد، فقال:

((انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم به أمس, أي شيء في أيديكم منه؟ فقال له ربيعة: قيِّدوا العلمَ بالكتابة))
.
اُكتب اجمل ما قرأت
هذه نقطة دقيقة جداً: حينما تقرأ على أخوانك من كتاب، ومعهم الكتاب نفسه, فهذا مدعاة إلى حفظ الدرس، لذلك قيدوا العلم بالكتابة، كل ما ليس في القرطاس ضاع، القاعدة الذهبية: اكتبْ أجمل ما قرأت، واحفظْ أجمل ما كتبت، فلا تجد إنسانًا يريد أن يتحدث للناس بالحق, إلا ويحتاج إلى كتابة، وتذكرة، أوراق بين يديه، دفتر صغير .
الإنسان أحيانا يسمع حديثًا شريفًا رائعًا، يعجب به آنياً، يطلبه بعد ساعة, ولا يكون قد حفظه، يقول لك: هذا الدرس جميل جدا،ً ولكنني لا أتذكر منه شيئًا، هل مِن المعقول أن تسمع طول عمرك؟ إلى متى؟ ألا ينبغي أن تلقي؟ أنت الآن محسوب على المسلمين، طالب علم، لك شيخ، تتعلم، أين أنت في الجامع؟ من أين أتيت؟ مِن الجامع، ألا يجب أن تحفظ شيئًا من الجامع, إذا جلست مع أهلك في دعوة، أو نزهة، أو حفلة، أو عقد قران, فحدِّثهم مما حفظتَ.
وفي النهاية الذاكرة مهمة جداً، إذا سمع الإنسان شيئًا، وكتبه في دفتر صغير، سمع حكمة، سمع مقولة، سمع حديثًا أو آية فكتبها، فلْيراجعها، درس الجمعة درس تفسير، ومعكم مصاحف، فإذا رجع الإنسان إلى البيت، وراجع الآيات، حول هذه الآية قيل: كذا وكذا، وحول هذه قيل: كذا وكذا، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

العقل الذي كان يحويه مالك حتى قيل عنه أعقل الناس :

قالوا:

((قدم وكيع علينا، فجعل يقول: حدثني الثبت، فظننا أنه اسم رجل، فقلنا: من هذا الثبت أصلحك الله؟ قال: مالك بن أنس))
الثبت: أي الدقيق في حفظه، الدقيق في روايته، عدل في أخلاقه، ثبت في حفظه .
قال ابن المهدي:
((ما رأيت أحداً أعقل من مالك))

ما قيل عن مالك :

وهناك بعض الأقوال عن الإمام مالك, هي في الحقيقة منامات، وأنا ليس من عادتي أن أجعل من عماد الدرس الكرامات، ولا المنامات، مع أني أعتقد بها، الكرامة أعتقد بها, وأصدقها، ولا أرويها, إلا إن كان فيها نص صحيح، ولكن مثلاً, قال:
كنت عند مالك بن أنس, فأتاه ابن أبي كثير, قارئ أهل المدينة، فناوله رقعةً، فنظر فيها مالك، ثم جعلها تحت مصلاه، فلما قام من عنده ذهبتُ، فقال:

((اجلسْ يا خلف، وناولني الرقعة، فإذا فيها: رأيت الليلة في منامي, كأنه يقال لي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فأتيت المسجد, فإذا ناحية القبر قد انفرجت، وإذا رسول الله جالس، والناس حوله يقولون له: يا رسول الله مُرْ لنا، فيقول له: إني قد كنزت تحت المنبر كنزاً، وقد أمرت مالكاً أن يقسمه فيكم، فاذهبوا إلى مالك، فانصرف الناس, وبعضهم يقول إلى بعض: ما ترون مالكاً فاعلاً؟ قال بعضهم: ينفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع مالك بكى))
.
الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح, أو تُرى له, بشارة من الله، فإذا صلح حالُ الإنسان مع الله كثيراً، وأخ كريم رأى له رؤيا، وهي بشارة من رسول الله، أو من صحابي جليل، أو من عالم جليل، أو رآه في حالة جيدة، ونقلها له، فهذه بشارة، فكأن هذا المنام بشارة لسيدنا مالك, أن له مقام رفيع عند رسول الله، ونسأل الله أنْ يجعلنا من هؤلاء الذين يستحقون أن يُبَشَّروا، ولكن واللهِ لو أن إنسانًا أكرمه الله بأن يرى رسول الله في المنام، فلعله يبقى أشهرًا تلو الأشهر، وهو منغمس في سعادة لا توصف، لأن سيد الخلق, قمة البشر في حبه, وفي أحواله, وفي إقباله، وفي سعادته .

أمر ليس بمستغرب عن الإمام مالك :

لا تخجل من قول لا أعلم
قال أحد العلماء:

((سمعت مالكاً سُئِل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري))
الإمام مالك, إمام دار الهجرة، العالم الفذ، الراوي، المحدث، المجتهد ، قال: لا أدري .
فوطِّنوا أنفسكم أن نصف العلم لا أدري، ومن قال: لا أدري, فقد أفتى، فلا تخجل، قل: لا أدري، وأنت عالم، أما إذا تكلمت بكلام على عواهنه, فهذا هو الجهل بعينه، والعياذ بالله، فإما أن تفتي بعلم، وإما أن تفتي بجهل، وأما الثالثة فإجرام، بأن تفتي بخلاف ما تعلم، تعلم حكمًا شرعيًّا، ولكن لمصلحة دنيوية, تفتي بخلاف ما تعلم .
إنْ أفتيتَ بعلم نجوت، وإنْ أفتيتَ بجهل سقطت، وإنْ أفتيتَ بخلاف ما تعلم, فقد أجرمت.
وفي قول آخر:
((قدمت على مالك بأربعين مسألة، فسألته عنها، فما أجابني منها, إلا بخمس مسائل))

رؤيا رآها الإمام مالك :

يروى أن الإمام مالكًا, رأى في النوم ملك الموت، وهذا موضوع الاختصاص، فقال:

((يا ملك الموت، كم بقي لي من عمري؟ ففعل هكذا، وأشار بأصابعه الخمسة، فلما استيقظ ازداد قلقاً، يا ترى خمس سنوات، أم خمسة شهور، أم خمسة أسابيع، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات .
فذهب الإمام مالك إلى إنسان -مختص في تفسير الأحلام- هو ابن سيرين، وقال له: فسر لي هذه الرؤيا، قال: يا إمام، يقول لك ملك الموت: إن هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله، -وهذا من الاختصاص في الدين-، فزال اضطرابه))

مالك حجة الله في خلقه :

قال بعض العلماء:

((مالكٌ من حجج الله على خلقه))
قال الله عز وجل:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 83]

ليس في الإسلام مؤمن صادق إلاّ ومعه حجة قوية، وإلا أصبح الدينُ لا معنى له، صالح فقط، آدمي يخاف من الله، وإذا ناقشته يرتدع، هذا عابد، وليس عالمًا، ولكنَّ عالمًا واحدًا أشد على الشيطان من ألف عابد .

ما قاله ابن الفرات عن الإمام مالك :

قال ابن الفرات:

((إذا أردت الله والدار الآخرة فعليك بمالك))
هذا الكلام شرعي, هناك دليل قرآني على شرعيته، إذا أردت الله والدار الآخرة فعليك بمالك، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[ سورة الكهف الآية: 28]
إذا أردت الله والدار الآخرة, فابحث عن رجل تثق بعلمه, وإخلاصه، وورعه، واستقامته، فألزمه، وخذ عنه، واسأله، واجعله قدوةً لك .

الوجه الذي كان يتمتع به الإمام مالك, والنظافة التي كانت تسمو عليه :

وقال أبو عاصم:

((ما رأيت محدثاً أحسن وجهاً من مالك))
الله عز وجل لحكمةً أرادها, جعل وجه المخلص متألقًا، وجعل وجه العاصي ترهقه غبرة، أولئك هم الكفرة الفجرة .
إذا كان الإنسان مرتكبًا معصية, فآثار معصيته تبدو على وجهه .
يروى أنه دخل رجل على سيدنا عثمان, فقال:
((أيدخل علينا رجل, وأثر الزنا في عينيه! فقالوا: أوحي بعد رسول الله؟! قال: لا، ولكنها فراسة صادقة))
أصلحوا حالكم ولباسكم
ترى العاصي على وجهه قتامة، وجهه جامد، وفيه فتور، والطائع وجهه متألق، جرِّب، واقرأ القرآن الكريم بإخلاص، صلِّ الصلاة بإتقان، تهجد، ابتهل, وانظر في المرآة, ترى جمالاً وتألقاً, لم تعهده من قبل، وقالوا: الوجه صفحة النفس .
النبي صلى الله عليه وسلم كان وجهه كالقمر ليلة البدر .
وقال:
((ما رأيت بياضاً ولا حمرةً أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياضًا ببياض ثوب منه))
وجه متألق، وثوب نظيف، من الذي قال لك: أنّ الإنسان كلما كان مهمِلاً لمظهره, فهو وليٌّ لله؟ هذه مقولة شيطانية، كان عليه الصلاة والسلام يُعرَف بريح المسك، كان يقول:
((فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ, وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ, حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ, فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ))

[أخرجه أبو داود في سننه]

أنت تمثل الدين، أخواننا الذين خدموا الخدمة الإلزامية، في النظام العسكري يعرفون أنّ ضابطًا برتبة ملازمٍ فما فوق, لا يُسَمح له أن يركب دراجة ونحوها، ممكن للمسلم أن يكون له زيٌّ إسلامي، مظنة صلاح .
أنا مرة أحد أقربائي توفي، فذهبت إلى متابعة المعاملة، لحق بسيارتي خمسة وعشرون شخصًا، كلهم قراء القرآن الكريم، يتزاحمون ليقرؤوا في المساء, أيْ يقرؤون القرآن في بيت الميت, فهل هذا يليق بهؤلاء؟ الذي يحفظ كتاب الله, لا ينبغي أن يكون هكذا .
ترى شخصًا بأي سلك محترمًا، إذا كان موظفًا مثلاً في شركة محترمة, فيُمنَع أن يلبس قميصًا مزركشًا، وإذا كان للمرءِ علاقات رسمية, يجب أن تكون ثيابه كاملة، هذه قواعد ، فماذا بمن يعمل في الحقل الديني؟ لديه إهمال، أيضا ًالمظهر اللائق في الحياة الاجتماعية له اعتبار .

الأسئلة التي سئل بها الإمام مالك :

سئل مالك عن الزهد, فقال:

((طيب الكسب، وقصر الأمل))
هذا هو الزهد عند مالك .
الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله, قال:
((سألت مالكاً عما يترخص به أهل المدينة من الغناء ، فقال الإمام مالك: إنما يفعله عندنا الفساق))
هذا رأي الإمام مالك في الغناء .
وقال الإمام مالك:
((إن الرجل إذا أخذ يمدح نفسه ذهب بهاؤه))
وجاء رجل إلى الإمام مالك, فقال:
((يا أبا عبد الله, الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد في شيء كوجده من مقالتي -انزعج- أطرق بعض الوقت، و جعلوا ينتظرون ما يأمر به فيه، قالوا: ثم سري عنه, فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً))
وهذا رأي أهل السنة والجماعة في عدة آيات قليلةٍ جداً تتعلق بذات الله، إما أن نوكل تأويلها إلى الله، وإما أن نؤولها وفق كمال الله، أما أن نعطلها أو نجسدها, فقد وقعنا في الضلالة .
وقال القاضي عياض:
((يا أبا عبد الله، يخاطب الإمام مالك: وجوه يومئذٍ ناضرة, إلى ربها ناظرة، أينظرون إلى الله؟ قال: نعم، قالوا: بأعينهم هاتين؟ قلت: فإن قومًا يقولون: إنها ناظرةً بمعنى أن منتظرةٌ الثواب، قال: بل تنظر إلى الله، أما سمعت قول موسى:

﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 143]

أتراه سأل محالاً؟ لكن الله تعالى قال: (لن تراني) أي في الدنيا، لأنها دار فناء، فإذا ساروا إلى دار البقاء, نظروا بما يبقى إلى ما يبقى، وقال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

[ سورة المطففين الآية: 15]

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

[ سورة القيامة الآية: 22-23] فينظرون إلى وجهه الكريم .

وفاته :

وقال محمد بن سعد:

((اشتكى مالك أيامًا يسيرة، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت ، فقالوا: تشهَّد، ثم قال: لله الأمر من قبل, ومن بعد))
وتوفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول, سنة تسع وسبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد، وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو يومئذٍ والٍ على المدينة، ودفن بالبقيع، وكان ابن خمس وثمانين سنة .

رؤيا وردت عن أحدهم عن الإمام مالك :

قال أسد بن موسى:

((رأيت مالك بن أنس بعد موته, وعليه ثياب خضر, وهو على ناقة تطير بين السماء والأرض, فقلت: يا أبا عبد الله, أليس قدَّمت؟! قال: بلى، قلت: إلامَ صرت؟ قال: قدمت على ربي، وكلمني كفاحاً, وقال: سلني أعطكَ، وتمنَّ عليَّ أُرضِك))

الخاتمة :

أخواننا الكرام، كل شيء يمضي، لا يبقى إلا العمل الصالح، فهنيئاً لمَن عرف الله، ولمن أطاعه، ولمن أفنى عمره في طاعته، ولمن قدم الغالي والرخيص, والنفس والنفيس في سبيل الله، واللهُ عز وجل يكافئ على الحسنة أضعافاً مضاعفة .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 02-12-2017, 11:29 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

كل السير المذكورة ليس المهم حفظ اسماء الاشخاص او مناصبهم او التواريخ ولكن المهم هو اخذ العبر والحكمة من سيرهم والله الموفق

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 03-10-2017, 12:07 AM
أبو ياسر أبو ياسر غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Feb 2014
المشاركات: 1,080
معدل تقييم المستوى: 6
أبو ياسر is on a distinguished road
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

أحسنتم النشر أخي الكريم فهذه المعلومات حقا مفيدة وعلينا التعلم من سيرة هؤلاء الرجال العظام.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 03-10-2017, 12:13 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,273
معدل تقييم المستوى: 4
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة العلماء الاربعة رحمهم الله

نعم اخي ابو ياسر ولا نعلم ما واجهوه للوصول لهذا العلم الذي حصلوه ، حياك الله

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:46 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.